الفقيه والمتفقه/الجزءالثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالثالث
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء الثالث

باب القول في الناسخ والمنسوخ

أخبرنا أبو الحسن محدم بن أحمد بن رزق وأبو علي الحسن بن أبي بكر بن شاذان ، قالا : أنا أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا حفص بن عمر ، نا شعبة ، قال : أبو داود ، ونا ابن كثير ، أنا شعبة عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : مر علي بقاصٍّ يقص ، فقال : تعلم الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت .

سمعت أنا أبا إسحاق الفيروزآبادي يقول : النسخ في اللغة يستعمل في الرفع والإزالة ، يقال : نسخت الشمس الظل ، ونسخت الرياح الآثار ، إذا أزالتها . ويستعمل في النقل يقال : نسخت الكتاب ، إذا نقلت ما فيه وإن لم تزد شيئاً عن موضعه .

وأما في الشرع فهو على الوجه الأول في اللغة وهو الإزالة وحده الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً به مع تراخيه عنه ، ولا يلزم ما سقط عن الإنسان بالموت ، فإن ذلك ليس بنسخ لأنه ليس بخطاب ، ولا يلزم رفع ما كانوا عليه كشرب الخمر وغيره ، فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب ، ولا يلزم ما أسقطه بكلام فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب متصل كالاستثناء والغاية ، كقوله تعالى : ( { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ) [1] فإنه ليس بنسخ لأنه غير متراخ عنه .

قلت : والنسخ في القرآن على ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون الرسم ، ونسخ الرسم دون الحكم ، ونسخ الرسم والحكم معاً .

فأما نسخ الحكم دون الرسم . فمثل الوصية للوالدين والأقربين ومثل عدة الوفاة فإن حكم ذلك منسوخ ولفظه ثابت في القرآن .

أنا محمد بن أحمد بن رزق والحسن بن أبي بكر ، قالا : أنا أحمد بن سلمان ، نا أبو داود ، نا أحمد ابن محمد هو المروزي حدثني علي بن حسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس : ( { ان ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين } )

فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث .

أنا طلحة بن علي بن الصقر الكتاني ، نا جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي ، أنا جعفر بن محمد المؤدب ، أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، قال : فإن عبد الله بن صالح حدثنا عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير اخراج } ) [2] قال : كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت في بيته سنة ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله تعالى : ( { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ) [3] قال : فهذه عدة المتوفي عنها زوجها إلا أن تكون حاملاً ، فعدتها أن تضع .

وأما نسخ الرسم دون الحكم : فمثل آية الرجم ، أنا الحسن بن علي التميمي والحسن بن علي الجوهري ، قالا : أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي عبد الرحمن هو ابن مهدي نا مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس ، قال : قال عمر : إن الله تعالى بعث محمداً وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها فأخشى أن يطول بالناس عهد فيقولون إنا لا نجد آية الرجم فتترك فريضة أنزلها الله ، وأن الرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل والإعتراف .

أنا علي ابن عبد الله المعدل ، أنا عثمان ابن أحمد الدقاق ، نا الحسن بن سلام السواق ، نا أبو نعيم الفضل بن دكين ، نا خالد بن محمد الأنصاري ، حدثني أبو رجاء العطاردي ، قال : قال عمر رضي الله عنه : إياكم أن تخدعوا عن آية الرجم فإن نبيكم قد رجم ورجم أبو بكر ورجمت ، ولولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها إني قرأتها في كتاب الله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما .

وأما نسخ الرسم والحكم معاً : فمثل ما ، أنا أبو القاسم الأزهري والتنوخي ، قالا : أنا علي بن محمد ابن لؤلؤ الوراق ، نا هيثم بن خلف الدوري ، نا إسحاق بن موسى الأنصاري ، نا معن بن عيسى ، نا مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها انها قالت : كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهي مما يقرأ من القرآن . قلت وكانت العشر منسوخة الرسم والحكم .

بيان وجوه النسخ

يجوز النسخ إلى غير بدل كعدة المتوفي عنها زوجها فإنها كانت سنة ثم نسخ منها ما زاد على أربعة أشهر وعشر إلى غير بدل .

ويجوز النسخ إلى بدل كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .

أنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ، أنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، نا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد بن فروخ التميمي ، نا أبي عمرو بن خالد نا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : أول ما نسخ من القرآن كما ذكر لنا والله أعلم شأن : ( { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ) [4] فاستقبل رسول الله فصلى نحو بيت المقدس ، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق ، فقال السفهاء من الناس : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها يعنون بيت المقدس فنسخها وصرفه إلى البيت العتيق فقال : ( { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ) [5] .

ويجوز النسخ إلى أخف من المنسوخ كنسخ وجوب مصابرة الواحد من المسلمين العشرة من المشركين في الجهاد لما علم الله تعالى من ضعف المسلمين فنسخ ذلك بأن ألزم كل مسلم لقاء رجلين من أهل الشرك .

أنا طلحة بن علي الكتاني ، نا جعفر بن محمد بن الحكم ، أنا جعفر بن محمد المؤدب ، نا أبو عبيد نا حجاج عن ابن جريح وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى : ( { أن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وأن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا } ) [6] قال نسخها قوله : ( { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } ) [7] إلى قوله : ( { والله مع الصابرن } ) .

ويجوز النسخ إلى ما هو أغلظ من المنسوخ كصوم شهر رمضان ، كان الإنسان مخيراً فيه بينه وبين الفطر والافتداء ثم نسخ إلى انحتام الصوم لمن قدر عليه .

أنا ابن رزقويه وابن شاذان ، قالا : أنا أحمد بن سلمان ، نا أبو داود ، نا قتيبة ، نا بكر يعني ابن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير يعني ابن الأشج عن يزيد مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع ، قال :لما نزلت هذه الآية : ( { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } ) [8] كان منا من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية التي بعدها .

ويجوز النسخ من الحظر إلى الإباحة كما كان الله تعالى حرم عليهم في شهر رمضان المباشرة بالليل بعد صلاة العشاء وبعد النوم ثم أباحها لهم .

أنا عبد الله بن يحيى السكري أنا جعفر الخلدي أنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد ، نا أبي ، نا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } ) [9] يعني بذلك أهل الكتاب فكان كتابه على أصحاب محمد ، ان الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد فإذا صلى العتمة أو رقد منع ذلك إلى مثلها من القابلة فنسختها هذه الآية : ( { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ) [10] .

أنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان ، نا أبو الفضل صالح بن أحمد بن محمد الحافظ لفظاً ، نا أبو عبد الله محمد بن حمدان بن سفيان الطرائفي ، نا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : ان الله جل ثناءه خلق الخلق لما سبق في علمه بما أراد أن يخلقهم وبهم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب فأنزل عليهم الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وفرض فيه فرائض أثبتها ، وأخرى نسخها رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم ، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه .

وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه ، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ . فلله الحمد على نعمه ، وأبان لهم انه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب ، وإن السنّة لا ناسخة للكتاب وإنما هي تبع للكتاب ، بمثل ما نزل به نصاً ، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملاً ، قال الله تعالى : ( { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم } ) [11] قال الشافعي : فأخبر الله ، انه فرض على نبيه اتباع ما يوحي إليه ، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه . وفي قوله : ( { ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } ) [12] وبيان ما وصفت من انه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه ، كما كان المبتدي لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه ، جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه .

وكذلك قال : ( { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ) [13] قلت : قد بين الشافعي أن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب ، وأما السنّة هل يجوز أن تنسخ بالكتاب ؟ في ذلك قولان :

أحدهما : انه لا يجوز لأن الله تعالى جعل السنّة بياناً للقرآن فقال تعالى : ( { لتبين للناس ما نزل إليهم } ) [14] فلو جوز نسخ السنّة بالقرآن لم يجعل القرآن بياناً للسنّة .

أنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي ، أنا أحمد ابن موسى الجوهري ، أنا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : فإن قيل هل تنسخ السنّة بالقرآن قيل : لو نسخت السنّة بالقرآن كانت للنبي فيه سنّة تبين أن سنّته الأولى منسوخة بسنّته الآخرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله .

والقول الثاني : انه يجوز نسخ السنة بالقرآن وهو الصحيح والدليل عليه ما أنا الحسن بن علي التميمي ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا أبي ، نا يحيى هو ابن سعيد القطان نا ابن أبي ذئب ، حدثني سعيد بن أبي سعيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه ، قال : حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هوياً ، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل فلما كفينا القتال وذلك قوله تعالى : ( { وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً } ) [15] أمر النبي بلالاً فأقام الصلاة فصلاها كما يصليها في وقتها .

وقال عبد الله : نا أبي ، نا أبو خالد الأحمر عن ابن أبي ذئب فذكره بإسناده ومعناه وزاد فيه ، قال : وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف : ( { فرجالاً أو ركبانا } ) .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أحمد بن حازم الغفاري ، أنا جعفر يعني ابن عون عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سعيد الخدري

قال : يوم الخندق حين حبسوا النبي عن الصلاة قبل أن ينزل : ( { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ) [16] .

أنا القاضي أبو حامد أحمد بن محمد الاستوائي ، نا علي بن عمر بن أحمد الحافظ ، نا أحمد بن محمد بن سعيد ، نا إبراهيم بن الوليد بن حماد ، نا محمد بن سعيد بن حماد ، نا حفص بن عمر بن سعيد عمه سفيان الثوري ، قال : حدثني الحسن يعني ابن عمارة عن الحكم عن مجاهد ومقسم الثوري قال حدثني الحسن يعني ابن عمارة عن الحكم عن مجاهد ومقسم عن ابن عباس انه ذكر عنده قول النبي لضباعة صلى الله عليه وسلم : «حجي واشترطي » فقال ابن عباس : هذا منسوخ . قيل له وما نسخ هذا ؟ قال : قول الله تعالى : ( { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ) [17] .

والنسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة وغيرهما من العبادات الشرعية ، وأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله تعالى الذاتية كعلمه وقدرته وما عدا ذلك من صفاته ، فلا يصح فيه النسخ . وكذلك ما أخبر الله عنه من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة

فلا يجوز فيها النسخ . وهكذا ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وياجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم إلى الأرض ونحو ذلك ، فإن النسخ فيه لا يجوز . ولا يجوز نسخ إجماع المسلمين لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله ، والنسخ لا يجوز بعد موته . ولا يجوز نسخ القياس لأن القياس تابع لأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها .

الكلام في الأصل الثاني من أصول الفقه

وهو سنة رسول الله  :

السنّة : ما رُسِم ليحتذى ولهذا قال النبي رضي الله عنه : «من سن في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها » . ولا فرق بين أن يكون هذا المرسوم واجباً أو غير واجب . يدل عليه ما روي عن ابن عباس انه صلى على جنازة فجهر فيها بفاتحة الكتاب وقال : إنما فعلت هذا لتعلموا انها سنّة ، يعني قراءة الفاتحة ، وهي واجبة في صلاة الجنازة وقد غلب على ألسنة الفقهاء انهم يطلقون السنّة فيما ليس بواجب ، فينبغي أن يقال في حد السنّة : إنها ما رسم ليحتذى إستحبابا .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا محمد بن الحسن بن زياد النقاش ، نا محمد بن علي الصائغ ، نا محمد ابن معاوية ، نا ابن أبي لهيعة ، نا عطاء هو ابن دينار عن سعيد بن جبير وسئل عن السنّة ، فقال : السنة ، ما سن النبي في الدين ما لم ينزل به كتاب ، فأما ما بين في الكتاب فذلك أمر الله وقضاؤه ، فهذا كتاب الله وسنّة نبيه ، قلت : والسنّة ما شرعه النبي لأمته فيلزم اتباعه فيه لأن الله أوجب طاعته على الخلق فقال تعالى : ( { واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } ) [18] وقال تعالى : ( { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ) [19] وقال : ( { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين } ) [20] وقال : ( { ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً } ) [21] وقال : ( { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ) [22] .

أنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني ، نا صالح بن أحمد الحافظ ، نا محمد بن حمدان الطرائفي ، نا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : فرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه : ( { وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم } ) [23] وقال : ( { كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } ) [24] وقال : ( { لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ) [25] وقال تعالى : ( { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } ) [26] وقال الله : ( { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً } ) [27] وقال تعالى : ( { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } ) [28] الآية ، قال الشافعي : فذكر الله الكتاب وهو القرآن ، وذكر الحكمة ، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنّة رسول الله . قال الشافعي : وهذا يشبه ما قال والله أعلم .

لأن القرآن ذكر وأتبعه الحكمة وذكر الله تعالى منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجز والله أعلم أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنّة رسول الله وذلك انها مقرونة مع كتاب الله عز وجل .

أنا أبو الطيب عبد العزيز بن علي بن محمد القرشي ، أنا عمر بن أحمد بن هارون المقري ، أنا عثمان بن عبدويه بن عمرو ، نا الحسن بن علي بن عفان ، نا إسباط بن محمد عن أبي بكر يعني الهذلي عن الحسن في قوله تعالى : ( { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ) [29] قال : الكتاب : القرآن ، والحكمة : السنّة .

أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا أحمد بن منصور الرمادي ، نا عبد الرحمن أبو معمر عن قتادة : ( { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } ) [30] قال : القرآن والسنّة .

أنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أنا أحمد بن جعفر بن سلم ، أنا أحمد بن موسى الجوهري ، أنا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : وقد سن رسول الله مع كتاب الله ، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب ، وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه وجعل في اتباعه طاعته ، وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقاً ، ولم يجعل له من ترك اتباع سنن رسول الله مخرجاً ، وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنّه وكذلك أخبرنا الله في قوله : ( { وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله } ) .

أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، نا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي ، قالا : نا سفيان عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه » .

أنا أبو الفرج عبد السلام بن عبد الوهاب القرشي ، أنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، نا أبو يزيد القراطيسي ، نا أسد بن موسى ، نا معاوية بن صالح حدثني الحسن بن جابر ( وأنا ) أبو عمرو عثمان بن محمد بن يوسف العلاف واللفظ له ، نا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد إملاءً ، نا محمد بن إسماعيل السلمي ، نا أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، حدثني ابن جابر انه سمع المقدام صاحب النبي يقول : حرم رسول الله أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وقال : يوشك بالرجل متكيء على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ، وما وجدناه فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله عز وجل .

أنا الحسين بن عمر بن برهان الغزال وعبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ، قال : أنا إسماعيل ابن محمد الصفار ، نا عباس بن عبد الله الترقفي ، نا محمد بن المبارك ، قال : نا وفي حديث السكري حدثني يحيى بن حمزة ، قال : حدثني محمد بن الوليد الزبيدي عن مروان بن رؤبة انه حدثه عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب الكندي رضي الله عنه ، عن النبي قال صلى الله عليه وسلم : «أوتيت الكتاب وما يعدله يعني مثله يوشك شبعان على أريكته يقول بيننا وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال أحللناه وما كان من حرام حرمناه ، ألا لا يحل ذو ناب من السباع ولا الحمار الأهلي ولا اللقطة من مال معاهد ، إلا أن يستغنى عنها وأيما رجل أضاف قوماً فلم يقروه فإن له أن يعقبهم بمثل قراه » .

أنا عبد السلام بن عبد الوهاب ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة نا أبو المغيرة قال سليمان : ونا أبو زرعة هو الدمشقي ، نا أبو اليمان وعلي بن عياش قال ( وأنا ) بشر بن موسى ، نا الحسن بن موسى الأشيب ، قالوا : نا حريز بن عثمان ( وأنا ) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق ، نا أحمد بن سلمان النجاد ، نا أبو داود سليمان بن الأشعث ، نا عبد الوهاب بن نجده ، نا أبو عمرو هو ابن كثير بن دينار عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب ، عن النبي قال صلى الله عليه وسلم : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله مغه » زاد الطبراني : «ألا إني أوتيت ومثله معه » ، ثم اتفقا : «لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد » وقال الطبراني : لقطة مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يطالبهم » وقال النجاد رضي الله عنه : «أن يعقبهم » وقالا حميعاً بمثل قراه .

أنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله النجار ، أنا عبيد الله بن محمد بن سليمان المخرمي ، نا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب الدقاق ، وأنا الحسن بن علي الجوهري ، أنا علي بن محمد بن لؤلؤ الوراق ، نا عمر بن أيوب السقطي ، قالا : نا داود بن رشيد ، نا بقية بن الوليد عن محفوظ بن ميسور النميري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يوشك أحدكم أن يقول هذا كتاب الله ما كان فيه حلالاً أحللناه ، وما كان من حرام حرمناه ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة : كذب الله ورسوله وكذب الذي جاء به » .

لفظ حديث النجار ، حدثني مسعود ابن ناصر السجزي ، أنا علي بن بشرى السجستاني ، نا محمد ابن الحسين الآبري ، أخبرني أحمد بن محمد بن الأزهر ، قال : سمعت أبا موسى يعني الزمن يقول سمعت المعتمر بن سليمان يقول سمعت أبي يقول : أحاديث رسول الله والتنزيل وقال ابن الأزهر : سمعت أبا موسى يقول : سنن رسول الله عندنا مثل كلام الله عز وجل .

باب القول في سنن رسول الله

التي ليس فيها نص كتاب هل سنها بوحي أم بغير وحي :

قال بعض أهل العلم : لم يسن رسول الله سنّة إلا بوحي ، واحتج من قال هذا بظاهر قول الله تعالى : ( { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ) [31] .

أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع ابن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه : ان عنده كتاباً من العقول نزل به الوحي ، وما فرض رسول الله من صدقة وعقول ، فإنما نزل به الوحي .

وقيل : لم يسن رسول الله شيئاً قط إلا بوحي الله ، فمن الوحي ما يتلى ومنه ما يكون وحياً إلى رسوله فيسن به .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، نا عبد الله بن أبي مسلم الحراني ، نا علي بن المديني ، نا عيسى بن يونس ، نا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان جبريل ينزل على النبي بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن .

أخبرني أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد الفراء الحنبلي ، نا عيسى بن علي بن عيسى الوزير نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا عبد الرحمن بن صالح ، نا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن حسان بن عطية ، قال : كان جبريل ينزل على النبي بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها كما يعلمه القرآن .

أخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن نصر الستوري ، نا أبو القاسم عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا البزار ، نا إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي ، نا عمران بن هارون ، نا رواد بن الجراح أبو عاصم العسقلاني قال سمعت الأوزاعي يقول : كان جبريل ينزل على النبي بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن . ومنهم من قال جعل الله لرسوله أن يسن ما يرى انه مصلحة للخلق واستدل بقوله تعالى : ( { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ا لناس بما أراك الله } ) [32] قال وإنما خصه الله بأن يحكم برأيه لأنه معصوم وأن معه التوفيق واستدل من السنة بما أنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله ابن الحسين بن إسماعيل المحاملي ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله القطان ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا علي هو ابن المديني نا الوليد بن مسلم ، نا الأوزاعي ، حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : لما فتح الله على رسول الله مكة قام رسول الله فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدو وإما أن يقتل ، فقام رجل يقال له أبو شاه من أهل اليمن فقال : يا رسول الله اكتبوا لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اكتبوا لأبي شاه » . قال فقام عباس أو قال : يا رسول الله إلا الاذخر فإنه لقبورنا ولبيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الا الاذخر » ، قال الوليد فقلت للأوزاعي ما قوله : «اكتبوا لأبي شاه » ؟ قال : يقول اكتبوا له خطبته التي سمعها من النبي . قال فرأى النبي من المصلحة إجابة العباس إلى إباحة قطع الأذخر ، وأبى من ذهب إلى القول الأول هذا المذهب وقال انه إنما أمر أن يحكم بما أراه الله تعالى من الوجوه المنزلة عليه في الكتاب فهذا معنى الآية .

وأما قصة العباس فإنه إنما سأل رسول الله مراجعة ربه في الأذخر كما طلب موسى عليه السلام من النبي ليلة المعراج مراجعة ربه في تخفيف الصلاة عن أمته فردت من خمسين إلى خمس ، وكما أمر النبي أن يقرأ على حرف فراجع فيه مرة بعد مرة حتى رد إلى سبعة أحرف . قال فإنه قيل : قد كان من النبي جواب العباس في الحال بلا زمان بين السؤال وبين الجواب يكون فيه الوحي بذلك الجواب ؟ فانا نقول يحتمل أن يكون في لطيف قدرة الله تعالى مجيء الوحي بالجواب في ذلك الوقت ، ويحتمل أن يكون جبريل حاضراً فألقى جبريل إليه في الحال كما قال النبي للذي سأله فقال : يا رسول الله أرأيت ان قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر يكفر الله عني خطاياي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نعم » ، فلما ولى دعاه قال له صلى الله عليه وسلم : «إلا أن يكون عليك دين كذلك ذكر جبريل » .

وروي أن النبي قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه في هجائه المشركين : اهجهم وجبريل معك ، فإذا كان جبريل مع حسان لمهاجاته قريشاً فلأن يكون مع النبي في خطبته التي يخبر فيها عن الله تعالى بشرائع الدين أولى .

وقال بعض أهل العلم ألقي في روع النبي كل ما سنّه واحتج بالحديث الذي أناه القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب بن حنطب ، أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلاّ وقد أمرتكم به ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه وان الروح الأمين قد نفث في روعي انه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فأجملوا في الطلب » .

وقال آخرون : ما سن رسول الله من سنّة إلاّ ولها أصل في كتاب الله فسنته فيما لم يرد فيه بعينه نص الكتاب بيان للكتاب .

أنا محمد بن عيسى الهمذاني ، نا صالح بن أحمد الحافظ ، نا محمد بن حمدان الطرائفي نا الربيع ابن سليمان ، قال : قال الشافعي : فلم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أن سنن رسول الله من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين ، والوجهان يجتمعان ويتفرعان : أحدهما : ما أنزل الله فيه نص كتاب فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب . والآخر : ما أنزل الله فيه جملة كتاب فبين عن الله تعالى معنى ما أراد . وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما . والوجه الثالث : ما سن رسول الله مما ليس فيه نص كتاب ، فمنهم من قال : جعل الله له بما افترض من طاعته ، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب .

ومنهم من قال : لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سنّته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة ، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع ، لأن الله تعالى قال : ( { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ) [33] وقال : ( { وأحل الله البيع وحرم الربا } ) [34] فما أحل وحرم فإنما بين فيه عن الله كما بين الصلاة ، ومنهم من قال : بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سنته بفرض الله .

ومنهم من قال : ألقي في روعه كل ما سن ، وسنّته الحكمة الذي ألقي في روعه عن الله .

قال الشافعي : وأي هذا كان فقد بين الله انه فرض فيه طاعة رسوله ولم يجعل لأحد من خلقه عذراً بخلاف أمر عرفه من أمر رسول الله .

ذكر الخبر عن رسول الله بأن سنّته لا تفارق كتاب الله عز وجل

أنا أبو الحسين علي وأبو القاسم عبد الملك ابنا محمد بن عبد الله بن بشران ، قالا : أنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس ، نا عبد الكريم بن الهيثم ، نا العباس بن الهيثم ، نا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنّتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض » .

أنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز ، نا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا أبو قبيصة محمد بن عبد الرحمن بن عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي ، نا داود بن عمرو ، نا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنّتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض » .

أنا أبو طالب محمد بن علي بن إبراهيم البيضاوي ، أنا محمد بن العباس الخزاز ، نا أبو بكر بن المجلد ، نا عبد الله بن عمر ، حدثني شعيب هو ابن إبراهيم التميمي نا سيف يعني ابن عمر عن إبان بن إسحاق الأسدي عن الصباح بن محمد عن أبي حازم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : خرج رسول الله علينا في مرضه الذي توفي فيه ونحن في صلاة الغداة ، فذهب أبو بكر ليتأخر فأشار إليه مكانك وصلى مع الناس ، فلما انصرف حمد الله وأثنى عليه ثم قال صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي فاستنطقوا القرآن بسنتي ولا تعسفوه فإنه لن تعمى أبصاركم ولن تزل أقدامكم ولن تقصر أيديكم ما أخذتم بهما » .

باب القول في السنّة المسموعة من النبي والمسموعة من غيره عنه

السنّة على ضربين : ضرب يؤخذ من النبي مشافهة وسماعاً ، فهذا يجب على كل أحد من المسلمين قبوله واعتقاده على ما جاء به من وجوب وندب وإباحة وحظر ومن لم يقبله فقد كفر لانه كذبه في خبره ، ومن كذب رسول الله فيما أخبر به فقد ارتد وتجب استتابته فإن تاب وإلا قتل . وضرب يؤخذ خبراً عنه والكلام فيه في موضعين : أحدهما في إسناده ، والآخر في متنه . فأما الإسناد فضربان : تواتر ، وآحاد . فأما التواتر فضربان : أحدهما : تواتر من طريق اللفظ ، والآخر : تواتر من طريق المعنى .

فأما التواتر من طريق اللفظ : فهو مثل الخبر بخروج النبي من مكة إلى المدينة ، ووفاته بها ودفنه فيها ، ومسجده ، ومنبره ، وما روي من تعظيمه الصحابة وموالاته لهم ومباينته لأبي جهل وسائر المشركين ، وتعظيمه القرآن وتحديهم به واحتجاجه بنزول ، وما روي من عدد الصلوات وركعاتها وأركانها وترتيبها ، وفرض الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك .

وأما التواتر من طريق المعنى : فهو أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم حكماً غير الذي يرويه صاحبه إلا أن الجميع يتضمن معنى واحداً فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظاً ، مثال ذلك ما روى جماعة كثيرون من عمل الصحابة بحبر الواحد والأحكام مختلفة والأحاديث متغايرة ولكن جميعها تتضمن العمل بخبر الواحد العدل ، وهذا أحد طرق معجزات رسول الله فإنه روي عنه تسبيح الحصى في يديه ، وحنين الجذع إليه ، ونبع الماء بين أصابعه ، وجعله الطعام القليل كثيراً ، ومجه الماء من فمه في المزاده فلم ينقصه الاستعمال ، وكلام البهائم له ، وما أشبه ذلك مما يكثر تعداده .

إذا ثبت هذا فإن عدد الجماعة الذين يقع العلم بخبرهم غير معلوم ، ولا دليل على عددهم من طريق العقل ولا من طريق الشرع . لكنا نعلم أن العدد القليل لا يوجب خبرهم العلم وخبر العدد الكثير يوجبه ، ويجب أن يكونوا قد علموا ما أخبروا به ضرورة ، وأن يكونوا على صفة لا يقع منهم الكذب اتفاقاً ، ولا تواطؤا بتراسل أو حمل حامل برغبة أو رهبة لأنا نعلم أن العلم لا يقع بخبر جماعة يجوز عليهم ذلك .

وخبر الآحاد ما انحط عن حد التواتر وهو ضربان : مسند ومرسل .

فأما المسند : فضربان . أحدهما : يوجب العلم وهو على أوجه منها : خبر الله سبحانه وخبر رسوله ، ومنها : أن يحكي رجل بحضرة رسول الله شيئاً ويدعي علمه فلا ينكره عليه فيقطع به على صدقه ، ومنها : أن يحكي رجل شيئاً بحضرة جماعة كثيرة ويدعي علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه ، ومنها : خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل به الكل أو عمل به البعض وتأوله البعض ، فهذه الأخبار توجب العمل ويقع بها العلم استدلالاً .

وأما الضرب الثاني من المسند : فمثل الأخبار المروية في كتب السنن الصحاح فإنها توجب العمل ولا توجب العلم وقال قوم من أهل البدع : لا يجوز العمل بها ، ونحن نذكر الحجة عليهم وفساد مقالتهم بمشيئة الله ومعونته .

باب القول في وجوب العمل بخبر الواحد العدل

قال الله سبحانه : ( { فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ) [35] .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد ابن يعقوب الأصم ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، نا معاوية ابن عمر عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس ( وأنا ) طلحة بن علي بن الصقر ، نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي ، أنا جعفر بن محمد المؤدب ، نا أبو عبيد ، نا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى : ( { فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً } ) [36] وفي قوله : ( { انفروا خفافاً وثقالاً } ) [37] قال ويقال : نسختهما : ( { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ) [38] قال : تنفر طائفة وتمكث طائفة مع النبي قال : فالماكثون هم الذين يتفقهون في الدين وينذروا إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو بما نزل من قضاء الله وكتابه وحدوده . واللفظ لحديث أبي عبيد .

أنا محمد بن الحسين القطان ، أنا دعلج بن أحمد ، أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ أن سعيد بن منصور حدثهم ، قال : نا سفيان عن سليمان الأحول عن عكرمة ، قال : سمعته يقول : لما نزلت : ( { ألا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم } ) [39] قال المنافقون : قد بقي من الناس ناس لم ينفروا فهلكوا ، : ( { وكان قوم تخلفوا ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ) [40] فنزل العذر لأؤلئك : ( { فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم } ) [41] وأنزل الله في أولئك : ( { الذين يحاجون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم } ) [42] قلت ذكر الله الطائفة في هذه الآية واسم الطائفة يقع على القليل وعلى الكثير فوجب أن يثبت الحكم بمن وقع عليه هذا الاسم . وقرن الله تعالى الحذر بالانذار في قوله : ( { لعلهم يحذرون } ) ومعناه واجب أن يحذروا كما قال : ( { لعلهم يتقون } ) [43] و : ( { لعلهم يفقهون } ) [44] : ( { ولعلهم يهتدون } ) [45] إيجاباً عليهم أن يتقوا وأن يفقهوا وأن يهتدوا . وقال سبحانه : ( { يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ) [46] فأمر الله بالتثبت في خبر الفاسق وبين أن ذلك لئلا يصاب قوم بجهالة فيصبح من قضى بخبر الفاسق نادماً ، وفي ذلك دلالة واضحة على امضاء خبر العدل والفرق بينه وبين خبر الفاسق فلو كانا سيين في التثبت لبيَّنَهُ عز وجل .

أنا أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الفتح الجيلي قال : حدثني أبو ذر الخضر بن أحمد الطبري ، قال : قال أبي أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص : لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد إذا عدلت نقلته وسلم من النسخ حكمه وإن كانوا متنازعين في شرط ذلك وإنما دفع خبرالآحاد بعض أهل الكلام لعجزه والله أعلم عن علم السنن زعم أنه لا يقبل منها إلاّ ما تواترت به أخبار من لا يجوز عليه الغلط والنسيان وهذا عندنا منه ذريعة إلى إبطال سنن المصطفى لوجهين : أحدهما : إن ما شرط من ذلك صفة الأمة المعصومة والأمة إذا تطابقت على شيء وجب القول به وإن لم يأت خبر ، والثاني : انه لو طولب بسنّة يتحاكم إليها المتنازعان تواترت عليها أخبار نقلتها وسلمت من خوف النسيان طرقها لم يجد إليها سبيلاً وكانت شبهته في ذلك انه وجد أخبار السنن آخرها عن من لا يجوز عليه الغلط والنسيان وهو النبي وكذلك يجب أن يكون أولها وأوسطها عن قوم لا يجوز عليهم الغلط والنسيان ، قال أبو العباس وكان ما اعتذر به ثانياً أفسد من جزمه أولاً وأقبح ، وذلك أن آخر هذه الأخبار عن من صحت نبوته وصدقت المعجزات قوله فيلزمه على قوة اعتلاله أن لا يقبل من الأخبار إلا ما روت الأنبياء عن الأنبياء وقد نطق الكتاب بتصديق ما اجتبيناه من تصديق خبر الآحاد قال الله تعالى : ( { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ) [47] واسم الطائفة عند العرب قد يقع على ما دون العدد المعصوم من الزلل وقد يلزم الواحد فأكثر قال الله تعالى : ( { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ) [48] : ( { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ) [49] فصح أن هذا الاسم واقع على العدد القليل وفيما تلونا وجهان من الحجة : أحدهما إن أمر الله إياهم بذلك دليل أن على المنذرين قبوله كما قال الله تعالى : ( { واشهدوا ذوي عدل منكم } ) [50] : ( { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ) [51] فكان ذلك دليلاً على قبول قولهما .

والوجه الثاني : قوله : ( { لعلهم يحذرون } ) [52] فلولا قيام الحجة عليهم ما استوجبوا الحذر ومعنى قوله لعلهم يحذرون إيجاب للحذر به والله أعلم نظير قوله : ( { بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } ) [53] إيجاباً للاهتداء عليهم بذلك وقال تعالى : ( { انا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } ) [54] فوجب على العباد أن يعقلوا عن القرآن خطابه حجة لله عليهم . وحجة أخرى قول الله تعالى : ( { يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ) [55] الآية فكان في أمر الله بالتثبت في خبر الفاسق دلالة واضحة من فحوى الكلام على امضاء خبر العدل والفرق بينه وبين خبر الفاسق فلو كانا سيين في التوقف عنهما لأمر بالتثبت في خبرهما وحد التواتر الذي يجب عند المخالفين القول به على مذهبهم كما رتبت في الشهادات وفصل بينهما بأن جعل الشهادات منوطة بأعدادها وأطلق الأخبار اطلاقاً .

وقوله : ( { أن تصيبوا قوماً بجهالة } ) [56] دليل على أن إنفاذنا لقبوله في خبر العدل إصابة بعلم لا بجهل له ولئلا نصبح على ما فعلنا نادمين والله أعلم .

أنا الحسن بن علي الجوهري ، أنا محمد بن العباس الخزاز ، أنا أحمد بن عبد الله بن سيف بن سعيد السجستاني ، أنا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : فإن قال قائل : فأين الدلالة على قبول خبر الواحد عن رسول الله ؟ قيل له ان شاء الله : كان الناس مستقبلي بيت ا لمقدس ثم حولهم الله إلى البيت الحرام فأتى أهل قباء آتٍ وهم في الصلاة فأخبرهم أن الله أنزل على رسوله كتاباً وإن القبلة قد حولت إلى البيت الحرام فاستداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة .

وأن أبا طلحة وجماعة كانوا يشربون الشراب فضيخ بسر ولم يحرم يومئذ من الأشربة شيء فأتاهم آت فأخبرهم أن الخمر قد حرمت فأمروا أناساً فكسروا جرار شرابهم ذلك ولا أشك إنهم لا يحدثون مثل هذا إلا ذكروه لرسول الله إن شاء الله ويشبه إن لو كان قبول خبر من أخبرهم وهو صادق عندهم مما لا يجوز لهم قبوله أن يقول لهم رسول الله قد كنتم على قبلة لم يكن لكم أن تتحولوا عنها إذ كنت حاضراً معكم حتى أعلمكم أو يعلمكم جماعة أو عدد يسميهم لهم ويخبرهم أن الحجة تقوم عليهم بمثلها لا بأقل منها إن كانت لا تثبت عنده بواحد والفساد لا يجوز عند رسول الله ولا عند عالم ، وهراقةُ حلالٍ فساد .

ولو لم تكن الحجة أيضاً تقوم عليهم بخبر من أخبرهم بتحريم الخمر لأشبه أن يقول لهم قد كان لكم حلالاً ولم يكن عليكم إفساده حتى أعلمكم ان الله حرمه أو يأتيكم عدد يحدهم لهم بخبر عني بتحريمه .

وأمر رسول الله أم سلمة أن تعلم امرأة أن تعلم زوجها ان قبلها وهو صائم لا يحرم عليه ، ولو لم ير الحجة تقوم عليه بخبرها إذا صدقها لم يأمرها ان شاء الله به . وأمر رسول الله أنيساً الأسلمي أن يغدو على امرأة رجل فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها وفي ذلك إماتة نفسها باعترافها عند أنيس وهو واحد . وأمر عمرو بن أمية الضمري أن يقتل أبا سفيان وقد سن عليه أن علمه أسلم لم يحل له قتله وقد يحدث الإسلام قبل أن يأتيه عمرو بن أمية . وأمر أنيساً أو عبد الله بن أنيس أن يقتل خالد بن سفيان الهذلي فقتله ومن سنة رسول الله ألا يقتله ، وكل هؤلاء في معاني ولاته وهم واحد واحد يمضون الحكم باخبارهم .

قال الشافعي : وبعث رسول الله عماله واحداً واحداً ورسله واحداً واحداً . وإنما بعث عماله ليخبروا الناس بما أخبرهم به رسول الله من شرائع دينهم ويأخذوا منهم ما أوجب الله عليهم ويعطوهم ما لهم ويقيموا عليهم الحدود وينفذوا فيهم الأحكام ولم يبعث منهم واحداً إلا مشهوراً بالصدق عند من بعثه إليه ولو لم تقم الحجة عليهم بهم إذ كانوا في كل ناحية وجههم إليها أهل صدق عندهم ما بعثهم ان شاء الله .

وبعث أبا بكر والياً على الحج فكان في معنى عماله ثم بعث علياً بعده بأول سورة براءة فقراها في مجمع الناس الموسم وأبو بكر واحد وعلي واحد وكلاهما بعثه بغير الذي بعث به صاحبه ، فلو لم تكن الحجة تقوم عليهم ببعث كل واحد منهما إذ كانا مشهورين عند عوامهم بالصدق وكان من جهلها من عوامهم يجد من يثق به من أصحابه يعرف صدقهما ما بعث واحداً منهما .

فقد بعث علياً بعظيم نقضِ مددٍ ، واعطاءِ مددٍ ، ونبذٍ إلى قومٍ ، ونهيٍ عن أمورٍ ، وأمرٍ بأخرى ، وما كان لأحد من المسلمين بَلَّغَهُ عليٌّ ان له مدة أربعة أشهر أن يعرض لهم في مدتهم ، ولا مأمور بشيء ولا منهي عنه برسالة علي أن يقول له : أنت واحد ولا تقوم على الحجة بأن رسول الله بعثك إلي بنقض شيء جعله لي ولا بإحداث شيء لم يكن لي ولا لغيري ولا بنهيي عن أمر لم أعلم رسول الله نهى عنه ولا باحداث أمر لم أعلم رسول الله أحدثه . وما يجوز هذا لأحد في شيء قطعه عليه علي برسالة النبي ولا أعطاه إياه ولا أمره به ولا نهاه عنه بأن يقول : لم أسمعه من رسول الله ، أو لم ينقله إلي عدد ، أولا أقبل فيه خبرك وأنت واحد . ولا كان لأحد وجه إليه رسول الله عاملاً يعرفه أو يعرفه له من يصدقه فصدقه أن يقول له العامل : عليك أن تعطي كذا وكذا أو تفعل كذا وكذا أو نفعل بك كذا وكذا ، فيقول : لا أقبل هذا منك لأنك واحد حتى ألقى رسول الله فيخبرني أن علي ما قلت انه علي فأفعله عن أمر رسول الله لا عن خبرك وقد يمكن أن تغلط أو يحدثنيه عامة يتشرط في عددهم وإجماعهم على الخبر عن رسول الله وشهادتهم معاً أو متفرقين ثم لا يذكر أحد من خبر العامة عدداً أبداً إلا وفي العامة عدد أكثر منه ولا من اجتماعهم حين يخبرون وتفرقهم شيئاً إلا أمكن في زمان النبي أو بعض زمانه حين كثر أهل الإسلام فلا يكون لتثبيت الأخبار غاية أبداً ينتهى إليها . ثم لا يكون هذا لأحد من الناس أجوز منه لمن قال هذا ورسول الله بين ظهرانيه لأنه قد يدرك لقاء رسول الله ويدرك ذلك له أبوه وولده وإخوته وقرابته ومن يصدقه في نفسه ويفصل صدقه بالنظر له فإن الكاذب قد يصدق من نظر له وإذا لم يجز هذا لأحد يدرك لقاء رسول الله ويدركه من يصدق من أهله والعامة عنه كان لمن جاء بعد رسول الله ممن لا يلقاه في الدنيا أولى أن لا يجوز .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل ، قال : حدثني ابن أبي ذيب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه ، أن رسول الله قال عام الفتح صلى الله عليه وسلم : «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين : ( ان أحب أخذ العقل ، وإن أحب فله القود » فقال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذيب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدري وصاح علي صياحاً منكراً ونال مني ، وقال : أحدثك عن رسول الله وتقول تأخذ به ؟ وذلك الفرض علي وعلى من سمعه ، ان الله اختار محمداً من الناس ، فهداهم به وعلى يديه ، واختار لهم ما اختار له على لسانه ، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك . قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت .

أنا الجوهري ، أنا عمر بن أحمد الواعظ نا يحيى بن محمد بن صاعد نا الحسين ابن الحسن المروزي نا عبد الله يعني ابن المبارك أنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال : بلغنا عن رجال من أهل عن رجال من أهل العلم إنهم كانوا يقولون : الاعتصام بالسنن نجاة .

أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن بكران العوي بالبصرة ، نا أبو علي الحسن بن محمد ابن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني يونس عن ابن شهاب ، قال : بلغنا عن رجال من أهل العلم إنهم كانوا يقولون : الاعتصام بالسنن نجاة . والعلم يقبض قبضاً سريعاً ففي العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب ذلك كله في ذهاب العلم .

أخبرني عبد العزيز بن علي الوراق ومحمد بن يحيى بن محمد الشولي ، قالا : نا عمر بن أحمد الواعظ ، نا أحمد بن محمد بن إسماعيل ، نا الفضل بن زياد ، قال : سمعت أبا عبد الله وهو أحمد بن حنبل يقول : من رد حديث رسول الله فهو على شفا هلكه .

حدثني أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجزى ، أنا علي بن بشرى السجستاني ، قال : حدثنا محمد بن الحسين الآبري ، قال : سمعت الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة رضي الله عنه ، يقول ما لا أحصي من مرة : أنا عبد لأخبار رسول الله .

وصف الخبر الذي يلزم قبوله ويجب العمل به

لا يقبل خبر الواحد حتى تثبت عدالة رجاله ، واتصال إسناده . وثبوت العدالة أن يكون الراوي بعد بلوغه وصحة عقله ، ثقة مأموناً جميل الاعتقاد ، غير مبتدع مجتنباً للكبائر متنزهاً عن كل ما يسقط المروءة من المجون والسخف والأفعال الدنيئة . وينبغي أن لا يكون مدلساً في روايته ، ويكون ضابطاً حال الرواية محصلاً لما يرويه ، ويكون شيخه الذي سمع منه على هذه الصفة . وكذلك حال شيخ شيخه ومن بعده من رجال الاسناد إلى الصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله . فإن كان في الإسناد رجل ثبت فسقه أو جهل حاله فلم يعرف بالعدالة ولا بالفسق لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث .

هذا الكلام في الحديث الذي اتصل سنده ، واما المرسل فهو ما انقطع إسناده وهو أن يروي المحدث عن من لم يسمع منه ، أو يروي عن من سمع منه ما لم يسمع منه ويترك اسم الذي حدثه به فلا يذكره . فلا يخلو من أحد أمرين : اما أن يكون من مراسيل الصحابة أو غيرهم ، فإن كان من مراسيل الصحابة قبل وجب العمل به ، لأن الصحابة مقطوع بعدالتهم فارسال بعضهم عن بعض صحيح .

وإن كان من مراسيل غير الصحابة لم يقبل لأن العدالة شرط في صحة الخبر والذي ترك تسميته يجوز أن يكون عدلاً ويجوز أن لا يكون عدلاً فلا يحتج بخبره حتى يعلم .

أنا الجوهري ، أنا محمد بن العباس ، أنا أحمد بن عبد الله بن سيف ، نا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : لا يقبل إلا حديث ثابت كما لا يقبل من الشهود إلا من عرفنا عدله . فإذا كان الحديث مجهولاً أو مرغوباً عمن حمله كان كما لم يأت لأنه ليس بثابت .

باب أوصاف وجوه السنن ونعوتها

قد مضى الكلام في الإسناد والكلام هاهنا في المتن وجملته ان في سنن رسول الله مثلما في كتاب الله من الحقيقة والمجاز ، والخاص والعام ، والمجمل والمبين ، والناسخ والمنسوخ ، ونحن نورد من كل معنى ذكرناه شيئاً يستدل به على ما سواه ان شاء الله .

فمن المجاز : ما أنا أبو القاسم علي بن محمد بن يحيى السميساطي بدمشق ، أنا عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي ، أنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا ، نا يونس بن عبد الأعلى أنا عبد الله بن وهب ، ان مالكاً أخبره قال ابن جوصا ( ونا ) عيسى بن إبراهيم الغافقي ، قال : أنا عبد الرحمن بن القاسم ، حدثني مالك عن يحيى بن سعيد ، قال : سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفى الكير خبث الحديد » .

قال يونس قال لنا ابن وهي قلت لمالك ما : «تأكل القرى » ؟ قال : تفتح القرى .

أنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، أنا إسماعيل بن علي الخطبي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يقول في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أمرت بقرية تأكل القرى » .

قال : تفسيره والله أعلم تفتح القرى فتحت مكة بالمدينة وما حول المدينة بها لا انها تأكل أكلا إنما تفتح القرى بالمدينة .

قلت : قوله : «أمرت بقرية » على معنى أمرت بالهجرة إلى قرية وقوله : «تأكل القرى » بمعنى يأكل أهلها القرى كما قال الله تعالى : ( { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان } ) [57] الآية يعني قرية كان أهلها مطمئنين فكان ذكر القرية في هذا كناية عن أهلها وأهلها هم المرادون بها لا هي والدليل على ذلك قوله تعالى : ( { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ) والقرية لا صنع لها وقوله : ( { فكفرت بأنعم الله } ) والقرية لا كفر لها . وقوله : «تأكل القرى » بمعنى تقدر عليها كقوله تعالى : ( { ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً } ) [58] ليس يعني بذلك أكلتها دون محتجبيها عن اليتامى لا بأكل لها ، وكقوله تعالى : ( { ولا تأكلوها اسرافاً وبداراً أن يكبروا } ) [59] يعني تغلبوا عليها إسرافاً على أنفسكم وبداراً أن يكبروا فيقيموا الحجة عليكم بها فينزعوها منكم لأنفسهم فكان الأكل فيما ذكرنا يراد به الغلبة على شيء فكذلك في الحديث .

وحديث آخر ، أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي ، نا أبو المغيرة ، قال : حدثني عبد الله بن سالم ، حدثني العلاء ابن عتبة عن عمر بن هانىء العنسي ، قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : كنا قعوداً عند رسول الله فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الاحلاس فقال قائل يا رسول الله ما فتنة الأحلاس ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «هي هرب وحرب ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم انه مني وليس مني وإنما أوليائي المتقون ، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقضت تمادت ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويسمي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو غده » .

قوله صلى الله عليه وسلم : «فتنة الأحلاس » الأحلاس : جمع حلس وإنما شبهها بالحلس لظلمتها والتباسها أو لأنها تركد وتدوم فلا تقلع يقال فلان حلس بيته إذا كان يلازم قعر بيته لا يبرح ويقال : هم أحلاس الخيل إذا كانوا يلزمون ظهورها والدخن الدخان يريد انه سبب إثارتها وهيجها . وقوله : «كورك على ضلع » يريد والله أعلم إنهم يجتمعون على رجل غير خليق للملك ولا مستقل به لأن الورك لا يستقل على الضلع ولا يلائمها وإنما يقال في باب المشاكلة هو كرأس على جدار أو كف في ذراع ونحوها من الكلام . والدهيماء : تصغير الدهماء ولعله صغرها على طريق المذمة والله أعلم .

وحديث آخر ، أخبرنيه علي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز ، نا أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد ، نا القرى علي بن الحسن بن مكرم ( وأنا ) أسمع ، قال : قرأنا على قيس بن محمد البصري عن سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تدور رحا الإسلام في خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من يهلك وأن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً » قلت : يا رسول الله مما مضى أو مما بقي ؟ قال رضي الله عنه : «مما بقي » .

قوله ( ( تدور رحا الإسلام » مثل يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف لذلك على أهله الهلاك يقال للأمر إذا تغير واستحال قد دارت رحاه وهذا والله أعلم إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة . وقوله ( ( يقم لهم دينهم » أي ملكهم وسلطانهم والدين الملك والسلطان ، ومنه قول الله تعالى : ( { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ) [60] وكان بين مبايعة الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان إلى انقضاء ملك بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة .

باب من العام والخاص

إذا تعارض لفظان عن رسول الله وكان أحدهما عاماً والآخر خاصاً مثل ما :

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، نا الحسن بن عفان العامري الكوفي ، نا يحيى بن آدم ، نا أبو بكر بن عياش عن ابان عن أنس رضي الله عنه ، قال : فرض رسول الله فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالدوالي والسواني والغرب والناضح نصف العشر .

ثم أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا الحسين بن عفان العامري ، نا يحيى بن آدم ، نا سفيان بن سعيد عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي قال صلى الله عليه وسلم : «لا صدقة في حب ولا ثمر دون خمسة أوسق » .

فحديث أنس عام يوجب الصدقة في قليل ما ينبت الأرض من الزرع والثمر وفي كثيره ، وحديث أبي سعيد خاص في أن الصدقة إنما تجب فيما تجب فيما بلغ خمسة أوسق فصاعداً وأما ما قصر عن ذلك فلا صدقة فيه ، والواجب في مثل هذا أن يقضي بالخاص على العام لقوته فإن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يقضي بالخاص عليه .

وأما إذا كان كل واحد من اللفظين عاماً من وجه وخاصاً من وجه فيمكن أن يخص بكل واحد منهما عموم الآخر مثل ما :

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة ، أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس .

وأنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ، أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا إسحاق بن الحسن وإسماعيل بن إسحاق ، قالا : نا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «لا يتحر أحدكم فيلصي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها » .

وأنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه ، أنا أبو بكر محمد بن عريب البزار ، أنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الجعد الوشاء ، نا سويد بن سعيد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي رضي الله عنه ، أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، وإذا استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها فإذا تدلت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها » .

ونهى رسول الله عن الصلاة في تلك الساعات

فكان النهي في هذه الأحاديث ظاهره العموم وانه لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة من الصلوات في هذه الأوقات . ثم جاء لفظ عن النبي يعارض ما ذكرنا في حديث .

أناه أبو بكر البرقاني ، قال : قرىء على عبد العزيز بن جعفر الحرقي وأنا أسمع ، حدثكم القاسم بن زكريا ، قال ابن المثنى : نا عبد الأعلى ، قال قاسم : وأنا بندار ، نا ابن أبي عدي قال ( ونا ) عبد الله بن سعيد ، نا عقبة بن خالد ، قال : ( ونا ) هارون ، نا عبدة ، قال : ( ونا ) يوسف ، نا أبو أسامة ، قالوا : نا سعيد ابن أبي عروية عن قتادة عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها » .

فكان ظاهر هذا الحديث يدل على أن من ذكر صلاة كان نسيها أو نام عنها فإن عليه أن يصليها في أي وقت كان ، واحتمل أن يكون المراد بالنهي عن الصلاة في الأوقات المقدم ذكرها ما لا سبب له من الصلوات بدليل حديث أنس .

واحتمل أن يكون المراد بحديث أنس أن من ذكر أن عليه صلاة نسيها أو نام عنها فليصلها في غير الأوقات التي جاء النهي عن الصلاة فيها فالواجب في مثل هذا أن لا يقدم على الأمر إلا بدليل شرعي من غيرهما يدل على الخصوص فيهما أو ترجيح يثبت لأحدهما على الآخر ، فإنا نظرنا في الأحاديث فوجدنا فيها ما يحصل به الحكم الفاصل فيما قدمنا .

أنا القاضي أبو بكر الحيري نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن عبد الله عن أبي الوليد ، قال : سمعت أبا سلمة قال : قدم معاوية المدينة فبينما هو على المنبر إذ قال يا كثير ابن الصلت اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فاسألها عن صلاة النبي الركعتين بعد العصر ، قال أبو سلمة : فذهبت معه وبعث ابن عباس عبد الله بن الحارث بن نوفل معنا فقال : اذهب فاسمع ما تقول أم المؤمنين ، قال : فجاءها فسألها ، فقالت له عائشة : لا علم لي ولكن اذهب إلى أم سلمة فاسألها ، قال : فذهبت معه إلى أم سلمة ، فقالت : دخل علي رسول الله ذات يوم بعد العصر وصلى عندي ركعتين لم أكن أراه يصليهما فقلت يا رسول الله لقد صليت صلاة لم أكن أراك تصليها ؟ فقال : إني كنت أصلي الركعتين بعد الظهر وانه قدم علي وفد بني تميم أو صدقة فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان .

أنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا ابن نمير عن سعد بن سعيد ، قال : حدثني محمد بن إبراهيم عن قيس بن عمرو ، قال : رأى رسول الله رجلاً يصلي بعد صلاة الغداة ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صلاة الصبح ركعتان » فقال الرجل : إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن فسكت رسول الله .

أنا علي بن أحمد بن إبراهيم البصري ، نا الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان نا أبو بكر الحميدي والحماني وعبد الله بن مسلمة ، قالوا : نا سفيان ، نا أبو الزبير ، انه سمع عبد الله بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ، أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «يا بني عبد المطلب ، أو يا بني عبد مناف أن وليتم من هذا الأمر شيئاً فلا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة من ليل أو نهار » .

قيل للحميدي : ان شاء ، قال : لا أعرف شاء . أنا أبو القاسم الأزهري والتنوخي ، قالا : أنا علي بن محمد ابن لؤلؤ الوراق ، نا هيثم بن خلف ، نا إسحاق بن موسى الأنصاري ، نا معن ، نا مالك عن عامر بن عبد الله ابن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة السلمي رضي الله عنه ، أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع قبل أن يجلس » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن عمرو يعني ابن دينار عن نافع بن جبير عن رجل من أصحاب النبي قال : كان رسول الله في سفر فعرس فقال صلى الله عليه وسلم : «ألا رجل صالح يكلؤنا الليلة لا نرقد عن الصلاة » ؟ فقال بلال : أنا يا رسول الله ، قال : فاستند بلال إلى راحلته واستقبل الفجر قال فلم يفزعوا إلا بحر الشمس في وجوههم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا بلال » ، فقال بلال : يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، قال : فتوضأ رسول الله ثم صلى ركعتين الفجر ثم اقتادوا رواحلهم شيئاً قال : ثم صلى الفجر .

فدلت هذه الأحاديث أن النهي عن الصلوات في الأوقات التي تقدم ذكرها منصرف إلى الصلوات التي لا أسباب لها ، فأما صلاة وجبت على الأنسان فنسيها ، أو نام عنها ، أو جنازة حضرت لم يصل عليها ، أو ركعتا الطواف بالبيت الحرام ، أو ركعتا الدخول إلى المسجد ، أو غير ذلك من الأسباب التي نسبت الصلاة إليها وعلقت عليها ، فلا تكره في أي وقت فعلت بدليل ما ذكرناه عن رسول الله .

أنا أحمد بن جعفر القطيعي وعلي بن أبي علي البصري ، قالا : أنا علي بن عبد العزيز البردعي ، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، نا الربيع بن سليمان المصري ، قال : قلت للشافعي إن علي بن معبد أخبرنا بإسناده ، عن النبي أنه أجاز بيع القمح في سنبله إذا ابيض ، فقال : أما هذا فغرر لأنه يحول دونه فلا يرى . فإن ثبت الخبر عن النبي قلنا به وكان خاصاً مستخرجاً من عام ، كما أجزنا بيع الصبرة بعضها فوق بعض لأنه غرر ، فلما أجازها النبي أجزناها كما أجازها وكان خاصاً مستخرجاً من عام لأن رسول الله نهى عن بيع الغرر وأجاز هذا ، وكذلك أجاز بيع الشقص من الدار وجعل لصاحبه الشفعة وإن كان الأساس منها مغيباً لا يرى وخشباً في الحائط لا يرى فلما أجاز ذلك أجزناه كما أجازه وان كان فيه غرر وكان خاصاً مستخرجاً من عام .

أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، نا إسحاق بن بكر عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن محمد بن مسلم بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ، ان رجلاً أتى رسول الله فأخبره انه وقع بامرأته في رمضان فقال صلى الله عليه وسلم : «هل تجد رقبة » ؟ قال : لا ، قال صلى الله عليه وسلم : «هل تستطيع صيام شهرين » ؟ قال : لا . قال صلى الله عليه وسلم : «فأطعم ستين مسكيناً » ، قال : ولا أجد ، قال فأعطاه رسول الله تمراً فأمره أن يتصدق به قال : فذكر لرسول الله حاجته فأمره أن يأخذه هو .

هذا الحديث يشتمل على حكمين : أحدهما : عام وهو وجوب الكفارة على من وطىء امرأته في رمضان ووجوبها على الترتيب الذي ذكر . والثاني : خاص وهو إذن النبي للرجل في أخذ ذلك وليس يجوز ذلك لأحد غيره .

أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، أنا أبو عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا ابن نمير وعبد الله بن مسلمة ، قالا : نا عيسى بن يونس عن الأعمش عن إبراهيم ، قال : إني لأسمع الحديث فآخذ بما يؤخذ به وأدع سائره .

ذكر ما يجوز التخصيص به وما لا يجوز

الأدلة التي يجوز التخصيص بها ضربان : متصل ومنفصل . فأما المتصل : فهو الاستثناء ، والشرط ، والتقييد بالصفة ، فأما الاستثناء : فلا يصح إلا أن يكون متصلاً بالمستثنى منه . وأما الشرط : فهو ما لا يصح المشروط إلا به وقد ثبت بدليل منفصل كاشتراط القدرة في العبادات ، واشتراط الطهارة في الصلاة ، وقد يكون متصلاً بالكلام كقول الله تعالى : ( { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ) [61] : ( { فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً } ) [62] ، وقد يكون بلفظ الغاية كقوله تعالى : ( { حتى يعطوا الجزية } ) [63] . وأما تقييد العام بالصفة : فمثل قوله تعالى : ( { فتحرير رقبة مؤمنة } ) [64] ولو أطلق الرقبة لعمت المؤمنة والكافرة فلما قال : ( { مؤمنة } ) [65] وجب التخصيص . فإن ورد الخطاب مطلقاً حمل على اطلاقه ، وإن ورد في موضع مطلقاً وفي موضع مقيداً فإن كان ذلك في حكمين مختلفين مثل أن يقيد الصيام بالتتابع ويطلق الاطعام لم يحمل أحدهما على الآخر بل يقيد كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان في لفظ ولا معنى . وإن كان ذلك في حكم واحد وسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ثم يعيد ذكرها في القتل مطلقة كان الحكم للمقيد لأن ذلك حكم واحد استوفى بيانه في أحد الموضعين ولم يستوفه في الموضع الآخر .

واما المنفصل من الأدلة التي يجوز التخصيص بها فضربان : أحدهما : من جهة العقل ، والآخر : من قبل الشرع . فأما الذي من جهة العقل فضربان أيضاً : أحدهما : ما يجوز ورود الشرع بخلافه ، وهو ما يقتضيه العقل من براءة الذمة ، فهذا لا يجوز التخصيص به لأن ذلك إنما يستدل به لعدم الشرع فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع ؛ والثاني : ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه مثل ما دل عليه العقل من نفي الخلق عن صفات الله تعالى فيجوز التخصيص بهذا ولأجل ذلك خصصنا قوله تعالى : ( { خالق كل شيء } ) [66] وقلنا المراد به ما خلا الصفات لأن العقل قد دل على انه تعالى لا يجوز أن يخلق صفاته فخصصنا العموم به .

وأما الأدلة التي يجوز التخصيص بها من جهة الشرع فوجوه : نطق الكتاب والسنّة ، ومفهومهما ، وأفعال رسول الله واقراره ، وإجماع الأمة ، والقياس .

فأما الكتاب فيجوز تخصيص الكتاب به كقوله تعالى : ( { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ) [67] خص به قوله تعالى : ( ولا تنكحوا الشركات حتى يؤمن )

ويجوز تخصيص السنه به ، وقال بعض الناس لا يجوز ذلك ، والدليل على جوازه هو أن الكتاب مقطوع بصحة طريقه والسنة غير مقطوع بطريقها ، فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وتخصيص السنة بها أولى ، فيجوز تخصيص الكتاب بها ، الكتاب والسنة دليلان أحدهما خاص والآخر عام فقضي بالخاص منهما على العام كما لو كانا من الكتاب ويجوز تخصيص السنة بالسنة من لفظ النبي وفعله .

ويجوز التخصيص باقراره كما رأى المصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فأقره عليه ولا يجوز أن يرى منكراً من أحد فيقره عليه ، ويجوز التخصيص بإجماع الأمة لأنه أقوى من كثير من الظواهر ، فإذا جاز التخصيص بالظواهر فالإجماع بذلك أولى ، ويجوز التخصيص بالقياس لأن القياس يتناول الحكم فيما يخصه بلفظ غير مجمل فخص به العموم كلفظ الخاص ، ولا يجوز تخصيص العموم بالعرف والعاده لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع في قول بعض الناس على حسب المصلحة وفي قول الباقين على ما أراد الله عز وجل وذلك لا يقف على العادة .

ذكر القول في اللفظ الوارد على سبب

اللفظ الوارد على سبب لا يجوز إخراج السبب منه لانه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه وذلك لا يجوز . وهل يدخل فيه غيره أم لا ؟ ينظر ، فإن كان في اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصوراً على ما فيه من السبب ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة ، فإن كان لفظ السائل عاماً مثل ان قال : أفطرت وذلك في رمضان ، فأجابه بأن قال : أعتق ، حمل الجواب على العموم في كل مفطر بأي سبب كان الفطر كأنه قال : من أفطر فعليه العتق ، من جهة المعنى لا من جهة اللفظ وذلك انه لما لم يستفصل دل على أنه لا يختلف الحكم ، ولما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك لأن السبب في الحكم تعليل . وإن كان لفظ السائل خاصاً مثل أن قال : جامعت ، فأجابه بأن قال : أعتق ، حمل الجواب على الخصوص في المجامع لا يتعدى إلى غيره من المفطرين فكأنه قال : من جامع في رمضان فعليه العتق .

واما إذا كان الجواب يستقل بنفسه وهو مخالف للسؤال اعتبر حكم اللفظ فإن كان خاصاً حمل على خصوصه ، وإن كان عاماً حمل على عمومه ، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه .

مثال ذلك في عمومه : ما أنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري ، قالوا : نا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قيل لرسول الله : أتتوضأ من بئر بضاعة ، وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الماء طهور لا ينجسه شيء » .

وإنما وجب أن يحمل هذا على العموم في المياه كلها لأن الحجة في قول رسول الله دون السبب فوجب أن يعتبر عمومه .

وأما خصوص اللفظ فمثاله أن يسأل عن قتل النساء الكوافر فيقول : اقتلوا المرتدات ، فيجب قتل المرتدات باللفظ . ولا يجوز قتل غير المرتدات من الحربيات لجهتين ، احداهما من طريق دليل الخطاب ، والثانية ان النبي لما عدل عن الاسم العام إلى الاسم الخاص دل على أنه قصد المخالفة بين المرتدات وبين الحربيات وهذا كما قلنا في حديث حذيفة بن اليمان الذي :

أنا القاضي أبو الطيب الطبري وأبو بكر محمد بن عبد الملك القرشي ، قالا : أنا علي بن عمر الحافظ ، نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا خلف بن هشام ، نا أبو عوانة عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «جعلت الأرض كلها لنا مسجداً ، وجعلت تربتها لنا طهوراً ، وجعلت صفوفنا مثل صفوف الملائكة » .

إن التيمم بغير التراب لا يجوز لأن النبي علق على عموم اسم الأرض كونها مسجداً وعلق على نوع منها خاص كونه طهوراً فدل على أنه قصد المخالفة بين المسجد والطهور والله أعلم .

باب من المجمل والمبين

أنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأنا على أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي حدثكم عبد الله هو ابن أحمد بن حنبل حدثني أبي ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن سماك عن مصعب بن سعد ، قال : مرض ابن عامر ، قال : فجعلوا يثنون عليه وابن عمر ساكت فقال : أما إني لست بأغشهم لك لكن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم : «ان الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول » .

أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه الأرموي بنيسابور ، أنا عبد الله بن أحمد الفقيه بنسا ، أنا الحسن بن سفيان ، نا أمية بن بسطام ، نا يزيد بن زريع ، نا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن سيفي عن أبي معبد عن ابن عباس ، أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن قال صلى الله عليه وسلم : «انك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله . فإذا عرفوا الله فأخبرهم ان الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم ان الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذيب عن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه ، أن رسول الله قال رضي الله عنه : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فلهم العقل ، وان أحبوا فلهم القود » .

هذه الأحاديث الثلاثة مجملة لأن الطهور والزكاة والعقل وهو الدية أمور لا تعقل ولا تعرف أحكامها من لفظ الأحاديث التي ذكرناها بل تحتاج في بيانها إلى غيرها .

أنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ ، نا أبومحمد علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري ، نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : البيان ترجمان القلوب وصقيل العقول ، ومجلي الشبهة ، وموجب الحجة ، والحاكم عند اختصام الظنون ، والفاروق بين الشك واليقين ، وهو من سلطان الرسل الذي انقاد به المستصعب ، واستقام الأصيد ، وبهت الكافر ، وسلم الممتنع حتى أثبت الحق بأنصاره ، وخلا ربع الباطل من غمازه ، وخير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع الفهم تلقفه ، وموجزاً ليخف عن الحفظ حمله .

سمعت أبا إسحاق الفيروز آبادي يقول : البيان هو الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ما هو دليل عليه ، قال : وقال بعض أصحابنا : هو إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي .

قلت : ويقع البيان بالقول ، وبمفهوم القول ، وبالفعل ، وبالاقرار ، وبالإشارة ، وبالكتابة ، وبالقياس .

فأما البيان بالقول فنحو ما : أنا علي بن القاسم البصري ، نا علي ابن إسحاق بن محمد بن البحتري المادرائي ، نا محمد بن عبيد الله المنادي ، نا أبو بدر شجاع بن الوليد ، نا زهير ، نا أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه ، أن النبي قال صلى الله عليه وسلم : «هاتوا صدقة ربع العشور من كل أربعين درهماً درهماً وليس عليكم حتى تتم مائتي درهم فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم » .

انتهى الجزء الثالث من كتاب الفقيه والمتفقه ويتلوه ان شاء الله الجزء الرابع وأوله ( واما البيان بمفهوم القول ) والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد النبي وآله وسلم .


هامش

  1. [ البقرة : 186 ]
  2. [ البقرة : 042 ]
  3. [ البقرة : 234 ]
  4. [ البقرة : 115 ]
  5. [ البقرة : 051 ]
  6. [ الأنفال : 56 ]
  7. [ الأنفال : 66 ]
  8. [ البقرة : 184 ]
  9. [ البقرة : 183 ]
  10. [ البقرة : 187 ]
  11. [ يونس : 51 ]
  12. [ النحل : 44 ]
  13. [ الرعد : 93 ]
  14. [ النحل : 44 ]
  15. [ الأحزاب : 53 ]
  16. [ البقرة : 239]
  17. [ البقرة : 196 ]
  18. [ آل عمران : 131 ]
  19. [ النساء : 96 ]
  20. [ المائدة : 29 ]
  21. [ النساء : 08 ]
  22. [ الحشر : 7 ]
  23. [ البقرة : 129 ]
  24. [ البقرة : 151 ]
  25. [ آل عمران : 164 ]
  26. [ فاطر : 3 ]
  27. [ النساء : 113 ]
  28. [ الأحزاب : 43 ]
  29. [ البقرة : 129 ]
  30. [ الأحزاب : 43 ]
  31. [ النجم : 3 ]
  32. [ النساء : 105 ]
  33. [ النساء : 92 ]
  34. [ البقرة : 275 ]
  35. [ التوبة : 221 ]
  36. [ النساء : 17 ]
  37. [ التوبة : 14 ]
  38. [ التوبة : 221 ]
  39. [ التوبة : 93 ]
  40. [ التوبة : 221 ]
  41. [ التوبة : 221 ]
  42. [ الشورى : 61 ]
  43. [ البقرة : 187 ]
  44. [ الأنعام : 56 ]
  45. [ الأنبياء : 13 ]
  46. [ الحجرات : 6 ]
  47. [ التوبة : 221 ]
  48. [ الحجرات : 9 ]
  49. [ النور : 2 ]
  50. [ الطلاق : 2 ]
  51. [ البقرة : 282 ]
  52. [ التوبة : 221 ]
  53. [ السجدة : 3 ]
  54. [ الزخرف : 3 ]
  55. [ الحجرات : 6 ]
  56. [ الحجرات : 6 ]
  57. [ النحل ]
  58. [ النساء : 01 ]
  59. [ النساء : 6 ]
  60. [ يوسف : 67 ]
  61. [ النساء : 29 ]
  62. [ المجادلة : 4 ]
  63. [ التوبة : 92 ]
  64. [ النساء : 29 ]
  65. [ النساء : 29 ]
  66. [ الأنعام : 201 ]
  67. [ المائدة : 5 ]


الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر