الفقيه والمتفقه/الجزءالسابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالسابع
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء السابع

ويقال لمن أنكر ما ذكرناه : خبرنا عن نفيك المحاجة ودعاءك إلى ترك المناظرة أقلت ذلك بدليل وبرهان أم بغير حجة ولا بيان ؟ فإن قال : قلته بحجة ، فقد التزم ما بقي وكفى به حاكماً على نفسه لخصمه ، وإن قال : قلته بغير برهان ولا حجة ، كفى الخصم مؤنته بتحكيمه الهوى على نفسه وكان له عليه إثبات ما بقي من المناظرة مثل دعواه من غير حجة ولا برهان : ( { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } ) [1] والله تبارك وتعالى يقول : ( { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } ) [2] وكفى بقول يقود إلى هذا قبحاً .

أنا أبو عبد الله : الحسين بن محمد بن القاسم المخزومي ، نا أبو بكر : محمد بن يحيى بن العباس الصولي ، نا الغلابي ، نا ابن عائشة ، قال : قال ابن المقفع ، لعمرو بن عبيد : نظرت في مقاييسكم فوجدتها باطلة .

قال : أبالقياس أبطلتها ، أم بالمجازفة ؟

قال : بالقياس

قال : فأراك قد أثبت ما نفيت ! .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني ، قال : حدثني أبو أحمد محمد بن عبد الله الصفار ، حدثنا أبو الحسن علي الترمذي قال : وجدت في كتاب الحكمة العلم ميت إحياؤه الطلب ، فإذا حيي بالطلب فهو ضيف قوته الدرس ، فإذا قوي بالدرس فهو محتجب إظهاره بالمناظرة ، فإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم نتاجه العمل .

أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفوارس الحافظ ، أخبرنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : لولا الخطأ ما أشرق نور الصواب ، وبالتعب وطيء فرش الراحة ، وبالبحث والنظر تستخرج دقائق العلوم ، ولا فرق بين جاهل يقلد وبهيمة تنقاد .

أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الفتح ابن عبد الله الجيلي ، قال : قال بعض المتأخرين في ابتداء علم النظر : وما زال هذا العلم إذا وقف الإنسان منه على بعضه انفتح له ما وراء ذلك ، كالإنسان الذي يرى قصراً على بعد فيأتيه فيرى من قربه ما لم يكن يرى من بعده ، وكذلك أن تهيأ له الدخول إليه ، وكالإنسان الذي يكون على الأرض المستوية لا يرى شيئاً إلا ما قاربه وما هو حذاءه غير بعيد منه خاصة إذا كان بين يديه نشز من الأرض أو جبل فإذا علا على ذلك كان كلما ارتفع وارتقى أشرف على ما لم يكن مشرفاً عليه طولاً وعرضاً ، فإذا تكلف الصعود إلى أعلى رأس الجبل انكشفت له الأرض والمواضع التي لم يكن يراها قبل ذلك ولم يكن يقدر على رؤيتها إلا بهذا التعب والتكلف الذي صار إليه فيبدو له في كل خطوة من الأشياء ما لم يكن يبدو له قبل ذلك ، فكلما زاد ارتقاءاً ازداد معرفة بما لم يكن قبل ذلك رآه . وكذلك العلم كلما تعلم المرء منه أصلاً انكشف له ما فيه وشاكله وما في بابه وطريقه واستدل به على ما سواه إذا كان فهيماً ووفقه الله .

وقد شبه صاحب الأدب الجدل قبل هذا النظر والكلام بالنخل يؤبره ويقوم عليه فينال من ثمرته ما لا ينال عند ترك ذلك ، وكذلك الحديد والحجر ما لم يستعملها لم تخرج النار ولم يوجد ما ينفع لما احتيج إلى طبخ وتسخين ، فإذا أوري خرجت النار فإذا وقعت في الحداق وتركت انطفأت ، وإن أمدت بنفخ وكبريت وحطب وغير ذلك كثرت وكثر نفعها ، والعلم إذا لم يستعمل ولم يذاكر به كالمسك إذا طال مكثه في الوعاء ذهب ريحه ، وكالماء الصافي إذا طال مكثه نشفته الأوعية والهواء وغيرته وذهبت بأكثره أو بكله وتغير ريحه وطعمه ، وكالبئر تحفر فتجري فيها عين فإن حصل له طريق حتى ينتشر صار نهراً وكثر ونفع وعاش به الحيوان ، وإن حبس وترك قل نفعه وربما غار . فكذلك العلم إذا لم يذاكر به ولم يبحث عنه ، وإذا ذاكرت بالعلم ونشرته صار كالنهر الجاري دائم النفع غزير الماء إن قل مرة لعارض زاد أخرى وإن تكدر وقت العلة صفا في ثان وتحي به الأرض والزرع والحيوان .

حدثني أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد الأديب ، قال : حدثني علي بن يوسف الهمذاني المقريء ، قال : دخلت على أبي بكر الخوارزمي فلزمت السكوت وجعلت أسمع كلامه ، فقال لي : تكلم فإن أصبت كنت مفيداً ، وإن أخطأت كنت مستفيداً ، كالغازي إن قتل كان حميداً ، وإن قتل كان شهيداً .

قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : ومباح النظر والجدل فيما نزل وفيما لم ينزل حتى يعرف حكم ما لم ينزل فإذا نزل عمل به ، وذهب قوم إلى كراهة القول فيما لم يكن ومنعوا من ذلك وتعلقوا فيه بما نحن ذاكروه ان شاء الله .

باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها

أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة إن رسول الله قال ﷺ : «ذروني ما تركتكم فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فانتهوا » .

أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي ، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقريء ، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي حدثنا مالك عن الزهري عن سهل بن سعد رضي الله عنه ، قال : كره رسول الله المسائل وعابها .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، حدثنا يعلى بن عبيد ، نا أبو سنان عن عمرو بن مرة ، قال : خرج عمر على الناس فقال : أحرج عليكم ان تسألونا عن ما لم يكن ، فإن لنا فيما كان شغلا .

أخبرنا ابن الفضل القطان ، أخبرنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن علي الابار ، حدثنا مسروق بن المرزبان ، حدثنا شريك عن ليث عن نافع عن ابن عمر ، قال : لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن .

أخبرنا محمد بن علي بن الفتح ، أخبرنا عمر بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، قال : يا أيها الناس لا تسألوا عما لم يكن فإن عمر كان يلعن أو يسب من سأل عما لم يكن .

أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار ، حدثنا طاهر بن خالد بن نزار ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد ، قال : كان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سئل عن الشيء يقول : كان هذا ؟ فإن قالوا لا قال : دعوه حتى يكون .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا عبد الكريم ابن الهيثم ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرني شعيب عن الزهري ، قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا نعم كان حدث فيه بالذي يعلم ، وإن قالوا لم يكن قال : فذروه حتى يكون .

أخبرنا أخبرنا ابن الفتح ، أخبرنا عمر بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا موسى بن علي عن أبيه ، قال : كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال : آلله لكان هذا ؟ فإن قال نعم تكلم فيه ، وإلا لم يتكلم .

( وقال ) أبو خيثمة : حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق ، قال : سألت أبي بن كعب عن شيء فقال : أكان بعد ؟ قلت : لا ، قال : فاجمنا حتى يكون ، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا .

أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة ، حدثنا جدي حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب عن داود عن عامر ، قال : سئل عمار رضي الله عنه عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا ، قال : فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم .

أخبرنا ابن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا زيد بن بشر وعبد العزيز بن عمران ، قالا : أخبرنا ابن وهب عن موسى بن علي ، أنه سأل ابن شهاب عن شيء فقال ابن شهاب : ما سمعت فيه بشيء وما نزل بنا . فقلت : انه قد نزل ببعض اخوانك ، فقال : ما سمعت فيه بشيء فقلت : انه قد نزل ببعض اخوانك ، فقال : ما سمعت فيه بشيء وما نزل بنا ، وما أنا بقائل فيه شيئاً .

أخبرنا أبو عمر بن مهدي ، أخبرنا محمد بن مخلد ، حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب ، قال : حدث مالك قال : أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الاكثار الذي فيه اليوم يريد المسائل .

فهذا ما تعلق به من متع من الكلام في الحوادث قبل نزولها ونحن نجيب عنه بمشيئة الله وعونه . أما كراهية رسول الله المسائل فإنما كان ذلك إشفاقاً على أمته ورأفة بها وتحننا عليها وتخوفاً أن يحرم الله عند سؤال سائل أمراً كان مباحاً قبل سؤاله عنه فيكون السؤال سبباً في حظر ما كان للأمة منفعة في إباحته فتدخل بذلك المشقة عليهم والأضرار بهم ، ولهذا قال النبي ما :

أخبرناه أبو نعيم الحافظ ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، حدثنا أبو يعلى هو الموصلي حدثنا المقدمي ، حدثنا زهير بن إسحاق عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، عن النبي قال ﷺ : «ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها » .

وأخبرنا علي بن القاسم البصري ، حدثنا علي بن إسحاق المادرايي ، حدثنا محمد بن داود النسائي نا موسى بن إسماعيل ، نا سلام بن أبي مطيع عن معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان أعظم المسلمين في المسلمين جرماً رجل سأل عما لم يحرم فحرم من أجل مسألته » .

وهذا المعنى قد ارتفع بموت رسول الله واستقرت أحكام الشريعة فلا حاظر ولا مبيح بعده .

ويدل على جواز السؤال عما لم يكن الحديث الذي أخبرناه عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ، نا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا إسحاق بن الحسن ، نا أبو حذيفة ، نا سفيان بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله انا نخاف أن نلقى العدو غداً وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكرت عليه اسم الله فكل ما خلا السن والظفر » .

فلم يعب رسول الله مسألة رافع عما لم ينزل به لأنه قال : «غدا » ولم يقل له : لم سألت عن شيء لم يكن بعد .

وكذلك الحديث الآخر الذي أخبرناه الحسن بن أبي بكر ، أخبرنا عبد الصمد بن علي الطستي أخبرنا السري بن سهل الجند يسابوري ، نا عبد الله بن رشيد ، نا أبو عبيدة مجاعة بن الزبير عن يونس الواسطي عن سماك بن حرب عن يزيد بن سلمة عن أبيه ، أن رجلاً قام إلى رسول الله فقال يا رسول الله أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا الحق ويمنعونا حقنا فنقاتلهم ؟ فقام الأشعث بن قيس فقال : تسأل رسول الله عن أمر لم يحدث بعد ؟ فقال لأسألنه حتى يمنعني ، فقال : يا رسول الله أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا عن الحق ويمنعونا أنقاتلهم ؟ قال ﷺ : «لا ، عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا » .

فلم يمنع رسول الله هذا الرجل عن مسألته ولا أنكرها عليه ، بل أجابه عنها من غير كراهة . وفي الآثار نظائر كثيرة لما ذكرناه .

وأما تحريج عمر في السؤال عما لم يكن ولعنه من فعل ذلك ، فيحتمل أن يكون قصد به السؤال على سبيل التعنت والمغالطة لا على سبيل التفقه وابتغاء الفائدة ، ولهذا ضرب صبيغ بن عسل ونفاه وحرمه رزقه وعطاءه لما سأله عن حروف من مشكل القرآن فخشي عمر أن يكون قصد بمسألته ضعفاء المسلمين في العلم ليوقع في قلوبهم التشكيك والتضليل بتحريف القرآن عن نهج التنزيل ، وصرفه عن صواب القول فيه إلى فاسد التأويل . ومثل هذا قد ورد عن رسول الله النهي عنه والذم لفاعله .

أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا عبد الملك ابن عبد الحميد الرقي ، نا روح بن عبادة ، قال : حدثنا الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن رجل من أصحاب النبي قد سماه قال : نهى رسول الله عن الأغلوطات . قال الأوزاعي : شداد المسائل .

أخبرنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار ومحمد بن عمر بن بكير النجار ومحمد بن محمد بن عثمان السواق ، قال السواق : أخبرنا ، وقالا : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن صالح البروجردي ، نا إبراهيم بن الحسين الهمداني ، حدثنا نعيم بن حماد ، نا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية ، قال : نهى رسول الله عن الغلوطات يعني دقيق المسائل .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، نا جعفر الصندلي ، قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الزعفراني ، نا علي بن بحر القطان ، نا عيسى بن يونس ، نا الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابجي عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، أن النبي نهى عن الأغلوطات ، قال عيسى : والأغلوطات ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف .

أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود العبدي ، نا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم ، نا يزيد بن ربيعة ، قال : سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان رضي الله عنه ، عن رسول الله قال ﷺ : «سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي » .

أخبرنا أبو سعيد الصيرفي ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، نا أبو النضر نا المستلم بن سعيد عن منصور بن زاذان عن الحسن ، قال : شرار عباد الله يتتبعون شواذ المسائل يعمون بها عباد الله .

وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة أنهم تكلموا في أحكام الحوادث قبل نزولها ، وتناظروا في علم الفرائض والمواريث ، وتبعهم على هذه السبيل التابعون ومن بعدهم من فقهاء الأمصار ، فكان ذلك اجماعاً منهم على أنه جائز غير مكروه ومباح غير محظور .

وأما حديث زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعمار بن ياسر ، فإنه محمول على أنهم توقوا القول برأيهم خوفاً من الزلل وهيبة لما في الاجتهاد من الخطر ، ورأوا ان لهم عن ذلك مندوحة فيما لم يحدث من النوازل وان كلامهم فيها إذا حدثت تدعوا إليه الحاجة ، فيوفق الله في تلك الحالة من قصد إصابة الحق .

وقد روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه نحو هذا القول . أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقريء ، أخبرنا محمد بن الحسين الآجري ، نا ابن عبد الحميد الواسطي ، نا زهير يعني ابن محمد بن قمير أخبرنا منصور بن سعيد ، نا حماد بن زيد ، نا الصلت بن راشد ، قال : سألت طاوساً عن شيء فانتهرني ، وقال : أكان هذا ؟ قلت : نعم ، قال آلله ، قلت : آلله ، قال : إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل انه قال : أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد ، أو قال : وفق .

وهذا فعل أهل الورع والمشفقين على دينهم ولأجل ما ذكرناه كان خلق من الصحابة والتابعين إذا سئل أحدهم عن حكم حادثة حاد عن الجواب وأحال على غيره .

أخبرنا أبو الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا أبو بكر الحميدي نا سفيان ، نا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ، قال : أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا ، حتى ترجع إلى الأول .

أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، حدثنا حنبل بن إسحاق ، حدثنا قبيصة ، وأخبرنا علي بن أحمد بن إبراهيم البزاز بالبصرة واللفظ له ، نا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا أبو نعيم ، قالا : نا سفيان عن عطاء بن السائب ، قال : سمعت سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ما أحد منهم يحدث حديثاً إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الحديث ، ولا يسأل عن فتيا إلاّ وَدّ أن أخاه كفاه الفتيا .

أخبرنا علي بن أحمد المقريء ، أخبرنا محمد بن الحسين الآجري ، نا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني ، نا الحسين بن الأسود العجلي ، نا يحيى بن آدم ، نا حماد بن شعيب عن حجاج عن عمير بن سعيد ، قال : سألت علقمة عن مسألة فقال : إئت عبيدة فسله ، فأتيت عبيدة فقال : إيت علقمة ، فقلت : علقمة أرسلني إليك فقال : أيت مسروق فسله ، فأتيت مسروقاً فسألته ، فقال : إيت علقمة فسله ، فقلت : علقمة أرسلني إلى عبيدة وعبيدة أرسلني إليك ، قال : فأت عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه ، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته قال : كان يقال اجرأ القوم على الفتيا أدناهم علماً .

أخبرنا ابن الفضل ، أخبرنا ابن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا قبيصة ، نا سفيان عن أبي حصين قال سألت إبراهيم عن شيء فقال : اما وجدت أحداً تسأله فيما بيني وبينك غيري .

وهكذا كان إمساك ابن شهاب عن الكلام في حادثة لم تنزل به وإن كانت نزلت بغيره . وما حكى مالك عن أهل المدينة من الاكثار في المسائل كل ذلك خوف الزلل في الرأي ، ورأوا أن الناس يقتدون بهم ويقلدونهم أمر دينهم ويحتجون بأقوالهم ، فإذا علم الواحد منهم أن جوابه ينفذ فيما سئل عنه بالتحليل أوالتحريم حمل نفسه في المسألة التي سئل عنها من شدة معالجتها والاستقصاء في ادراك حقيقتها على ما كان غير خائف منه لو قصر فيه قبل نزولها والسؤال عنها ، ومن قلد أمر الدين واستفتي من المجتهدين فخطر ذلك عظيم وهو الذي تخوفه رسول الله على أمته .

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بنهارون بن الصلت الأهوازي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي ، نا أحمد بن يحيى الصوفي ، نا أبو غسان ، نا مسعود بن سعد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «أشد ما أتخوف على أمتي ثلاثة : زلة عالم ، وجدال منافق بالقرآن ، أو دنيا تقطع رقابكم فاتهموها على أنفسكم » .

قال أبو غسان : قال لي ابن أبي شيبة : لو رحل في هذا الحديث إلى خراسان كان قليلاً .

أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، نا محمد بن العباس الخزاز ، نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا الحسين بن الحسن ، أخبرنا ابن المبارك ، نا ابن لهيعة ، قال : حدثني عبد الله بن أبي جعفر ، قال : قيل لعيسى ابن مريم : يا روح الله وكلمته من أشد الناس فتنة ؟ قال : زلة العالِم ، إذا زل العالِم زل بزلته عالَمٌ كثير .

أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس ، أخبرنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : زلة العالم كانكسار السفينة ، تغرق ويغرق معها خلق كثير .

وأخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي ، نا عمر بن محمد بن إبراهيم البجلي ( وأخبرنا ) الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق ومحمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي ، قالا : أخبرنا محمد بن عبد الله ابن هارون ، قال : نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا إسحاق بن إبراهيم المروزي ، نا حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد ، قال إسحاق : وقد قال مرة أخرى عن المثنى بن سعد ، وفي حديث الأزجي : وقال إسحاق مرة أخرى عن المثنى بن سعد عن أبي العالية عن ابن عباس ، قال : ويل للأتباع من عثرات العالِم ، قيل : وكيف ذاك ؟ قال : يقول العالِم برأيه فيبلغه الشيء عن النبي خلافه فيرجع ويمضي الاتباع بما سمعوا . واللفظ لحديث إسحاق .

أخبرنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي ، نا عمر بن أحمد الواعظ ، قال : حدثنا مكرم بن أحمد ، نا أحمد بن عطية ، نا بشر يعني ابن الوليد وابن سماعة عن أبي يوسف ، قال : كان أبو حنيفة إذا عمل القول من أبواب الفقه راضه سنة لا يخرجه إلى أحد من أصحابه ، فإذا كان بعد سنة وأحكمه خرج إلى أصحابه ، وإذا تكلم في الاستحسان همه مناظرة نفسه .

أخبرنا علي بن أحمد المقريء ، أخبرنا محمد بن الحسين الآجري ، نا جعفر بن محمد الصندلي أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : سمعت بشر بن الحارث يقول سمعت المعافى بن عمران يذكر عن سفيان قال : أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بدا من أن يفتوا .

وقال المعافى : سألت سفيان فقال : أدركت الناس ممن أدركت من العلماء والفقهاء وهم يترادون المسائل ، يكرهون أن يجيبوا فيها ، فإذا أعفوا منها كان ذلك أحب إليهم .

أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق ، نا عمر بن محمد الجوهري ، نا أبو بكر الأثرم ، قال : سمعت أبا عبد الله يقول : من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تجيء الضرورة .

قال الحسن : ان تركناهم وكلناهم إلى عي شديد فإنما تكلم القوم على هذا ، كان قوم يرون أنهم أكثر من غيرهم فتكلموا ، قيل لأبي عبد الله : فأيما أفضل الكلام أو الامساك ؟ قال : الامساك أحب إلي لا شك ، قيل له : فإذا كانت الضرورة ؟ فجعل يقول : الضرورة الضرورة . وقال : الامساك أسلم له . قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : الامساك أقرب إلى السلامة ، لكن ما يحوزه المجتهد إذا نصح وبذل مجهوده في طلب الحق من الفضل وعظيم الثواب والأجر أولى ما رغب فيه الراغبون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، نا أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، نا محمد بن القاسم بن خلاد ، قال : كان يقال ، من لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب .

ولأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني كلام مستقصى فيمن أنكر السؤال عما لم يكن أنا أسوقه لما يتضمن من الفوائد الكثيرة والمنافع الغزيرة .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر الصابوني ، أخبرنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحراني ، أخبرنا أبو علي أحمد بن علي بن الحسن بن شعيب المدائني ، قال : قال المزني : يقال لمن أنكر السؤال في البحث عما لم يكن ، لم أنكرتم ذلك ؟ . فإن قالوا : لأن رسول الله كره المسألة ، قيل : وكذلك كرهها بعد أن كانت ترفع إليه لما كره من افتراض الله الفرائض بمساءلته وثقلها على أمته لرأفته بها وشفقته عليها فقد ارتفع ذلك برفع رسول الله فلا فرض بعده يحدث أبداً . وإن قالوا : لأن عمر أنكر السؤال عما لم يكن ، قيل : فقد يحتمل انكاره ذلك على وجه التعنت والمغالطة ، لا على التفقه والفائدة ، وقد روي أنه قال لابن عباس : سل عما بدا لك فإن كان عندنا وإلا سألنا عنه غيرنا من أصحاب رسول الله . وكما روي عن علي من انكاره على ابن الكوَّاء أن يسأل تعنتا ، وأمره أن يسأل تفقهاً .

وقد روي عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم في الرجل يخير امرأته فقال عمرو ابن مسعود : ان اختارت زوجها فلا شيء ، وان اختارت نفسها فواحدة يملك الرجعة . وقال علي : ان اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة ، وان اختارت نفسها فواحدة بائن . وقال زيد بن ثابت : ان اختارت نفسها فثلاث وإن اختارت زوجها فواحدة بائن .

فأجابوا جميعاً في أمرين أحدهما لم يكن ، ولو كان الجواب فيما لم يكن مكروهاً لما أجابوا إلا فيما كان ولسكتوا عما لم يكن .

وعن زيد أنه قال لعلي في المكاتب : أكنت راجمه لو زنا ؟ قال : لا . قال : أفكنت تقبل شهادته لو شهد ؟ قال : لا .

فقد سأله زيد وإجابه علي فيما لم يكن على التفقه والتفطن .

وعن ابن مسعود في مساءلته عبيدة السلماني : أرأيت أرأيت . وقد ذكرنا فيما مضى ما روي من قول عمر لابن عباس : سلني ، وقول علي : سلوني ، وقول أبي الدرداء : ذاكروا هذه المسائل ، ولو كان هذا السؤال لا يجوز إلا عما كان ، لما تعرض أصحاب النبي جواباً لا يجوز أبداً ان شاء الله . ويقال له : أليس على كل مسلم أن يطلب الفرائض في الطهارة والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك من الكتاب والسنة قبل أن ينزل ذلك وهو دين ؟ فإذا : قال نعم ، قيل : فكيف يجوز طلب ذلك في بعض الدين والجواب فيه ولا يجوز في بعض ، وكل ذلك دين ؟ ويقال له هل تخلو المسألة التي أنكرتم جوابها قبل أن تكون من أن يكون لها حكم خفي حتى لا يوصل إليه إلا بالنظر والاستنباط أو لا يكون لها حكم ، فإن لم يكن لها حكم فلا وجه لذلك ما وجه المسألة فيها كانت أو لم تكن . وإن كان لها حكم لا يوصل إليه إلا بالمناظرة والاستنباط فالتقدم يكشف الخفي ومعرفته واعداده للمسألة قبل نزولها أولاً فإذا نزلت كان حكمها معروفاً فوصل بذلك الحق إلى أهله ومنع به الظالم من ظلمه وكان خيراً أو أفضل من أن يتوقفوا إلى أن يصح النظر في المسألة عند المناظرة ، وقد يبطيء ذلك ويكون في التوقف ضرر يمنع الخصم من حقه والفرج من حله وترك الظالم على ظلمه .

وشبهوا أو بعضهم النازلة فيما بلغني إذا كانت بالضرورة والجواب فيها بأكل الميتة ، فأحلوا الجواب في النازلة كما أحلوا الميتة بالضرورة ، فيقال لهم : أفتزعمون أن الذين ذكرنا روايتكم عنهم من أصحاب رسول الله فيما أجابوا فيه مما لم يكن وتعرضهم جواب ما لم يسألوا عنه قد صاروا بذلك في معنى من أكل الميتة على غير ضرورة ؟ ويقال لهم : ما يشبه خوف المرء على نفسه الموت فأمر باحيائها من أكل الميتة من المجيب إلا مما حل لصاحب المسألة ، ولو كان هذا التشبيه لكان إذا حل برجل ضرورة حل لغيره أكل الميتة كما إذا حلت برجل مسألة حل لغيره جواب المسألة ، وكان أولى التشبيهين ان جاز أن يقاس على الميتة أن يكون الجاهل المنزول به المسألة أحق بالجواب الذي يدفع به عن نفسه مكروه المسألة ، كما كان بضرورة المضرور تحل له الميتة يدفع بها عن نفسه مكروه الضرورة .

قال المزني وان قالوا أو بعضهم : إنما زعمنا ان المسألة إذا نزلت فسئل عنها العالِم كان كالمضطر فعليه أن يجيب كما كان على المضطر أن يأكل الميتة ، قيل لهم فروايتكم عن عشرين ومائة من أصحاب رسول الله إذا سئلوا رد المسألة هذا إلى هذا حتى تدور المسألة فترجع إلى الأول يوجب في قولكم إنهم تركوا ما فرض الله عليهم لأن على المضطر فرضاً أن يحيي نفسه بالميتة ولا يقتلها بترك أكل الميتة ، قد ترك أصحاب رسول الله ما فرض عليهم في معنى قولكم .

ويقال لهم : أليس إنما يجب عليهم جواب المنزول به ليدفع به جهله ، وليعلم بالجواب ما حرم عليه وحل له ؟ فإذا قال : نعم ، قيل له فقد رجعت المسألة إلى أن الضرورة بغيره أوجبت الجواب عليه ، فكذلك لضرورة المضطر بغيره يجب أكل الميتة عليه ، وإلا فهما مفترقان لا يشبه الجواب في المسألة الميتة .

ويقال له : أليس إذا نزلت المسألة فسئل عنها العالِم حل له الجواب بالسؤال كما إذا نزلت به ضرورة حل له أكل الميتة بالاضطرار ؟ فإذا قالوا : بلى ، قيل : وكذلك إذا ارتفع السؤال رجع الجواب حراماً ، فإذا قالوا : نعم ، قيل : لهم لم سألتم عن جواب الماضي وملأتم منها الكتب وهي حرام عليكم وإنما حلت للعالِم بالسؤال ثم حرمت بارتفاع السؤال كما حلت للمضطرين الميتة بالاضطرار ثم حرمت بارتفاع الاضطرار .

فإن قالوا : لأن ذلك السؤال والجواب قد كان ، قيل : فكذلك الاضطرار وأكل الميتة بالاضطرار قد كان ، فما الفرق بين ذلك أن كان الجواب عندكم نظيراً للميتة ؟ فإن قيل : إنما ذلك حكاية وليس سؤالاً ولا جواباً قيل لهم فلا معنى فيما رويتم يستدل به على الفقه والعلم فيما لم ينزل . فإن قالوا : نعم ، أقاموا الحكاية مقام الجواب ولزمهم تحريم السؤال والجواب عما لم يكن وهو نقض قولهم . وإن قالوا : لا معنى أكثر من الحكاية ، قيل : فلا فرق بين حكاية ما لا يضر وما لا ينفع وبينما حكيتم من جوابات أصحاب رسول الله ، فما معنى ما روى الفقهاء والعلماء عن السابقين عن التابعين واقتدائهم بجوابات أصحاب الرسول ؟ .

ويقال لهم : أرأيتم مجوسياً أتاكم من بلده راغباً في الإسلام محباً لمحمد فقال علموني الدخول في الإسلام فعلمتموه إياه فدخل فيه ثم قال : إني راجع إلى بلدي فما علينا من الطهارة لا كون منها على علم قبل دخول وقت الصلاة ؟ وما الذي يوجب الغسل وينقض الطهور ؟ وما الصلاة وما الذي يفسدها ؟ وما حكم الزيادة فيها والنقصان منها والسهو فيها ؟ وما في عشرة دنانير ومائة درهم من الزكاة ؟ وما الصوم ؟ وما حكم الأكل فيه عامداً أو ساهياً ؟ وما على من كان منا مريضاً أو كبيراً أو ضعيفاً ؟ وهل بأس بدرهم بدرهمين ؟ وما فيه القصاص من الدماء والجراح وحكم الخطأ ؟ وهل في ذلك الرجال والنساء سواء ؟ فإني أرجع إلى بلدي وأهلي وعشيرتي ، ينتظرون بإسلامهم رجوعي فأكون ويكونون من ديننا على علم فنعمل بذلك ونتقرب إلى الله تؤجرون عليه وذلك كله عندكم واضح لا تشكون فيه ، أيجوز أن يعلموه ذلك ؟ أم يقولون لا نخبرك حتى تنزل بك نازلة فتكسرون بذلك نشاطه وتخبثون نفسه على حديث عهده بكفره وتدعونه على جهله ؟ أم تغتنمون رغبته في الإسلام ، وإسلام من ينتظره ، وتعليم الجهال ما يحسنونه من العلم . وقد روي عن النبي ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه جيء به يوم القيامة ملجماً بلجام من نار » ؟ فإن قالوا : نعلمه ذلك قبل نزوله ، تركوا قولهم لأن بعض ذلك أصل وبعضه قياس . وإن قالوا : نعلمه بعضاً وإن لم ينزل ونترك بعضا حتى ينزل ، قيل : فما الفرق بين ذلك وكل ذلك دين ؟ فانظروا رحمكم الله على ما أحاديثكم التي جمعتموها واطلبوا العلم عند أهل الفقه تكونوا فقهاء إن شاء الله .

ذكر ما لا بد للمتجادلين من معرفته

أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، أنا إبراهيم بن محمد الجيلي ، قال : حدثني أبو ذر الخضر ابن أحمد الطبري ، قال : قال أبي أبو العباس أحمد بن أحمد المعروف بابن القاص رحمه الله : الأصول سبعة : الحس ، والعقل ، ومعرفة الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، واللغة ، والعبرة ، فلا بد للمتناظرين من معرفة جمل ذلك .

فالحواس خمس : السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس . والعقل على ضربين فغريزي ومستجلب . والكتاب والسنّة على ضربين : فمجمل ومفسر ، وطريق السنّة على ضربين : فمتواتر وآحاد . والاجماع على ضربين : فاجماع الأمة وإجماع الحجة . واللغة على ضربين : فمجاز وحقيقة . والعبرة على ضربين : فأحدهما في معنى الأصل لا يعذر عالم بجهله ، والثاني ذات وجوه وشعب .

فمن أنكر الحس أنكر نفسه ، ومن أنكر العقل أنكر صانعه ، ومن أنكر عموم القرآن أنكر حكمه ، ومن أنكر خبر الآحاد أنكر الشريعة ، ومن أنكر اجماع الأمة أنكر نبيه ، ومن أنكر اللغة سقطت محاورته لأن اللغات للمسميات سمات ، ومن أنكر العبرة أنكر أباه وأمه .

قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب رحمه الله : قلت : أما الحس : فيدرك به العلم الواقع عن الحواس وهو علم ضروري غير مكتسب لأن دخول الشك عليه غير جائز ، واما العقل : فهو ضرب من العلوم الضرورية محله القلب ، وقيل انه نور وبصيرة منزلته من القلوب منزلة البصر من العيون ، وقيل : هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات ، وقيل : هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح ، وقيل : هو ما حسن معه التكليف والمعنى في هذه العبارات كلها متقارب .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه ، أنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ح ( وأخبرنا ) أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد وأبو طاهر عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدب ، قال : انا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن مخلد الجوهري ح ( وأخبرنا ) الحسن بن أبي بكر أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن مالك الاسكافي ، قالوا : نا الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي نا داود بن المحبر ، نا غياث بن إبراهيم عن الربيع بن لوط الأنصاري عن أبيه عن جده عن البراء بن عازب رضي الله عنه ، قال : كثرت المسائل على عهد رسول الله ذات يوم فقال ﷺ : «يا أيها الناس ان لكل سبيل مطية وثيقة ، ومحجة واضحة ، وأوثق الناس مطية وأحسنهم دلالة ومعرفة بالحجة الواضحة أفضلهم عقلاً » .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا الحسين بن صفوان البرذعي ، نا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، قال : قال بعض الحكماء : إذا وقع في القلب نور الحكمة ، رده القلب إلى العقل فيرده العقل إلى المعرفة فتبصره المعرفة المنفعة من المضرة .

أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي ، نا عمر بن محمد بن عمر ابن الفياض ، نا أبو طلحة أحمد بن عبد الكريم الوساوسي ، نا عبد الله بن حبيق ، قال : نا يوسف بن إسباط قال : العقل سراج ما بطن ، وملاك ما علن ، وسائس الجسد ، وزينة كل أحد ، ولا تصلح الحياة إلاّ به ، ولا تدور الأمور إلا عليه .

أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : العقل كشجرة ، أصلها غريزة ، وفرعها تجربة ، وثمرتها حمد العاقبة ، والاختيار يدل على العقل كما يدل توريق الشجرة على حسنها ، وما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدها الهوى .

أخبرنا الجوهري ، أنا محمد بن عمران المرزباني ، نا أحمد بن محمد بن عيسى المكي ، قال : أنشدنا محمد بن القاسم بن خلاد .

العقل رأس خصاله....... والعقل يجمع كل خير

والعقل يجلب فضله....... والعقل يدفع كل ضير

وأما الكتاب والسنة فهما الأصلان اللذان يقوم الاحتجاج بهما في أحكام الشرع على ما سواهما ، ويتلوهما الإجماع وليس يعرفه إلا من عرف الاختلاف .

أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ ، حدثني أبي ، قال : نا محمد بن القاسم الشطوي ، نا عيسى بن عبد الله بن سليمان ، نا رواد بن الجراح عن سعيد بن بشير عن قتادة ، قال : من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه .

أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأت على إسحاق النعالي ، حدثكم عبد الله بن إسحاق المدائني ، نا عباس بن محمد ، قال : سمعت قبيصة يقول : لا يفلح من لا يعرف إختلاف الناس .

كتب إلى عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي ، وحدثنا محمد بن يوسف القطان النيسابوري عنه ، انا أبو الميمون بن راشد البجلي ، أنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو ، قال : حدثني عبد الله بن زكوان ، نا بقية قال سمعت الأوزاعي يقول : تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به .

وأما اللغة فبابها واسع ونزل القرآن بلغة العرب لأنها أوسع اللغات وأفصحها ، وفي كتاب الله تعالى آيات مخرجها أمر ومعانيها وجوه متغايرة . فمنها تهديد ، ومنها إعجاز ، ومنها إيجاب ، ومنها إرشاد ، ومنها إطلاق ولا تدرك معرفة ذلك إلا من جهة اللغة .

أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن أيوب العكبري إجازة ، أنا علي بن أحمد بن أبي غسان البصري ، نا زكريا بن يحيى الساجي ح ( وأخبرنا ) محمد بن عبد الله القرشي قراءة ، أنا عياش بن الحسن البندار ، نا محمد بن الحسين الزعفراني ، قال : أخبرني زكريا الساجي ، قال : حدثني ابن بنت الشافعي رحمه الله ، قال : سمعت أبي يقول : أقام الشافعي علم العربية وأيام الناس عشرين سنة فقلنا له في هذا فقال : ما أردت بها إلاّ الاستعانة للفقه .

أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن المظفر الدقاق ، أنا القاضي أبو بكر محمد بن محمد بن جعفر الفرضي المعروف بابن الدقاق ، قال : سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد يقول : سمعت إبراهيم الحربي يقول : من تكلم في الفقه بغير لغة تكلم بلسان قصير .

وأما العبرة التي في معنى الأصل فهي نحو قول الله تعالى : ( { ولا تقل لهما أف } ) [3] فكان ما هو أضر منه حراماً اعتباراً به وهذا ونحوه لم يتنازع الناس فيه ولا يعذر أحد بجهله .

والضرب الثاني من العبرة هو المعاني المتسعة التي تدرك بدقيق النظر وقياس بعضها على بعض وحكم الغائبات يعلم بالاستدلال بالمشاهدات قال الله تعالى : ( { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ) [4] فأقام الله سبحانه حجته على المنكرين ربوبيته الدافعين قدرته على إحياء الأموات وبعث الأنام بما تلونا ليعتبروا أن القادر على انشاء المعدوم ونقله من حال إلى حال واعدامه بعد الوجود ومحي الأرض الهامدة قادر على احياء النفوس فقال : ( { ذلك بأن الله هو الحق وإنه يحيي الموتى وانه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لاريب فيها وان الله يبعث من في القبور } ) [5] .

ثم عرى من العلم الدافع لما وصفنا من العبرة وضلله وأوعده فقال تعالى : ( { ومن الناس من يجادلك في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } ) [6] فيجب على من كملت فيه المعرفة بهذه الأصول التي تقدم ذكرها وأراد المناظرة أن يكون نظره في دليل لا في شبهة ، ويستوفي شروط الدليل ويرتبه على حقه فإن حجته تفلح بعون الله تعالى وتوفيقه .

ذكر الدليل ومعناه

أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، نا معاذ بن المثنى ، قال : سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول : أصول الإيمان ثلاثة : دال ، ودليل ، ومستدل . فالدال الله عز وجل ، والدليل القرآن ، والمستدل المؤمن ، فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر .

سمعت أبا إسحاق الفيروزآبادي رحمه الله يقول : الدليل هو المرشد إلى المطلوب ، ولا فرق بينما يقطع به من الأحكام وبين ما لا يقطع به ، واما الدال فهو الناصب للدليل وهو الله عز وجل ، وقيل هو والدليل واحد كالعالم والعليم وإن كان أحدهما أبلغ ، والمستدل هو الطالب للدليل ويقع ذلك على السائل لأنه يطلب الدليل من المسؤول وعلى المسؤول لانه يطلب الدليل من الأصول ، والمستدل عليه هو الحكم الذي هو التحليل والتحريم ، والمستدل له يقع على الحكم لأن الدليل يطلب له ويقع على السائل لأن الدليل يطلب له ، والاستدلال هو طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل للمسؤول وقد يكون من المسؤول في الأصول .

قال الحافظ أبو بكر الخطيب رضي الله عنه قلت : والفقهاء يسمون أخبار الآحاد دلائل والقياس وكل ما أدى إلى غلبة الظن سموه : حجة ودليلاً . والمحققون من المتكلمين وأهل النظر يعيبونهم في ذلك ويقولون : الحجة والدليل ما أكسب المحتج والمستدل علماً بالمدلول عليه وأفضى إلى يقين فأما ما يفضى عليه بغلبة الظن فليس بدليل في الحقيقة وإنما هو إمارة .

قال الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله ، قلت : وما غلط الفقهاء ولا المتكلمون . أما المتكلمون فقد حكوا الحقيقة في الدليل والحجة ، وإما الفقهاء فسموا ما كلفوا المصير إليه بأخبار الآحاد وبالقياس وغيره مما لا يكسب علماً وإنما يفضي إلى غلبة الظن دليلاً لأن الله تعالى أوجب عليهم الحكم بما أدى إليه غلبة الظن من طريق النظر فسموه حجة ودليلاً للانقياد بحكم الشرع إلى موجبه . وقد قيل : إنما سموا ما أفضى إلى غلبة الظن دليلاً وحجة في أعيان المسائل لأنه في الجملة معلوم أعني أخبار الآحاد والقياس وإنما يتعلق بغلبة الظن أعيان المسائل .

فأما الأصل فإنه متيقن مقطوع به وقد ورد القرآن بتسمية ما ليس بحجة في الحقيقة حجة قال الله تعالى : ( { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ) [7] وقال تعالى : ( { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } ) فأما الآية الأولى فإن تقديرها بعثت الرسل وأزحت العلل حتى لا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ولا تقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فأزاح الله العلل بالرسل حتى لا يكون لهم حجة فيما ارتكبوه من المخالفة .

ويجب أن تعلم ان الله لو ابتدأ الخلق بالعذاب لم يخرج بذلك عن الحكمة ولا كانت عليه حجة وله أن يفعل ذلك لأنه قسم من أقسام التصرف في ملكه فبان أن ما يقولونه ليس بحجة إذ ليس ذلك من شرط عذابه وإنما سماه حجة لأنه يصدر من قائله مصدر الحجاج والاستدلال .

وأما الآية الأخرى فإنها نزلت في اليهود وذلك انهم قالوا لو لم يعلم محمد أن ديننا حق ما صلى إلى بيت المقدس فأنزل عز وجل : ( { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ) يعني اليهود في قولهم هذا وإن لم يكن حجة في الحقيقة ، وليس تفرق العرب بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن أن تسميه حجة ودليلاً وبرهاناً .

أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعالي ، أنا أبو بكر أحمد بن نصر بن عبد الله الدارع بالنهروان ، قال : سئل ثعلب ، وأنا أسمع ، عن البرهان فقال : الحجة . قال الله تعالى : ( { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ) [8] أي حجتكم .

باب أدب الجدل

ينبغي للمحادل أن يقدم على جداله تقوى الله تعالى لقوله سبحانه : ( { فاتقوا الله ما استطعتم } ) [9] ولقوله : ( { ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ) [10] .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، انا الحسين بن صفوان البردعي ، نا عبد الله بن محمد ابن عبيد القرشي ، نا إسحاق بن إسماعيل ، نا جرير عن ليث عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب ، قال : قال معاذ بن جبل : يا رسول الله أوصيني قال ﷺ : «اتق الله حيث ما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن » .

أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ ، نا أبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول الأنباري إملاء ، قال : نا الحسن بن عرفة ، نا النضر بن إسماعيل عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال قيل له : من أفقه أهل المدينة ؟ قال : أتقاهم لربه عز وجل

أخبرنا أخبرنا علي بن محمد المعدل ، أنا الحسين بن صفوان ، نا عبد الله بن محمد بن عبيد ، نا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة ، نا عبد المجيد بن عبد العزيز عن الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن وهب بن منبه ، قال : الإيمان عريان ، ولباسه التقوى ، وزينته الحياء ، وجماله الفقه . ويخلص النية في جداله بأن يبتغي به وجه الله تعالى .

فقد أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج ، قال : انا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني الحافظ ، أنا إبراهيم بن عبد الله السعدي ، انا يزيد بن هارون ، انا يحيى بن سعيد ان محمد ابن إبراهيم أخبره ، انه سمع علقمة بن وقاص يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله يقول ﷺ : «إنما الأعمال بالنية وإنما لامرىء ما نوى » .

وليكن قصده في نظره إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم .

فقد أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، نا أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي الكوفي ، أنا أبو القاسم الحسن بن محمد هو السكوني انا وكيع ، نا علي بن اشكاب ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا يوسف يقول : يا قوم أريدوا بعلمكم الله عز وجل فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى افتضح .

أخبرنا أحمد بن علي بن أيوب العكبري إجازة ، انا علي بن أحمد بن أبي غسان البصري بها ، نا زكريا بن يحيى الساجي ح ( وأخبرنا ) محمد بن عبد الملك القرشي قراءة عليه ، انا عياش بن الحسن ، قال : نا محمد بن الحسين الزعفراني ، قال : أخبرني زكريا الساجي ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : سمعت الحسين الكرابيسي يقول ، قال الشافعي رضي الله عنه : ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان وتكون عليه رعاية من الله وحفظ ، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه .

ويبني أمره على النصيحة لدين الله والذي يجادله لأنه أخوه في الدين مع أن النصيحة واجبة لجميع المسلمين .

أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو يحيى زكريا بن يحيى المروزي ، نا سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة ، سمع جرير بن عبد الله رضي الله عنه يقول : بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم .

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر وعلي بن أبي علي ، قالا : أنا علي بن عبد العزيز البرذعي ، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، قال : أخبرني أبو محمد قريب الشافعي فيما كتب إلي ، قال : سمعت الزعفراني يعني الحسن بن محمد الصباح وأبا الوليد بن أبي الجارود ، قال أحدهما : سمعت محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وهو يحلف ويقول : ما ناظرت أحداً إلا على النصيحة . قال : وقال الآخر : سمعت الشافعي قال : والله ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطىء .

أخبرنا الحسن بن علي التميمي ، نا عمر بن أحمد بن عثمان ، قال : سمعت عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول سمعت الشافعي يقول : ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطيء .

وليرغب إلى الله في توفيقه لطلب الحق فإنه تعالى يقول : ( { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } ) [11] ويستشعر في مجلسه الوقار ويستعمل الهدى وحسن السمت وطول الصمت إلا عند الحاجة إلى الكلام .

فقد أخبرنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن شهريار الأصبهاني ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا محمد بن أحمد أبو عبد الله القاضي البركاني ، نا نصر بن علي ، نا نوح بن قيس عن عبد الله بن عمران الحداني عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد والتؤدة جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة » .

أخبرنا أبو الفتح بن أبي الفوارس ، نا علي بن عبد الله بن المغيرة ، قال : نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : إذا تم العقل نقص الكلام ، وإن ندرت من خصمه في جداله كلمة كرهها أغضى عليها ولم يجازيه بمثلها فإن الله تعالى يقول : ( { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ) [12] وقال تعالى : ( { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } ) [13] .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل ، أنا الحسين بن صفوان البرذعي ، نا عبد الله ابن محمد بن أبي الدنيا ، قال : حدثني عبد الرحمن بن صالح ، نا يونس بن بكير عن رجل من قريش عن الزهري عن سالم عن أبيه ، قال : قال رجل لعمر بن الخطاب : والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل ، فغضب عمر حتى عرف في وجهه فقال له رجل إلى جنبه : يا أمير المؤمنين ألم تسمع ان الله تعالى يقول : ( { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ) [14] فهذا من الجاهلين ، فقال عمر : صدقت صدقت . فكأنما كانت ناراً فأطفئت .

أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، أنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق ، نا محمد بن صالح بن ذريح العكبري ، نا هناد بن السري ، نا وكيع عن مبارك زاد غيره عن الحسن : ( { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ) قال : حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم حلموا .

وينبغي أن لا يتكلم بحضرة من يشهد لخصمه بالزور أو عند من إذا وضحت لديه الحجة دفنها ولم يتمكن من إقامتها فإنه لا يقدر على نصرة الحق إلا مع الانصاف وترك التعنت والاجحاف .

أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أنا محمد بن مخلد العطار ، نا أحمد ابن منصور هو الرمادي قال : نا حرملة بن وهب ، قال : سمعت مالكاً يقول : ذل وإهانة للعلم إذا تكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه .

ويكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً فإن التحفظ من الزلل مع الاقلال دون الاكثار وفي الاكثار أيضاً ما يخفي الفائدة ، ويضيع المقصود ويورث الحاضرين الملل .

أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز وعلي بن أحمد بن عمر المقري ، قالا : أنا جعفر بن محمد ابن نصير الخلدي ، نا إبراهيم بن نصر مولى منصور بن المهدي ، قال : حدثني إبراهيم بن بشار ، قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : الحزم في المجالسة أن يكون كلامك عند الأمر ، والسؤال بالمسألة في موضع الكلام على قدر الضرورة والحاجة مخافة الزلل ، فإذا أمرت فاحكم ، وإذا سئلت فأوضح ، وإذا طلبت فأحسن ، وإذا أخبرت فحقق ، واحذر الاكثار والتخليط فإن من كثر كلامه كثر سقطه .

ولا يرفع صوته في كلامه عالياً فيشق حلقه ويحمي صدره ويقطعه وذلك من دواعي الغضب ، وقد حكي ان رجلاً من بني هاشم اسمه عبد الصمد تكلم عند المأمون فرفع صوته فقال له المأمون : لا ترفع صوتك يا عبد الصمد ان الصواب في الأسد لا الأشد . ولا يخفي صوته اخفاء لا يسمعه الحاضرون فلا يفيد شيئاً بل يكون مقتصداً بين ذلك .

ويجب عليه الاصلاح من منطقه وتجنب اللحن في كلامه والافصاح عن بيانه فإن ذلك عون له في مناظرته ألا ترى إلى استعانة موسى بأخيه عليه السلام حيث يقول : ( { وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني } ) [15] وقوله عليه السلام : ( { وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي } ) [16] .

أخبرنا أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري ، نا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري املاءًا ، أنا محمد بن يحيى الصولي ، نا محمد بن عبد الرحمن السلمي ، نا المازني ، قال : سمع أبو عمرو أبا حنيفة يتكلم في الفقه ويلحن فأعجبه كلامه واستقبح لحنه فقال : انه لخطاب لو ساعده صواب ، ثم قال لأبي حنيفة : انك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس .

قرأت على أبي الحسين بن الفضل القطان عن أبي بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش ، قال : نا محمد بن هارون بطبرستان ، نا أبو حاتم عن الأصمعي ، قال : ما هبت عالماً قط ما هبت مالكاً حتى لحن فذهبت هيبته من قلبي وذلك انني سمعته يقول : مطرنا مطراً وأي مطراً فقلت له في ذلك ، فقال : كيف لو قد رأيت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ؟ كنا إذا قلنا له كيف أصبحت يقول : بخيراً بخيراً . وإذا مالك قد جعل لنفسه قدوة يقتدي به في اللحن . ثم رأيت محمد بن إدريس في وقت مالك وبعد مالك قرأيت رجلاً فقيهاً عالماً ، حسن المعرفة ، بين البيان ، عذب اللسان يحتج ويعرب لا يصلح إلاّ لصدر سرير أو ذروة منبر وما علمت أنني أفدته حرفاً فضلاً عن غيره فلقد استفدت منه ما لو حفظ رجل يسيره كان عالماً .

وينبغي له أن يواظب على مطالعة كتبه عند وحدته ، ورياضة نفسه في خلوته بذكر السؤال والجواب وحكاية الخطأ والصواب لئلا ينحصر في مجالس النظر إذا رمقته أبصار من حضر .

قرأت على أبي بكر النقاش ، قال : نا ابن إدريس بهراة ، نا الربيع ، قال : قلت للشافعي : من أقدر الناس على المناظرة ؟ فقال من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ ولم يتلعثم إذا رمقته العيون بالألحاظ ، ولا يكون رخي البال قصير الهمة فإن مدارك العلم صعبة لا تنال إلا بالجهد والاجتهاد ، ولا يستحقر خصمه لصغره فيسامحه في نظره بل يكون على نهج واحد في الاستيفاء والاستقصاء لأن ترك التحرز والاستظهار يؤدي إلى الضعف والانقطاع .

أخبرنا أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس الحافظ ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز :إنما يقتل الكبار الأعداء الصغار الذين لا يخافون فيتقون ولا يؤبه لهم وهم يكيدون .

( وأنبأنا ) أبو سعد الماليني ، قال : أنشدنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الادريسي ، قال : أنشدني أبو الفتح البستي :

لا يستخفن الفتى بعدوه ......أبداً وإن كان العدو ضئيلاً

ان القذى يؤذي العيون قليله....... ولربما جرح البعوض الفيلا

وينبغي أن لا يكون معجباً بكلامه مفتوناً بجداله فإن الاعجاب ضد الصواب ومنه تقع العصبية ، وهو رأس كل بلية .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقريء ، أنا محمد بن الحسين الآجري ، أنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ، نا محمد بن بكار ، نا عبيدة يعني بن حميد عن الأعمش عن عبد الله بن مرة ، قال : قال مسروق : بحسب امرىء من العلم أن يخشى الله ، وبحسب امرىء من الجهل أن يعجب بعلمه .

أخبرني محمد بن جعفر بن علان الوراق ، نا محمد بن جعفر الدقاق ، نا محمد بن جرير الطبري حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب أخبرني عبد الله بن عياش عن يزيد بن قوذر عن كعب ، انه قال وأتاه رجل ممن يتبع الأحاديث : اتق الله ، وارض بدون الشرف من المجلس ، ولا تؤذين أحداً ، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك به إلا سفالاً ونقصاً .

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر بن مخلد المعدل وأبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار ، قال إبراهيم : ( وحدثنا ) ، وقال هلال : أنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش القطان ، نا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي نا حزم بن أبي حزم ، قال : سمعت الحسن يقول : لو كان كلام ابن آدم كله صدقاً وعمله كله حسناً يوشك أن يجن ، قالوا وكيف يجن ؟ قال يعجب بعلمه .

أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة بن أحمد بن سعيد قال قال عبد الله بن المعتز : العجب شر آفات العقل .

أخبرنا أبو سعيد الخصيب بن محمد بن علي بن قتادة المعدل بأصبهان . نا أبو بكر بن المقرىء قال أنشدنا محمد بن عبد الله الرملي لمنصور بن إسماعيل الفقيه المصري :

قلت للمعجب لما.........قال مثلي لا يراجع

يا قريب العهد بالمخرج .........لم لا تتواضع

وإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعجل بالحكم به فربما كان في آخره ما يبين أن الغرض بخلاف الواقع له فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام . وبهذا أدّب الله تعالى نبيه في قوله تعالى : ( { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما } ) [17] ويكون نطقه بعلم وانصاته بحلم ، ولا يعجل إلى جواب ، ولا يهجم على سؤال ، ويحفظ لسانه من إطلاقه بما لا يعلم ، ومن مناظرته فيما لا يفهمه فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الخجل والانقطاع فكانه فيه نقصه وسقوط منزلته عند من كان ينظر إليه بعين العلم والفضل ويجدره بالمعرفة والعقل ، والعرب تقول : عيي صامت خير من غبي ناطق .

أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز الطاهري ، أنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : حدثني الزبير بن بكار حدثني محمد بن سلام ، قال : كان شاب يجلس إلى الأحنف بن قيس فأعجبه ما رأى من صمته إلى أن قال له ذات يوم يا أبا بحر أيسرك انك على شرفة من شرف المسجد وإن لك مائة ألف درهم ؟ فقال له الأحنف : يا ابن أخي والله أن المائة ألف الدرهم لمحروص عليها ، ولكني قد كبرت وما أقوى على القيام على هذه الشرفة ، وقام الفتى فلما ولى قال الأحنف :

وكائن ترى من صامت لك معجب ......زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده .........فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

أخبرنا أبو محمد عبد الملك بن محمد بن سلمان العطار ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري ، قال : نا أبو عروبة هو الحداني ثنا سليمان بن سيف ، قال : سمعت أبا عاصم يقول : قال رجل لأبي حنيفة : متى يحرم الطعام على الصائم ؟ قال : إذا طلع الفجر . قال : فقال له السائل : فإن طلع نصف الليل ؟ قال : فقال له أبو حنيفة : قم يا أعرج .

باب في السؤال والجواب وما يتعلق بهما من الكراهة والاستحباب

أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين المحتسب ، أنا أبو القاسم سليمان بن محمد بن أبي أيوب المعدل ، نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي ، قال : حدثني أبي سنة ستين ومائتين ، حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا سنة أربع وتسعين ومائة ، قال : حدثني أبي موسى بن جعفر ، حدثني أبي جعفر ابن محمد ، حدثني أبي محمد بن علي ، حدثني أبي علي بن الحسين ، حدثني أبي الحسين بن علي حدثني أبي علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله ﷺ : «العلم خزائن ، ومفتاحه السؤال ، فاسألوا يرحمكم الله فإنه يؤجر فيه أربعة : السائل ، والمعلم ، والمستمع ، والمحب لهم » .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا علي بن محمد بن أحمد المصري ، نا عمر بن عبد العزيز بن مقلاص ، نا أبي ، نا ابن وهب عن يونس ( وأنا ) ابن الفضل أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه نا يعقوب بن سفيان ، حدثني زيد بن بشر وعبد العزيز بن عمران ، قالا : أنا ابن وهب ، حدثني يونس عن ابن شهاب انه قال : إنما هذا العلم خزائن تفتحها المسألة .

أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي ، نا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الكاتب ، أنا أحمد بن عبيد الله بن عمار ، نا محمد بن عمران بن كثير الضبي ، قال : كان أبو يزيد النهشلي يقول : العلم قفل ، ومفتاحه المسألة وينبغي أن يكون كل واحد من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال مناظرته مستمعاً كلامه إلى أن ينهيه فإن ذلك طريق معرفته ، والوقوف على حقيقته ، وربما كان في كلامه ما يدله على فساده ، وينبهه على عواره فيكون ذلك معونة له على جوابه .

أخبرني أبو إسحاق البرمكي ، نا عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري ، نا أبو الحسين الحربي ، نا أحمد بن مسروق ، نا إبراهيم بن الجنيد ، قال : قال حكيم من الحكماء لا بنه : يا بني تعلم حسن الاستماع كما تعلم حسن الكلام ، فإن حسن الاستماع إمهالك المتكلم حتى يفضي إليك بحديثه ، والاقبال بالوجه ، والنظر وترك المشاركة في حديث أنت تعرفه .

أخبرنا علي بن محمد المعدل ، أنا أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي ، نا أبو بكر بن أبي الدنيا قال ، قال : محمد بن الحسين سمعت محمد بن عبد الوهاب السكوني يقول : الصمت يجمع للرجل خصلتين : السلامة في دينه ، والفهم عن صاحبه .

أخبرنا محمد بن أبي الفوارس ، نا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد ، قال : قال عبد الله بن المعتز : ربما دلت الدعوى على بطلانها والتزيد فيها قبل امتحانها وكذبت نفسها بلسانها . وينبغي أن يوجز السائل في سؤاله ، ويحدد كلامه ، ويقلل ألفاظه ، ويجمع فيها معانى مسلمة فإن ذلك يدل على حسن معرفته .

أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري وأبو بكر أحمد بن سليمان بن علي المقري الواسطي ، قالا : أنا علي بن عمر بن محمد الختلي ، نا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي نا هشام بن عمار ، نا محيسن بن تميم الدمشقي ، نا حفص بن عمر ، نا إبراهيم بن عبد الله بن الزبير عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، والتودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن السؤال نصف العلم » .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ، نا يحيى بن جعفر ، أنا زيد بن الحباب ، نا مهدي بن ميمون عن يونس بن عبيد عن ميمون بن مهران ، قال : التودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن المسألة نصف العلم .

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن خلف بن بخت العكبري ، نا أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن شجاع البخاري ، انا خلف بن محمد الحسام ، نا سهل بن شاذاويه ، نا عيسى بن أحمد ، نا أبو أسامة عن مسعر عن سعد بن إبراهيم ، قال : قال ابن عباس : ما سألني أحد عن مسألة إلا عرفته فقيه أوغير فقيه .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ، نا أحمد بن الهيثم بن خالد نا سعيد بن داود الزبيري ، نا مالك عن زيد بن أسلم ، انه كان إذا جاءه الإنسان يسأله فخلط عليه قال : اذهب فتعلم كيف تسأل ، فإذا تعلمت فاسأل .

ويلزم المجيب أن يسد بالجواب موضع السؤال ولا يتعدى مكانه ويجعل المثل كالممثل به ، ويختصر في غير تقصير وان احتاج إلى البيان بالشرح أطال من غير هذر ولا تكدير ، ويقابل باللفظ المعنى حتى يكون غير ناقص عن تمامه ولا فاصل عن جملته .

أخبرنا علي بن محمد المعدل ، أنا أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي ، نا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبو حفص الصيرفي ، قال : نا ميمون بن يزيد عن ليث عن مجاهد ، قال : كانوا يكتفون من الكلام باليسير .

أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع ، أنا أحمد بن الفضل بن خزيمة المفدى ، ثنا أبو العيناء عن الأصمعي ، قال : ذكر رجل رجلاً بليغاً فقال : ألفاظه قوالب لمعانيه .

أخبرنا محمد بن أبي الفوارس ، أنا ابن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد ، قال : قال عبد الله بن المعتز : إذا أعيتك الكلمة فلا تجاوزها إلى غيرها ، فإن الكلام إذا كثرت معانيه كثر تقلب اللسان والقلب فيه ، فوقفا محسورين أو بلغا مجهودين .

أخبرنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر إجازة ( وحدثني ) الحسين بن محمد بن عثمان النصيبي عنه قال : أخبرني عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا المبرد ، قال : قلت للأحنف : ما البلاغة ؟ فقال : صواب الكلام ، واستحكام الحجة ، والاستغناء عن الاكثار .

قرأت على ابن الفضل عن أبي بكر النقاش ، قال : نا أبو نعيم عبد الملك بن محمد القاضي ، قال : حدثني الربيع بن سليمان ، قال : قال رجل للشافعي يا أبا عبد الله ما البلاغة ؟ قال : البلاغة أن تبلغ إلى دقيق المعاني بجليل القول ، قال : فما الأطناب ؟ قال البسط ليسير المعاني في فنون الخطاب ، قال : فأيما عندك أحسن الإيجاز أم الاسهاب ؟ قال لكل من المعنيين منزلة ، فمنزلة الإيجاز عند التفهم ، ومنزلة الاسهاب عند الموعظة ، ألا ترى أن الله تعالى إذا احتج في كتابه كيف يوجز ، وإذا وعظ كيف يطنب في مثل قوله محتجا : ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) [18] وإذا جاءت الموعظة جاء بأخبار الأولين ، وضرب الأمثال بالسلف الماضين .

ومن أدب العلم ألاّ يجيب الرجل عما يسأل عنه غيره .

أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الشروطي ، نا المعافى بن زكريا الجريري ، نا محمد ابن الحسن بن زياد النقاش ، أنا داود بن وسيم ، أنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه ، قال : قال أبو عمرو بن العلا : ليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك ، أو تسأل من لا يجيبك ، أو تحدث من لا ينصت لك .

أخبرنا أبو يعلي أحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قال : أنا إسماعيل بن سعد بن سويد المعدل ، نا الحسين بن القاسم الكوكبي ، حدثني علي بن مهدي الكسروي ، حدثني أبي عن أبي سلمة بن هرمز انه قال : قال ابن المقفع : كانت الحكماء تقول : ليس للعاقل أن يجيب عما يسأل عنه غيره .

وليتق المناظر مداخل خصمه في كلامه وتقطيعه عليه واظهار التعجب منه وليمكنه من إيراد حجته فإنما يفعل ذلك المبطلون والضعفاء الذين لا يحصلون .

أخبرنا البرمكي ، نا عبد الله بن محمد بن حمدان العكبري ، نا أبو بكر بن القاسم الأنباري ، حدثني أبي ، نا أحمد بن عبيد عن الهيثم بن عدي ، قال : قالت الحكماء : ان من الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه لقطع حديثه .

وإذا همّ بقول أن يقوله ثم تبين له خطأه فامسك عنه فليحدث الشكر لله على ما عصمه من التسرع إلى الخطأ وليغتبط بذلك .

فقد أخبرنا محمد بن أبي الفوارس ، أنا ابن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد ، قال : قال ابن المعتز : افرح بما لا تنطق به من الخطأ مثل فرحك بما لم تسكت عنه من الصواب .

وإن أفحش الخصم في جوابه وأحال في حجاجه فينبغي ألا يحتد عليه ليحذر من الصياح في وجهه والاستخفاف به فإن ذلك من أخلاق السفهاء ومن لا يتأدب بآداب العلماء .

أخبرنا ابن الفضل ، قال : أنا دعلج بن أحمد ، أنا أحمد بن علي الابار ، أنا أحمد بن سعد الرباطي ، نا عبد الصمد بن عبد الوارث ، نا الحسن بن دينار عن محمد بن سيرين بن شريح ، قال : الحدة كنية الجهل .

أخبرنا أبو الحسين بن بشران عن الحسين بن صفوان البرذعي ، قال : نا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، حدثني هارون بن أبي يحيى عن رجل من قريش ، قال : قال بعض الأنصار : رأس الحمق الحدة ، ورائده الغضب ، ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم ، الحلم زين ومنفعة ، والجهل شين ومضرة ، والسكوت عن جواب الأحمق جوابه .

( وقال ) ابن أبي الدنيا ، حدثنا خالد بن خداش ، نا حماد بن زيد عن زهير أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي قال ﷺ : «ألا ان الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه ؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليلصق خده بالأرض .

أخبرنا ابن أبي الفوارس ، نا ابن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد قال : قال عبد الله بن المعتز : شدة الغضب تعثر المنطق ، وتقطع مادة الحجة وتفرق الهم . وقال أيضاً : لا يمكن أن لا تغضب لكن لا ينتهي غضبك إلى الاثم ، واعف إذا لم يكن ترك الانتقام عجزاً .

وليعود لسانه من الكلام أحسنه ، ومن الخطاب ألينه .

فقد أخبرنا ابن بشران ، أنا الحسين بن صفوان ، نا ابن أبي الدنيا ، نا خلف بن هشام ، نا بقية بن الوليد عن أرطأة بن المنذر عن أبي عون الأنصاري ، قال : ما تكلم الناس بكلمة صعبة الا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها .

أخبرنا عبد الله بن عمر بن أحمد الواعظ ، قال : حدثني أبي ، نا عبد الله بن سليمان ، نا إسحاق بن إبراهيم عن القحذمي ، قال : قيل لخالد بن صفوان : ما أبر كلامك ، قال : انه يقوم علي برخص ، قال : فنادى غلامه ، فقيل : انه مشغول ، فقال : شغله الله بخير ثم نادى جاريته ، فقيل : انها نائمة ، فقال : أنام الله عينها ، فضحكت فقال : مم تضحك ، أضحك الله سنك .

وليعمد إلى المقصود من كلام خصمه ولا يتعلق بما يجري في عرضه مما لا يعتمده فإن المعول على المقصود والظهور على الخصم بابطال ما قصده وعول عليه واعتمده ، ولا يتكلم على ما لم يقع له علمه من كلامه فإن الجواب لا يصح عما لم يفهمه ولم يتصور مراد خصمه منه .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد الحناي وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله ابن محمد الحربي ، قالا : أنا أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد ، نا هلال بن العلا ، نا ابن نفيل ، قال النجاد : وحدثنا جعفر بن محمد البالسي ، نا النفيلي ( وأخبرنا ) عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ ، قال : حدثني أبي نا أحمد بن عيسى بن السكين ، نا هاشم بن القاسم ، قالا : نا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عجلان ، قال : قال لقمان لابنه : يا بني كن سريعاً تفهم ، بطيئاً تكلم ، ومن قبل أن تتكلم تفهم .

ولم يذكر الواعظ محمد بن إسحاق في إسناده .

حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي الدسكري لفظاً بحلوان ، أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن المقري بأصبهان ، نا حسن بن علي الفراء المصري ، نا الحارث بن مسكين ، أنا ابن وهب قال : سمعت مالكاً يقول : لا خير في جواب قبل فهم .

وليتجنب التقعير في الكلام والوحشي من الألفاظ فإنه مناف للبلاغة بعيد من الحلاوة .

قرأت على أبي الحسين بن الفضل القطان عن أبي بكر محمد بن الحسين بن زياد المقري النقاش ، قال : نا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ، نا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : أحسن الاحتجاج ما أشرقت معانيه ، وأحكمت مبانيه ، وابتهجت قلوب له سامعيه . وما أحسن ما وصف به بعض العرب الشافعي في نظره : فقال فيما أخبرنا ابن الفضل عن النقاش ، قال : نا الحسين بن إدريس بهراة ، نا الربيع ، قال : كنا جلوساً في حلقة الشافعي بعد موته بيسير فوقف علينا إعرابي فسلم ، ثم قال لنا : أين قمر هذه الحلقة وشمسها ! ؟ فقلنا توفي رحمه الله فبكى بكاءاً شديداً ، وقال : توفي رحمه الله وغفر له ، فلقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ، ويبدي على خصمه واضح المحجة ، ويغسل من العار وجوهاً مسودة ، ويوسع بالرأي أبواباً منسدة ، ثم انصرف .

آخر الجزء السابع

يتلوه إن شاء الله في الذي يليه ، وهو الثامن : باب تقسيم الأسئلة والأجوبة والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه أجمعين وسلم .


هامش

  1. [ القصص : 05 ]
  2. [ المؤمنون : 17 ]
  3. [ الاسراء : 32 ]
  4. [ الحج : 5 ]
  5. [ الحج : 7 ]
  6. [ الحج : 9 ]
  7. [ النساء : 165 ]
  8. [ البقرة : 111 ]
  9. [ التغابن : 61 ]
  10. [ النحل : 128 ]
  11. [ العنكبوت : 56 ]
  12. [ المؤمنون : 69 ]
  13. [ الفرقان : 36 ]
  14. [ الأعراف : 199 ]
  15. [ القصص : 43 ]
  16. [ طه : 72 ]
  17. [ طه : 114 ]
  18. [ الأنبياء : 22 ]
الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر