الفقيه والمتفقه/الجزءالخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالخامس
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء الخامس

الحمد لله حق حمده وصلى الله على محمد وآله .

ومن الدليل أيضاً على أصل المسألة قول الله تعالى : ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ) [1] والوسط العدل ، كذلك أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : في قول الله تعالى في كتابه : ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ) قال رضي الله عنه : «عدلا » .

قلت : وهذا كما قال الله تعالى في آية أخرى : ( { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ) [2] .

أنا علي بن محمد بن الحسن الحربي ، أنا عمر بن هارون المقريء ، نا عبيد الله بن أحمد بن بكر قال : سمعت عبد الله بن مسلم بن قتيبة يقول في قوله تعالى : : ( { قال أوسطهم } ) أي خيرهم وأعدلهم قولا . وإذا أخبر الله تعالى ان الأمة عدل لم تجز عليهم الضلالة لأنه لا عدالة مع الضلالة .

ويدل عليه قول الله تعالى : ( { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ) [3] فدل على أن الرد يجب في حال الاختلاف ولا يجب في حال الإجماع .

ويدل عليه من السنة ما أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي نا أبو داود ، نا محمد بن عوف الطائي ، نا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني أبي قال ابن عوف : وقرأت في أصل إسماعيل قال : حدثني ضمضم عن شريح عن أبي مالك يعني الأشعري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله رضي الله عنه : «ان الله أجاركم من ثلاث خلال : ان لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة » .

أخبرنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ ، أنا أبو علي أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة ، نا أحمد بن الهيثم بن خالد ، ) : ( نا خالد بن يزيد عن معتمر بن سليمان عن سلم ( وأنا ) عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ ، أنا أبو بحر محمد بن الحسن بن كوثر البربهاري ، نا خالد القرّي ، نا المعتمر عن سلم بن أبي الذيال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله وفي حديث عبد الملك ، قال نبي الله ﷺ : «لا يجمع الله الأمة » وقال عبد الملك ﷺ : «هذه الأمة » ثم اتفقا ، أو قال : «أمتي على ضلالة أبداً ويد الله » وقال عبد الملك : «إن يد الله على الجماعة واتبعوا السواد الاعظم فإن من شذ » وقال عبد الملك : «فاتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار » .

أنا أبو بكر البرقاني ، أنا أبو الحسين محمد بن محمد الحجاجي ، نا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، نا علي بن الحسين الدرهمي ، نا معتمر عن سفيان أو أبي سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «لن يجمع الله أمتي على ضلالة ، ويد الله على الجماعة هكذا » ورفع يديه ، : «فإنه من شذ شذ في النار » .

أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الأشناني ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي ، نا عصام بن خالد الحضرمي ، نا معان بن رفاعة عن حازم ابن عطاء أبي خلف عن أنس ، قال : سمعت رسول الله يقول ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم » .

وهكذا رواه أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسوي وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي عن سعيد بن عثمان .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عتبة أحمد بن الفرج ، نا بقية ، نا معان بن رفاعة عن أبي خلف المكفوف ، انه سمعه يقول : سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول الله ﷺ : «ان أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم » .

أنا أبو الفرج عبد السلام بن عبد الوهاب القرشي ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، أنا أحمد بن أبي يحيى الحضرمي ، نا محمد بن أيوب بن عافية ، نا جدي ، نا معاوية بن صالح ، حدثني حميد بن عقبة عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان أمتي لا يجتمعون على ضلالة » .

أنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ وأبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد وأبو القاسم طلحة بن علي بن الصقر الكتاني وأبو علي الحسن بن أبي بكر بن شاذان ، قالوا : أنا أحمد بن يوسف بن خلاد العطار ، نا الحارث بن محمد التميمي ، نا إسماعيل بن أبي إسماعيل المؤدب ، نا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم » .

أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال ، نا محمد ابن عبد الله بن أيوب القطان ، وأنا علي بن المحسن التنوخي ، نا محمد بن المظفر الحافظ بلفظه ، قالا : نا أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد البلخي زاد ابن المظفر قدم للحج ثم اتفقا ، قال : نا حام بن نوح زاد ابن أيوب ( أبو محمد ) ثم اتفقا ، نا أبو معاذ خالد بن سليمان ، قال : نا نوح بن أبي مريم عن داود بن أبي هند عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «إن الله أجاركم ان تجتمعوا على ضلالة كلكم ، أو أن يظهر أهل الباطل على أهل الحق » .

أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار نا محمد بن زنجويه ، نا عبد الرزاق ، نا إبراهيم بن الصغاني عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، أنه سمع النبي يقول ﷺ : «يد الله على الجماعة » .

أنا الحسين بن على الطناجيري ، أنا محمد بن زيد بن علي بن مروان الأنصاري بالكوفة ، نا إسحاق ابن محمد بن مروان ، نا أبي ، نا أبو يحيى الحماني عن يحيى بن أيوب الجزيري عن زياد بن علاقة عن عرفجة بن صريح الأشجعي ، قال : سمعت النبي يقول ﷺ : «إن يد الله مع الجماعة ، والشيطان مع من فارق الجماعة يركض » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عتبة أحمد بن الفرج ، نا بقية ، نا عمر ابن خثعم ، قال : حدثني أبو ذويد عن عاصم بن حميد ، انه سمع عمر بن الخطاب يقول : ان سول الله قال ﷺ : «من أراد بحبحة الجنة فعليه بالجماعة ، وإياكم والوحدة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد » .

( وأنا ) القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن عبد الله بن أبي الوليد عن ابن سليمان بن يسار عن أبيه ، ان عمر بن الخطاب قام بالجابية خطيباً فقال : ان رسول الله قام فينا كقيامي فيكم فقال ﷺ : «أكرموا أصحابي ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، ألا فمن سره بحبحة الجنة فيلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد ، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما ، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا يحيى بن جعفر بن البرزقان ، أنا علي بن عاصم ، حدثني مطرف بن طريف . ( وأنا ) الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم المقريء ، نا الحسين بن عمر الثقفي ، نا أحمد بن عبد الله بن يونس ، نا أبو بكر محمد بن عياش وزهير ومندل عن مطرف بن طريف عن أبي الجهم عن خالد بن وهبان عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «من فارق الجماعة شبراً خلع » . وفي حديث علي بن عاصم . : «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو أمية الطرسوسي ، نا حجاج بن محمد المصيصي ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عاصم بن عبد الله أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة يخبره عامر ، عن النبي قال ﷺ : «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية ومن نكث العهد فمات ناكثاً في العهد جاء يوم القيامة لا حجة له » .

أنا أبو نعيم الحافظ ، نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن حبان ، نا محمد بن الحسن بن علي بن بحر ، نا محمد بن عبد الأعلى ، نا معتمر عن أبيه عن حنش عن عطاء عن ابن عمر قال : رأيت رسول الله وهو قائل بكفيه هكذا كأنه يشبر شيئاً وقال ﷺ : «من فارق الجماعة شبراً أخرج من عنقه ربقة الإسلام » .

أنا الحسن بن الحسن بن علي بن المنذر القاضي والحسن بن أبي بكر ، قالا : أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا إبراهيم بن الهيثم ، نا أبو صالح كاتب الليث ، قال : حدثني الليث ، قال : قال يحيى ابن سعيد : كتب إلي خالد بن أبي عمران ، ) : ( قال : حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله قال ﷺ : «من خرج من الجماعة قاد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه » .

أنا الحسن بن علي التميمي ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ، نا علي بن إسحاق ، أنا عبد الله ، أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن رجل من أصحاب النبي قال : أراه أبا مالك الأشعري قال : قال رسول الله ﷺ : «من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه » .

نا أبو نعيم الحافظ إملاء ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا إسماعيل بن عبد الله هو العبدي نا محمد بن عثمان التنوخي ، نا تليد بن دعلج عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » .

أنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي وأبو الحسين محمد بن محمد بن المظفر ابن عبد الله الدقاق ، قال محمد : أنا وقال الآخر : نا علي بن عمر بن محمد الختلي نا أبو نصر عزيز بن نصر بن الليث قدم علينا ، وقال الصيرفي عزيز بن نصر ابن الليث بن أبي ليث الأشروسني ، نا بكران بن عبد الرحمن البغدادي زاد الصيرفي أبو القاسم ثم اتفقا ، قال : نا عبد الحميد بن نهشل عن الفضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «من فارق الجماعة فاقتلوه » .

أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم نا العباس بن محمد الدوري ، نا أبو النضر ، نا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ، عن رسول الله قال ﷺ : «من مات مفارقاً للجماعة فقد مات ميتة الجاهلية » .

أنا أبو نعيم الحافظ إملاء ، نا محمد بن جعفر بن الهيثم ، نا محمد بن أبي العوام ، نا أبي ، نا أبو أحمد بن خوز الخراساني عن زيد العمي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ﷺ : «من عمل في الجماعة فإن أصاب تقبل منه وان أخطأ غفر له ، ومن عمل في الفرقة فإن أصاب لم يقبل منه وان أخطأ فليتبوء مقعده من النار »

أنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري ، أنا موسى بن جعفر بن محمد بن عرفة مولى بني هاشم ، نا محمد بن ذريح العكبري ( وأنا ) الحسن بن علي الجوهري ، أنا محمد بن أحمد بن يحيى العطشي ، نا محمد بن صالح بن ذريح ، نا محمد بن عبد المجيد ، نا سلم بن سالم عن نوح بن أبي مريم عن زيد العمي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ﷺ : «من عمل في الجماعة فأصاب تقبل الله منه ، ومن أخطأ غفر الله له ، ومن عمل في الفرقة فأصاب لم يقبل الله منه ، ومن أخطأ فليتبوء مقعده من النار » .

أنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا بشر بن موسى ، نا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن الأوزاعي ، قال : حدثني يزيد الرقاضي عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة ، وان أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة ، قال : وهي الجماعة » . أنا أبو الطيب عبد العزيز بن علي بن محمد القرشي ، أنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز ، نا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، نا عمي ، أخبرني عمرو بن الحارث ، ان عبد الله بن غزوان الحمصي حدثه ، ان عمرو بن سعد مولى غفار حدثه ، أن يزيد الرقاضي حدثه ، أن أنس بن مالك حدثه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان بني إسرائيل تفرقت على واحدة وثمانين ملة ، وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة كلها في النار غير واحدة » قالوا : وأية ملة هي يا رسول الله ؟ قال ﷺ : «الجماعة » .

ومن روى إحدى وسبعين ملة أكثر .

أنا البرقاني ، قال : قرأت على أحمد بن محمد بن حسنويه أخبركم الحسين بن إدريس ، نا عثمان هو ابن أبي شيبة نا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، ويكره لكم ثلاثاً يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وتناصحوا من ولاه الله أمركم . ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحجاري ، نا بقية عن معان بن رفاعة ، قال : حدثني عبد الوهاب بن بخت عن أنس بن مالك ، عن رسول الله قال ﷺ : «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن ، اخلاص العمل لله ، ومناصحة أولى الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم » .

أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، نا أبو العباس محمد بن أحمد بن حماد الأثرم في سنة ثلاثين وثلاثمائة ، نا العباس بن عبد الله الترقفي ، نا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن سليمان وهو الشيباني عن الشعبي ، قال : كتب عمر إلى شريح : أن أقض بما في كتاب الله ، فإن أتاك أمر ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله فإن أتاك أمر ليس في كتاب الله ولم يسنه رسلو الله فأنظر له الذي اجتمع عليه الناس ، فإن جاءك أمر لم يتكلم فيه أحد فأي الأمرين شئت فخذ به ، إن شئت فتقدم ، وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيراً لك .

أنا أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن محمد القاسم المخزومي ، نا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي إملاء ، نا عمر بن حفص السدوسي ، نا عاصم بن علي ، نا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود ، قال : أن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً ، فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه ، ثم نظر في قلوب الناس فاختار أصحابه ، فجعلهم وزراء نبيه وأنصار دينه ، فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، نا صالح بن محمد الأزاذ واري نا يحيى بن يحيى ، نا أبو معاوية عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله : ما رأى المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن ، وما رآى المؤمنون سيئاً فهو عند الله سيء .

أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا سعيد بن منصور ، نا أبو معاوية ، نا أبو إسحاق الشيباني عن بشير بن عمرو عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ، قال : قال له : أوصني ، حين أراد الخروج إلى المدينة فقال : أوصيك بتقوى الله ولزوم الجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عتبة ، نا بقية ، نا سعيد بن عبد العزيز عن ابن حليس ، قال : قال بشير بن أبي مسعود وكان من أصحاب النبي : اتقوا الله وعليكم بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة قلت : يعني أن أبا مسعود كان من أصحاب النبي فإن قال قائل هذه كلها أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في هذه المسألة قيل له هذه مسألة شرعية فطريقها . القول انه يوجب القطع فإذا كان كذلك سقط هذا القول .

وجواب آخر وهو انها أحاديث تواتر من طريق المعنى لأن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة ورواة شتى ومعناها واحد لم يجز أن يكون جميعها كذباً ، ولم يكن بد من أن يكون بعضها صحيحا . ألا ترى أن الجمع الكثير إذا أخبروا بإسلامهم وجب أن يكون فيهم صادق قطعا ، ولهذا نقول : انه لا يجوز أن يقال ان جميع ما روي عن النبي من أخبار الآحاد يجوز أن يكون كذباً موضوعاً وجواب آخر هو انها إن كانت من أخبار الآحاد وقد قامت الحجة لصحتها وثبوتها وذلك انها تروى في كل عصر ويحتج بها في هذه المسألة ولم ينقل عن أحد انه ردها وأنكرها ولو لم تقم الحجة عندهم بصحتها لوجب أن يختلفوا فيها فيقبلها قوم ويردها آخرون لأن العادة جارية بذلك في خبر الواحد الذي لم تقم الحجة بصحته عندهم فكان ما ذكرناه موجباً لصحتها علماً وقطعاً .

فأما الجواب عن احتجاج المخالف بحديث معاذ وان الاجماع لم يذكر فيما ذكر من الأدلة ، فهو أن الاجماع إنما يعتبر بعد النبي لأنه لا يجوز أن ينعقد الاجماع في حياته دونه وقوله بانفراده حجة لا يفتقر إلى قول غيره فلم يكن في عصره اعتبار بالإجماع .

وأما الجواب عن احتجاجه بقوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفاراً » وبقوله ﷺ : «لتركبن سنن من كان قبلكم » فهو انه خطاب لبعض الأمة والبعض يجوز عليه الخطأ ولأن قوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة » خاص في حال الإجماع والخاص يقضى به على العام .

وأما الجواب عن قوله إنهم في حال الإجماع بمنزلتهم في حال الانفراد فهو أن عصمة الأمة في حال الإجماع أثبتناها بالشرع دون العقل فلا يمتنع أن يعلم الله أنهم لا يختارون الخطأ في حال الإجماع ولا يقع ذلك منهم فإذا أخبر بذلك وجب المصير إليه والعمل به .

فأما الجواب عن قوله انه لا طريق إلى معرفة الإجماع لكثرة المسلمين فهو أن الإجماع ينعقد عندنا باتفاق العلماء إذا اتفقوا عليه كانت العامة تابعة لهم ، ويمكن معرفة اتفاق أهل العلم لأن من اشتغل بالعلم حتى صار من أهل الاجتهاد فيه لم يخف أمره على أهل بلده وجيرانه ، ولم يخف حضوره وغيبته ويمكن الإمام أن يبعث إلى البلاد ويتعرف أقاويل الجميع .

فإن قال : يجوز أن يكون في الغزو رجل من أهل العلم وحصل في أيدي المشركين غير مقدور عليه . فالجواب أن مثل هذا لا يخفى ، وإذا جرى مثل ذلك لم ينعقد الإجماع إلا بالوقوف على مذهبه فيه .

باب القول في أن إجماع كل عصر حجة وأنه لا يقف على الصحابة خاصة

إذا أجمع أهل عصر على شيء كان إجماعهم حجة ولا يجوز إجماعهم على الخطأ . وقال داود بن علي : الإجماع إجماع الصحابة دون غيرهم واحتج بقوله تعالى : ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ) [4] وبقوله : ( { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ) [5] قال : وهذا خطاب مواجهة للصحابة دون غيرهم فلا مدخل فيه لمن سواهم . قال : ولأن العقل يجوز الخطأ على العدد الكثير وإنما وجبت العصمة من طريق الشرع وقد ثبت الشرع بعصمة الصحابة في إجماعهم ولم يثبت بعصمة غيرهم فمن ادعى عصمة غيرهم فعليه إقامة الدليل .

وهذا غير صحيح لقوله تعالى : ( { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ) [6] ولم يفرق بين الصحابة وبين غيرهم فهو على عمومه .

وأيضاً ما روي عن النبي أنه قال ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة » وقوله ﷺ : «إن يد الله على الجماعة » وقوله ﷺ : «من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية » وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قدمناها وهي عامة في الصحابة وفي غيرهم .

فأما الجواب عن الآيتين فهو ان ذلك خطاب لجميع الأمة كما قال تعالى : ( { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ) [7] : ( { وقاتلوا في سبيل الله } ) [8] : ( { فأنكحوا ما طاب لكم من النساء } ) [9] وكل ذلك خطاب لجميع الأمة فكذلك ههنا .

ويدل عليه أن صغار الصحابة الذين بلغوا وصاروا من أهل الاجتهاد بعد نزول الآيتين داخلون فيهما فدل على ما قلناه .

وأما قوله : ان الشرع خص الصحابة بالعصمة ؟ فالجواب عنه ان كل شرع أثبتنا به حجة الإجماع فهو عام في الصحابة وغيرهم فلم يصح ما قاله .

باب القول فيما يعرف به الإجماع ومن يعتبر قوله ومن لا يعتبر

إعلم أن الاجماع يعرف بقول ، وبفعل ، وبقول واقرار ، وبفعل واقرار . فأما القول : فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم : هذا حلال ، أو حرام . وأما الفعل : فهو أن يفعلوا كلهم الشيء . وأما القول والاقرار : فهو أن يقول بعضهم قولاً وينتشر في الباقي فيسكت عن مخالفته . وأما الفعل والاقرار : فهو أن يفعل بعضهم شيئاً ويتصل بالباقين فيسكتوا عن إنكاره .

ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرساً مشهوراً ، أو خاملاً مستوراً ، ولا فرق بين أن يكون المجتهد من أهل عصرهم أو لحق بهم من أهل العصر الذي بعدهم وصار من أهل الاجتهاد عند الحادثة كالتابعي إذا أدرك الصحابة في وقت حدوث الحادثة وهو من أهل الاجتهاد . وقال بعض الناس : لا يعتد بقول التابعي مع الصحابة والدليل على ما قلناه أن سعيد ابن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وأصحاب عبد الله بن مسعود كشريح وغيره كانوا يجتهدون في زمن الصحابة ولم ينكر عليهم أحد . ولأن التابعي من أهل الاجتهاد عند حدوث الحادثة فوجب أن يعتد بقوله كأصاغر الصحابة .

أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه الأصبهاني ، نا يعقوب ابن سفيان ، نا عبد العزيز بن عمران ، نا عبد الله بن وهب ، أخبرني أسامة بن زيد ، أن نافعاً حدثه أن سعيد بن المسيب سئل عن مسألة ؟ فأجاب فيها فأخبر ابن عمر بجوابه فأعجب ابن عمر فتيا ابن المسيب ثم قال ابن عمر : أليس قد أخبرتكم عن هذا الرجل ؟ يريد ابن المسيب هو والله أحد المفتين .

( وأنا ) ابن الفضل ، أنا ابن درستويه ، نا يعقوب ، نا أبو صالح ، حدثني الليث عن يحيى بن سعيد ، قال : كان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه قال : سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين .

أنا أبو الحسن محمد بن عبيد الله الحماني ، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير الكوفي ، نا الحسن بن علي بن عفان ، نا جعفر بن عون ، انا يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار ، أخبرني أبو سلمة قال : كنت مع أبي هريرة وابن عباس في امرأة توفي عنها زوجها وهي حامل فلم تلبث بعد وفاته إلا قليلاً حتى وضعت ؟ فقال ابن عباس : تعتد آخر الأجلين ، وقال أبو سلمة : إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت وانقضت عدتها ، قال أبو هريرة : فإني أقول كما قال ابن أخي قال فبعث كريباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة يسألها عن ذلك ؟ فجاءنا من عندها قال : توفي زوج سبيعة الأسلمية وهي حامل فلما وضعت ما في بطنها ذكرت ذلك لرسول الله فأمرها أن تزوج .

أنا أبو الحسن علي ابن القاسم الشاهد بالبصرة ، نا علي بن إسحاق المادرائي ، نا أبو قلابة ، نا سعيد ابن عامر ، نا شعبة عن سيار عن الشعبي ، أن عمر ساوم رجلاً بفرس فأخذه فعطب ، فقال له الرجل : يا أمير المؤمنين أعطني ثمن فرسي ؟ فقال له عمر : بمن ترضى بيني وبينك ؟ قال بشريح العراقي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين انك أخذته على سوم وقد لزمك ثمنه ، فأعطى عمر ثمن الفرس . وقال القول قول شريح العراق أو قال الكوفة .

( وأنا ) علي ، نا علي ، نا أبو قلابة ، نا حذيفة ، نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم ، قال : قال علي بن أبي طالب : اجمعوا لي القراء وجعل يسألهم رجلاً رجلاً حتى انتهى إلى شريح فساءله طويلاً ؟ ثم قال اذهب فأنت من أقضى العرب أو أقضى الناس .

انا محمد بن عيسى بن عبد الله الهمذاني ، نا صالح بن أحمد بن محمد الحافظ ، قال : سمعت القاسم بن أبي صالح يقول : سمعت أبا حاتم الرازي يقول : العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ ، وما صحت به الأخبار عن رسول الله مما لا معارض له ، وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه ، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم ، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين ، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من اتباعهم مثل أيوب السختياني ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وسفيان ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح ، ثم من بعد ما لم يوجد عن أمثالهم فمن مثل عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن مبارك ، وعبد الله بن إدريس ، ويحيى بن آدم وسفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، وأبي عبيد القاسم بن سلام . قلت : قصد أبو حاتم إلى تسمية هؤلاء لأنهم كانوا مشهورين من أئمة أهل الأثر في اعصارهم ولهم نظراء كثيرون من أهل كل عصر أولوا نظر واجتهاد ، فما أجمعوا عليه فهو الحجة ، ويسقط الاجتهاد مع إجماعهم . فكذلك إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث وسنوضح هذا فيما بعد إن نشاء الله .

القول فيمن رد الإجماع

الإجماع على ضربين أحدهما : إجماع الخاصة والعامة وهو مثل إجماعهم على القبلة إنها الكعبة ، وعلى صوم رمضان ، ووجوب الحج ، والوضوء والصلوات وعددها وأوقاتها ، وفرض الزكاة وأشباه ذلك . والضرب الآخر : هو إجماع الخاصة دون العامة مثل ما أجمع عليه العلماء من أن الوطء مفسد للحج ، وكذلك الوطء في الصوم مفسد للصوم ، وإن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه ، وأن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وأن لا وصية لوارث ، وأن لا يقتل السيد بعبده ، وأشباه ذلك . فمن جحد الإجماع الأول استتيب فإن تاب وإلا قتل ، ومن رد الإجماع الآخر فهو جاهل ذلك ، فإذا علمه ثم رده بعد العلم قيل له : أنت رجل معاند للحق وأهله .

باب القول في انه يجب اتباع ما سنّه أئمة السلف

من الإجماع والخلاف وأنه لا يجوز الخروج عنه :

إذا اختلف الصحابة في مسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد القولين ، فإن فعلوا ذلك لم يترك خلاف الصحابة . والدليل عليه أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين ، وعلى بطلان ما عدا ذلك . فإذا صار التابعون إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك وكان خرقاً للإجماع ، وهذا بمثابة لو اختلف الصحابة بمسألة على قولين وانقرض العصر عليه فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواه فكما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه عى قول لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين .

أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن بكران القوي بالبصرة ، أنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان ، نا سعد بن أبي مريم ، نا رشد بن سعد ، قال : حدثني عقيل بن شهاب عن عمر ابن عبد العزيز ، قال : سن رسول الله وولاة الأمر بعده سننا ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعته ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها ، فمن اقتدى بما سنّوا اهتدى ، ومن استبصر بها مبصر ، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، نا أحمد بن أبي الطيب ، نا عيسى بن يونس عن زمعة بن صالح عن عثمان بن حاضر الأزدي ، قال : دخلت على ابن عباس فقلت : أوصني فقال : عليك بالإستقامة ، إتبع ولا تبتدع .

أنا محمد بن علي بن الفتح الحربي ، أنا عمر بن أحمد الواعظ ، نا نصر بن القاسم الفرائضي ، نا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : سمعت سفيان يقول : إذا كان يأتم بمن قبله فهو إمام لمن بعده .

باب ما جاء في قول الواحد من الصحابة

إذا قال بعض الصحابة قولاً ولم ينتشر في علماء الصحابة ولم يعرف له مخالف لم يكن ذلك إجماعاً . وهل هو حجة أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه حجة ، والقول الثاني : انه ليس بحجة .

فمن ذهب إلى القول الأول احتج بأن الصحابي لا يخلو من أن يكون قوله توقيفاً من النبي ، أو يكون اجتهاداً منه ، فإن كان توقيفاً وجب أن يكون مقدماً على القياس لأن خبر الواحد أقوى من القياس والاستدلال ، وإن كان اجتهاداً منه وجب أن يكون اجتهاده أقوى من اجتهاد غيره لأنه شاهد النبي ، وسمع كلامه ، والسامع أعرف بمقاصد المتكلم معاني كلامه ممن لم يسمعه ، فوجب أن يكون اجتهاده مقدماً عن اجتهاد من لم يسمع منه .

ولهذا قال أيوب السختياني وخالد الحذاء : ما أنا ابن الفضل القطان ، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا سليمان بن حرب ، نا حماد بن زيد عن أيوب ، قال : إذا بلغك اختلاف عن النبي فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر فشد يدك به فإنه الحق وهو السنّة .

وقال يعقوب ، نا أبو النعمان ، نا حماد عن خالد ، قال : إنا لنرى الناسخ من قول رسول الله ما كان عليه أبو بكمر وعمر ( وأنا ) القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد بن خالد بن خلي الحمصي ، نا أحمد بن خالد الوهبي ، نا إسرائيل عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله انه قال : لا تقلدوا دينكم الرجال ، فإن أبيتم فبالأموات لا بأحياء . قرأت على أبي القاسم الأزجي ، عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي ، قال : أنا أبو بكر الخلال ، أنا سليمان بن الأشعث ، قال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - يقول : ' الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن أصحابه ، ثم هو بعد في التابعين مخير ' .

ومن قال انه ليس بحجة استدل بأن الله تعالى إنما أمر باتباع جميع المؤمنين فدل على أن اتباع بعضهم لا يجب ، ولأنه قول عالم يجوز إقراره على الخطأ فلم يكن حجة كقول التابعين . والدليل على إنه ليس بتوقيف أنه لو كان كذلك لنقل في وقت من الأوقات عن رسول الله فلما لم ينقل دل على انه ليس بتوقيف .

قالوا : واعتلال من قال إنه حجة ، بأن الصحابي أعلم بمعاني كلام الرسول ومقاصده إنما يصح إذا علم بأنه قاس على ما سمعه واضطر إلى قصده ، فأما إذا احتمل أن يكون قاس على ما في القرآن ، أو على ما سمع غيره يرويه عن النبي ، أو قاس على ما سمعه ولم يضطر إلى قصده فإنه ليس كل سامع الكلام يجب أن يضطر إلى قصد المتكلم وإنما هو على حسب قيام دلالة الحال ، وإذا كان كذلك لم يصح ما قال .

فإذا قلنا بالقول الأول وانه حجة قدم على القياس ويلزم التابعي العمل به ولا يجوز له مخالفته ، وإذا قلنا انه ليس بحجة فالقياس مقدم عليه ويسوغ للتابعي مخالفته

فأما فإذا اختلفت الصحابة على قولين لم يكن قول بعضهم حجة على بعض ولم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل .

أنا أحمد بن جعفر القطيعي ، أنا علي بن عبد العزيز بن مدرك البرذعي ، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، نا يونس بن عبد الأعلى ، قال : سمعت الشافعي يقول : إذا جاء عن أصحاب النبي أقاويل مختلفة ينظر إلى ما هو أشبه بالكتاب والسنة فيؤخذ به .

قلت : فإن تعذر ذلك من نص الكتاب والسنّة أو أحدهما اعتبرت أقاويلهم من جهة القياس فمن شابه قولهم أصلاً من الأصول ألحق به .

أنا علي بن أبي علي البصري ، أنا علي بن عبد العزيز البرذعي ، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، نا يونس بن عبد الأعلى ، قال الشافعي : إذا اختلفوا يعني أصحاب النبي نظر أتبعهم للقياس إذا لم يوجد أصل يخالفهم اتبع أتبعهم للقياس . قد اختلف عمر وعلي في ثلاث مسائل القياس فيها مع علي ، وبقوله أخذ منها المفقود قال : يضرب له أجل أربع سنين ثم تعتد أربعة وعشراً ثم تنكح .

وقال علي مبتلاة لا تنكح أبداً وقد اختلف فيه عن علي حتى يصح موت أو فراق .

وقال عمر في الرجل يطلق امرأته في سفر ثم يرتجعها فيبلغها الطلاق ولا تبلغها الرجعة حتى تحل وتنكح أن زوجها الآخر أولى بها إذا دخل بها وقال علي : هي للأول أبداً وهو أحق بها . وقال عمر في الذي ينكح المرأة في العدة ويدخل بها : إنه يفرق بينهما ثم لا ينكحها أبداً . وقال علي : ينكحها بعد .

واختلفوا في الاقراء ، وأصح ذلك ان الاقراء الاطهار لقول النبي لعمر ﷺ : «مره يعني ابن عمر يطلقها في طهر لم يمسها فيه ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء » . فلا سماها النبي الله عدة كان أصح القول فيها لأن النبي سمى الأطهار العدة .

أنا علي بن يحيى بن جعفر الأصبهاني ، أنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني ، نا أحمد بن مهدي ، نا ابن عائشة ، نا سفيان عن عبد الكريم عن مجاهد ، قال : ليس أحد بعد رسول الله إلا وأنت آخذ من قوله وتارك ، فإن استوى دليل القولين المختلفين من أقاويل الصحابة رجح أحد القولين عن الآخر بكثرة العدد فإن كان على أحد القولين أكثر الصحابة وعلى القول الآخر أقلهم قدم الأكثر لقول النبي ﷺ : «عليكم بالسواد الأعظم » .

فإن استويا في العدد وكان على أحدهما إمام وليس على الآخر إمام قدم الذي عليه الإمام ، لما حدثنا أبو نعيم الحافظ املاء ، نا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد ، نا الحارث بن أبي أسامة ، نا محمد ابن عمر الواقدي ، قال أبو نعيم : ونا سليمان بن أحمد هو الطبراني نا أبو يزيد القراطيسي ، نا أسد بن موسى ، قالا : نا معاوية بن صالح حدثني ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي ، انه سمع العرباض بن سارية رضي الله عنه يقول : وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، قلنا يا رسول الله : انها لموعظة مودع فما تعهد إلينا ؟ قال رضي الله عنه : «قد تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بما عرفتم من سنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً ، عضوا عليها بالنواجذ » .

قال أبو نعيم : سياق حديث أسد فإن كان على أحدهما أكثر الصحابة وعلى الآخر أقلهم إلا أن مع الأقل إماماً فهما سواء لأن مع أحدهما زيادة عدد ومع الآخر إماماً . وإن استويا في العدد والأئمة إلا أن في أحدهما أبا بكر وعمر أو أحدهما ففي ذلك وجهان : أحدهما : إنهما سواء ، لما أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه ، نا أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الواثق الهاشمي ، انا حمزة بن محمد الكاتب أبو علي ، نا نعيم بن حماد ، نا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر ابن الخطاب ، قال : قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي تعالى فيما اختلف أصحابي من بعدي فأوحى الله إلي يا محمد ان أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى » .

والوجه الثاني : ان الفريق الذي فيه أبو بكر وعمر أو أحدهما أولى لما .

أنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البزار بعكبرا وأبو الحسن علي بن أحمد بن هارون المعدل بنهاوند ، قالا : نا محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي ، نا علي بن حرب ، نا سفيان اغبن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة ، قال : قال النبي ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » .

فأذكرني هذا الحديث خبراً حسناً أخبرناه أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرىء ، نا إبراهيم بن أحمد القرميسيسي ، نا عبد الله بن وهب الدينوري حدثني أبو الحسن عبيد بن هارون الفريابي ببيت المقدس ، قال : سمعت محمد بن إدريس الشافعي بمكة يقول : سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنّة رسول الله قال : فقلت في نفسي هذا الرجل جريء قال : قلت له : يا أبا عبد الله ما تقول في محرم قتل زنبورا ؟ قال فقال : نعم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : ( { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ) [10] .

( وأنا ) سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﷺ : «إقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » .

( وأنا ) سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ، أنه أمر محرماً بقتل الزنبور .

قد انتهى كلامنا في أصول الفقه ، ونحن نبتديء بالكلام في القياس وما يتعلق به إن شاء الله .

ذكر الكلام في القياس

إعلم أن القياس فعل القائس وهو حمل فرع على أصل في بعض أحكامه لمعنى يجمع بينهما ، وقيل هو الاجتهاد والأول أجمع لحد لأن الاجتهاد هو بذل المجهود في طلب العلم فيدخل فيه حمل المطلق على المقيد ، وترتيب الخاص على العام ، وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم ، وليس شيء من ذلك بقياس .

والقياس مثاله مثال الميزان أن يوزن به الشيء من الفروع ليعلم ما يوازنه من الأصول فيعلم انه نظيره ، أو لا يوازنه فيعلم أنه مخالفه . والاجتهاد أعم من القياس والقياس داخل فيه . والقياس حجة في إثبات الأحكام العقلية وطريق من طرقها مثل حدوث العالم ، واثبات الصانع والتوحيد ، وما أشبهه . ومن الناس من أنكر ذلك والدليل على فساد قوله أن إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة ، أو بالاستدلال والقياس ، ولا يجوز أن يكون بالضرورة لأنه لو كان كذلك لم يختلف العقلاء فيها فثبت أن إثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب . وكذلك هو حجة في الشرعيات ، وطريق لمعرفة الأحكام ، ودليل من أدلتها من جهة الشرع . وذهب إبراهيم النظام والرافضة إلى إنه ليس بطريق للأحكام الشرعية ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل ، وقال داود بن علي وأهل الظاهر : يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل إلا أن الشرع ورد بحظره والمنع منه .

فأما الدليل على جواز ورود التعبد به من جهة العقل فهو إنه إذا جاز الحكم في شيء بحكم لعلة منصوص عليها جاز أن يحكم فيه لعلة غير منصوص عليها وينصب عليها دليل يتوصل به إليها ، ألا ترى انه لما جاز أن يؤمر من عاين الكعبة بالتوجه إليها في صلاته جاز أيضاً أن يؤمر من غاب عنها أن يتوصل بالدليل إليها .

وأما داود ومن تابعه فقد احتجوا بأن الله تعالى حرم علينا القول بما لا نعلم ، فقال الله عز وجل : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن ) إلى قوله : ( وأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمون ) [11] ، والعلم إنما يدرك بالكتاب والسنة ، وقال الله تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَسُولِ ) [12] معناه ، فردوه إلى الكتاب والسنة ، وهذا يمنع من القياس .

قالوا : ولأن القصد بالقياس طلب الحكم فيما لا نص فيه ، ولا توقيف ، وليس عندنا حكم إلا وقد تناوله نص وتوقيف ، فلم يكن للقياس معنى مع أن الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد جاءت بالمنع منه ، والصحابة والتابعون قد أنكروه ، فدل على أن هذا إجماع منهم .

ذكر الأحاديث الواردة في ذم القياس وتحريمه والمنع منه

أنا محمد بن الحسين بن محمد المتوثي ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، نا غندر محمد بن حاتم ، نا جبارة بن مغلس ( وأنا ) الحسن بن علي الجوهري ، أنا محمد بن أحمد ابن يحيى العطشي ، نا محمد بن صالح بن ذريح ، نا جبارة ، نا حماد بن يحيى ، قال : حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ، ثم تعمل برهة بسنّة رسول الله ، ثم تعمل برهة بعد ذلك بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا » .

أنا أبو عبيد محمد بن أبي نصر النيسابوري ، أنا أبو عمر محمد بن أحمد بن حمدان الحيري ، أنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ، نا هذيل بن أحمد بن إبراهيم الحماني ، نا عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «تعمل هذه الأمة برهة بسنّة رسول الله ، ثم تعمل بالرأي ، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا » .

أنا عبد السلام بن عبد الوهاب الأصبهاني ، انا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، نا يحيى بن عثمان بن صالح ، نا نعيم بن حماد ، نا عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ : «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم ، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال » .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، أنا المسيبي ، نا عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله قال ﷺ : «ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا »

أنا محمد بن أحمد بن رزق ، أنا عثمان بن أحمد الدقاق ؛ أن أبا الحسن بن البراء حدثهم ، قال : نا سويد بن سعيد ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، عن ابن أبي داود ؛ وأنا أبو جعفر محمد بن جعفر بن علان الشروطي ، أنا الحسين بن أحمد بن محمد الهروي ، نا أحمد بن علي بن رزين الباشاني ، نا عبد الرحيم بن حبيب ، نا إسحاق بن نجيح عن الأوزاعي وابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «من قال في ديننا برأيه فاقتلوه » .

أخبرني أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله الطبري ، نا أبو يعلى عبد الله بن مسلم الدباس ، نا الحسين بن إسماعيل ، نا أحمد بن عثمان بن حكيم ، نا عبد الرحمن بن شريك ، نا أبي عن مجالد عن الشعبي عن عمرو بن حريث عن عمر بن الخطاب ، قال : وإياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا .

أنا القاضي أبو التنوخي ، أنا علي بن عمر بن محمد الحربي ، نا أبو علي محمد بن علي بن إسماعيل المروزي ، نا صالح بن عبيد المروزي ، نا عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده ، قال : قال عمر بن الخطاب على المنبر : ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا ، ألا وإنا نقتدي ولا نبتدي ، ونتبع ولا نبتدع ، ما نضل ما تمسكنا بالأثر .

أخبرني الجوهري ، أنا محمد بن عبد الله بن أيوب القطان ، نا أبو العباس إسحاق بن محمد بن مروان ، نا أبي ، أنا عصمة بن عبد الله الأسدي ، قال : نا محمد بن عبد الله عن أبي بكر عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ، قال : إياكم ومجالسة أصحاب الرأي فانهم أعداء السنّة أعيتهم السنّة أن يحفظوها ، ونسوا الأحاديث أن يعوها ، وسئلوا عما لا يعلمون فاستحيوا أن يقولوا لا نعلم ، فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل إن نبيكم لم يقبضه الله حتى أغناه الله بالوحي عن الرأي ، ولو كان الرأي أولى من السنّة لكان باطن الخفين أولى بالمسح من ظاهرهما .

أنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني ، نا صالح بن أحمد الحافظ ، نا محمد بن عبد الله بلبل ، نا علي بن الحسين بن إشكاب ، نا عمر بن يونس اليمامي ، نا عكرمة بن عمار عن يحيى وحمزة المديني وغيرهما قالا : قد سمعنا من الفقهاء أن عمر بن الخطاب قال : إن أصحاب الرأي أعداء السنن عميت عليهم فلم يعوها ، وتفلتت منهم فلم يحفظوها ، سئلوا فاستحيوا أن يقولوا لا ندري فعارضوها بالرأي ، فإياكم وإياهم ، فإن الله لم يقبض نبيه فانقطع وحيه حتى أغنى بالسنّة عن الرأي ، ولو كان الدين على الرأي لكان باطن الخف أحق أن يمسح من ظاهره ، فإياكم وإياهم .

أنا أبو بكر محمد بن عمر بن بكير النجار ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن حامد المؤدب ، نا الحسن بن علوية القطان ، قال : نا إسماعيل بن عيسى ، نا داود بن الزبرقان عن محمد العرزمي عن عطاء بن أبي رباح ، أن عمر بن الخطاب قال : أصحاب الرأي أعداء السنّة ، لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أحق بمسحه من أعلاه .

أنا محمد بن علي بن الفتح الحربي ، أنا عمر بن إبراهيم المقريء ، انا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا أبو خيثمة ، نا جرير عن ليث عن مجاهد ، ان عمر نهى عن المكايلة يعني المقايسة أنا إبراهيم ابن عمر البرمكي ، أنا محمد بن عبد الله بن خلف بن نجيب الدقاق ، نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهري ، نا أبو بكر الأثرم ، نا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا حفص بن غياث عن ليث عن مجاهد ، قال : قال عمر : إياي والمكايلة . يعني المقايسة .

أنا علي بن أحمد بن محمد بن بكران الفوي ، أنا الحسن بن عثمان الفسوي ، نا يعقوب بن سفيان نا أبو بكر الحميدي . ( وأنا ) أبو نعيم الحافظ ، نا محمد بن أحمد بن الحسن ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ، انه قال : ليس عام بأمطر وقال الفوي : أمطر من عام ولا أمير بخير وقال الفوي : خيراً من أمير ولكن ذهاب فقهائكم وعلمائكم ، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم .

أنا البرمكي ، أنا محمد بن عبد الله بن بخيت ، نا عمر بن محمد الجوهري ، نا أبو بكر الأثرم ، نا أبو نعيم ، نا عبدة بن سليمان ، نا مجالد عن الشعبي ، قال : قال عبد الله : لا يأتي على الناس يوم إلا والذي بعده أشد منه ، أما إني لا أعني أن يوماً خير من يوم ولا شهراً خير من شهر ، ولا عاماً خير من عام ، ولا أميراً خير من أمير ، ولكن ذهاب قرائكم وعلمائكم ثم يبقى قوم يقيسون الأمور برأيهم .

وقال الأثرم : نا أبو بكر بن أبي شيبة ، نا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : قال عبد الله : أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم ، فإذا رأيتم محدثاً فعليكم بالأمر الأول .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ، نا سعدان بن نصر نا معتمر بن سليمان عن سعد بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عبد العزيز بن المطلب عن ابن مسعود ، قال : إنكم إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيراً مما حرم عليكم ، وحرمتم كثيراً مما أحل لكم .

أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، أنا أحمد بن عثمان بن يحيى الأدمي ، نا جعفر بن محمد الرازي ، نا محمد بن عبد العزيز الخراساني ، نا الفضل بن موسى عن يزيد بن عقبة عن الضحاك الضبي ، قال : لقي ابن عمر جابر بن يزيد فقال له : يا جابر انك ستستفتي فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنّة ماضية فإنك إن فعلت غير هذا هلكت وأهلكت .

أنا البرمكي ، أنا ابن بخيت ، نا عمر بن محمد الجوهري ، نا أبو بكر الأثرم ، نا علي بن بحر ومحمد ابن الصباح ، قالا : نا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس ، قال : من أحدث رأياً ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة رسول الله لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل .

وقال الأثرم : نا قبيصة ، نا سفيان عن جابر عن الشعبي عن مسروق ، قال : لا أقيس شيئاً بشيء ، قلت لم ؟ قال : أخشى أن تزل رجلي .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا سعدان بن نصر ، قال : نا معمر بن سليمان عن عبد الله بن بشر ، أن مسروق بن الأجدع سئل عن مسألة فقال : لا أدري ، فقالوا : قس لنا برأيك ؟ قال : أخاف أن تزل قدمي .

وقال سعدان : نا معمر عن عبيد الله بن بشر ، أن مسروق بن الأجدع كان يقول : إياكم والقياس والرأي فإن الرأي قد يزل .

أنا أبو الفتح هلال بن جعفر الحفار ، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عياش القطان ، نا إبراهيم ابن محشر ، نا وكيع ، نا عيسى الحناط عن الشعبي ، قال : لأن أبغي بغية أحب إلي من أن أقول مسألة برأيي .

قال أبو محمد بن قتيبة أن العنية أخلاط تنقع في أبوال الإبل وتترك حيناً حتى تطلى بها الإبل من الجرب .

أنا محمد بن عبيد الله الحنائي ، أنا محمد بن عبد الله الشافعي ، نا جعفر بن كزال ، نا أحمد بن إبراهيم ، وعباس بن طالب ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن زيد ، قال : قيل لأيوب : لو نظرت في الرأي ، قال أيوب : ' قيل للحمار لو اجتررت ، قال : إني أكره مضغَ الباطل ' .

أنا أبو الطيب عبد العزيز بن علي بن محمد القرشي ، أنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ، نا أحمد ابن عيسى بن السكين البلدي ، نا أبو عمر عبد الحميد بن محمد بن المستام الحراني ، نا مخلد بن يزيد ، نا عيسى بن أبي عيسى الحناط ، قال : كان الشعبي يقول : إياكم والمقايسة ، والذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقاييس لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال ، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله فاعملوا به .

أنا محمد بن عمر بن بكير المقريء ، أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن حامد المؤدب ، نا الحسن بن علويه القطان ، نا إسماعيل بن عيسى ، نا داود بن الزبرقان عن مجالد بن سعيد ، قال : نا الشعبي يوماً ، قال : يوشك أن يصير الجهل علماً ويصير العلم جهلاً ، قال : وكيف يكون هذا يا أبا عمرو ؟ قال : كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة فأخذ الناس في غير ذلك القياس .

أنا محمد بن عيسى الهمذاني ، نا صالح بن أحمد الحافظ ، نا القاسم بن أبي صالح ، نا أبو حاتم الرازي ، نا علي بن عبد الحميد المعنى ، نا سليمان بن المغيرة عن أبي حمزة ، قال : سئل الشعبي عن مسألة فقال : لا أدري ولكن احفظ عني ثلاثاً ، لا تقل لما لا تعلم إنك تعلم ، ولا تقولن لشيء قد كان لو لم يكن ، ولا تجالس أصحاب القياس فتحل حراماً أو تحرم حلالاً .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، نا الحسن بن علي بن زياد ، نا أبو نعيم ضرار بن صرد ، نا وكيع عن عيسى الحناط عن الشعبي ، قال : سمعته يقول : والله لئن أخذتم بالقياس لتحلن الحرام وتحرمن الحلال .

وقال أبو نعيم : نا جعفر بن عون عن ابن أبي ليلى ، قال : كان الشعبي لا يقيس .

أخبرني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي ، نا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز ، نا عبد الله بن محمد البغوي ، نا يحيى بن أيوب العابد ، نا ابن علية ، نا صالح بن مسلم ، قال : كنت عند الشعبي ونحن ثلاثة وأربعة فقال من غير أن يسأله أحد منا عن شيء : إنما هلكتم حين تركتم الآثار ، وأخذتم المقاييس يعلم الله لقد بغضوا إلي هذا المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري هؤلاء الصعافقة .

أنا البرمكي ، أنا ابن بخيت ، نا عمر بن محمد الجوهري ، نا الأثرم ، نا محمد بن كناسة ، نا صالح بن مسلم عن الشعبي ، قال : لقد بغض إلي هؤلاء القوم هذا المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري قلت من هم يا أبا عمرو ؟ قال هؤلاء الآرائيون أرأيت أرأيت .

وقال الأثرم : نا يحيى بن محمد بن سابق ، نا زيد بن جابر عن حماد بن زيد عن مطر الوراق ، قال : ترك أصحاب الرأي الآثار والله .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب ، نا الحسن بن علي بن زياد ، نا أبو نعيم ضرار بن صرد ، نا حفص عن الأشعث ، قال : كان محمد بن سيرين لا يكاد يقول في شيء برأيه .

أنا علي بن طلحة المقريء ، أنا محمد بن العباس الخزاز ، نا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله ، قال : حدثني أبو زكريا يحيى بن زكريا المعروف بالسني ، حدثني أبو الحسن أحمد بن خاقان بن موسى ، قال : سمعت أخي محمد بن خاقان يقول : شيعنا ابن المبارك في آخر خرجة خرج ، فقلنا له : أوصنا ، فقال : لا تتخذوا الرأي إماماً .

أنا محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزقويه ، أنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي ، نا أحمد بن علي الأبار ، نا هشام بن عمار الدمشقي عن محمد بن عبد الله القرشي عن ابن شبرمة ، قال : دخلت أنا وأبو حنيفة ( وأنا ) عبد الملك بن محمد بن عبد الله الواعظ واللفظ له ، أنا أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي بمكة ، نا علي بن عبد العزيز ، نا أبو الوليد القرشي ، نا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي ، حدثني سليمان بن جعفر ، نا محمد بن يحيى الربعي ، قال : قال ابن شبرمة : دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه وكنت له صديقاً ، ثم أقبلت على جعفر وقلت : أمتع الله بك هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل ، فقال لي جعفر : لعله الذي يقيس الدين برأيه ، ثم أقبل علي فقال : أهو النعمان ؟ قال محمد بن يحيى الربعي ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم ، فقال له أبو حنيفة : نعم أصلحك الله ، فقال له جعفر : اتق الله ولا تقس الدين برأيك ، فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، ثم قال له جعفر : هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك ؟ فقال له : لا وفي حديث ابن رزقويه : نعم فقال له : أخبرني عن الملوحة في العينين ، وعن المرارة في الأذنين ، وعن الماء في المنخرين وعن العذوبة في الشفتين ، لأي شيء جعل ذلك ؟ قال : لا أدري . قال له جعفر : إن الله تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين وجعل الملوحة فيهما منّاً منه على ابن آدم ولولا ذلك لذابتا فذهبتا ، وجعل المرارة في الأذنين منّاً منه عليه ولولا ذلك لهجمت الدواب وأكلت دماغه ، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل ويجد من الريح الطيبة ومن الريح الرديئة ، وجعل العذوبة في الشفتين ليعلم ابن آدم مطعمه ومشربه ، ثم قال لأبي حنيفة : أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان ؟ قال : لا أدري . فقال جعفر ( لا إله إلا الله ) فلو قال لا إله ثم أمسك كان مشركا ، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها الإيمان ، ثم قال له : ويحك أيهما أعظم عند الله قتل النفس التي حرم الله أو الزنا ؟ قال بل قتل النفس ، قال له جعفر ان الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربع فكيف يقوم لك القياس ؟ ثم قال : أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة ؟ قال : بل الصلاة . قال فما بال المرأة تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس فأنا نقف غداً نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله تبارك وتعالى فنقول قال الله عز وجل وقال رسول الله ، وتقول أنت وأصحابك : سمعنا ورأينا . فيفعل تعالى بنا وبكم ما يشاء .

أنا ابن الفضل القطان ، أنا أحمد بن عبد الله بن زياد ، أنا الحسن بن العباس بن أبي مهران الحمال الرازي ، نا محمود بن غيلان ، نا عبد الرزاق عن معمر عن أبي شبرمة ، قال : ما عبدت الشمس والقمر إلا بالقياس .

باب القول في الاحتجاج بصحيح القياس ولزوم العمل به

قال الله سبحانه : ( { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا ا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم } ) [13] . فنص الله على وجوب الجزاء من النعم في المقتول من الصيد ولم ينص على ما يعتبر من المماثلة فكان ما نص عليه أنه من النعم لا إجتهاد فيه وكان المرجع في الوجه الذي به تعلم مماثلته فيه لا طريق له غير الاجتهاد والاعتبار .

وكذلك لما أمر برد شهادة الفاسق لم ينص على ما تعتبر به عدالته ، وليس أحد من المسلمين ينفك من الاهتمام بشيء ، من الطاعات ولا يعتصم أحد من أن يمتحن ببعض معاصي فلم يكن لمعرفتنا العدل من الفاسق طريق غير موازنة أحواله وترجيح بعضها على بعض . فإن رجحت معاصيه صار بذلك فاسقاً وإن رجحت طاعته صار بذلك عدلاً . وفي معنى ما ذكرناه قول الله تعالى : ( { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } ) [14] وقوله تعالى : ( { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون } ) [15] فجعل الحكم للأرجح من الطاعات أو المعاصي فكذلك معرفة العدالة والفسق .

وقال الله تعالى : ( { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } ) [16] وقال : ( { أيحب الإنسان أن يترك سدى } ) [17] وقال : ( { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } ) [18] فلا يجوز بعد أن أخبر الله بكمال دينه أن يكون ناقصاً ، وكذلك قوله : ( { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ) [19] لا يجوز أن بعده ما لا يوقف على حكمه ، والوقوف على الحكم بالاسم أو بالاستخراج لا ثالث لهما ، فإذا بطل أن يكون في الكتاب بيان كل شيء باسمه علم انه أراد ببيانه بيان معناه .

وقوله : ( { تبياناً لكل شيء } ) [20] أراد به الأوامر والنواهي والحظر والإباحة وما كان من طريق الشرع مما بالأمة إليه الحاجة لا أنه أراد ذلك على الاطلاق إذ كان بيان ذلك من جهة الاسم متعذراً فعلم انه أراد ذلك من جهة التشبيه ، وقال الله تعالى : ( فَإِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فرُدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولَ ) [21] .

أنا ابن الفضل القطان ، أنا دعلج بن أحمد ، أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، أن سعيد بن منصور ، حدثهم قال : نا إسماعيل بن زكريا ، عن ليث ، عن مجاهد ( فإنْ تَنازَعْتُم في شَيءٍ فرُدُّوهُ إلى الله ) قال : ' إلى كتاب الله ( والرسول ) قال : إن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلمن ثم قرأ ( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإِلَى أُوْلي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِين يَسْتَنْبَطُونهَ منهم ) [22] .

أنا أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله بن هشام الفارسي ، نا أبي ، نا أحمد بن سهل الأشناني ، نا الحسين - يعني : ابن علي بن الأسود العجلي - ، نا يحيى بن أدم ، نا مندل العنزي ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( فِإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ والرَّسُولِ ) قال : ' إلى كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم ' .

أنا الحسن بن أبي بكر ومحمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز ، قالا : أنا محمد بن عبد الله ابن إبراهيم الشافعي ، نا إسحاق بن الحسن الحربي ، نا أبو حذيفة ، نا سفيان عن ليث عن مجاهد : ( { فردوه إلى الله والرسول } ) قال إلى كتاب الله وسنة نبيه . ليس يخلو أمر الله تعالى بالرد إلى كتابه وسنة نبيه عند التنازع من أحد ثلاثة معاني : اما أن يكون أمر برد التنازع فيه إلى ما نص الله عليه في كتابه ورسوله في سنته لا إلى غير ذلك فأي منازعة وأي اختلاف يقع فيما قد تولى الله ورسوله الحكم فيه نصاً فهذا لا معنى له . أو يكون أمر برده إلى ما ليس له بنظير ولا شبيه ولا خلاف أن ذلك لا يجوز . أو يكون أمر برده إلى جنسه ونظيره مما قد تولى الله ورسوله الحكم فيه نصاً فيستدل بحكمه على حكمه ولا وجه للرد إلى غير هذا المعنى لفساد القسمين الأولين وأنه لا رابع لما ذكرناه .

ويدل على ذلك أيضاً من جهة السنّة ما : أنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود ، نا شعبة ، أخبرني أبو عون الثقفي ، قال : سمعت الحارث بن عمرو يحدث عن أصحاب معاذ من أهل حمص ، قال : وقال مرة عن معاذ أن رسول الله لما بعث معاذا إلى اليمن قال له ﷺ : «كيف تقضي أن عرض لك قضاء » ؟ قال : أقضي بكتاب الله ، قال ﷺ : «فإن لم تجده في كتاب الله » ! قال : أقضي بسنة رسول الله ، قال ﷺ : «فإن لم تجده في سنة رسول الله » ؟ قال اجتهد رأيي ولا آلو ، قال : فضرب بيده في صدري وقال ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا دعلج بن أحمد ، نا الحسن بن المثنى العنبري بالبصرة ، نا عفان ، نا شعبة أخبرني أبو عون ، قال : سمعت الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ ، أن رسول الله قال له حين بعثه إلى اليمن ﷺ : «كيف تقضي أن عرض لك قضاء » ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في كتاب الله » ؟ قال : ففي سنة رسول الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في سنة رسول الله » ؟ قال اجتهد رأيي لا آلو ، قال : فضرب يعني صدره وقال ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » .

وأنا الحسن بن أبي بكر ، أنا دعلج ، نا الحسن بن سفيان ، أنا حبان ، أنا حبان ، نا ابن المبارك ، أنا شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ ، قالوا : قال معاذ رضي الله عنه : بعثني رسول الله إلى اليمن فقال ﷺ : «إذا عرض لك قضاء كيف تقضي » ؟ قلت : أقضي بكتاب الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في كتاب الله » ؟ قال : فبسنة رسول الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في سنة رسول الله » ؟ قال : اجتهد رأيي لا آلو ، فضرب صدره وقال ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » .

أنا الحسين بن علي التميمي ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص ، عن معاذ أن رسول الله حين بعثه إلى اليمن قال ﷺ : «كيف تصنع أن عرض لك قضاء » ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في كتاب الله » ؟ قال : فبسنة رسول الله ، قال ﷺ : «فإن لم يكن في سنة رسول الله » ؟ قال : اجتهد رأيي لا آلو ، قال فضرب رسول الله صدري ثم قال ﷺ : «الحمد الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله » .

أنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا مسدد ، نا يحيى عن شعبة قال : حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ بن جبل ، أن رسول الله لما بعثه إلى اليمن فذكر معناه .

فإن اعترض المخالف بأن قال لا يصح هذا الخبر لأنه لا يروى إلا عن أناس من أهل حمص لم يسموا فهم مجاهيل فالجواب أن قول الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ ، يدل على شهرة الحديث وكثرة رواته وقد عرف فضل معاذ وزهده والظاهر من حال أصحابه الدين والتفقه والزهد والصلاح . وقد قيل أن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة ، على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله رضي الله عنه : «لا وصية لوارث » ، وقوله في البحر رضي الله عنه : «هوالطهور ماؤه الحل ميتته » ، وقوله رضي الله عنه : «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع » وقوله رضي الله عنه : «الدية على العاقلة » وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له .

فإن قال : هذا من أخبار الآحاد لا يصح الاحتجاج به في هذه المسألة فالجواب أن هذا أشهر وأثبت من قوله : «لا تجتمع أمتي على ضلالة » فإذا احتج المخالف بذلك في صحة الإجماع كان هذا أولى .

وجواب آخر وهو أن خبر الواحد جائز في هذه المسألة لأنه إذا جاز تثبيت الأحكام الشرعية بخبر الواحد مثل تحليل ، وتحريم ، وإيجاب ، وإسقاط ، وتصحيح ، وابطال ، وإقامة حد بضرب ، وقطع ، وقتل ، واستباحة فرج وما أشبه ذلك ، وكان القياس أولى لأن القياس طريق لهذه الأحكام وهي المقصودة دون الطريق وهذا واضح لا إشكال فيه .

ويدل على ثبوت القياس أيضاً ما : أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، نا أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش المتوثي ، نا علي بن مسلم ، نا أبو عامر عن أبي مصعب عن يزيد ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص رضي الله عنه ، انه سمع رسول الله يقول ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فأخطأ فله أجر » .

أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم : قال : أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، عن عمرو بن العاص انه سمع رسول الله يقول ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر » .

قال يزيد بن الهاد فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فقال : هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة .

فإن قيل : كيف يجوز أن يكون للمخطيء فيما أخطأ فيه أجر وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم أقرب لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ ؟ فالجواب : أن هذا غلط ، لأن النبي لم يجعل للمخطيء أجراً على خطئه وإنما جعل له أجراً على اجتهاده وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده . وأما المصيب فله أجر على اجتهاده ، وأجر على إصابته .

فإن قال المخالف : إنما يكون الاجتهاد في تأويل لفظ وبناء لفظ على لفظ دون القياس قلنا والقياس من جملة الاجتهاد فيحمل الخبر على الجميع .

أنا أبو القاسم علي بن محمد بن موسى البزار وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل ، قالا : أنا أبو الحسن علي بن محمد ين أحمد المصري ، نا محمد بن الربيع بن بلال هو العامري نا إبراهيم بن أبي الفياض ، نا سليمان بن بزيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن علي بن أبي طالب ، قال : قلت يا رسول الله : الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن ولم يسمع منك فيه شيء ؟ قال ﷺ : «إجمعوا له العابدين من أمتي ، واجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد » .

أنا أبو طالب محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير التاجر ، أنا أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الموصلي ، نا علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي ، نا أحمد بن محمد الكندي بالفسطاط ، نا أسد بن موسى ، نا شعبة عن زبيد اليامي عن طلحة بن مصرف عن مرة عن علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله : كل قوم على بينة من أمرهم ومصلحة في أنفسهم يروزون على من سواهم ويعرف الحق بالمقايسة ذووا الألباب .

أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة ، نا جدي ، قال : حدثني أبو الوليد هشام بن عبد الملك ( ونا ) أبو النضر هاشم بن القاسم ( ونا ) موسى بن داود ، قالوا : نا الليث بن سعد عن بكر بن الأشج وقال أبو النضر بكر بن عبد الله بن الأشج عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري عن جابر بن عبد الله ، أن عمر بن الخطاب قال : هششت فقبلت وأنا صائم فجئت رسول الله ، فقلت : لقد صنعت اليوم أمراً عظيماً قال ﷺ : «وما » قال : قبلت وأنا صائم ، فقال ﷺ : «أرأيت لو مضمضت من الماء » ؟ فقلت : إذ لا يضرني .

وقال موسى بن داود فقلت : لا بأس به ففيم . وقال أبو النضر : لا بأس بها

قد تبين في هذا الخبر إن عمر لم يكن يشك أن القبلة محرمة في الصوم ولذلك استعظم فعله إياها ولم يأت رسول الله يسأل أذلك مباح أم محظور ، وإنما جاء يسأله عما يجب عليه من فعله ، ولم يكن تقدم في القبلة نص كتاب ولا سنة فلم يكن تحريمها عند عمر إلا الاجتهاد بأن جعلها في معنى الوطء المحظور في الصيام لأن القبلة التذاذ بالمرأة كما أن الجماع إلتذاذ بها ، فلما كانت إحدى اللذتين محرمة نصاً في الصوم جعل عمر حكم اللذة الثانية حكم المنصوص عليها ، فعرفه النبي غلطه في اجتهاده وأن القبلة مباحة وأوضح له المعنى بتشبيهها بالمضمضة لأن شرب الصائم الماء حرام وهو وصول إلى باطن بدنه والمضمضة مباحة لأن ذلك ظاهر البدن فلم يكن لظاهر البدن قياس باطنه . كذلك الجماع المحظور إنما هو مباشرة بدنه لما ظهر من بدنها بلذة وليس مباشرته لها بظاهر بدنها قياس ذلك ، كما لم يكن ذلك في وصول الماء ، غير أن أمر المضمضة أوضح في مفارقة الشرب من القبلة ، ألا ترى انه قد جمع بين القبلة والجماع في الحج والاعتكاف ولم يجمع بين تحريم المضمضة وبين الشرب في موضع من المواضع فعرف عمر الأوضح منهما وهو المضمضة .

أنا القاضي أبو عمر الهاشمي نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا محمد بن سليمان الإنباري ، نا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه ، وبمن معه من المسلمين خيراً . وساق الحديث إلى أن قال ﷺ : «وإذا حاصرت أهل حصن فارادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم ، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم ، ولكن أنزلوهم على حكمكم ، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم » . فقد أمر رسول الله الأمير بأن ينزل العدو على حكمه وعلم ان ذلك إنما يكون من جهة الاجتهاد لا من جهة النص والتوقيف .

أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر ، أنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق ، نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا أبو عبد الله المخزومي ، نا سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت : لما ماتت ابنة رسول الله قال لنا رسول الله ﷺ : «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك ، ان رأيتن ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور ، فإذا فرغتن فاذنني » ، فلما فرغن آذناه فأعطانا حقوه فقال ﷺ : «اشعرنها إياه » .

قلت : وغسل الميت فرض وقد جعل النبي الأمر فيه إلى إجتهاد من ولي الغسل ورأيه .

وقد حكم جماعة من الصحابة باجتهادهم في وقت النبي فلم ينكر ذلك عليهم ولا عنف أحداً منهم .

أنا أبو عثمان سعيد بن العباس بن محمد الهروي ، أنا أبو الحسين محمد بن النصر بن محمد الموصلي ببغداد ، نا أبو يعلى الموصلي ، نا عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي ابن أخي جويرية ، نا جويرية عن نافع عن ابن عمر ، قال : نادى فينا رسول الله يوم انصرف من الأحزاب ﷺ : «لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة » . قال : فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال الآخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله وإن فات الوقت ، قال : فما عنف واحداً من الفريقين .

وممن حكم باجتهاده في وقت النبي علي بن أبي طالب .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا الحسن بن علي بن عفان العامري الكوفي ، نا عبد الله يعني : ابن موسى أنا داود الأودي عن الشعبي عن أبي جحيفة السوائي ، قال : لما كان علي باليمن أتاه ثلاثة نفر يختلفون أو قال يختصمون في غلام ، فقال كل واحد منهم : هو ابني ، فأقرع علي بينهم فجعل الولد للقارع وجعل عليه لرجلين ثلثي الدية ، قال : فبلغ ذلك رسول الله فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي .

أنا علي بن القاسم البصري ، نا علي بن إسحاق عن محمد بن البختري المادرائي ، نا أحمد بن حازم الغفاري أبو عمرو ، نا بكر بن عبد الرحمن ، نا قيس ، نا الأجلح عن الشعبي وعن جابر عن الشعبي عن عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم ، قال : قضى علي بن أبي طالب باليمن في ثلاثة نفر وقعوا على امرأة في طهر واحد ، فجعل يخبرهم واحداً واحداً أترضى أن يكون الولد لهذا فأبوا ، فقال : أنتم شركاء متشاكسون ، فأقرع بينهم وجعل الولد للذي قرع وجعل عليه ثلثي الدية للآخرين فبلغ رسول الله فضحك حتى بدت أضراسه .

ورجلان من الأنصار .

أنا بقضيتهما القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا محمد بن إسحاق المسيبي ، نا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فتيمما صعيداً طيباً فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله فذكرا ذلك ، فقال للذي لم يعد ﷺ : «أصبت السنّة واجزأتك صلاتك » . وقال للذي توضأ وأعاد ﷺ : «لك الأجر مرتين » .

وسعد بن معاذ حكم في بني قريظة بحضرة النبي :

أنا أبو بكر البرقاني قال : قرأت على أبي العباس محمد بن أحمد بن حمدان غير مرة ، حدثكم محمد بن أيوب ، أنا أبو الوليد الطيالسي ، نا شعبة بن الحجاج ، قال : أنبأني سعد بن إبراهيم ، قال : أنا إمامة بن سهل بن حنيف يحدث عن أبي سعيد الخدري ، إن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل إليه رسول الله فقال ﷺ : «قوموا إلى سيدكم أو خيركم » فقعد عند رسول الله فقال ﷺ : «ان هؤلاء قد نزلوا على حكمك » . فقال : فإني أحكم أن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم . فقال ﷺ : «لقد حكمت بما حكم به الملك » .

قلت : وفي حديث آخر ان النبي قال له ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة » .

ومجزز المدلجي القائف :

أنا البرقاني قال : قرأت على عمر بن بشران ، أخبركم حامد بن محمد بن شعيب ، نا منصور بن أبي مزاحم ، نا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : دخل قائف ورسول الله شاهد ، وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان ، فقال : ان هذه الأقدام بعضها من بعض فسر بذلك النبي وأعجبه وأخبر به عائشة .

قلت : كان زيد أبيض وابنه أسامة أسود فكان فرح النبي وسروره إذ شبه القائف قدم أسامة بقدم زيد ، وألحق الفرع بنظيره من الأصل فأصاب في اجتهاده ، والنبي لا يسر إلا بالحق وقد ثبت عن رسول الله انه أخبر عن حكم بعض أنبياء الله بالاجتهاد .

أنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست البزار ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن الصفار ، نا عبد الكريم بن الهيثم ، نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، نا أبو الزناد ، أن الأعرج حدثه انه سمع أبا هريرة انه سمع رسول الله يقول : بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت هذه لصاحبتها : إنما ذهب بابنك . وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود النبي عليه السلام فقضى به للكبرى ، فخرجتا إلى سليمان عليه السلام فأخبرتاه ، فقال : إيتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى ، قال أبو هريرة : والله ان سمعت بالسكين قط إلا يومئذ وما كنا نقول إلا المدية .

قلت : إنما قالت الصغرى : هو ابن الكبرى ، إشفاقاً على الطفل أن يقتل وكان ولدها فأدركتها الرأفة عليه ، فقضى به سليمان لها ، وقال للكبرى : لو كان ابنك لم تطب نفسك بشقه .

وفي هذا الخبر دليل ان داود وسليمان لم يحكما إلا من جهة الاجتهاد لأنه لو كان ما حكم به داود نصاً لم يسع سليمان أن يحكم بخلافه ، ولو كان ما حكم به سليمان أيضاً نصاً لم يخف على داود . وفيه دليل أيضاً أن الحق في واحد لأن سليمان لو وجد مساغاً أن لا ينقض على داود حكمه لفعل . ويشبه أن يكون المعنى الذي ذهب إليه داود ان المرأتين لما تساوتا في اليد ولإحداهما فضل السن قدمها لأجل ذلك ، وذهب سليمان إلى أن سنها ليس بدليل على أن الولد لها والله أعلم .

وهذا الحديث أجمع أهل النقل على ثبوته وصحته ، وذهب خلق من أهل العلم إلى أن حكم الأنبياء المتقدمين يجب علينا اتباعه إلا أن يأتي في شريعتنا ما يمنع من استعماله ، والاجماع من أهل ملتنا قد حصل على أن هذا الحكم لا يصح أن يحكم بمثله في شريعتنا فتركناه للإجماع . وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن حكم داود وسليمان في الحرث لما نفشت فيه غنم القوم وأنهما اختلفا في الحكومة ، وقصتهما في ذلك شبيهة بالقصة المذكورة في حديث أبي هريرة عن النبي الذي سقناه آنفاً ، في أن حكمهما كان من طريق الاجتهاد دون النص والتوقيف والله أعلم .

انتهى الجزء الخامس من كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ويتلوه ان شاء الله الجزء السادس وأوله ( ذكر ما روي عن الصحابة والتابعين في الحكم بالاجتهاد وطريق القياس ) والحمد لله حق حمده والصلاة على خير خلقه محمد النبي وآله وسلم تسليما .

هامش

  1. [ البقرة : 143 ]
  2. [ القلم : 82 ]
  3. [ النساء : 95 ]
  4. [ البقرة : 143 ]
  5. [ آل عمران : 011 ]
  6. [ النساء : 115 ]
  7. [ النور : 65 ]
  8. [ البقرة : 091 ]
  9. [ النساء : 3 ]
  10. [ الحشر : 7 ]
  11. [ الأعراف : 33 ]
  12. [ النساء : 59 ]
  13. [ المائدة : 59 ]
  14. [ الأنبياء : 74 ]
  15. [ المؤمنون : 201 ]
  16. [ النحل : 98 ]
  17. [ القيامة : 63 ]
  18. [ المائدة : 3 ]
  19. [ الأنعام : 83 ]
  20. [ النحل : 98 ]
  21. [ النساء : 59 ]
  22. [ النساء : 83 ]


الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر