كتاب الأم/باب السلف والمراد به السلم/باب في الآجال في السلف والبيوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - باب السلف والمراد به السلم

المؤلف: الشافعي
باب في الآجال في السلف والبيوع

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وقول رسول الله ﷺ (من سلف فليسلف في كيل معلوم وأجل معلوم) يدل على أن الآجال لا تحل إلا أن تكون معلومة وكذلك قال الله جل ثناؤه {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى}.

[قال الشافعي]: ولا يصلح بيع إلى العطاء، ولا حصاد، ولا جداد، ولا عيد النصارى وهذا غير معلوم؛ لأن الله تعالى حتم أن تكون المواقيت بالأهلة فيما وقت لأهل الإسلام فقال تبارك وتعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وقال جل ثناؤه {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} وقال جل وعز: {الحج أشهر معلومات} وقال: {يسألونك عن الشهر الحرام} وقال: {واذكروا الله في أيام معدودات}.

[قال الشافعي]: فأعلم الله تعالى بالأهلة جمل المواقيت وبالأهلة مواقيت الأيام من الأهلة ولم يجعل علما لأهل الإسلام إلا بها فمن أعلم بغيرها فبغير ما أعلم الله أعلم.

[قال الشافعي]: ولو لم يكن هكذا ما كان من الجائز أن تكون العلامة بالحصاد والجداد فخلافه وخلافه قول الله عز وجل أجل مسمى والأجل المسمى ما لا يختلف والعلم يحيط أن الحصاد والجداد يتأخران ويتقدمان بقدر عطش الأرض وريها وبقدر برد الأرض والسنة وحرها ولم يجعل الله فيما استأخر أجلا إلا معلوما والعطاء إلى السلطان يتأخر ويتقدم وفصح النصارى عندي يخالف حساب الإسلام وما أعلم الله تعالى به فقد يكون عاما في شهر وعاما في غيره فلو أجزناه إليه أجزناه على أمر مجهول فكره؛ لأنه مجهول وأنه خلاف ما أمر الله به ورسوله أن نتأجل فيه ولم يجز فيه إلا قول النصارى على حساب يقيسون فيه أياما فكنا إنما أعلمنا في ديننا بشهادة النصارى الذين لا نجيز شهادتهم على شيء وهذا عندنا غير حلال لأحد من المسلمين.

[قال الشافعي]: فإن قال قائل فهل قال فيه أحد بعد النبي ﷺ؟ قلنا ما نحتاج إلى شيء مع ما وصفت من دلائل الكتاب والسنة والقياس وقد روى فيه رجل لا يثبت حديثه كل الثبت شيئا [أخبرنا] سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال. لا تبيعوا إلى العطاء، ولا إلى الأندر، ولا إلى الدياس [أخبرنا] سعيد بن سالم عن ابن جريج أن عطاء سئل عن رجل باع طعاما فإن أجلت على الطعام فطعامك في قابل سلف قال لا إلا إلى أجل معلوم وهذان أجلان لا يدري إلى أيهما يوفيه طعامه.

[قال الشافعي]: ولو باع رجل عبدا بمائة دينار إلى العطاء أو إلى الجداد أو إلى الحصاد كان فاسدا ولو أراد المشتري إبطال الشرط وتعجيل الثمن لم يكن ذلك له؛ لأن الصفقة انعقدت فاسدة فلا يكون له، ولا لهما إصلاح جملة فاسدة إلا بتجديد بيع غيرها.

[قال الشافعي]: فالسلف بيع مضمون بصفة فإن اختار أن يكون إلى أجل جاز وأن يكون حالا وكان الحال أولى أن يجوز لأمرين أحدهما أنه مضمون بصفة كما كان الدين مضمونا بصفة والآخر أن ما أسرع المشتري في أخذه كان الخروج من الفساد بغرور وعارض أولى من المؤجل [أخبرنا] سعيد بن سالم عن ابن جريج أنه سأل عطاء فقال له رجل سلفته ذهبا في طعام يوفيه قبل الليل ودفعت إليه الذهب قبل الليل وليس الطعام عنده قال: لا من أجل الشف وقد علم كيف السوق وكم السعر قال ابن جريج فقلت له لا يصلح السلف إلا في الشيء المستأخر قال لا إلا في الشيء المستأخر الذي لا يعلم كيف يكون السوق إليه يربح أو لا يربح قال ابن جريج ثم رجع عن ذلك بعد.

[قال الشافعي]: يعني أجاز السلف حالا.

[قال الشافعي]: وقوله الذي رجع إليه أحب إلي من قوله الذي قاله أولا وليس في علم واحد منهما كيف السوق شيء يفسد بيعا، ولا في علم أحدهما دون الآخر أرأيت لو باع رجل رجلا ذهبا وهو يعرف سوقها أو سلعة، ولا يعلمه المشتري أو يعلمه المشتري، ولا يعلمه البائع أكان في شيء من هذا ما يفسد البيع؟

[قال الشافعي]: ليس في شيء من هذا شيء يفسد بيعا معلوما نسيئة، ولا حالا.

[قال الشافعي]: فمن سلف إلى الجداد أو الحصاد فالبيع فاسد.

[قال الشافعي]: وما أعلم إما إلا والجداد يستأخر فيه حتى لقد رأيته يجد في ذي القعدة ثم رأيته يجد في المحرم ومن غير علة بالنخل فأما إذا اعتلت النخل أو اختلفت بلدانها فهو يتقدم ويتأخر بأكثر من هذا.

[قال]: والبيع إلى الصدر جائز والصدر يوم النفر من منى " فإن قال وهو ببلد غير مكة إلى مخرج الحاج أو إلى أن يرجع الحاج فالبيع فاسد؛ لأن هذا غير معلوم فلا يجوز أن يكون الأجل إلى فعل يحدثه الآدميون؛ لأنهم قد يعجلون السير ويؤخرونه للعلة التي تحدث، ولا إلى ثمرة شجرة وجدادها؛ لأنه يختلف في الشهور التي جعلها الله علما فقال {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} فإنما يكون الجداد بعد الخريف وقد أدركت الخريف يقع مختلفا في شهورنا التي وقت الله لنا يقع في عام شهرا ثم يعود في شهر بعده فلا يكون الوقت فيما يخالف شهورنا التي وقت لنا ربنا عز وجل، ولا بما يحدثه الآدميون، ولا يكون إلا إلى ما لا عمل للعباد في تقديمه، ولا تأخيره مما جعله الله عز وجل وقتا.

[قال]: ولو سلفه إلى شهر كذا فإن لم يتهيأ فإلى شهر كذا كان فاسدا حتى يكون الأجل واحدا معلوما.

[قال]: ولا يجوز الأجل إلا مع عقد البيع وقبل تفرقهما عن موضعهما الذي تبايعا فيه فإن تبايعا وتفرقا عن غير أجل ثم ألقيا فجددا أجلا لم يجز إلا أن يجددا بيعا.

قال: وكذلك لو أسلفه مائة درهم في كيل من طعام يوفيه إياه في شهر كذا فإن لم يتيسر كله ففي شهر كذا كان غير جائز؛ لأن هذين أجلان لا أجل واحد فإن قال أوفيكه فيما بين إن دفعته إلي إلى منتهى رأس الشهر كان هذا أجلا غير محدود حدا واحدا وكذلك لو قال أجلك فيه شهر كذا أوله وآخره، ولا يسمي أجلا واحدا فلا يصلح حتى يكون أجلا واحدا.

[قال الشافعي]: ولو سلفه إلى شهر كذا فإن حبسه فله كذا كان بيعا فاسدا، وإذا سلف فقال إلى شهر رمضان من سنة كذا كان جائزا والأجل حين يرى هلال شهر رمضان أبدا حتى يقول إلى انسلاخ شهر رمضان أو مضيه أو كذا وكذا يوما يمضي منه.

قال الشافعي]: ولو قال أبيعك إلى يوم كذا لم يحل حتى يطلع الفجر من ذلك اليوم، وإن قال إلى الظهر فإذا دخل وقت الظهر في أدنى الأوقات ولو قال إلى عقب شهر كذا: كان مجهولا فاسدا.

[قال الشافعي]: ولو تبايعا عن غير أجل ثم لم يتفرقا عن مقامهما حتى جددا أجلا فالأجل لازم، وإن تفرقا قبل الأجل عن مقامهما ثم جددا أجلا لم يجز إلا بتجديد بيع وإنما أجزته أولا؛ لأن البيع لم يكن تم فإذا تم بالتفرق لم يجز أن يجدداه إلا بتجديد بيع.

[قال]: وكذلك لو تبايعا على أجل ثم نقضاه قبل التفرق كان الأجل الآخر، وإن نقضا الأجل بعد التفرق بأجل غيره ولم ينقضا البيع فالبيع الأول لازم تام على الأجل الأول والآخر موعد، إن أحب المشتري وفى به، وإن أحب لم يف به.

[قال الشافعي]: ولا يجوز أن يسلفه مائة دينار في عشرة أكرار خمسة منها في وقت كذا وخمسة في وقت كذا لوقت بعده لم يجز السلف؛ لأن قيمة الخمسة الأكرار المؤخرة أقل من قيمة الأكرار المقدمة فتقع الصفقة لا يعرف كم حصة كل واحدة من الخمستين من الذهب فوقع به مجهولا وهو لا يجوز مجهولا والله تعالى أعلم.

[قال الشافعي]: ولا يجوز أن يسلم ذهب في ذهب، ولا فضة في فضة، ولا ذهب في فضة، ولا فضة في ذهب ويجوز أن يسلم كل واحد منهما في كل شيء خلافهما من نحاس وفلوس وشبه ورصاص وحديد وموزون ومكيل مأكول أو مشروب وغير ذلك من جميع ما يجوز أن يشترى.

[قال الشافعي]: وإنما أجزت أن يسلم في الفلوس بخلافه في الذهب والفضة بأنه لا زكاة فيه وأنه ليس بثمن للأشياء كما تكون الدراهم والدنانير أثمانا للأشياء المسلفة فإن في الدنانير والدراهم الزكاة وليس في الفلوس زكاة وإنما انظر في التبر إلى أصله وأصل النحاس مما لا ربا فيه فإن قال قائل فمن أجاز السلم في الفلوس؟ قلت غير واحد.

[قال الشافعي]: أخبرنا القداح عن محمد بن أبان عن حماد بن إبراهيم أنه قال لا بأس بالسلم في الفلوس وقال سعيد القداح لا بأس بالسلم في الفلوس والذين أجازوا السلف في النحاس يلزمهم أن يجيزوه في الفلوس والله تعالى أعلم. فإن قال قائل فقد تجوز في البلدان جواز الدنانير والدراهم قيل: في بعضها دون بعض وبشرط وكذلك الحنطة تجوز بالحجاز التي بها سنت السنن جواز الدنانير والدراهم، ولا تجوز بها الفلوس فإن قال الحنطة ليست بثمن لما استهلك قيل وكذلك الفلوس ولو استهلك رجل لرجل قيمة درهم أو أقل لم يحكم عليه به إلا من الذهب والفضة لا من الفلوس فلو كان من كرهها إنما كرهها لهذا انبغى له أن يكره السلم في الحنطة؛ لأنها ثمن بالحجاز وفي الذرة؛ لأنها ثمن باليمن فإن قال قائل إنما تكون ثمنا بشرط فكذلك الفلوس لا تكون ثمنا إلا بشرط ألا ترى رجلا لو كان له على رجل دانق لم يجبره على أن يأخذ منه فلوسا وإنما يجبره على أن يأخذ الفضة وقد بلغني أن أهل سويقة في بعض البلدان أجازوا بينهم خزفا مكان الفلوس والخزف فخار يجعل كالفلوس أفيجوز أن يقال يكره السلف في الخزف؟

[قال الشافعي]: رحمه الله: أرأيت الذهب والفضة مضروبين دنانير أو دراهم أمثلهما غير دنانير أو دراهم لا يحل الفضل في واحد منهما على صاحبه لا ذهب بدنانير، ولا فضة بدراهم إلا مثلا بمثل وزنا بوزن وما ضرب منهما وما لم يضرب سواء لا يختلف وما كان ضرب منهما ولم يضرب منهما ثمن، ولا غير ثمن سواء لا يختلف؛ لأن الأثمان دراهم ودنانير لا فضة، ولا يحل الفضل في مضروبه على غير مضروبه، الربا في مضروبه وغير مضروبه سواء فكيف يجوز أن يجعل مضروب الفلوس مخالفا غير مضروبها؟ وهذا لا يكون في الذهب والفضة.

[قال الشافعي]: وكل ما كان في الزيادة في: بعضه على بعض الربا فلا يجوز أن يسلم شيء منه في شيء منه إلى أجل، ولا شيء منه مع غيره في شيء منه وحده، ولا مع غيره، ولا يجوز أن يسلم شاة فيها لبن بلبن إلى أجل حتى يسلمها مستحلبا بلا لبن، ولا سمن، ولا زبد؛ لأن حصة اللبن الذي في الشاة بشيء من اللبن الذي إلى أجل لا يدري كم هو لعله بأكثر أو أقل واللبن لا يجوز إلا مثلا بمثل ويدا بيد وهكذا هذا الباب كله وقياسه.

[قال الشافعي]: ولا يحل عندي استدلالا بما وصفت من السنة والقياس أن يسلف شيء يؤكل أو يشرب مما يكال فيما يوزن مما يؤكل أو يشرب، ولا شيء يوزن فيما يكال لا يصلح أن يسلف مد حنطة في رطل عسل، ولا رطل عسل في مد زبيب، ولا شيء من هذا وهذا كله قياسا على الذهب الذي لا يصلح أن يسلم في الفضة، والفضة التي لا يصلح أن تسلم في الذهب والقياس على الذهب والفضة أن لا يسلف مأكول موزون في مكيل مأكول، ولا مكيل مأكول في موزون مأكول، ولا غيره مما أكل أو شرب بحال وذلك مثل سلف الدنانير في الدراهم، ولا يصلح شيء من الطعام بشيء من الطعام نسيئة.

[قال الشافعي]: رحمه الله ولا بأس أن يسلف العرض في العرض مثله إذا لم يكن مأكولا، ولا مشروبا أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء أنه قال لا بأس أن يبيع السلعة بالسلعة إحداهما ناجزة والأخرى دين أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء أنه قال له أبيع السلعة بالسلعة كلتاهما دين؟ فكرهه قال وبهذا نقول لا يصلح أن يبيع دينا بدين وهذا مروي عن النبي ﷺ من وجه.

[قال الشافعي]: وكل ما جاز بيع بعضه ببعض متفاضلا من الأشياء كلها جاز أن يسلف بعضه في بعض ما خلا الذهب في الفضة والفضة في الذهب والمأكول والمشروب كل واحد منهما في صاحبه: فإنها خارجة من هذا المعنى، ولا بأس أن يسلف مد حنطة في بعير وبعير في بعيرين وشاة في شاتين وسواء اشتريت الشاة والجدي بشاتين يراد بهما الذبح أو لا يراد؛ لأنهما يتبايعان حيوانا لا لحما بلحم، ولا لحما بحيوان وما كان في هذا المعنى وحشية في وحشيتين موصوفتين ما خلا ما وصفت.

[قال الشافعي]: وما أكل أو شرب مما لا يوزن، ولا يكال قياسا عندي على ما يكال ويوزن مما يؤكل أو يشرب فإن قال قائل فكيف قست ما لا يكال، ولا يوزن من المأكول والمشروب على ما يكال ويوزن منهما؟ قلت وجدت أصل البيوع شيئين، شيئا في الزيادة في بعضه على بعض الربا، وشيئا لا ربا في الزيادة في بعضه على بعض، فكان الذي في الزيادة في بعضه على بعض، الربا، ذهب وفضة وهما بائنان من كل شيء لا يقاس عليهما غيرهما لمباينتهما ما قيس عليهما بما وصفنا من أنهما ثمن لكل شيء وجائز أن يشترى بهما كل شيء عداهما يدا بيد ونسيئة وبحنطة وشعير وتمر وملح وكان مأكولا مكيلا موجودا في السنة تحريم الفضل في كل صنف منه على الشيء من صنفه فقسنا المكيل والموزون عليهما ووجدنا ما يباع غير مكيل، ولا موزون فتجوز الزيادة في بعضه على بعض من الحيوان والثياب وما أشبه ذلك مما لا يوزن فلما كان المأكول غير المكيل عند العامة، الموزون عندها مأكولا فجامع المأكول المكيل الموزون في هذا المعنى ووجدنا أهل البلدان يختلفون فمنهم من يزن وزنا ووجدنا كثيرا من أهل البلدان يزن اللحم وكثيرا لا يزنه ووجدنا كثيرا من أهل البلدان يبيعون الرطب جزافا فكانت أفعالهم فيه متباينة واحتمل كله الوزن والكيل ومنهم من يكيل منه الشيء لا يكيله غيره ووجدنا كله يحتمل الوزن ووجدنا كثيرا من أهل العلم يزن اللحم وكثيرا منهم لا يزنه ووجدنا كثيرا من أهل العلم يبيعون الرطب جزافا وكانت أفعالهم فيه متباينة واحتمل كلها الوزن أو الكيل أو كلاهما كان أن يقاس بالمأكول والمشروب المكيل والموزون أولى بنا من أن يقاس على ما يباع عددا من. غير المأكول من الثياب وغيرها؛ لأنا وجدناها تفارقه فيما وصفت وفي أنها لا تجوز إلا بصفة وذرع وجنس وسن في الحيوان وصفة لا يوجد في المأكول مثلها.

[قال الشافعي]: ولا يصلح على قياس قولنا هذا، رمانة برمانتين عددا لا وزنا، ولا سفرجلة بسفرجلتين، ولا بطيخة ببطيختين، ولا يصلح أن يباع منه جنس بمثله إلا وزنا بوزن يدا بيد كما نقول في الحنطة والتمر، وإذا اختلف فلا بأس بالفضل في بعضه على بعض يدا بيد، ولا خير فيه نسيئة، ولا بأس برمانة بسفرجلتين وأكثر عددا ووزنا كما ألا يكون بأس بمد حنطة بمدي تمر وأكثر، ولا مد حنطة بتمر جزافا أقل من الحنطة أو أكثر؛ لأنه إذا لم يكن في الزيادة فيه يدا بيد الربا لم أبال أن لا يتكايلاه؛ لأني إنما آمرهما يتكايلانه إذا كان لا يحل إلا مثلا بمثل فأما إذا جاز فيه التفاضل فإنما منع إلا بكيل كي لا يتفاضل فلا معنى فيه - إن ترك الكيل - يحرمه، وإذا بيع منه جنس بشيء من جنسه لم يصلح عددا ولم يصلح إلا وزنا بوزن وهذا مكتوب في غير هذا الموضع بعلله.

قال: ولا يسلف مأكولا، ولا مشروبا في مأكول، ولا مشروب بحال كما لا يسلف الفضة في الذهب، ولا يصلح أن يباع إلا يدا بيد كما يصلح الفضة بالفضة والذهب بالذهب.

[قال الشافعي]: ولا يصلح في شيء من المأكول أن يسلم فيه عددا؛ لأنه لا صفة له كصفة الحيوان وذرع الثياب والخشب، ولا يسلف إلا وزنا معلوما أو كيلا معلوما إن صلح أن يكال، ولا يسلف في جوز، ولا بيض، ولا رانج، ولا غيره عددا لاختلافه وأنه لا حد له يعرف كما يعرف غيره.

قال: وأحب إلي أن لا يسلف جزاف من ذهب، ولا فضة، ولا طعام، ولا ثياب، ولا شيء، ولا يسلف شيء حتى يكون موصوفا إن كان دينارا فسكته وجودته ووزنه، وإن كان درهما فكذلك وبأنه وضح أو أسود أو ما يعرف به فإن كان طعاما قلت تمر صيحاني جيد كيله كذا وكذلك إن كانت حنطة، وإن كان ثوبا قلت مروي طوله كذا وعرضه كذا رقيق صفيق جيد، وإن كان بعيرا قلت ثنيا مهريا أحمر سبط الخلق جسيما أو مربوعا تصف كل ما أسلفته كما تصف كل ما أسلفت فيه وبعث به عرضا دينا لا يجزئ في رأيي غيره فإن ترك منه شيئا أو ترك في السلف دينا خفت أن لا يجوز وحال ما أسلفته غير حال ما أسلفت فيه وهذا الموضع الذي يخالف فيه السلف بيع الأعيان ألا ترى أنه لا بأس أن يشتري الرجل إبلا قد رآها البائع والمشتري ولم يصفاها بثمر حائط قد بدا صلاحه ورأياها وأن الرؤية منهما في الجزاف وفيما لم يصفاه من الثمرة أو المبيع كالصفة فيما أسلف فيه وأن هذا لا يجوز في السلف أن أقول أسلفك في ثمر نخلة جيدة من خير النخل حملا أو أقله أو أوسطه من قبل أن حمل النخل يختلف من وجهين: أحدهما: من السنين فيكون في سنة أحمل منه في الأخرى من العطش ومن شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل ويكون بعضها مخفا وبعضها موقرا فلما لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أنهم يجيزون في بيع الأعيان الجزاف والعين غير موصوفة؛ لأن الرؤية أكثر من الصفة ويردونه في السلف ففرقوا بين حكمهما وأجازوا في بيع العين أن يكون إلى غير أجل ولم يجيزوا في بيع السلف المؤجل أن يكون كان والله تعالى أعلم أن يقول كما لا يكون المبيع المؤجل إلا معلوما بما يعلم به مثله من صفة وكيل ووزن وغير ذلك فكذلك ينبغي أن يكون ما ابتيع به معروفا بصفة وكيل ووزن فيكون الثمن معروفا كما كان المبيع معروفا، ولا يكون السلم مجهول الصفة والوزن في مغيب لم ير فيكون مجهولا بدين.

[قال الشافعي]: ومن ذهب هذا المذهب ذهب إلى أن السلف إن انتقض عرف المسلف رأس ماله ويكون معلوم الصفة بمعلوم الصفة، ولا يكون معلوم الصفة بمعلوم الصفة عينا مجهولا، ولا يكون معلوم الصفة عينا.

[قال الشافعي]: وقد نجد خلاف من قال هذا القول مذهبا محتملا، وإن كنا قد اخترنا ما وصفنا وذلك أن يقول قائل إن بيع الجزاف إنما جاز إذا عاينه المجازف فكان عيان المجازف مثل الصفة فيما غاب أو أكثر، ألا ترى أنه لا يجوز أن يبتاع ثمر حائط جزافا بدين، ولا يحل أن يكون الدين إلا موصوفا إذا كان غائبا فإن كان الثمر حاضرا جزافا كالموصوف غائبا؟

[قال الشافعي]: ومن قال هذا القول الآخر انبغى أن يجيز السلف جزافا من الدنانير والدراهم وكل شيء ويقول إن انتقض السلف فالقول قول البائع؛ لأنه المأخوذ منه مع يمينه كما يشتري الدار بعينها بثمر حائط فينتقض البيع فيكون القول في الثمن قول البائع ومن قال القول الأول في أن لا يجوز في السلف إلا ما كان مقبوضا موصوفا كما يوصف ما سلف فيه غائبا قال ما وصفنا.

قال: والقول الأول أحب القولين إلي والله أعلم. وقياس هذا القول الذي اخترت أن لا يسلف مائة دينار في مائة صاع حنطة ومائة صاع تمر موصوفين إلا أن يسمى رأس مال كل واحد منهما؛ لأن الصفقة وقعت وليس ثمن كل واحد منهما معروفا.

[قال الشافعي]: ولو سلف مائتي صاع حنطة مائة بينهما إلى شهر كذا ومائة إلى شهر مسمى بعده لم يجز في هذا القول من قبل أنه لم يسم لكل واحد منهما ثمنا على حدته وأنهما إذا أقيما كانت مائة صاع أقرب أجلا من مائة صاع أبعد أجلا منها أكثر في القيمة وانعقدت الصفقة على مائتي صاع ليست تعرف حصة كل واحد منهما من الثمن.

[قال الشافعي]: وقد أجازه غيرنا وهو يدخل عليه ما وصفنا وأنه إن جعل كل واحد منهما بقيمة يوم يتبايعان قومه قبل أن يجب على بائعه دفعه وإنما يقوم ما وجب دفعه وهذا لم يجب دفعه فقد انعقدت الصفقة وهو غيره معلوم.

قال: ولا يجوز في هذا القول أن تسلف أبدا في شيئين مختلفين، ولا أكثر إذا سميت رأس مال كل واحد من ذلك الصنف وأجله حتى يكون صفقة جمعت بيوعا مختلفة.

قال: فإن فعل فأسلف مائة دينار في مائتي صاع حنطة منهما مائة بستين دينارا إلى كذا وأربعون في مائة صاع تحل في شهر كذا جاز؛ لأن هذه وإن كانت صفقة فإنها وقعت على بيعتين معلومتين بثمنين معلومين.

[قال الشافعي]: وهذا مخالف لبيوع الأعيان في هذا الموضع ولو ابتاع رجل من رجل بمائة دينار مائة صاع حنطة ومائة صاع تمرا ومائة صاع جلجلان ومائة صاع بلسن جاز، وإن لم يسم لكل صنف منه ثمنه وكان كل صنف منه بقيمته من المائة، ولا يجوز أن يسلف في كيل فيأخذ بالكيل وزنا، ولا في وزن فيأخذ بالوزن كيلا؛ لأنك تأخذ ما ليس بحقك إما أنقص منه وإما أزيد لاختلاف الكيل والوزن عندما يدخل في المكيال وثقله فمعنى الكيل مخالف في هذا المعنى الوزن.

[قال الشافعي]: وهكذا إن أسلم إليه في ثوبين أحدها هروي والآخر مروي موصوفين لم يجز السلف في واحد منهما حتى يسمى رأس مال كل واحد منهما وكذلك ثوبين مرويين؛ لأنهما لا يستويان ليس هذا كالحنطة صنفا، ولا كالتمر صنفا؛ لأن هذا لا يتباين وأن بعضه مثل بعض ولكن لو أسلم في حنطتين سمراء ومحمولة مكيلتين لم يجز حتى يسمي رأس مال كل واحد منهما؛ لأنهما يتباينان.

كتاب الأم - باب السلف والمراد به السلم
باب ما يجوز من السلف | باب في الآجال في السلف والبيوع | باب جماع ما يجوز فيه السلف وما لا يجوز والكيل | باب السلف في الكيل | باب السلف في الحنطة | باب السلف في الذرة | باب العلس | باب القطنية | باب السلف في الرطب والتمر | باب جماع السلف في الوزن | تفريع الوزن من العسل | باب السلف في السمن | السلف في الزيت | السلف في الزبد | السلف في اللبن | السلف في الجبن رطبا ويابسا | السلف في اللبأ | الصوف والشعر | السلف في اللحم | صفة اللحم وما يجوز فيه وما لا يجوز | لحم الوحش | الحيتان | الرءوس والأكارع | باب السلف في العطر وزنا | باب متاع الصيادلة | باب السلف في اللؤلؤ وغيره من متاع أصحاب الجوهر | باب السلف في التبر غير الذهب والفضة | باب السلف في صمغ الشجر | باب الطين الأرمني وطين البحيرة والمختوم | باب بيع الحيوان والسلف فيه | باب صفات الحيوان إذا كانت دينا | باب الاختلاف في أن يكون الحيوان نسيئة أو يصلح منه اثنان بواحد | باب السلف في الثياب | باب السلف في الأهب والجلود | باب السلف في القراطيس | باب السلف في الخشب ذرعا | باب السلم في الخشب وزنا | باب السلف في الصوف | باب السلف في الكرسف | باب السلف في القز والكتان | باب السلف في الحجارة والأرحية وغيرها من الحجارة | باب السلف في القصة والنورة | باب السلف في العدد | باب السلم في المأكول كيلا أو وزنا | باب بيع القصب والقرط | باب السلف في الشيء المصلح لغيره | باب السلف يحل فيأخذ المسلف بعض رأس ماله وبعض سلفه | باب صرف السلف إلى غيره | باب الخيار في السلف | باب ما يجب للمسلف على المسلف من شرطه | باب اختلاف المتبايعين بالسلف إذا رآه المسلف | باب ما يلزم في السلف مما يخالف الصفة | باب ما يجوز فيه السلف وما لا يجوز | باب اختلاف المسلف والمسلف في السلم | باب السلف في السلعة بعينها حاضرة أو غائبة | باب امتناع ذي الحق من أخذ حقه | باب السلف في الرطب فينفد