الفقيه والمتفقه/الجزءالتاسع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالتاسع
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء التاسع

قال الحافظ أبو بكر الخطيب رضي الله عنه وعنا : ثم إني نظرت في حال من طعن على أهل الحديث فوجدته أحد رجلين : اما عامي جاهل ، أو خاص متحامل .

فأما الجاهل فمعذور في اغتيابه ، وطعنه على أهل العلم وأربابه .

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد الخياط ، نا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد ، نا الحسن بن إسماعيل الربعي ، قال : نا عبد الرحمن بن إبراهيم الفهري عن أبيه عن محمد بن مسلم الزهري ، انه قال : العلم عند أهل الجهل قبيح كما أن الجهل عند أهل العلم قبيح .

قال : وقال الزهري : العلم ذكر لا يحبه من الرجال إلا مذكروهم ، ولا يبغضه من الناس إلا مؤنثوهم .

أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الاسترابادي ، نا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الجرجاني ، أخبرني أبو عمرو العاصمي ، قال : حكى المزني عن الشافعي رضي الله عنه ، قال العلم جهل عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم ، وأنشد فيه .

ومنزلة السفيه من الفقيه..... كمنزلة الفقيه من السفيه

فهذا زاهد في قرب هذا......وهذا فيه أزهد منه فيه

أخبرنا أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس الحافظ ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، أنا عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد : العالم لا يعرف الجاهل لأنه قد كان جاهلاً والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً وقد قيل : المرء عدو ما جهل .

وجاء هذا الكلام بلفظ آخر وهو : من جهل شيئاً عاداه . ونظم هذا الكلام في أبيات تعزى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فالله أعلم بصحة ذلك . وهي :

الناس من جهة التمثيل أكفاء ......... أبوهم آدم والأم حواء

وإن يكن لهم من بعد ذا شرف ......... يفاخرون به فالطين والماء

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ......... على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امريء ما كان يحسنه ......... والجاهلون لأهل العلم أعداء

فعش بعلم ، ولا تبغى به بدلا فالناس موتى ، وأهل العلم أحياء

وهذا المعنى مأخوذ من قول الله سبحانه : ( { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } ) [1] .

واما طعن المتخصصين من أهل الرأي والمتكلمين

فأنا أبين السبب فيه ليعرفه من لم يكن يدريه اما أهل الرأي فَجُلُّ ما يحتجون به من الأخبار واهية الأصل ضعيفة عند العلماء بالنقل ، سئلوا عنها : بينوا حالها ، وأظهروا فسادها ، فشق عليهم انكارهم إياها وما قالوه في معناها وهم قد جعلوها عمدتهم واتخذوها عدتهم وكان فيها أكثر النصرة لمذاهبهم وأعظم العون على مقاصدهم ومآربهم ، فغير مستنكر طعنهم عليهم وإضافتهم أسباب النقص إليهم وترك قبول نصيحتهم في تعليلهم ورفض ما بينوه من جرحهم وتعديلهم لأنهم قد هدموا ما شيدوه وأبطلوا ما راموه منه وقصدوه وعللوا ما ظنوا صحته واعتقدوه واما المتكلمون فهم معذورون فيما يظهرونه من الازدراء بهم ، والعيب لهم ، لما بينهم من التباين الباعث على البغضاء والتشاحن واعتقادهم في جل ما ينقلونه وعظم ما يروونه ويتداولونه ابطاله وإكفار الذين يصححونه واعظامهم الفرية وتسميتهم لهم الحشوية واعتقاد المحدثين في المتكلمين غير خاف على العلماء والمتعلمين فهما كما قال الأول :

الله يعلم أَنّا لا نحبكم ......... ولا نلومكم إذ لا تحبونا

فقد ذكرت السبب الموجب لتنافي هذين الفريقين وتباعد ما بين هاتين الطائفتين ورسمت في هذا الكتاب لصاحب الحديث خاصة ، ولغيره عامة ، ما أقوله نصيحة مني له ، وغيرة عليه ، وهو أن يتميز عمن رضي لنفسه بالجهل ولم يكن فيه معنى يلحقه بأهل الفضل وينظر فيما أذهب فيه معظم وقته وقطع به أكثر عمره ، من كتب حديث رسول الله وجمعه ، ويبحث عن علم ما أمر به من معرفة حلاله وحرامه ، وخاصه ، وعامه ، وفرضه وندبه ، وإباحته وحظره ، وناسخه ومنسوخه ، وغير ذلك من أنواع علومه قبل فوات ادراك ذلك فيه .

فقد أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه ، ثنا محمد بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم السرخسي ، ثنا محمد بن المنذر الهروي ، قال : ثنا الحسن بن عامر النصيبي ، قال : سمعت أحمد بن صالح يقول : قال الشافعي : تفقه قبل أن ترأس ، فإذا ترأست فلا سبيل إلى الفقه .

أخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي ، انا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ، نا موسى بن عبيد الله ابن يحيى ، قال : حدثني عبد الله بن أبي سعد ، حدثني أبو محمد المروذي ، قال : كان يقال : إنما تقبل طينة الخاتم ما دامت رطبة .

أي ان العلم ينبغي أن يطلب في طرواة السن .

وجاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، انه قال : تفقهوا قبل أن تسودوا : أخبرناه علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، انا إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا سعد ان بن نصر ، ثنا وكيع عن ابن عون .

( وأخبرنا ) محمد بن أحمد بن رزق ، انا عثمان بن أحمد الدقاق ، ثنا حنبل بن إسحاق ، ثنا بكار بن محمد ، ثنا عبد الله بن عون ( وانا ) الحسن بن أبي بكر ، انا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، ثنا محمد بن غالب بن حرب ( وأخبرنا ) أبو الفرج محمد بن عمر بن محمد الجصاص ، أنا أحمد بن يوسف بن خلاد العطار ، نا أحمد بن علي هو الخزاز قالا : ثنا هوذة بن عون ( وأخبرنا ) الحسن بن أبي الحسن ، نا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الآدمي القاريء ، ثنا محمد بن القاسم مولى بني هاشم ، ثنا أزهر عن ابن عون عن محمد عن الأحنف وفي حديث وكيع وبكار عن ابن سيرين عن الأحنف بن قيس ، قال : قال عمر بن الخطاب : تفقهوا قبل أن تسودوا .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، انا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، ثنا محمد بن يونس القرشي ثنا أزهر ، ثنا ابن عون عن الحسن عن الأحنف بن قيس ، قال : قال عمر بن الخطاب تفقهوا قبل أن تسودوا .

كذا قال : عن الحسن ، والصواب : عن ابن سيرين ، كما ذكرناه أولاً والله أعلم .

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن البادا ، انا دعلج بن أحمد ، ثنا علي بن عبد العزيز قال : قال أبو عبيد في حديث عمر : تفقهوا قبل أن تسودوا ، يقول : تعلموا العلم ما دمتم صغاراً قبل أن تصيروا سادة رؤساء منظوراً إليكم فإن لم تعلموا قبل ذلك استحيتم أن تعلموا بعد الكبر فبقيتم جهالا تأخذونه من الأصاغر فيزري ذلك بكم .

وهذا شبيه بحديث عبد الله : لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، فإذا أتاهم من أصاغرهم فقد هلكوا .

قال أبو عبيد : وفي الأصاغر تفسير آخر بلغني عن ابن مبارك ، انه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البدع ولا يذهب إلى السن .

أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ ، انا عمر بن محمد بن أحمد الجمحي ، ثنا علي ابن عبد العزيز ، ثنا محمد بن عمار الموصلي ، ثنا عفيف بن سالم عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله عن اشراط الساعة ﷺ قال : « ان من اشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر » .

وقال علي ، نا مسلم بن إبراهيم ، نا شعبة عن أبي إسحاق عن سعد بن وهب عن عبد الله ، ) ﷺ : ( قال : لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوا من صغارهم وشرارهم هلكوا .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر ، نا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز ، انا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، قال : سألت عن قوله : ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم . يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشائخ ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه واستصحب التجربة والخبرة فلا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستذله الشيطان استذلال الحدث ، ومع السن الوقار ، والجلالة ، والهيبة . والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك .

ولا يقتنع بأن يكون راوياً حسب ومحدثاً فقط ، فقد أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا إبراهيم بن عبد الله المعدل ، نا أحمد بن علي الأنصاري ومولده بأصبهان ، نا أبو الصلت الهروي ، نا علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده عن آبائه ، أن رسول الله ﷺ قال : « كونوا دراة ولا تكونوا رواة حديث تعرفون فقهه خير من ألف تروونه » .

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي ، أنا علي بن عبد العزيز البرذعي ، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : في كتابي عن الربيع بن سليمان ، قال : سمعت الشافعي وذكر من يحمل العلم جزافاً ، فقال : هذا مثل حاطب ليل يقطع حزمة حطب فيحملها ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري .

قال الربيع : يعني الذين لا يسألون عن الحجة من أين .

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي ، أنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب المعبر ، نا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد ، قال : سئل بعضهم متى يكون الأدب ضاراً ؟ قال : إذا نقصت القريحة وكثرت الرواية .

أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، انا أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي الكوفي ، قال : قال لنا أبو العباس بن عقدة يوماً وقد سأله رجل عن حديث فقال : أقلوا من هذه الأحاديث فإنها لا تصلح إلا لمن علم تأويلها ، فقد روى يحيى بن سليمان عن ابن وهب ، قال : سمعت مالكاً يقول : كثير من هذه الأحاديث ضلالة لقد خرجت مني أحاديث لوددت إني ضربت بكل حديث منها سوطين وإني لم أحدث به .

ولعله يطول عمره فتنزل به نازلة في دينه يحتاج أن يسأل عنها فقيه وقته وعسى أن يكون الفقيه حديث السن فيستحي ، ) ﷺ : ( أو يأنف من مسألته ويضيع أمر الله في تركه تعرف حكم نازلته .

أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عمر بن محمد الجمحي ، نا علي بن عبد العزيز ، نا أبو نعيم الفضل بن دكين عن سعد بن أوس العنسي الكاتب عن بلال بن يحيى ، أن عمر قال : قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا ، فإن أدركه التوفيق من الله وسأل الفقيه لم يأمن أن يكون بحضرته من يدري به ويلومه على عجزه في مقتبل عمره إذ فرط في التعليم ، فينقلب حينئذ واجماً وعلى ما سلف من تفريطه نادماً .

حدثني أبو طاهر محمد بن أحمد بن علي الأشناني ، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي ، نا الحسن ابن عبد الرحمن ابن خلاد ، نا عبد الله بن أحمد بن معدان ، نا أحمد بن حرب الموصلي ، قال : سمعت محمد ابن عبيد يقول : جاء رجل وافر اللحية إلى الأعمش فسأله عن مسألة من مسائل الصبيان يحفظها الصبيان فالتفت إلينا الأعمش فقال : أنظروا إلى لحيته تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث ومسألته مسألة الصبيان .

وليعلم أن الاكثار من كتب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيهاً ، إنما يتفقه باستنباط معانيه ، وانعام التفكر فيه .

حدثني محمد بن أحمد بن الأشناني ، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي ، نا الحسن بن عبد الرحمن ، حدثني أحمد بن محمد بن سهيل الفقيه ، نا محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الأصبهاني بمكة ، نا مصعب الزبيري ، قال : سمعت مالك بن أنس قال لابني أخته أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس : أراكما تحبان هذا الشأن وتطلبانه ؟ قالا : نعم ، قال : ان أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما فأقلا منه وتفقهاً .

أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، أنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ، نا أحمد بن السري ، نا سهل بن زنجلة ، نا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن الأعمش ، قال : لما سمعت الحديث قلت : لو جلست إلى سارية أفتي الناس قال : فجلست إلى سارية فكان أول ما سألني عنه لم أدر ما هو .

أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الدقاق ، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي ، قال : نا ابن خلاد ، نا أبو عمر أحمد بن محمد بن سهل ، قال : حدثني رجل ذكره من أهل العلم ، قال ابن خلاد وأنسيت أنا اسمه قال : وقفت امرأة على مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث فسمعتهم يقولون : قال رسول الله . قد رواه فلان وما حدث به غير فلان . فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى وكانت غاسلة ، ) ﷺ : ( فلم يجبها أحد منهم وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ، فأقبل أبو ثور فقالوا لها عليك بالمقبل فالتفتت إليه وقد دنا منها فسألته ؟ فقال : تغسل الميت لحديث القاسم عن عائشة أن النبي قا لها : ﷺ : « اما أن حيضتك ليست في يدك » . ولقولها كنت أفرق رأس رسول الله بالماء وأنا حائض . قال أبو ثور : فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى به .

فقالوا نعم رواه فلان ، وحدثناه فلان ويعرفونه من طرق كذا ، وخاضوا في الطرق ، فقالت المرأة : فأين كنتم إلى الآن ؟

وإنما أسرعت ألسنة المخالفين إلى الطعن على المحدثين بجهلهم أصول الفقه وأدلته في ضمن السنن مع عدم معرفتهم مواضعها ، فإذا عرف صاحب الحديث بالتفقه خرست عنه الألسن ، وعظم محله في الصدور والأعين وخشي من كان عليه يطعن .

أنبأنا محمد بن عبد الله الحنائي ، نا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، نا عبد الله بن جابر الطرسوسي ، نا محمد بن العرجي العسكري ، قال : سمعت مسلماً الجرمي ، قال : سمعت وكيعاً يقول : لقيني أبو حنيفة ، فقال لي : لو تركت كتابة الحديث وتفقهت أليس كان خيراً ؟ قلت : أفليس الحديث يجمع الفقه كله ؟ قال : ما تقول في امرأة ادعت الحمل وأنكر الزوج ، فقلت له : حدثني عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي لاعن بالحمل فتركني . فكان بعد ذلك إذا رآني في طريق أخذ في طريق آخر .

أخبرني الحسن بن محمد بن الحسن الخلال ، نا محمد بن العباس الخزاز ، نا أبو بكر بن أبي داود ، نا علي بن خشرم ، قال : سمعت وكيع غير مرة يقول : يا فتيان تفهموا فقه الحديث ، فإنكم ان تفهمتم فقه الحديث لم يقهركم أهل الرأي .

أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي ، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي ، نا أحمد بن علي الابار ، نا علي بن خشرم المروزي ، قال : سمعت وكيعاً يقول لأصحاب الحديث : لو أنكم تفقهتم الحديث وتعلمتموه ما غلبكم أصحاب الرأي ، ما قال أبو حنيفة في شيء يحتاج إليه إلا ونحن نروي فيه باباً .

ولا بد للمتفقه من أستاذ يدرس عليه ، ويرجع في تفسير ما أشكل عليه ، ويتعرف منه طرق الاجتهاد ، وما يفرق به بين الصحة والفساد .

وقد أخبرنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي ، قال : نا عمر بن أحمد ابن عثمان المروروذي ، نا الحسين بن أحمد بن صدقة ، نا أحمد بن أبي خيثمة ، أخبرني سليمان بن أبي شيخ ، قال : أخبرني بعض الكوفيين قال : قيل لأبي حنيفة : في المسجد حلقة ينظرون في الفقه . فقال : لهم رأس ؟ قالوا لا قال : لا يفقه هؤلاء أبداً .

أخبرنا الحسن بن أبي طالب ، أنا علي بن عمرو الحريري ان علي بن محمد بن كاس النخعي حدثهم ، قال : نا إبراهيم بن إسحاق الزهري ، نا أبو نعيم ، قال : كنت أمر على زفر وهو محتب بثوب فيقول : يا أحول تعال حتى أغربل لك أحاديثك ، فأريه ما قد سمعت ، فيقول : هذا يؤخذ به وهذا لا يؤخذ به وهذا ناسخ وهذا منسوخ .

حدثني محمد بن علي الصوري املاءًا ، نا عبد الرحمن بن عمر المصري ، نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن وركان العامري ، نا إبراهيم بن أبي داود ، نا علي بن معبد ، نا عبيد الله بن عمرو ، قال : جاء رجل إلى الأعمش فسأله عن مسألة وأبو حنيفة جاليس فقال الأعمش : يا نعمان قل فيها ، فأجابه فقال الأعمش : من أين قلت هذا ؟ فقال : من حديثك الذي حدثتناه ، قال : نحن صيادلة وأنتم أطباء .

أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري ، انا عبد الله بن محمد الشاهد ، نا مكرم بن أحمد ، نا أحمد بن عطية ( وأخبرنا ) الحسن بن علي الجوهري ، انا محمد بن العباس الخزاز ، نا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ، قال : سمعت أبا إبراهيم المزني ، قال : انا علي بن معبد ، نا عبيد الله ابن عمرو ، قال : كنا عند الأعمش وهو يسأل أبا حنيفة عن مسائل ويجيبه أبو حنيفة ، فيقول له الأعمش : من أين لك هذا ؟ فيقول : أنت حدثتنا عن إبراهيم بكذا ، وحدثتنا عن الشعبي بكذا ، قال : فكان الأعمش عند ذلك يقول : يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة . واللفظ لحديث الصيمري .

أخبرنا أبو مسلم جعفر بن بابي الفقيه الجيلي ، أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقري بأصبهان نا محمد بن خالد بن يزيد البرذعي ، قال : سمعت عطية بن بقية يقول : قال لي أبي : كنت عند شعبة بن الحجاج إذ قال لي : يا أبا محمد إذا جاءتكم مسألة معضلة من تسألون عنها ؟ قال : قلت في نفسي : هذا رجل قد أعجبته نفسه قال : قلت : يا أبا بسطام نوجه إليك وإلى أصحابك حتى تفتونا ، قال : فما كان إلا هنيهة إذ جاءه رجل فقال : يا أبا بسطام رجل ضرب رجلاً على أم رأسه فادعى المضروب أنه انقطع شمه قال : فجعل شعبة يتشاغل عنه يميناً وشمالاً ، فأومأت إلى الرجل أن ألح عليه ، فالتفت وقال : يا أبا محمد ما أشد البغي على أهله ، لا والله ما عندي فيه شيء ولكن أفته أنت ، قال قلت : يسألك وأفتيه أنا ؟ قال : فإني قد سألتك ، قال : قلت سمعت الأوزاعي والزبيري يقولان : يدق الخردل دقاً بالغاً ثم يشم فإن عطس كذب وإن لم يعطس صدق ، ) ﷺ : ( قال : جئت بها يا فقيه والله ما يعطس رجل انقطع شمه أبداً .

فإن قال قائل درس الفقه إنما يكون في الحداثة وزمان الشبيبة لأنه يحتاج إلى الملازمة ، وشدة الصبر عليه والمداومة ، ولا يقدر على ذلك من علت سنه ، ولا يطمع فيه من مضى أكثر عمره قيل ليس مما ذكرت مانع من طلبه ، ولأن تلق الله طالباً للعلم خير من أن تلقاه تاركاً له ، زاهداً فيه راغباً عنه .

وقد أخبرني عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني ، نا محمد بن أحمد المفيد ، نا الحسن بن علي البصري ، نا العباس بن بكار الضبي ، نا محمد بن الجعد القرشي عن الزهري وعلي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس ، أن رسول الله ﷺ قال : « من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقيني ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة » .

وحدثني عبد العزيز بن أبي طاهر الدمشقي ، انا تمام بن محمد الرازي ، أنا محمد بن أحمد بن عرفجة القرشي ، نا يزيد بن محمد بن عبد الصمد ، نا يحيى بن صالح ، نا ابن بدر ربيعة عن ربيعة بن يزيد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « من طلب علماً فأدركه كان له كفلان من الأجر ، ومن لم يدركه كان له كفل من الأجر » .

وقال أبو محمد طاهر بن الحسين بن يحيى المخزومي البصري ساكن الري :

صل السعي فيما تبتغيه مثابراً ......... لعل الذي استبعدت منه قريب

وعاوده أن اكدى بك السعي مرة ......... فبين السهام المخطئات مصيب

أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، نا الزبير بن بكار ، قال : دخل يوماً منصور بن المهدي على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه ، فقال : ما عندك فيما يقول هؤلاء ؟ قال : يا أمير المؤمنين أغفلونا في الحداثة ، وشغلنا الطلب عند الكبر عن اكتساب الأدب ، قال : لم لا تطلب اليوم وأنت في كفاية ؟ قال : أو يحسن بمثلي طلب العلم ؟ قال والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل ، قال وإلى متى يحسن بي ؟ قال ما حسنت بك الحياة .

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي ، نا علي بن محمد بن عبد الله بن سعد العسكري ، نا أبو محمد بن خلاد الأرقط ، قال : قيل لأبي عمرو بن العلاء : أيحسن بالشيخ أن يتعلم ؟ قال : أن حسن بالشيخ أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم .

قرأت على ابن الفضل القطان عن أبي بكر النقاش ، قال : نا الحسين ابن خشرم بهرات ، نا الربيع ، قال : قال الشافعي : ما رأيت شيخاً له جدة لا يطلب العلم إلا رحمته كائناً من كان .

أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الله البصري ويعرف بابن الرويح ، نا أبو العلاء محمد ابن يوسف بن محمد حكام التمار بالبصرة ، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن قريش العنبري ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا كثير بن عبيد ، قال : سمعت بقية يذكر عن الأوزاعي قال : إني لأحب الشيخ يطلب العلم .

وقال أبو داود ، نا أحمد بن إبراهيم ، نا يحيى العبدي ، قال : سمعت حماد بن زيد يقول : كان أيوب يطلب بالعلم حتى مات .

أخبرنا أحمد بن محمد العقيلي ، أنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب ، نا أبو بكر بن دريد ، قال : نظر سقراط إلى رجل يحب النظر في الفلسفة ويستحي ، فقال له يا هذا تستحي أن تصير في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله ؟ وانا أذكر كيف ينبغي أن يكون أخذ المتفقه الفقه ، وتلقيه عن المدرس ، والمذاكرة به ، والحفظ له ، ومقدار ما يمكنه حفظه ، ورياضته نفسه ، واجمامها خوف السآمة عليها ، واستعمال حسن الأدب بحضرة الفقيه وأصحابه ، وأخلاق الفقيه في تدريسه ، وما يستحب له ، ويكره منه ، وارتب ذلك ترتيباً إذا اعتمده طالب العلم سهل عليه مناله ، وكان على ما يقصده ويبغيه عوناً له ان شاء الله تعالى .

باب اخلاص النية والقصد بالفقه وجه الله عز وجل

ينبغي لمن اتسع وقته وأصح الله له جسمه وحبب إليه الخروج عن طبقة الجاهلين وألقى في قلبه العزيمة على التفقه في الدين أن يغتنم المبادرة إلى ذلك خوفاً من حدوث أمر يقتطعه عنه وتجدد حال تمنعه منه .

فقد أخبرنا الحسن بن علي التميمي ، انا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ، نا مكي بن إبراهيم ، نا عبد الله ن سعيد بن أبي هند سمع أباه يحدث عن ابن عباس ، انه قال : قال رسول الله : ﷺ : « الصحة والفراغ مغبون فيهما كثير من الناس » .

أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، أنا أبو بكر محمد بن إسماعيل الوراق وأبو عمر محمد بن العباس الخزاز ، قالا : نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا الحسين بن الحسن المروزي ، أنا عبد الله بن المبارك ، انا جعفر بن برقان عن زياد بن الجراح عن عمرو بن ميمون الأزدي ، قال : قال رسول الله لرجل وهو يعظه : ﷺ : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » .

وليستعمل الجد في أمره واخلاص النية في قصده ، والرغبة إلى الله في أن يرزقه علماً يوفقه فيه ، ويعيذه من علم لا ينتفع به .

أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأت على عمر بن نوح البجلي وعلى أبي حفص بن الزيات وعلى علي بن محمد بن سعيد الرزاز ، حدثكم جعفر بن محمد الفيريابي ، نا قتيبة بن سعيد ، نا عبد الله بن إدريس عن زمعة بن عثمان عن محمد بن يحيى بن حيان عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، فأحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز » .

أخبرنا أبو محمد الجوهري ، انا محمد بن إسماعيل الوراق ومحمد بن العباس الخزاز ، قالا : نا يحيى بن صاعد ، نا الحسين بن الحسن ، قال : انا عبد الله بن المبارك ، قال : سمعت جعفر بن حيان يقول : ملاك هذه الأعمال النيات ، فإن الرجل يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله .

أخبرني أبو القاسم الأزهري ، نا محمد بن المظفر الحافظ ، نا محمد بن محمد الباغندي ، نا عيسى بن حماد ، نا الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عباد بن أبي سعيد ، انه سمع أبا هريرة يقول : كان رسول الله يقول : ﷺ : « اللهم إني أعوذ بك من أربع : من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعاء لا يسمع » .

وليحذر أن يكون قصده فيما يطلب المجادلة به ، والمماراة فيه ، وصرف الهمم إليه ، وأخذ الأعواض عليه .

فقد أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقريء ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، نا أبو محمد عبد الله بن صالح ، نا الحسن بن علي الحلواني ، نا سعيد بن أبي مريم ، نا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا لتماروا به السفهاء ولا لتجتروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار » .

أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن الخليل الماليني ، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ، نا عبيد الله بن سليمان بن الأشعث ، نا علي بن الحسين المكتب ، نا سعد بن الصلت ، نا عمر بن قيس عن أبي حازم عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله : « لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، أو لتماروا به السفهاء ، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم ، فمن فعل ذلك فهو في النار ، ولكن تعلموه لوجه الله والدار الآخرة » .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، انا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا محمد بن إسحاق الصاغاني ، نا يعلى بن عبيد ، نا محمد بن عون الخراساني عن إبراهيم بن عيسى عن عبد الله ابن مسعود قال لا تعلموا العلم لثلاث : لتماروا به السفهاء ، أو لتجادلوا به الفقهاء ، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم ، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه .

أخبرنا علي بن أحمد المقريء ، أنا محمد بن الحسين الآجري ، نا أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني ، نا بشر بن الوليد ، انا فليح بن سليمان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة » .

أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي ، نا الحسن بن جعفر الحربي ، قال : نا جعفر بن محمد الفريابي نا العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثني أبي ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : ويل للمتفقهين لغير العبادة ، والمستحلين الحرمات بالشبهات .

أخبرني أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، نا الحسن بن الحسين بن حمكان الهمداني ، نا الزبير ابن عبد الواحد ، نا الحسن بن سفيان ، نا أبو ثور ، قال : قال الشافعي لأهل الحلقة : تفقهوا مع فقهكم هذا بمذاهب أهل الاخلاص ، ولا تفقهوا بما يوديكم إلى ركوب القلاص ، فإن عيسى بن مريم إذا نزل لكم يطلب يا معشر الفقهاء .

باب التفقه في الحداثة وزمن الشبيبة

أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن يزداد القاريء ، انا عبد الله بن إبراهيم بن عبد الملك الأصبهاني بها ، نا محمد بن علي الفرقدي ، نا إسماعيل بن عمرو ، نا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس ، قال : ما بعث الله نبياً إلا شاباً ، وما أوتي العلم عالم خير له منه وهو شاب .

أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي ، نا عمر بن إبراهيم المقري ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا أبو خيثمة ، نا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان ، قال : صلينا يوماً خلف أبي ظبيان صلاة الأولى ونحن شباب كلنا من الحي إلا المؤذن فإنه شيخ فلما أن سلم التفت إلينا ثم جعل يسأل الشاب من أنت ؟ فلما سألهم قال : انه لم يبعث نبي إلا وهو شاب ولم يؤت العلم خير منه وهو شاب .

أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ ، حدثني أبي ، نا الحسين بن محمد بن سعد ، نا الربيع بن سليمان ، نا شعيب بن الليث بن سعد عن موسى بن علي عن أبيه ، ان لقمان الحكيم قال لابنه : يا بني ابتغ العلم صغيراً فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير ، يا بني ان الموعظة تشق على السفيه كما يشق الوعر الصعود على الشيخ الكبير .

أخبرنا محمد بن الحسن بن الفضل القطان ، نا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان حدثني زيد بن بشر وعبد العزيز يعني ابن عمران ويونس هو ابن عبد الأعلى قالوا : انا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب ، قال : قال هشام بن عروة : كان أبي يقول : انا كنا أصاغر قوم ثم نحن اليوم كبار ، وإنكم اليوم أصاغر وستكونون كباراً ، فتعلموا العلم تسودوا به قومكم ويحتاجوا إليكم .

أخبرنا الجوهري ، نا محمد بن العباس ، نا أبو بكر بن الأنباري املاءاً ، نا أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء ، قال : يقال خير الفقه القبلي ، وشر الفقه الدبري قال يعني الفراء : الدبري ما كان في آخر العمر بعد تقضي الشباب . قال أحمد بن يحيى وقال غيره يعني غير الفراء : الفقه القبلي : ما حاضرت به وحفظته ، والدبري : ما كان في كتابك وأنت لا تحفظه .

قال الشيخ أبو بكر الحافظ رحمه الله : قلت : التفقه في زمن الشبيبة واقبال العمر والتمكن منه بقلة الأشغال وكمال الذهن وراحة القريحة يرسخ في القلب ، ويثبت ، ويتمكن ويستحكم ، فيحصل الانتفاع به والبركة إذا صحبه من الله حسن التوفيق ، وإذا أهمل إلى حالة الكبر المغيرة للأخلاق الناقصة للآلات كان كما قال الشاعر :

إذا أنت أعياك التعلم ناشئاً ......... فمطلبه شيخاً عليك شديد

أخبرني الجوهري ، انا محمد بن عبد الله بن أيوب القطان ( وأخبرني ) أبو الطيب عبد العزيز بن أبي الحسين بن بشران ، انا محمد بن العباس الخزاز ، قال القطان : أخبرنا وقال الخزاز : نا أبو العباس إسحاق ابن محمد بن مروان ، نا أبي ، نا إسحاق بن وزير عن عبد الملك بن موسى عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « حفظ الغلام كالوسمة في الحجر » .

هذا آخر حديث الجوهري وقال ابن بشران : كالنقش في الحجر ، وحفظ الرجل بعد ما كبر ككتاب على الماء .

أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد الحربي الزاهد ، انا عمر بن محمد بن علي الناقدد قال : نا عبد الله بن صالح البخاري ، نا عقبة بن مكرم ، نا أبو شعيب المفضل بن نوح ( وأخبرنا ) القاضي أبو القاسم التنوخي واللفظ له ، نا محمد بن العباس الخزاز ، نا العباس بن العباس الجوهري ، نا عبد الله بن عمرو البلخي ، نا المفضل بن نوح الراسبي عن يزيد بن معمر ، قال : سمعت الحسن يقول الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر .

أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله النيسابوري الحربي ، نا أبو العباس محمد ابن إسحاق الأنماطي ، نا أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة نا صالح بن السمسار ، نا زيد بن حباب ، نا مفضل بن نوح الراسبي ، قال : حدثني يزيد بن معمر الراسبي عن الحسن البصري ، قال : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر .

أخبرنا أبو الحسن العتيقي ، نا محمد بن العباس ، نا العباس بن العباس الجوهري ، نا عبد الله بن عمرو ، نا الجراح بن مخلد ، نا الحسن بن قال : نا محمد بن عن القاسم بن نافع وهو القاسم بن أبي بزة قال : العلم في الصغر كالنقش في الحجر وقال بعض الشعراء :

وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر ......... وما العلم إلا بالتعلم في الصغر

ولو ثقب القلب المعلم في الصبا ......... لألفيت فيه العلم كالنقش في الحجر

أخبرنا ابن الفضل ، انا عبد الله بن جعفر ، نا يعقوب بن سفيان ، قال : نا أبو نعيم ، نا الأعمش عن إبراهيم ، قال : قال علقمة : ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة .

أخبرنا محمد بن عبد الله الرويح ، نا محمد بن يوسف بن محمد بن حكام التمار ، نا إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا ابن خبيق الأنطاكي ، نا محمد بن كثير عن معمر قال : جالست قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه شيئاً وأنا في ذلك السن إلا وكأنه مكتوب في صدري .

حدثني محمد بن أحمد بن علي الدقاق ، نا أحمد بن إسحاق بن النهاوندي ، نا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد ، نا أبو جعفر الحضرمي ، نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، نا الفضل بن موسى عن محمد ابن عبد الله عن أبي إسحاق ، قال : كان يختلف شيخ معنا إلى مسروق وكان يسأله عن الشيء فيخبره فلا يفهم فقال : أتدري ما مثلك ؟ مثلك مثل بغل هرم حطم جرب دفع إلى رائض فقيل له علمه الهملجة .

وينبغي للمتفقه أن يقطع العلائق ، ويطرح الشواغل فإنها موانع عن حفظ العلم ، وقواطع عن درس الفقه .

باب حذف المتفقه العلائق

كان بعض الفلاسفة لا يعلم أحداً يتعلق بشيء من الدنيا ويقول : العلم أجل من أن يشغل عنه بغيره .

أخبرنا الحسين بن علي الصيمري ، انا عبد الله بن محمد الشاهد ، نا مكرم بن أحمد ، ثنا أبو العباس ابن أخي جبارة ، نا مليح بن وكيع ، قال : سمعت رجلاً يسأل أبا حنيفة بم يستعان على الفقه حتى يحفظ ؟ قال : بجمع الهم ، قال : قلت : وبم يستعان على حذف العلائق ، قال : تأخذ الشيء عند الحاجة ولا تزد .

أخبرنا أحمد بن علي بن أيوب العبكري إجازة ، انا علي بن أحمد بن أبي غسان البصري ، نا زكريا ابن يحيى الساجي ( وأنا ) محمد بن عبد الملك القرشي قراءة ، انا عياش بن الحسين البندار ، نا محمد ابن الحسين الزعفراني أخبرني زكريا الساجي ، نا أحمد بن مردك ، قال : سمعت حرملة يقول : سمعت الشافعي يقول : لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح .

أخبرنا أبو بكر الرماني ، نا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص املاءا وقرأته عليه ، نا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، نا أحمد بن صالح ، نا ابن أبي فديك ، حدثني ابن أبي ذيب عن المقبري عن أبي هريرة ، انه كان يقول : أن الناس يقولون أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله لشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق قلبي أو قال : بطني بالحصى من الجوع .

ولأبي الفرج علي بن الحسين بن هندول :

ما للمعيل وللمعالي إنما ........يسعى إليهن الوحيد القادر

فالشمس تجتاب السماء وحيدة ..............وأبو بنات النعش فيها راكد

أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، نا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة ، قال : قال أبو الدرداء : كنت تاجراً قبل أن يبعث رسول الله فزاولت التجارة والعبادة فلم تجتمعا فأخذت العبادة وتركت التجارة .

وقيل : لا معلم للعلم إلا أحد رجلين اما غني غني وإما فقير فقير ، فقال : بعضهم أنا للفقير الفقير أرجى مني للغني الغني .

أخبرنا أبو الحسين أحمد بن الحسين بن أحمد الواعظ ، قال : سمعت جعفر بن محمد بن نصير الخلدي يقول : سمعت إبراهيم الآجري يقول : من طلب العلم بالفاقة ورث الفهم .

أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي ، انا عبد الله بن أحمد بن جعفر الشيباني ، انا عبد الله بن محمد بن مسلمة ، نا يونس بن عبد الأعلى ، نا ابن وهب عن مالك بن أنس ، قال : لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء .

أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، انا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى ، قال : سمعت جدي يقول : سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول : لا يدرك العلم إلا بالصبر على الضر .

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر وعلي بن أبي علي ، قالا : انا علي بن عبد العزيز البرذعي ، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، نا الربيع بن سليمان ، قال : سمعت الشافعي يقول : لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس فقيل : ولا الغني المكفي ؟ فقال : ولا الغني المكفي .

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الأشناني ، قال : سمعت أبا العباس محمد ابن يعقوب الأصم يقول : سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول : يحتاج طالب العلم إلى ثلاث خصال : أولها طول العمر ، والثانية سعة اليد ، والثالثة الذكاء .

قال الشيخ أبو بكر الحافظ رحمه الله : قلت أما طول العمر فإنما يقصد به دوام الملازمة للعلم وأراد بسعة اليد الا يشتغل بالاحتراف وطلب التكسب ، فإذا استعمل القناعة أغنته عن كثير من ذلك .

كما أخبرنا محمد ابن الحسن بن أحمد الأهوازي ، نا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي بالأهواز ، نا أحمد بن أبي قلابة ، نا محمد بن سلمة ، نا المنكدر بن محمد عن أبيه عن جابر ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « القناعة مال لا ينفذ » .

أخبرني الحسن بن محمد بن الحسن الخلال ، قال : أنشدنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال أنشدني أبو الحسن بن لقمان الصوفي لنفسه :

إذا ما اقتنع العبد ..........كفاه أيسر الرزق

وإذ أعمق في الرزق ...........تراه الدهر في الرق

وإذا رزقه الله تعالى الذكاء فهو إمارة سعادته وسرعة بلوغه إلى بغيته .

أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، نا أبو الفرج عبيد الله بن أحمد ابن ، حدثني أبو عمر الزاهد ، انا ثعلب عن سلمة عن الفراء ، قال : إني لأرحم رجلين : بليداً يطلب ، وذكياً لا يطلب .

أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أحمد الجواليقي ، نا محمد بن يحيى الصولي ، ثنا ثعلب عن سلمة عن الفراء قال ارحموا رجلين : رجلاً يفهم ولا يطلب ، ورجلاً يطلب ولا يفهم .

وأخبرني عمر بن إبراهيم الفقيه ، نا الحسن بن الحسين بن حمكان ، نا محمد بن الحسن النقاش نا محمد بن يونس ، نا الأصمعي ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول : الطبع أرض ، والعلم بذر ولا يكون العلم إلا بالطلب ، فإذا كان الطبع مائلاً زكا ريع العلم وتفرعت معانيه .

قال الشيخ أبو بكر الحافظ قلت : والبلادة داء عسير برؤه ، عظيم ضره .

أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس ، أنا علي بن عبد الله بن المغيرة ، نا أحمد بن سعد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : كما لا ينبت المطر الكثير الصحر كذلك لا ينفع البليد كثرة التعليم .

أخبرنا الحسن بن أبي طالب ، نا عبد الله بن محمد المقري ، نا أبو بكر الصولي ، نا جبلة بن محمد ، نا أبي ، قال : جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة ففسرها له ، فقال : لم أفهم ، فأعاد فقال : لم أفهم ، فقال له : إن كنت لم تفهم فستفهم بالإعادة ، وإن كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له .

أخبرنا أبو القاسم الأزهري وأبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل قالا : أنا أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي النحوي ، قال : سأل رجل يوماً أبا بكر بن الحناط عن مسألة ، فجعل أبو بكر يفهمه وهو لا يفهم ويرى الناس انه قد فهم ، فقال أبو بكر : رأيت المبرد يوماً يفهم رجلاً من بني ثوابة معنى ما وهو يريه انه فهم به وما كان يدري شيئاً منه ، فقال المبرد : أنشدني المازني لصالح بن عبد القدوس :

وان عناء أن تفهم جاهلاً ........فيحسب جهلا انه منك أفهم

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ...........إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

متى يرعوي عن سيء من أتى به .......إذا لم يكن منه عليه تندم

باب اختيار الفقهاء الذين يتعلم منهم

ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة ، وعرف بالستر والصيانة ، فقد أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله الحربي ، نا أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، نا هدبة بن خالد ، نا مهدي بن ميمون ، قال : سمعت محمد بن سيرين ، قال : إنما هذا العلم دين فأنظروا عن من تأخذون .

وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله ، انا أحمد بن سلمان ، نا محمد بن عبدوس بن كامل ، نا أحمد ابن إبراهيم الموصلي ، نا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد ، قال : ان هذا العلم دين فأنظروا عن من تأخذونه .

قال وذكر ابن عون أيضاً وأخبرنا الحسن بن أبي بكر ، انا عبد الله بن إسحاق البغوي ، نا يحيى بن أبي طالب ، أنا علي بن عاصم ، نا ابن عون ، قال : قال محمد بن سيرين : ان هذا العلم دين فأنظروا عن من تأخذونه .

فيكون قد رسم نفسه بادآب العلم من استعمال الصبر ، والحلم ، والتواضع للطالبين ، والرفق بالمتعلمين ، ولين الجانب ، ومداراة الصاحب ، وقول الحق ، والنصيحة للخلق ، وغير ذلك من الأوصاف الحميدة ، والنعوت الجميلة ، وقد جاء عن علي بن أبي طالب خبر جمع فيه ما فصلناه ، وما أشرنا إليه مما أجملناه .

أخبرنا به أبو القاسم الأزهري وأحمد بن عبد الواحد الوكيل ، قالا : انا أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي ، أنا أبو أحمد الجلودي عن ابن زكويه عن العتبي عن أبيه ، قال : قال علي بن أبي طالب : يا طالب العلم ان العلم ذو فضائل كثيرة ، فرأسه التواضع ، وعينه البراءة من الحسد ، وأذنه الفهم ، ولسانه الصدق ، وحفظه الفحص ، وقلبه حسن النية ، وعقله معرفة الأشياء والأمور الواجبة ، ويده الرحمة ، ورجله زيارة العلماء ، وهمته السلامة ، وحكمته الورع ، ومستقرة النجاة ، وقائده العافية ، ومركبه الوفاء ، وسلاحه لين الكلمة ، وسيفه الرضا ، وفرسه المداراة ، وجيشه محاورة العلماء ، وماله الأدب ، وذخيرته اجتناب الذنوب ، وزاده المعروف ، وماؤه الموادعة ، ودليله الهدى ، ورفيقه صحبة الأخيار .

فيكون قد أخذ فقهه من أفواه العلماء لا من الصحف فقد أخبرنا ابن الفضل أبا عبيد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، حدثني أبو سعيد ، نا الوليد وسويد عن سعيد عن سليمان يعني ابن موسى قال : لا تقرؤا القرآن على المصحفين ، ولا تأخذوا العلم من الصحفيين .

أبو سعيد هذا هو عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم الدمشقي ، والوليد هو ابن مسلم ، وسويد هو ابن عبد العزيز ، وسعيد هو ابن عبد العزيز التنوخي .

أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن مصعب الأصبهاني بها ، نا أبو محمد عبيد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، نا ابن أبي عاصم املاء ، نا أبو التقي هشام بن عبد الملك ، ( وأخبرنا ) أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد أحمد بن رزقويه ، انا أبو العباس أحمد ابن محمد الرازي ، أنا أحمد بن محمد بن الحسين الكاغدي ، نا أبو زرعة الرازي ، نا هشام بن عبد الملك الحمصي ، نا بقية ، قال : سمعت ثور بن يزيد يقول : لا يفتي الناس الصحفيون .

هذا لفظ بن أبي عاصم وآخر حديثه ، وقال أبو زرعة : لا يفتي الناس صحفي ، ولا يقرئهم مصحفي .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، انا إسماعيل بن علي الخطبي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله واختلاف الصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا بالإسناد القوي من الضعيف ، فيجوز له أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها يفتي به ويعمل به ؟ قال : لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح ، يسأل عن ذلك أهل العلم . ويكون حاله في معرفته بالفقه ظاهرة ، وفي الاعتناء به صرف الاهتمام إليه معلومة .

فقد أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، انا محمد بن الحسن بن مقسم المقري ، قال : نا الفيريابي ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : سمعت خالي مالك بن أنس يقول : ان هذا العلم دين فأنظروا عن من تأخذون دينكم ، لقد أدركت سبعين ممن يقول قال فلان قال رسول الله عند الأساطين وأشار إلى مسجد النبي فما أخذت عنهم شيئاً ، وإن أحدهم لو أوتمن على مال لكان أميناً لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ، ويقدم علينا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب فيزدحم على بابه .

باب تعظيم المتفقه الفقيه وهيبته إياه وتواضعه له

أخبرني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله النجار ، نا محمد بن جعفر بن أحمد المعدل ثنا أبو عثمان سعيد بن محمد أخو زبير ، نا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي يقول : نا أبو حمزة عن جابر عن عامر الشعبي عن البراء بن عازب ، قال : لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله عن الأمر ، فأوخره سنتين من هيبته ولقد كنت ألقاه كل يوم .

أخبرنا الرماني ، قال : قرأت على أبي بكر الإسماعيلي ، أخبرك عبد الله بن محمد بن مسلم وموسى ابن العباس ، قالا : نا الربيع بن سليمان ، نا ابن وهب ، أخبرني سليمان يعني ابن بلاب حدثني يحيى بن سعيد أخبرني عبيد بن حنين ، انه سمع عبد الله بن عباس يحدث ، قال : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر ابن الخطاب عن آية فلا أستطيع ان أسأله هيبة .

أخبرنا ابن الفضل ، أنا ابن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان نا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم ، قالا : نا رزين عن الشعبي ، قال : ذهب زيد بن ثابت ليركب ووضع رجليه في الركاب فأمسك ابن عباس بالركاب ، فقال : تنح يا ابن عم رسول الله ، قال : لا ، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء .

حدثني محمد بن علي الصوري ، قال : سمعت عبد الغني بن سعيد الحافظ يقول : سمعت أبا بكر محمد بن علي الأذنُوي النحوي يقول : إذا تعلم الإنسان من العالم واستفاد منه الفوائد فهو له عبد قال الله تعالى : ( { وإذ قال موسى لفتاه } ) [2] وهو يوشع بن نون ولم يكن مملوكاً له وإن كان متلمذاً له متبعاً له فجعله الله فتاه لذلك .

أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الشروطي ، نا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري ، نا أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري ، نا أبي ، نا أحمد بن عبيد ، أنا ابن الأعرابي وسهل ابن هارون ، قالا : قال علي بن أبي طالب : من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال ، ولا تعنته في الجواب ، ولا تلح عليه إذا كسل ، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتاب عنده أحداً ، وأن تجلس أمامه ، وإذا أتيته خصصته بالتحية ، وسلمت على القوم عامة ، وأن تحفظ سره ومغيبه ما حفظ أمر الله . فإنما العالم بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء ، والعالم أفضل من الصائم القائم الغازي في سبيل الله ، وإذا مات العالم شيعه سبعة وسبعون ألفاً من مقربي السماء وإذا مات العالم انثلم بموته في الإسلام ثلمة لا تسد إلى يوم القيامة .

باب ترتيب أحوال المبتديء بالتفقه

ينبغي للمبتديء إذا حضر مجلساً للتفقه أن يقرب من الفقيه حتى يكون بحيث لا يخفى عنه شيء مما يقوله ، ويصمت ويصغي إلى كلامه

فقد أخبرنا عبد الله بن أبي اللفتح الفارسي ، نا أحمد بن محمد بن عمر عن ابن دريد عن عبد الرحمن يعني ابن أخي الأصمعي عن عمه ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلا يقول : أول العلم الصمت ، والثاني حسن السؤال ، والثالث حسن الاستماع ، والرابع حسن الحفظ ، والخامس نشره عند أهله .

أخبرنا أبو القاسم الأزهري وأبو يعلى الوكيل ، قالا : انا محمد بن جعفر التميمي الكوفي ، انا أبو بكر الخياط ، نا المبرد ، نا المازني ، قال : قال الأصمعي : قال الخليل : حين أردت النحو أتيت الحلقة فجلست سنة لا أتكلم ، إنما أسمع فلما كانت السنة الثانية نظرت فلما كانت السنة الثالثة تدبرت فلما كانت السنة الرابعة سألت وتكلمت .

ويلازم حضور المجلس ، واستماع الدرس ، وإذا مضى له برهة في الحضور وأنس بما سمع سأل الفقيه أن يملي عليه من أول الكتاب شيئاً ، ويكتب ما يملي ، ثم يعتزل وينظر فيه ، فإذا فهمه انصرف وطالعه وكرر مطالعته حتى يعلق بحفظه ، ويعيده على نفسه حتى يتقنه فإذا حضر المجلس بعد سأل الفقيه أن يستمعه منه ، ويذكره له من حفظه ، ثم يسأل الفقيه املاء ما بعده ويصنع فيه كصنيعه فيما تقدم .

أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج ، انا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي ، نا عثمان بن سعيد الدارمي ، قال : سمعت يزيد بن موهب يقول : سمعت ضمرة يقول : العقل الحفظ ، واللب الفهم ، والحلم الصبر .

أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري ، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقري ، نا مكرم بن أحمد ، نا أحمد ابن عطية ، نا منجاب ، نا شريك عن حصين ، قال : جاءت امرأة إلى حلقة أبي حنيفة وكان يطيل الكلام فسألته عن مسألة له ولأصحابه فلم يحسنوا فيها شيئاً من الجواب ، فانصرفت إلى حماد بن أبي سليمان فسألته فأجابها ، فرجعت إليه فقالت : غررتموني ، سمعت كلامكم فلم تحسنوا شيئاً ، فقام أبو حنيفة فأتى حماداً فقال له : ما جاء بك ؟ قال : أطلب الفقه . قال : تعلم كل يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئاً حتى يتفق لك شيء من العلم فتعلم ولزم الحلقة حتى فقه فكان الناس يشيرون إليه بالأصابع .

وينبغي له أن يتثبت في الأخذ ولا يكثر ، بل يأخذ قليلاً قليلاً حسب ما يحتمله حفظه ، ويقرب من فهمه فإن الله تعالى يقول : ( { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا } ) [3] .

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان الطرازي بنيسابور ، انا أبو حامد ابن أحمد بن علي بن حسنويه المقري ، نا أبو يحيى بن أبي مسرة ، قال : نا خلاد بن يحيى ، نا أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « ان هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولاظهراً أبقى » .

ولا ينبغي أن يستفهم من الفقيه حكم الفصل الذي يذكره له قبل أن يتمم الفقيه ذكره ، فربما وقع له النسيان عند انتهاء الكلام قال الله تعالى ( { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه } ) [4] . فإن انتهى كلام الفقيه ولم يبن له الحكم سأله عنه حينئذ فإن شفاء العي السؤال .

أخبرنا القاضي أبو زرعة روح بن محمد بن أحمد الرازي ، نا أبو سهل أحمد بن محمد بن جمال الجواليقي لفظاً ، نا أبو عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى الضريس ، انا مسدد ، أنا معتمر عن حميد عن أنس ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً » . قالوا : يا رسول الله هذا أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً ؟ ﷺ قال : « تأخذ فوق يديه » .

وينبغي أن يراعي ما يحفظه ، ويستعرض جميعه كلما مضت له مدة ، ولا يغفل ذلك فقد كان بعض العلماء إذا علم إنساناً مسألة من العلم سأله عنها بعد مدة ، فإن وجده قد حفظها علم أنه محب للعلم فأقبل عليه وزاده ، وإن لم يره قد حفظها وقال له المتعلم : كنت قد حفظتها فأنسيتها ، أو قال : كتبتها فأضعتها ، أعرض عنه ولم يعلمه .

وينبغي ألا يسأل الفقيه أن يذكر له شيئاً إلا ومعه سلامة الطبع ، وفراغ القلب ، وكمال الفهم ، لأنه إذا حضره ناعساً أو مغموماً ، أو مشغول القلب ، أو قد بطر فرحاً ، أو امتلأ غضباً لم يقبل قلبه ما سمع وإن ردد عليه الشيء وكرره ، فإن فهم لم يثبت في قلبه ما فهمه حتى ينساه ، وإن استعجم قلبه عن الفهم كان ذلك داعية الفقيه إلى الضجر وللمتعلم إلى الملل .

وكلما ذكرت انه يلزم المتعلم افتقاده من نفسه فإن على الفقيه مثيله إلا أن المتعلم يحتاج من ذلك إلى أكثر مما يحتاج إليه الفقيه لأنه يريد أن يسمع ما لم يكن سمعه من قبل ، فيريد أن يتعرفه ، وأن يتحفظه والفقيه فهم لما يريد أن يلقيه حافظ لما يقصد أن يحكيه ، فإذا كان الفقيه من الحفظ والمعرفة على ما ذكرت ويلزمه ما وصفت من افتقاد نفسه ، والمتعلم يريد أن يلقي إلى قلبه ما لا يعرفه وقلبه نافر عنه ونفسه تستثقل التعب والأكباب على الطلب فهو يحتاج من فراغ القلب إلى أكثر مما يحتاج إليه الفقيه ، ويحتاج إلى صبر شديد على الاستذكار والترديد .

ولهذا قال الشافعي فيما أخبرنا محمد بن عيسى الهمذاني ، نا صالح بن أحمد التميمي ، نا محمد ابن حمدان الطرائفي ، نا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : والناس طبقات في العلم ، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم فيه ، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه ، والصبر على كل عارض دون طلبه ، واخلاص النية لله في ادراك علمه نصاً واستنباطاً والرغبة إلى الله في العون عليه فإنه لا يدرك خيراً إلا بعونه .

أخبرنا الحسن بن محمد الخلال ، نا عبد الله بن محمد الفقيه ، نا محمد بن يحيى بن عبد الله النديم ، نا محمد بن يزيد المبرد ، نا عمرو بن بحر ، قال : سمعت إبراهيم بن سيار النظام يقول : العلم شيء لا يعطيك بعضة حتى تعطيه كلك ، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعض على خطر .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج ، انا أبو محمد عبد الله بن محمد الرازي ، انا أبو شعيب الحراني ، نا يحيى بن أيوب ، نا علي بن ثابت ، نا أيوب بن عتبة ، قال : قال يحيى بن أبي كثير : لا يستطاع طلب العلم براحة الجسم .

أخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد الوراق ، نا عمر بن محمد بن علي الناقد أبو حفص . وأبو الحسين عبد الله بن إبراهيم النرسي ، قالا : نا الوليد بن مسلم ، نا الأوزاعي ، قال : سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : ليس يطلب العلم براحة البدن . بلغني عن بعض الحكماء انه قال : أيها المتعلم انك ان لم تصبر على تعب العلم صبرت على شقاء الجهل .

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي ، أنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب ، نا أبو بكر بن دريد ، قال : قال أفلاطون محب الشرف هو الذي يتعب نفسه بالنظر في العلم .

باب القول في التحفظ وأوقاته وإصلاح ما يعرض من علله وآفاته

أعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ أن يراعيها وللحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها فأجود الأوقات الأسحار ، ثم بعدها وقت انتصاف النهار ، وبعدها الغدوات دون العشيات ، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار ، قيل لبعضهم بم أدركت العلم ؟ قال : بالمصباح والجلوس إلى الصباح . وقيل لآخر فقال : بالسفر ، والسهر ، والبكور في السحر .

أخبرنا العتيقي ، انا أبو مسلم الكاتب ، نا أبو بكر بن دريد ، قال : سأل شاب جاهل أفلاطون كيف قدرت على كثرة ما تعلمت ؟ قال : لأني أفنيت من الزيت أكثر مما شربت أنت من الشراب . وبلغني أن رجلاً قال لأفلاطون : ألم نكن جميعاً في مكتب واحد ؟ قال : بلى ، قال : فكيف صرت تعلو منبر التعليم وحظي من العلم ما تراه ؟ قال : ذلك لأن ديناري كان محمولاً إلى الزيات ودينارك كان محمولاً إلى الخمار .

وقال أبو القاسم السعدي ابن عم أبي نصر بن نباتة :

أعاذلتي على إتعاب نفسي ......... ورعيي في السرى روض السهاد

إذا شام الفتى برق المعالي ......... فأهون فائت طيب الرقاد

وأجود أماكن الحفظ الغرف دون السفل ، وكل موضع بعيد مما يلهي وخلا القلب فيه مما يفزعه فيشغله ، أو يغلب عليه فيمنعه ، وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة ولا على شطوط الأنهار ولا على قوارع الطرق فليس يعدم في هذه المواضع غالباً ما يمنع من خلو القلب وصفاء السر ، وأوقات الجوع أحمد لللتحفظ من أوقات الشبع ، وينبغي للمتحفظ أن يتفقد من نفسه حال الجوع فإن بعض الناس إذا أصابه شدة الجوع والتها به لم يحفظ ، فليطفىء ذلك عن نفسه بالشىء الخفيف اليسير كمص الرمان وما أشبه ذلك ، ولا يكثر الأكل .

فقد أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم بن يزيد الحوطي ، نا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ، نا سليمان بن سليم الكناني ، قال : حدثني يحيى بن جابر الطائي عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي الله عنه ، قال :

قال رسول الله : ﷺ : « ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن ، حسب ابن آدم اكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلثا طعاماً وثلثا شراباً وثلثا لنفسه » .

أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي وأبو منصور محمد بن محمد بن عثمان السواق ، قالا : انا أحمد ابن جعفر بن حمدان القطيعي ، نا محمد بن يونس ، نا الأصمعي ، قال : وعظ اعرابي أخاً له فقال يا أخي انك طالب ومطلوب ، فبادر الموت ، واحذر الفوت ، وخذ من الدنيا ما يكفيك ، ودع منها ما يطغيك ، وإياك والبطنة فإنها تعمي عن الفطنة .

أخبرنا الحسين بن الحسين بن العباس النعالي ، انا أبو بكر أحمد بن نصر بن عبد الله بن الفتح الذارع بالنهروان ، نا حرب بن محمد ، نا أبي ، نا العتبي ، قال : قال عمر بن هبيرة لملك الروم : ما تعدون الأحمق فيكم ؟ قال : الذي يملأ بطنه من كل شيء يجد .

وليتعاهد نفسه باخراج الدم فقد أخبرني أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله القاضي بالدينور انا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السني الحافظ ، حدثني أحمد بن يحيى بن زهير ، نا عمر بن الخطاب السجستاني ، نا اصبغ بن الفرج ، نا ابن وهب ، نا شمر بن نمير عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ، أن النبي أمر بالحجامة والافتصاد .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد ، انا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري ، انا الحسن ابن محمد بن أحمد بن محمد بن محمي أبو علي قراءة عليه ، نا سويد هو ابن سعيد نا عثمان بن مطر عن عثمان ومحمد بن جحادة عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال : انه قد تبيغ بي الدم فالتمس لي حجاما واجعله رفيقاً ان استطعت . ولا تجعله شيخاً كبيراً ، ولا صبياً صغيراً فإني سمعت النبي يقول : ﷺ : « الحجامة على الريق أمثل ، وفيه شفاء وبركة ، وهو يزيد في العقل وفي الحفظ » .

فإن كان له عادة لشرب المطبوخ من الدواء فلا يقطع عادته .

فقد أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا أبو مسعود أحمد بن الفرات الرازي ، أنا محمد بن يوسف ، قال : نا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عبد الله رفعه ، قال : ان الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا .

أخبرنا أبو نعيم ، نا عبد الله بن جعفر ، نا أبو مسعود ، انا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن زرعة بن عبد الرحمن عن مولى لمعمر عن أسماء بنت عميس ، قالت : قال لي النبي : ﷺ : « بماذا تستمشين ؟ » قالت بالشبرم ، فقال النبي : ﷺ : « حارٌّ ، يارٌّ » . ﷺ قال : « أين أنت من السنا فلو كان في شيء شفاء من الموت لكان السنا » .

أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي ، انا أحمد بن نصر بن عبد الله الذارع ، نا صدقة بن موسى ، نا أبي ، نا الأصمعي ، قال : جمع هارون الرشيد أربعة من الأطباء عراقياً ، ورومياً ، وهندياً ، وسوادياً ، فقال : يصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء له . فقال له الرومي : الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض . وقال الهندي : الدواء الذي لا داء فيه الماء الحار . وقال العراقي : الدواء الذي لا داء فيه الهليلج الأسود . والسوادي ساكت وكان أحذقهم فقيل له تكلم ، فقال : حب الرشاد يولد الرطوبة ، والماء الحار يرخي المعدة ، والهليلج الأسود يحرق المعدة . قالوا له فأنت ما تقول ؟ فقال : الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه .

ومن أنفع ما استعمل اصلاح الغذاء ، واجتناب الأطعمة الرديئة وتنقية الطبع من الأخلاط المفسدة . وقد جاء في الحمية أثر عن النبي : أخبرناه القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا هارون بن عبد الله ، نا أبو داود وأبو عامر لفظ أبي عامر عن فليح بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصة الأنصاري ، عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت : دخل عليَّ رسول الله ومعه علي ، وعلي ناقه ، ولنا دوال معلقة ، فقام رسول الله يأكل منها ، وقام علي ليأكل ، فطفق رسول الله يقول لعلي : ﷺ : « مه انك ناقه » حتى كف علي ، قالت : وصنعت شعيراً وسلقاً فجئت به ، فقال رسول الله : ﷺ : « يا علي اصب من هذا فهو أنفع لك » .

فمن راعى ما رسمت له من اصلاح الغذاء ، وتنقية الطبع ، وفرغ قلبه ، لم يكد يسمع شيئاً إلا سهل عليه حفظه ان شاء الله .

باب ذكر مقدار ما يحفظه المتفقه

اعلم أن القلب جارحة من الجوارح تحتمل أشياء ، وتعجز عن أشياء ، كالجسم الذي يحتمل بعض الناس أن يحمل مائتي رطل ، ومنه من يعجز عن عشرين رطلاً ، وكذلك منهم من يمشي فراسخ في يوم لا يعجزه ، ومنهم من يمشي بعض ميل فيضر ذلك به ، ومنهم من يأكل من الطعام أرطالاً ، ومنهم من يتخمه الرطل فما دونه ، فكذلك القلب : من الناس من يحفظ عشر ورقات في ساعة ، ومنهم من لا يحفظ نصف صفحة في أيام . فإذا ذهب الذي مقدار حفظه نصف صفحة يروم أن يحفظ عشر ورقات تشبها بغيره لحقه الملل ، وأدركه الضجر ، ونسي ما حفظ ، ولم ينتفع بما سمع . فليقتصر كل امريء من نفسه على مقدار يبقى فيه ما لا يستفرغ كل نشاطه ، فإن ذلك أعون له على التعليم من الذهن الجيد والمعلم الحاذق .

أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأت على أبي العباس محمد بن أحمد بن حمدان ، حدثكم الحسن ابن محمد القماني ، نا أبو الأشعث ، نا خالد بن الحارث ، نا حميد ، قال : سئل أنس ان شاء الله عن صلاة النبي وصومه ، فقال : كان يصوم الشهر حتى نقول لا يريد أن يفطر منه شيئاً ؟ ويفطر حتى نقول لا يريد أن يصوم منه شيئاً ، وما كنا نشاء أن نراه من الليل مصلياً إلا رأينا ، ولا نائماً إلاَّ رأيناه .

قال بعض الحكماء : ان لهذه القلوب تنافراً كتنافر الوحش ، فألفوها بالاقتصاد في التعليم ، والتوسط في التقويم ، لتحسن طاعتها ويدوم نشاطها . ولا ينبغي أن يمزج نفسه فيما يستفرغ مجهوده ، وليعلم انه ان فعل ذلك فتعلم في يوم ضعف ما يحتمل أضر به في العاقبة ، لأنه إذا تعلم الكثير الذي لا طاقة له به وإن تهيأ له في يومه ذلك أن يضبطه وظن انه يحفظه فإنه إذا عاد من غد وتعلم نسي ما كان تعلمه أولاً ، وثقلت عليه إعادته ، وكان بمنزلة رجل حمل في يومه ما لا يطيقه فأثر ذلك في جسمه ، وكذلك إذا فعل في اليوم الثالث ويصيبه المرض وهو لا يشعر .

ويدل على ما ذكرته أن الرجل يأكل من الطعام ما يرى انه يحتمله في يومه مما يزيد فيه على قدر عادته فيعقبه ذلك ضعفاً في معدته ، فإذا أكل في اليوم الثاني قدر ما كان يأكله أعقبه لباقي الطعام المتقدم في معدته تخمة

فينبغي للمعلم أن يشفق على نفسه.....من تحميلها فوق طاقتها .

ويقتصر من التعليم على ما يبقى.......عليه حفظه ويثبت في قلبه .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، انا الحسين بن صفوان ، نا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، نا أبو خيثمة ، ثنا بن عيينة عن عمرو عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال له النبي : ﷺ : « ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار » ؟ فقلت : إني أفعل ذلك . ﷺ قال : « انك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ، ونقهت نفسك ، لعينك حق ، ولنفسك حق . فصم وأفطر وصل ونم » .

قال ابن أبي الدنيا : قال أبي : نقهت نفسك عن الشيء إذا ملت ، قلت : فلم تشتهه ﷺ : « وهجمت عينك » إذا سالت بالدموع .

وينبغي أن يجعل لنفسه مقداراً كلما بلغه وقف وقفته أياماً لا يريد تعلما ، فإن ذلك بمنزلة البنيان ، ألا ترى أن من أراد أن يستجيد البناء بنى أذرعاً يسيرة ثم ترك حتى يستقر ، ثم يبني فوقه ، ولو بنى البناء كله في يوم واحد لم يكن بالذي يستجاد وربما انهدم بسرعة وان بقي كان غير محكم ، فكذلك المتعلم ينبغي أن يجعل لنفسه حداً كلما انتهى إليه وقف عنده حتى يستقر ما في قلبه ويريح بتلك الوقفة نفسه ، فإذا اشتهى التعلم بنشاط عاد إليه ، وإن اشتهاه بغير نشاط لم يعرض له فإنه قد يشتهي الإنسان المكان يطير له يحب أن يعلو عليه ، ويرى من نفسه الاقتدار وليس له في الطبع نشاط . فلا يثبت ما يتعلمه في قلبه ، وإذا اشتهى مع نشاط يكون فيه ثبت في قلبه ما يسمعه وحفظه ، وكان ذلك بمثابة رجل يشتهي الطعام ولا تكون معدته نقية فإذا أكل ضره ولم يستمره ، وإذا اشتهى والمعدة نقية استمرأ ما أكل وبان على جسمه .

أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن محمد بن أبي عثمان الدقاق وعلي بن المحسن بن علي التنوخي ، قالا : أنا علي بن محمد بن سعيد الرزاز ، قال : نا وفي حديث التنوخي قال : أنا جعفر بن محمد الفريابي ، قال : قرأت على أبي مصعب وكتبت من كتابه قلت : حدثكم عبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد ابن العلاء عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « ألم أخبر أنك تصوم النهار لا تفطر وتصلي الليل لا تنام ؟ » قلت : بلى ، ﷺ قال : « فبحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين » . قلت يا رسول الله : إني أجد بي قوة أقوى من ذلك ؟ ﷺ قال : « فهل لك في صيام داود فإنه أعدل الصيام يصوم يوماً ويفطر يوماً » قلت : يا رسول الله إني أجد بي قوة هي أقوى من ذلك ، ﷺ قال : « لعلك تبلغ بذلك سناً وتضعف بحسبك أن تقرأ القرآن في كل نصف » ، فقلت : يا رسول الله إني أجد بي قوة هي أقوى من ذلك ، قال : « فبحسبك أن تقرأ في كل عشر » ، فقلت يا رسول الله إني أجد بي قوة هي أقوى من ذلك ، قال : « فاقرأه في كل سبع ولا تنثرنه » قال عبد الله : فشددت فشدد علي وليتني قبلت الرخصة من رسول الله .

أخبرنا الرياني ، قال : قرأت على أبي الحسن المحمودي حدثك الحسن بن سفيان ، نا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة ، قالت : كانت عندي امرأة فدخل علي رسول الله فقال : « من هذه » ؟ فقلت : فلانة لا تنام الليل فذكر من صلاتها ، فقال النبي : « مه عليكم بما تطيقون . فو الله لا يمل الله حتى تملوا » . قالت وكان أحب الدين إليه الذي يدوم عليه صاحبه .

ويستصلح المعلم نفسه ببعض الأمر من أخذه نصيباً من الدعة والراحة واللذة فإن ذلك يعقبه منفعة بينة .

أخبرنا الحسن بن علي الجواهري ، انا محمد بن إسماعيل الوراق ومحمد بن العباس الخزاز ، قالا : نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا الحسين بن الحسن ، انا عبد الله بن المبارك عن رجل عن وهب بن منبه قال : ان في حكمه آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ، ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب .

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا الحسين بن صفوان ، ثنا ابن أبي الدنيا ، ثنا عبيد الله ابن عمر ، نا حماد بن زيد عن عمران بن حدير عن قسامة بن زهير ، قال : روّحوا القلوب تعي الذكر .

باب ذكر أخلاق الفقيه وآدابه وما يلزمه استعماله مع تلاميذه وأصحابه

يلزم الفقيه أن يتخير من الأخلاق أجملها ، ومن الآداب أفضلها ، فيستعمل ذلك مع البعيد والقريب والأجنبي والنسيب ، ويتجنب طرائق الجهال وخلائق العوام والأرذال .

أخبرنا علي بن أحمد بن إبراهيم البزار البصري ، نا الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا سعيد بن أبي مريم ، نا يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال : « أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً » .

وقال رسول الله : ﷺ : « بعثت لأتمم صالح الأخلاق » .

أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، انا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار ، نا أحمد بن عثمان بن حكيم ، نا إسماعيل بن ابان ، نا أبو بكر النهشلي عن عبد الملك بن عمير عن ابن عمر ، عن النبي ﷺ قال : « أن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم » .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، انا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا الحارث بن محمد ، نا أبو عبد الرحمن المقري ، نا الليث بن سعد عن الوليد بن أبي الوليد ، أن سليمان بن خارجة بن زيد ، أخبره عن خارجة بن زيد ، أن نفراً دخلوا على أبيه زيد بن ثابت ، فقالوا : حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله . قال : كنت جاره فكان إذا نزل الوحي أرسل إلي فآتيه فأكتب الوحي ، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، فكل هذا أحدثكم عنه .

أخبرنا علي بن أحمد بن إبراهيم ، نا الحسن بن محمد الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا عبد الله ابن مسلمة ، نامسلم هو ابن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ، أن النبي ﷺ قال : « كرم المرء دينه ، ومروءته خلقه » .

أخبرنا علي بن أبي علي ، انا عبد الله بن محمد بن إسحاق البزاز ، نا عبد الله بن محمد البغوي نا علي بن الجعد ، انا زهير عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك رضي الله عنه ، قال : كنت عند رسول الله فجاءت الاعراب من كل مكان ، فقالوا : يا رسول الله ما خير ما أعطى الإنسان أو المسلم ؟ ﷺ قال : « الخلق الحسن » .

أخبرنا علي بن محمد المعدل ، انا الحسين بن صفوان ، ثنا ابن أبي الدنيا ، حدثني محمد بن الحسين ، نا يزيد بن هارون ، انا داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، أن رسول الله ﷺ قال : « ان أحبكم إلى الله وأقربكم إلي أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون » .

حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفرايني املاء بنيسابور ، انا أبو جعفر محمد بن علي الحرستاني ، انا الحسن بن سفيان السباق ، قال : نا هشام بن عمار ، قال : نا القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله : ﷺ : « من سعادة ابن آدم حسن الخلق ، ومن شقوته سوء الخلق » .

حسن مجالسة الفقيه لمن جالس

أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود نا شريك وقيس عن سماك بن حرب ، قال : قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه : أكنت تجالس النبي ؟ قال نعم كان طويل الصمت ، قليل الضحك ، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الاشعار والشيء من أمورهم فيضحكون وربما تبسم .

أخبرنا ابن الفضل القطان ، انا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا أبو نعيم عبد الرحمن بن هانيء النخعي ، نا عبد الله بن المؤمل عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : قيل لابن عباس من أكرم الناس ؟ قال : جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي ، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت .

أخبرنا محمد بن أبي نصر النرسي ، انا علي بن عمر الحربي ، نا محمد بن سليمان ، نا إسحاق بن إبراهيم ، نا شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن ابن عباس ، قال : أكرم الناس علي جليسي ، ان الذباب ليقع عليه فيؤذيني .

أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز ، ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، نا أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي ، نا محمد بن الحسين ، نا يحيى بن أبي تليد ، نا عباد بن الوليد عن رجل ، قال : قال وهب : إذا كنت جالساً فرأيت أخا لك مقبلاً إليك ولا موضع له عندك يسعه في مجلسك فأوسع له ، وإن لم يكن عندك سعة وأردت احتماله فاستأذن جليسك ومجاورك في مجلسك ومن أوسع لك في مجلسه فأقبله ، فإن ذلك اكرام لك ، فإذا كنت في مجلس رجل فأردت اكرام رجل بمكان فلا تفعل ذلك ، فإن رب المجلس أولى بذلك ، ومن دخلت عليه منزله أو أتيت مجلسه فأومأ إلى مكان فلا تعده .

أخبرنا الجوهري ، نا محمد بن إسماعيل ومحمد بن العباس ، قالا : نا يحيى بن صاعد ، نا الحسين ابن الحسن المروزي ، أنا ابن المبارك ، أنا عتبة بن أبي حكيم عن سليمان بن موسى يرفع الحديث ، قال : سوء المجالسة شح ، وفحش وسوء خلق .

أخبرنا علي بن أحمد بن إبراهيم ، نا الحسن بن محمد الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا أبو نعيم عبد الرحمن بن هانىء ، ثنا فطر والعزرمي عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : كان رسول الله إذا جلس إليه جليس لم يقدم ركبته ، ولم يقم حتى يستأذنه ، وقال يعقوب ، نا أبو نعيم ، نا ابن شهاب ، قال : دخلت انا وسعيد بن جبير المسجد الحرام فجلسنا جميعاً فعظمت الحلقة فأراد أن يقوم فاستأذنهم وقال : إنكم جلستم إلينا ولو كنت أنا الجالس إليكم لم أستأذنكم .

استعماله التواضع ولين الجانب ولطف الكلام

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، انا أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي ، أنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، نا حميد بن زنجويه ، نا عبد الصمد بن عبد الوارث ، نا عباد بن كثير ، حدثني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال : « اطلبوا العلم ، واطلبوا مع العلم السنة والحلم ، لينوا لمن تُعلمون ولمن تَعلمون منه ، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب علمكم جهلكم » .

أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ ، انا دعلج بن أحمد ، نا إبراهيم بن أبي طالب ، نا محمد بن يحيى ، نا عفان عن حماد بن زيد ، قال : سمعت أيوب يقول : ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله عز وجل .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، انا محمد بن الحسين الآجري ، نا جعفر بن محمد الصندلي ، نا الفضل بن زياد ، نا عبد الصمد بن يزيد ، قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : ان الله تعالى يحب العالم المتواضع ، ويبغض العالم الجبار ، ومن تواضع لله ورثه الله الحكمة . وينبغي له أن يعود لسانه لين الخطاب والملاطفة في السؤال والجواب ويعم بذلك جميع الأمة من المسلمين وأهل الذمة .

فقد أخبرنا الحسين بن بشران ، انا الحسين بن صفوان ، نا ابن أبي الدنيا ، نا خلف بن هشام ، نا شريك عن أبي سنان ، قال : قلت لسعيد بن جبير : المجوسي يوليني من نفسه ويسلم علي أفأرد عليه ؟ فقال سعيد : سألت ابن عباس عن نحو ذلك فقال : لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه .

أخبرنا عبد الملك بن محمد الواعظ ، انا عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ، نا علي بن عبد العزيز ، نا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، انا وكيع وعبدة عن هشام بن عروة عن أبيه ، قال : مكتوب في الحكمة : ليكن وجهك بسطاً ، وكلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من الذي يعطيهم العطاء .

أخبرنا أبو محمد عبد الملك بن محمد بن محمد بن سلمان العطار ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري الفقيه ، نا عبد الله بن محمد بن بورين ، نا أبو القاسم إبراهيم بن موسى نا علي بن عبدة ، نا الحسين بن علوان عن الاصبغ بن نباتة الأسدي ، قال : قال علي ابن أبي طالب : من لانت كلمته وجبت محبته .

آخر الجزء التاسع ويتلوه في الذي يليه ان شاء الله ( استقبال المتفقهة بالترحيب بهم واظهار البشر لهم ) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وسلم تسليماً .


هامش

  1. [ يونس : 93 ]
  2. [ الكهف : 06 ]
  3. [ الفرقان : 23 ]
  4. [ طه : 114 ]
الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر