الفقيه والمتفقه/الجزءالرابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالرابع
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء الرابع

وأما البيان بمفهوم القول فقد يكون تنبيهاً كقول الله تعالى : ( { فلا تقل لهما أف } ) [1] فيدل على أن الضرب أولى بالمنع ، وقد يكون دليلاً كما :

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا محمد بن عبيد الله بن المنادي ، نا يونس بن محمد المؤدب ، نا حماد بن سلمة ، قال : أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله ابن أنس بن مالك ، ان أبا بكر رضي الله عنه ، كتب له : ان هذه فرائض الصدقة التي فرض الله على المسلمين التي أمر الله بها رسوله وذكر الحديث إلى أن قال رضي الله عنه : «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة » .

وقوله ( في سائمتها ) دليل على أنه لا زكاة في المعلوفة ، وهذا هو دليل الخطاب . وذهب قوم إلى أن مثل هذا القول لا يدل على أن ما عداه بخلافه والدليل على صحة ما ذكرناه ما .

أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، نا أحمد ابن عبد الجبار العطاردي ، نا عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن ابن أبي عمارة عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب : ( { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ) [2] قد أمن الناس ؟ فقال : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله فقال ﷺ : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » .

وأنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود ، نا شعبة عن الأعمش قال : سمعت أبا وائل يحدث عن عبد الله ، قال : قال رسول الله كلمة وقلت أخرى قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو يجعل لله نداً دخل النار » . قال عبد الله وأنا أقول : من مات وهو لا يجعل لله نداً أدخله الله الجنة .

ولم يقل عبد الله هذا إلا من ناحية دليل الخطاب وكذلك تعجب عمر بن الخطاب وسؤاله رسول الله عن الآية إنما هو من ناحية دليل الخطاب فدل على أنه لغة العرب ، ولأن تقييد الحكم بالصفة يوجب تخصيص الخطاب فاقتضى باطلاقه النفي والاثبات كالاستثناء .

هذا الكلام فيه إذا كان الحكم معلقاً على صفة في جنس فإما إذا علق الحكم على مجرد الاسم مثل أن تقول : في الغنم زكاة ، فإن ذلك لا يدل على نفي الزكاة عما عدا الغنم .

وأما البيان بالفعل فمثل ما : أنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف ، أنا محمد بن عبد الله الشافعي نا موسى بن الحسن ، نا أبو نعيم ، نا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ﷺ : «أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس على مثل قدر الشراك ، ثم صلى بي العصر حين كان كل شيء قدر ظله ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم ، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق ، ثم صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ، ثم صلى بي الظهر من الغد حين كان كل شيء بقدر ظله ، ثم صلى بي العصر حين كان كل شيء مثلي ظله ، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم لوقت واحد ، ثم صلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول ، ثم صلى بي الفجر قال أبو نعيم لا أحفظ ما قال في الفجر ثم التفت إلي فقال : يا محمد ان هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين » .

وبمثابة ما ذكرنا مناسك الحج فإن النبي بينها بفعله .

وأما البيان بالاقرار فنحو ما أنا أبو نعيم الحافظ ، نا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن قيس جد سعد رضي الله عنه ، قال : رآني رسول الله وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح فقال ﷺ : «ما هاتان الركعتان يا قيس » ؟ قلت : يا رسول الله إني لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان فسكت رسول الله .

وهذا فيه بيان أن الصلاة التي لها سبب جائزة بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس .

وأما البيان بالإشارة فنحو ما : أنا الحسن بن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عبد الله القطان ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا أبو مصعب ، نا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ، انه قال : رأيت رسول الله يشير إلى المشرق ويقول ﷺ : «ها إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان » .

وأما البيان بالكتابة فنحو ما : أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا أبو عبد الله بحر بن نصر بن سابق الخولاني ، نا عبد الله بن مصعب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب قال قرأت كتاب رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فكتب رسول الله فيه ﷺ : «هذا بيان من الله ورسوله : ( { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } ) [3] وكتب الآيات حتى بلغ : ( { ان الله سريع الحساب } ) [4] ثم كتب رضي الله عنه : «هذا كتاب الجراح ، في النفس مائة من الإبل ، وفي الأنف إذا أوعي جدعه مائة من الإبل ، وفي العين خمسون من الإبل ، وفي الأذن خمسون من الإبل ، وفي الرجل خمسون من الإبل ، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل ، وفي المأمومة ثلث النفس ، وفي الجائفة كثلث النفس ، وفي المنقلة خمس عشرة ، وفي الموضحة خمس من الإبل ، وفي السن خمس من الإبل » .

قال ابن شهاب : فهذا الذي كتبه رسول الله عند أبي بكر بن حزم .

وأما البيان بالقياس فنحو ما : أنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرىء على الحسين بن علي التميمي النيسابوري وأنا أسمع ، أخبركم أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي ، نا إسحاق بن راهوية ، أنا سفيان عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان ، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : قال رسول الله ﷺ : «الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء ، والذهب بالذهب ربا الا هاء وهاء ، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء » . وأنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعوقب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا عبد الوهاب يعني ابن عبد المجيد الثقفي عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ، ورجل آخر عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه ، ان رسول الله قال ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ، ولا الشعير بالشعير ، ولا التمر بالتمر ، ولا الملح بالملح ، إلا سواء بسواء ، عيناً بعين ، يداً بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق ، والورق بالذهب ، والبر بالشعير ، والشعير بالبر ، والتمر بالملح ، والملح بالتمر كيف شئتم ونقص أحدهما الملح أو التمر وزاد أحدهما من زاد أو اتزداد فقد أربى » .

فنص رسول الله على هذه الأعيان من المطعومات في الربا ودل القياس على أن غيرها من المطعومات مثلها . ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه لا يمكن امتثال الأمر من غير بيان ولهذا قلنا في حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه الذي :

أناه القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا محمد بن كثير ، أنا همام قال : سمعت عطاء ، قال : أنا صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ، أن رجلاً أتى النبي وهو بالجعرانة وعليه أثر خلوق أو قال صفرة وعليه جبة فقال : يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ فأنزل الله على النبي الوحي فلما سري عنه قال : أين السائل عن العمرة » ؟ قال رضي الله عنه : «أغسل عنك أثر الخلوق أو قال أثر الصفرة ، واخلع الجبة عنك واصنع في عمرتك ما صنعت في حجتك » . ان الفدية غير واجبة لأن النبي إذا حكم بحكم لسبب ذكر له يجب أن يكون الحكم جميع موجبه ولا يجوز أن يزاد فيه بغير دليل .

وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب فإنه يجوز في النسخ خاصة ، لأن الله تعالى لما أمر بالتوجه إلى بيت المقدس في كل صلاة كان ذلك عاماً في كل زمان وأراد به بعض الأزمان فأخر بيانه إلى وقت الحاجة ، وأما تأخيره في غير النسخ ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : انه يجوز ، والثاني : انه لا يجوز ، والثالث : انه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم ، ومن الناس من قال : يجوز ذلك في الأخبار دون الأمر والنهي ، ومنهم من قال : يجوز في الأمر والنهي دون الأخبار . وسمعت أبا إسحاق الفيروز آبادي يقول : والصحيح انه يجوز في جميع ما ذكرناه لأن تأخيره لا يخل بالامتثال فجاز كتأخير بيان النسخ .

باب من الناسخ والمنسوخ

أنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل الداودي ، أنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ، نا الحسن بن أحمد بن الربيع الأنماطي ، نا عمر بن شبة ، نا محمد بن الحارث يعني الحارثي نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن أبيه عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ﷺ : «ان أحاديثي ينسخ بعضها بعضاً كنسخ القرآن » .

أخبرني أبو الفرج الحسين بن علي بن عبيد الله الطناجيري ، نا محمد بن علي بن الحسن بن سويد المؤدب ، نا محمد بن حصن الألوسي ، نا هارون بن إسحاق ، نا معتمر عن أبيه عن أبي العلاء بن الشخير ، قال : كان حديث رسول الله ينسخ بعضه بعضاً كما أن القرآن ينسخ بعضه بعضاً أنا أبو سعيد : محمد بن موسى الصيرفي ، . . . . . كلام الرجال أحق أن ينسخ بعضه يعضا والنسخ جائز في الشرع وقالت اليهود لا يجوز ، وحكى ذلك عن شرذمة من المسلمين وهو خطأ لأن التكليف في قول بعض الناس إلى الله تعالى يفعل ما يشاء ، وعلى قول بعضهم التكليف على سبيل المصلحة فإن كان إلى مشيئته تعالى فيجوز أن يشاء في وقت تكليف فرض ووجوب أمر في وقت آخر في غيره فلا وجه للمنع .

ونسخ الفعل قبل دخول وقته يجوز وليس ذلك بداء ، والدليل عليه أن الله تعالى أمر إبراهيم الخليل عليه السلام بذبح ابنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل على جوازه .

والبداء : هو ظهور ما كان خفياً عنه وليس في النسخ قبل الوقت ذلك المعنى .

ويجوز نسخ السنّة بالسنّة كما يجوز نسخ الكتاب بالكتاب الآحاد بالآحاد والمتواتر بالمتواتر . فأما نسخ المتواتر بالآحاد فلا يجوز ، لأن التواتر يوجب العلم فلا يجوز نسخه بما يوجب الظن . ويجوز نسخ القول بالقول ، ونسخ الفعل بالقول ، ونسخ الفعل بالفعل ، ونسخ القول بالفعل لأن الفعل كالقول في البيان فكما جاز النسخ بالقول جاز بالفعل . ويجوز النسخ بدليل الخطاب لأنه في معنى النطق ، ولا يجوز النسخ بالاجماع لأن الاجماع حادث بعد موت النبي فلا يجوز أن ينسخ ما تقرر في شرعه ولكن يستدل بالاجماع على النسخ ، فإذا رأيناهم قد أجمعوا على خلاف ما ورد به الشرع دلنا ذلك على أنه منسوخ ، ولا يجوز النسخ بالقياس لأن القياس إنما يصح إذا لم يعارضه نص فإذا كان هناك نص مخالف للقياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به .

ولا يجوز النسخ بأدلة العقل لأن دليل العقل ضربان : ضرب لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه ، فلا يتصور نسخ الشرع به ، وضرب يجوز أن يرد الشرع بخلافه والبقاء على حكم الأصل وذلك إنما يجب العمل به عند عدم الشرع فإذا وجدالشرع بطلب دلالته فلا يجوز النسخ به .

فمن نسخ القول بالقول ما : أنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر الداودي : أنا عمر بن أحمد الواعظ نا إبراهيم بن عبد الله الزينبي بالعسكر ، نا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، نا خالد يعني ابن الحارث حدثني ابن جريج ، قال : حدثني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة ، حدثه عن أبيه رضي الله عنه ، قال : حججنا مع النبي حتى إذا كنا بعسفان قال ﷺ : «استمتعوا بهذه النساء » قال : فجئت أنا وابن عم لي ببردين إلى امرأة فإذا برد ابن عمي خير من بردي وأنا أشب منه فقالت : برد كبرد ، قال : فاستمتعت منها على ذلك البرد وذكر آجلاً حتى إذا كان يوم التروية قام رسول الله فقال ﷺ : «إني كنت أمرتكم بهذه المتعة وإن الله حرمها إلى يوم القيامة فمن كان استمتع من امرأة فلا يرجع إليها وإن كان بقي من أجله شيء ، فلا يأخذ منها مما أعطاها شيئاً » .

ومن نسخ الفعل بالقول ما : أنا الحسن بن محمد بن الحسن الخلال ، أنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان ، نا عبد الله بن محمد البغوي ، نا هدبة بن خالد ، نا همام ، نا قتادة عن أنس رضي الله عنه ، قال : أتى النبي رهط من عرينة فقالوا : يا رسول الله قد اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا فأمرهم النبي أن يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها قال : فلحقوا براعي الإبل فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت بطونهم فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل فبلغ ذلك النبي فبعث في طلبهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .

أنا طلحة بن علي الكتاني ، نا جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي ، أنا جعفر بن محمد المؤدب قال : قال أبو عبيد : وقد ذكرت العلماء أن هذا قد نسخ وانه كان في أول الإسلام ، وقال أبو عبيد : نا عبد الرحمن بن مهدي عن همام بن يحيى عن قتادة عن ابن سيرين ، قال : كان أمر العرينين قبل أن تنزل الحدود .

قلت : سمل العينين مثلة وليس حد المرتد والقاتل إلا القتل ، وقد نهى رسول الله عن المثلة فنسخ بنهيه ما كان تقدمه .

أنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود ، نا أبو عامر صالح رستم عن كثير بن شنظير عن الحسن عن عمران بن حصين ، قال : قلما قام فينا رسول الله إلا حثنا على الصدقة ونهانا عن المثلة . ومن نسخ الفعل بالفعل ما : أنا علي بن أبي علي النصري ، نا عبيد الله بن محمد بن إسحاق البزار ، نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا علي بن الجعد ، أنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى ، قال : كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بباب القادسية فمرت بهما جنازة فقاما فقيل : إنما هو من أهل الأرض فقالا : ان رسول الله مرت به جنازة فقام فقيل إنما هي جنازة يهودي فقال : «أليست نفساً » .

وأنا علي بن القاسم البصري ، نا علي بن إسحاق المادرايي ، نا ابن الجنيد ، نا الحميدي ، نا سفيان عن يحيى بن سعيد عن واقد يعني ابن عمرو بن سعد بن معاذ عن نافع بن جبير عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إن رسول الله إنما قام مرة واحدة ثم لم يعد .

ومن نسخ القول بالفعل ما : أنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبد الله النجار وأبو طاهر عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار الأموي ، قالا : أنا يعقوب بن إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان النسوي ، نا جدي ، نا هدبة بن خالد ، نا همام عن قتادة عن شهر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أن النبي قال ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن شربها فاجلدوه ، فإن شربها الثالثة فاجلدوه ، فإن شربها الرابعة فاقتلوه » .

وأنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البزار بعكبرا وأبو الحسن علي بن أحمد بن هارون المعدل بالنهروان ، قالا : نا أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي ، نا علي بن حرب نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب ، قال : قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب الخمر فاقتلوه » ، فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به الرابعة فجلده فرفع القتل عن الناس وثبت الحد فكانت رخصة .

القول فيما يعرف به الناسخ من المنسوخ

إعلم ان النسخ قد يعلم بصريح النطق كما ذكرنا في حديث تحريم المتعة ، وقد يعلم بالاجماع وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر فيستدل بذلك على أنه منسوخ لئلا تجتمع على الخطأ .

مثال ذلك ما : أنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا موسى بن إسماعيل ، نا حماد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري ، نا أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي كان في سفر له فمال رسول الله وملت معه ، فقال ﷺ : «أنظر » فقلت : هذا راكب ، هذان راكبان ، هؤلاء ثلاثة ، حتى صرنا سبعة ، فقال ﷺ : «احفظوا علينا صلاتنا » . يعني صلاة الفجر ، فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هنية ثم نزلوا فتوضؤا وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر ، ثم صلوا الفجر وركبوا ، فقال بعضهم لبعض : قد فرطنا في صلاتنا ، فقال النبي ﷺ : «إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة ، فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت » .

والأمر بإعادة الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر من غد ذلك الوقت منسوخ لإجماع المسلمين إن ذلك غير واجب ولا مستحب ، ما أنا الحسن بن علي التميمي ، أنا أبو بكر بن بابا ، نا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، نا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن زر ، قال : قلت لحذيفة : أي ساعة تسحرتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ' هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع ' .

وأجمع المسلمون على أن سطوع الفجر يحرم الطعام والشراب على الصائم ، مع بيان ذلك في قول الله تعالى : ( وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِن الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِيّامَ ) [5] . وقد يعلم المنسوخ بتأخر أحد الأمرين عن الآخر مع التعارض .

مثال ذلك ما أنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأت على أبي العباس محمد بن أحمد بن حمذان ، حدثكم عبد الله بن محمد بن شيرويه ، نا محمد بن بشار ، نا معاذ بن هشام ، حدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن حطان ابن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أن النبي كان إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم فلما سري عنه رفع رأسه فقال ﷺ : «قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب بالثيب والبكر بالبكر أما الثيب فيجلد ثم يرجم ، وإما البكر فيجلد ثم ينفى » .

وأنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا أبو كامل ، نا يزيد بن زريع ، نا خالد يعني الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس ، ان ماعز بن مالك رضي الله عنه ، أتى النبي فقال : إنه زنى فأعرض عنه ، فأعاد عليه مراراً فأعرض عنه ، فسأل قومه ﷺ : «أمجنون هو » ؟ قالوا : ليس به بأس قال ﷺ : «أفعلت بها » ؟ قال : نعم ، فأمر به أن يرجم فانطلق به فرجم ولم يصلِّ عليه .

قلت : رجم النبي ماعزاً من غير أن يجلده دل على أن الجلد المذكور في حديث عبادة منسوخ . فإن قال قائل : ما الدليل على أن قصة ماعز متأخرة عن حديث عبادة ؟ قلنا : دلنا على ذلك ما .

أنا طلحة بن علي الكتاني ، نا جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي ، أنا جعفر بن محمد المؤدب نا أبو عبيد ، نا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى : ( { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً } ) [6] قال : وقال في المطلقات : ( { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ) [7] قال : هؤلاء الآيات قبل تنزيل سورة النور في الجلد فنسختها هذه الآية : ( { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ) [8] قال : والسبيل الذي جعله الله لهن الجلد والرجم فإذا جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج وترجم بالحجارة . فقول رسول الله : «قد جعل الله لهن سبيلا » إلى آخر اللفظ هو أول بما نسخ من الحبس والأذى عن الزانيين ، فلما رجم رسول الله ماعزاً ولم يجلده دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين وثبت الرجم عليهما ، لأن كل شيء بعد أول فهو آخر .

فيعلم التأخر في الأخبار بضبط تواريخ القصص ، ويعلم أيضاً بأخبار الصحابي أن هذا ورد بعد هذا كما : أنا أبو الفرج عبد السلام بن عبد الوهاب القرشي ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا أبو زرعة الدمشقي ، نا أبو اليمان ، أنا شعيب عن الزهري ، قال : أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن أباه زيد بن ثابت رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله يقول ﷺ : «توضؤا مما مست النار » .

وأنا القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا عبد الله بن مسلمة ، نا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ، أن رسول الله أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ .

أنا أبو الفرج محمد بن عبد الله بن شهريار الأصبهاني ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا أبو زرعة الدمشقي ، نا علي بن عياش الحمصي ، نا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه ، قال : كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار .

أنا أبو منصور محمد بن أحمد بن شعيب الروياني ، أنا عبد العزيز بن عبد الله الداركي ، نا جدي ، نا عبد الرحمن بن عمر يعني رسته نا عبد الوهاب الثقفي ، نا محمد بن عمرو ، قال : سمعت الزهري يقول : يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله .

أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرىء ، أنا علي بن أحمد بن أبي قيس ، أنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، نا إسحاق بن إسماعيل ، نا يزيد بن هارون ، نا سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف ، قال : سمعت علياً رضي الله عنه يقول : نهى رسول الله أن يحتبسوا لحوم الأضاحي بعد ثلاث .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن واقد بن عبد الله أنه قال : نهى رسول الله عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث .

قال عبد الله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة فقالت : صدق سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله فقال رسول الله : «ادخروا لثلاث ، وتصدقوا بما بقي » قالت : فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله : لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم يجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية ، فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك » ؟ أو كما قال ، قالوا : يا رسول الله نهيتنا عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال رسول الله ﷺ : «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت حضرة الأضحى فكلوا وتصدقوا وادخروا » .

أنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي ، أنا أحمد بن موسى الجوهري ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : إنا لنذبح ما شاء الله من ضحايانا ثم نتزود بقيتها إلى البصرة .

قال الشافعي : فهذه الأحاديث تجمع معاني : منها أن حديث علي عن النبي في النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث وحديث عبد الله بن واقد موتفقان عن النبي ، وفيهما دلالة على أن عليا سمع النهي من النبي ، وإن النهي بلغ عبد الله بن واقد . ودلالة على أن الرخصة من النبي لم تبلغ علياً ولا عبد الله بن واقد ولو بلغتهما الرخصة ما حدثا بالنهي والنهي منسوخ ، وتركا الرخصة والرخصة ناسخة والنهي منسوخ لا يستغني سامعه عن علم ما نسخه .

وقول أنس بن مالك : كنا نهبط بلحوم الضحايا البصرة ، يحتمل أن يكون أنس سمع الرخصة ولم يسمع النهي قبلها فتزوذ بالرخصة ولم يسمع نهياً ، أو سمع الرخصة والنهي فكان النهي منسوخاً فلم يذكره فقال كل واحد من المختلفين بما علم .

وهكذا يجب على كل من سمع شيئاً من رسول الله ، أو ثبت له عنه أن يقول منه بما سمع حتى يعلم غيره . قال الشافعي : فلما حدثت عائشة عن رسول الله بالنهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم بالرخصة فيها بعد النهي ، وأن رسول الله أخبر أنه إنما نهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث للدافة كان الحديث التام المحفوظ أوله وآخره وسبب التحريم والاحلال فيه حديث عائشة عن النبي ، وكان على من علمه أن يصير إليه .

وحديث عائشة من أبين ما يوجد في الناسخ والمنسوخ من السنن . وهذا يدل على أن بعض الحديث يختصر فيحفظ بعضه دون بعض ، فيحفظ منه شيء كان أولاً ولا يحفظ آخراً ، ويحفظ آخراً ولا يحفظ أولاً ، فيؤدي كل ما حفظ .

والرخصة بعدها في الإمساك والأكل والصدقة من لحوم الضحايا إنما هي لواحد من معنيين ، لاختلاف الحالين : فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث ، وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار ، والصدقة .

ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخاً بكل حال ، فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ويتصدق بما شاء .

قلت : وإذا تعارض خبران من رواية صحابيين كان أحدهما أقدم صحبة كابن مسعود وابن عباس لم يجز أن ينسخ خبر الأقدم بالأحدث لأنهما عاشا إلى قبض رسول الله ، فيجوز أن يكون الأقدم سمع ما رواه بعد سماع الأحدث ، ولأنه يجوز أن يكون الأحدث أرسله عمن قدمت صحبته فلا تكون روايته متأخرة عن رواية الأقدم فلا يجوز النسخ مع الاحتمال .

باب القول في أفعال رسول الله

لا يخلو فعل رسول الله من أن يكون قربة ، أو ليس بقربة ، فإن لم يكن قربة فهو يدل على الإباحة كما :

أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج ، أنا بشر بن أحمد الاسفراييني ، أنا إبراهيم بن علي الدهلي ، نا يحيى بن يحيى ، نا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله يأكل القثاء بالرطب .

وليس تخلو سنة رويت عن رسول الله من فائدة أو فوائد ففي هذا الحديث من الفوائد ، أن قوماً ممن سلك طريق الصلاح والتزهد قالوا لا يحل للآكل تلذذ أو على سبيل التشهي والاعجاب ، ولا يأكل إلا ما لا بد منه لإقامة الرمق فلما جاء هذا الحديث سقط قول هذه الطائفة وصلح أن يأكل الأكل تشهياً وتفكها وتلذذاً .

وقالت طائفة من هؤلاء القوم أيضاً : انه ليس لأحد أن يجمع بين شيئين من الطعام ، ولا بين إدامين على خوان ، فكان هذا الحديث أيضاً يرد على صاحب هذا القول ويبيح أن يجمع الإنسان بين لونين وبين إدامين وأكثر . وكل ما روي عن النبي من الأفعال التي ليست قربات نحو الشرب واللباس والقعود والقيام فكل ذلك يدل على الإباحة .

وأما ان كان فعل قربة فلا يخلو من أن يكون بياناً لغيره ، أو ابتداءاً من غير سبب . فإن كان بياناً لغيره ، أو ابتداءاً من غير سبب . فإن كان بياناً لغيره فحكمه مأخوذ من المبين ، فإن كان المبين واجباً كان البيان واجباً ، وإن كان المبين ندباً كان البيان ندباً ، وإن كان فعلاً مبتدأ من غير سبب ففيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه على الوجوب إلا أن يدل الدليل على غيره ، والثاني : انه على الندب إلا أن يدل الدليل انه على الوجوب ، والثالث : انه على الوقف فلا يحمل على الوجوب ولا على الندب إلا بدليل وهو الأصح ، لأن الفعل لا يعلم على أي وجه أوقعه النبي فيحتمل أن يكون فعله واجباً ، ويحتمل أن يكون ندباً أو إباحة ، ويحتمل أن يكون مخصوصاً به دون أمته . وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه وجب التوقف فيه حتى يدل الدليل .

وإذا فعل رسول الله شيئاً وعرف أنه فعله على وجه الوجوب أو الندب كان ذلك شرعاً لنا إلا أن يدل الدليل على تخصيصه بذلك والحجة فيه قول الله تعالى : ( { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ) [9] ولأن الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها ، فدل على أنها شرع في حق الجميع .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، نا أحمد بن سلمان ، النجاد إملاء ، نا الحسن بن مكرم ، نا أبو عمر الخوصي ، نا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ، قال : رأيت عمر قبل الحجر وقال : والله إني أعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا إني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك .

أنا علي بن القاسم بن الحسن البصري نا علي بن إسحاق المادارايي ، نا إسماعيل بن إسحاق ، نا بشر بن عبيس ، نا محمد بن إسماعيل بن فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : فيم الرملان والكشف عن المناكب وقد أطأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا نترك شيئاً كنا نصنعه مع رسول الله .

ويقع بالفعل جميع أنواع البيان من بيان المجمل ، وتخصيص العموم ، والنسخ . وإن تعارض قول وفعل في البيان ففيه أوجه ثلاثة : أحدها : أن القول أولى ، والثاني : إن الفعل أولى ، والثالث : إنهما سواء . والأول أصح لأن الأصل في البيان هو القول ألا تراه يتعدى بصيغته ؟ والفعل لا يتعدى إلا بدليل فكان القول أولى .

باب القول فيما يرد به خبر الواحد

أنا أبو الحسن : محمد بن عبد الواحد بن محمد ، أنا عمر بن محمد بن علي الناقد ، نا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار ، نا داود بن عمرو ، نا صالح بن موسى ، نا عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إنها ستأتيكم عني أحاديث مختلفة ، فما آتاكم موافقاً لكتاب الله ولسنتي فهو مني ، وما آتاكم مخالفا لكتاب الله وسنتي فليس مني '

حدثني أبو عبد الله محمد بن علي الصوري ، نا الخصيب بن عبد الله القاضي بمصر ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان الطرسوسي ، نا عبد الله بن جابر بن عبد الله البزاز ، نا جعفر بن

محمد بن علي بن نوح قال : قال محمد بن عيسى بن الطباع : كل حديث جاءك عن النبي لم يبلغك أن أحداً من أصحابه فعله فدعه .

وإذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور :

أحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا .

والثاني : أن يخالف نص الكتاب أو السنّة المتواترة فيعلم أنه لا أصل أو منسوخ .

والثالث : أن يخالف الاجماع فيستدل على انه منسوخ ، أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه ، وهذا هو الذي ذكره ابن الطباع في الخبر الذي سقناه عنه أول الباب .

والرابع : أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه فيدل ذلك على أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم .

والخامس : أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية .

وأما إذا ورد مخالفاً لقياس أو انفرد الواحد برواية ما تعم به البلوى لم يرد ، وقال قوم ممن ينتحل مذهب مالك بن أنس : إذا كان مخالفاً للقياس لم يجز العمل به والقياس مقدم عليه . وقال قوم ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت : لا يجوز العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى . فأما المالكيون فقد احتج من نصرهم بأن قال : قياس القائس يتعلق بفعله وهو استدلاله على صحة العلة في الأصل ، وصدق الراوي في خبره مغيب عنه غير متعلق بفعله ، وثقته بما هو متعلق بفعله أكثر منها بما هو متعلق بغيره فوجب أن يكون أولى .

وهذا عندنا خطأ والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن طاوس ، أن عمر قال : اذكر الله أمراً سمع من النبي في الجنين شيئاً ، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جارتين لي يعني ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنيناً فقضى فيه رسول الله بغرة ، فقال عمر : لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا .

رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس موصولاً عن عمر .

كذلك أنا أبو نعيم الحافظ نا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس مثل حديث سفيان أو نحوه .

أنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني ، نا صالح بن أحمد الحافظ ، نا محمد بن حمدان الطرائفي ، نا الربيع بن سليمان الشافعي ، أنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن طاوس مثل حديث الأصم عن الربيع سواء ، وقال فيه : فقال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه غير هذا . وقال غيره : ان كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا .

قال الشافعي : فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضحاك إلى أن خالف حكم نفسه وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع هذا لقضى بغيره وقال : إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا ، قال الشافعي : يخبر والله أعلم إن السنّة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حياً فيكون فيه مائة من الإبل أو ميتاً فلا شيء فيه ، فلما أخبر بقضاء رسول الله فيه سلم له ولم يجعل لنفسه إلا اتباعه فيما مضى حكمه بخلافه فيما كان رأياً منه لم يبلغه عن رسول الله فيه شيء وترك حكم نفسه ، وكذلك كان في كل أمره رضي الله عنه ، وكذلك يلزم الناس أن يكونوا .

قلت : وقول عمر هذا كان بحضرة الصحابة الذين ذكرهم ولم ينكره منهم منكر ولا خالفه فيه مخالف فدل على أنه إجماع منهم .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان وعبد الوهاب القفي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ، أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمسة عشر ، وفي التي تليها بعشر ، وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تلي الخنصر بتسع ، وفي الخنصر بست .

أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق وعلي بن محمد بن محمد الرزاز والحسن ابن أبي بكر ، قال محمد : أنا وقالا : نا علي بن الزبير الكوفي ، نا إبراهيم بن إسحاق هو ابن أبي العنبس الزهري القاضي نا جعفر بن عون ، انا يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : قضى عمر ابن الخطاب في الأصابع في الابهام بثلاثة عشر ، وفي التي تليها باثني عشر ، وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تليها بتسع ، وفي الخنصر بست . حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله فيه ﷺ : «وفي ما هنالك من الأصابع عشراً عشراً » . قال سعيد : فصارت الأصابع إلى عشر عشر .

أنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميمي بدمشق ، أنا القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم الميانجي ، أنا محمد بن سادل النيسابوري ، نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أنا محمد بن سلمة الخشرزي ، نا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد بن المسيب ، قال : كان عمر ابن الخطاب يجعل في الإبهام والتي تليها نصف دية الكف ، ويجعل في الإبهام خمسة عشر ، وفي التي تليها عشراً ، وفي الوسطى عشراً ، وفي التي تليها تسعاً ، وفي الآخرة ستاً حتى كان عثمان بن عفان فوجد كتاباً كتبه رسول الله لعمرو بن حزم فيه ﷺ : «وفي الأصابع عشراً عشرا » فصير عشراً عشرا .

أنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب ، أنا أحمد بن جعفر بن سلم ، أنا أحمد بن موسى الجوهري ، أنا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : لما كان معروفاً والله أعلم مختلفة الجمال ( عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال ) والمنافع نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، وهذا قياس على الخبر ، قال الشافعي : فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله قال ﷺ : «وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل » صاروا إليه . قال : ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى ثبت لهم انه كتاب رسول الله .

وفي هذا الحديث دلالتان وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبرالذي قبلوا ودلالة على أن لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ثم وجد عن النبي خبر يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ، ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده .

قال الشافعي : ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم ، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه . ولو بلغ عمر هذا صار إليه كما صار إلى غيره فيما بلغه عن سول الله بتقواه لله ، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله وعلمه بأن ليس لاحد مع رسول الله أمر ، وإن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا بحر بن نصر ، نا ابن وهب ، نا مالك وأسامة بن زيد الليثي وسفيان الثوري عن ربيعة ، انه سأل سعيد بن المسيب : كم في أصبع المرأة ؟ قال : عشر ، قال : كم في اثنتين ؟ قال : عشرون قال كم في ثلاث ؟ قال : ثلاثون قال : كم في أربع ؟ قال : عشرون ، قال ربيعة : حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال : أعراقي أنت ؟ قال ربيعة : عالم متثبت أو جاهل متعلم ، قال : يا ابن أخي إنها السنّة .

هذه المسألة مبنية على أصل لفقهاء أهل المدينة هو أن عقل جراحات المرأة مثل عقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت ثلث الدية فصاعداً كانت على النصف من دية الرجل . وهذا قول روي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وإليه ذهب ابن المسيب وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري وأهل المدينة إذا رأوا العمل بها على شيء ، قالوا : سنّة . يريدون ذلك العمل إنما تلقي من رسول الله لكونه بالمدينة إلى حين وفاته .

ونحن وإن كنا نذهب في هذه المسألة إلى غير قولهم فإن احتجاجنا من خبر ابن المسيب إنما هو بتركه ما يوجبه القياس من أن الجراحات كلما كثرت اقتصت الزيادة في العقل على ما نقص عنها وأن ابن المسيب ترك القياس لما تأتي به السنّة . ويدل على صحة ما ذكرناه أيضاً أن الخبر يدل على قصد صاحب الشرع بصريحه والقياس يدل على قصده بالاستدلال ، والتصريح أقوى فوجب أن يكون التقديم أولى ، وأيضاً فإن القياس يتفقر إلى الاجتهاد في موضعين : أحدهما : في ثبوت العلة في الأصل ،

والثاني : في الحكم في الفرع لأن من الناس من قال : إذا ثبتت العلة في الأصل لا يجب الحكم بها في الفرع إلا أن يحصل الأمر بالقياس ، والاحتهاد في خبر الواحد إنما هو في ثبوت صدق الراوي فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن لزم المصير إلى خبره ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى الاجتهاد فيه ، ولأن طريق ثبوت صدقه في الظاهر أجلى من طريق ثبوت العلة لأن الذي يدل عليه عادته في الزمان الطويل في اتباع الطاعات ، وتحري الصدق ، وتجنب الاثم ، فتدل هذه العادة على أنه مختار للصدق فيما حدث به فيكون أولى من طريق ثبوت العلة .

فأما الجواب عما قاله المخالف أن القياس يتعلق باستدلال القائس وصدق الراوي مغيب عنه وهو أنهما سواء لأنه مستدل على صدق الراوي بما يعلم من أفعاله الدالة على صدقه كما أن القياس مستدل على أن صاحب الشريعة حكم في الأصل لمعنى من المعاني وقصده ، فيكون ثبوت قصد صاحب الشريعة بالنظر في الأمارات الدالة عليه كثبوت صدق الراوي ولا فرق بينهما .

فصل

فأما الحنفيون فقد قال من يحتج لهم : إذا عمّت البلوى كثر السؤال وإذا كثر السؤال كثر الجواب ويكون النقل على حسب البيان فإذا نقل خاصاً علم انه لا أصل له . وهذا عندنا غير صحيح والدليل على وجوب قبوله انه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع بما لا طريقة فيه للعلم ولا يعارضه مثله فوجب العمل به قياساً على ما لا تعم به البلوى ، ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الوضوء مما خرج من غير السبيلين ، والمشي مع الجنازة ، وبيع رباع مكة وإيجارتها ، ووجوب الوتر ، وما أشبه ذلك قد أثبته المخالف بخبر الواحد وهو مما تعم به البلوى .

فأما قوله : ان السؤال يكثر عنه ، فالجواب عنه أن النقل لا يجب أن يكون على حسب البيان لأن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة وكان بعضهم لا يرى الرواية ويؤثر عليها الاشتغال بالجهاد . وقال السائب بن يزيد : صحبت سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة فلم أسمعه يروي عن رسول الله حديثاً . وروي : إلا حديثاً حتى رجع ، وجواب آخر وهو أنه يجوز أن يتعبد الله تعالى فيما تعم البلوى بالظن ورجوع العامة إلى اجتهاد أهل العلم فيلقي الرسول الحكم ، إلقاء خاصاً فلا يظهر ويكون من بلغه خبره يلزمه حكمه ومن لم يبلغه خبره يكون مأموراً بالاجتهاد فطلب ذلك الحكم من جهة الخبر على أن ما ذكره المخالف يبطل بما وصفناه من الأحكام التي أثبتها من طريق الآحاد وكل جواب له عنها فهو جوابنا عما ذكره .

ذكر ما روي من رجوع الصحابة عن آرائهم التي رأوها إلى أحاديث النبي إذا سمعوها ووعوها

أنا أبو نعيم الحافظ ، نا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا الزهري عن سعيد بن المسيب ( وأنا ) القاضي أبو عمر الهاشمي ، نا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا أحمد بن صالح ، نا سفيان عن الزهري عن سعيد ، قال : كان عمر بن الخطاب يقول : الدية للعاقلة لا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً ، حتى قال الضحاك بن سفيان رضي الله عنه : كتب إلي رسول الله أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع عمر . زاد الحميدي عن قوله ( وقال أحمد ، نا عبد الرزاق بهذا الحديث عن معمر عن الزهري عن سعيد ، وقال فيه : وكان النبي استعمله على الأعراب ) أنا أبو علي أحمد بن محمد بن إبراهيم الصيدلاني بأصبهان ، أنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا إسحاق الدبري ، أنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن ابن المسيب قال : قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء ثم أخبر بكتاب كتبه النبي لابن حزم ﷺ : «في كل اصبع مما هنالك عشر من الإبل » فأخذ به وترك أمره الأول .

أنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأت على أبي محمد عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ، أخبركم يوسف القاضي ، نا مسدد ، نا يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة ، أخبرني أبي ، قال : أخبرني أبو أيوب ، قال : أخبرني أبي بن كعب انه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟ قال ﷺ : «يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ » .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، نا غير واحد من ثقات أهل العلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي أيوب الأنصاري عن أبي بن كعب ، قال : قلت يا رسول الله إذا جامع أحدنا فأكسل ؟ فقال النبي ﷺ : «ليغسل ما مس المرأة منه وليتوضأ ثم ليصل » .

وقال : أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد أخبرني إبراهيم بن محمد بن يحيى بن زيد بن ثابت عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، انه كان يقول : ليس على من يترك غسل السنة ، ثم نزع عن ذلك أي قبل أن يموت .

أنا الحسن بن علي الجوهري ، انا محمد بن عباس الخزار ، أنا أحمد بن عبد الله بن سيف ، نا الربيع سليمان ، قال : قال الشافعي : وإنما بدأت بحديث أبي في قوله : «الماء من الماء » ونزوعه عنه انه سمع : «الماء من الماء » من النبي ولم يسمع خلافه فقال به ، ثم لا أحسبه تركه إلا لأنه ثبت له أن رسول الله قال بعده ما نسخه .

قلت : هذا الذي ظنه الشافعي قد روى سهل بن سعد ان أبي بن كعب وقفه عليه توقيفاً مبيناً .

أنا محمد بن أبي القاسم الأزرق ، أنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، نا جعفر بن محمد بن اليمان ، نا محمد بن مهران ، نا مبشر بن إسماعيل عن محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد ، قال أبي بن كعب : ان الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله في الزمان الأول . رواه أبو داود السجستاني عن محمد بن مهران فزاد ، ثم أمر بالاغتسال بعد .

أنا أحمد بن محمد الكاتب ، أنا أحمد بن جعفر بن سلم ، أنا أحمد بن موسى الجوهري ، أنا الربيع أنا الشافعي ، أنا مسلم بن خالد عن ابن جريج ، أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس ، قال : كنت مع ابن عباس إذا قال له زيد بن ثابت : أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ فقال له ابن عباس : اما لا فسل فلانة الأنصارية : هل أمرها بذلك النبي ؟ فرجع زيد بن ثابت يضحك ويقول : ما أراك إلا قد صدقت .

قال الشافعي : سمع زيد النهي أن يصدر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت ، وكانت الحائض عنده من الحاج الداخلين في ذلك النهي ، فلما أفتاها ابن عباس بالصدر إذا كانت قد زارت بعد يوم النحر أنكر عليه زيد ، فلما أخبره عن المرأة أن رسول الله أمرها بذلك فسألها فأخبرته صدق المرأة ورأى أن عليه أن يرجع عن خلاف ابن عباس ، وما لابن عباس حجة غير خبر المرأة .

أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أنا أبو عبد الله محمد بن مخلد بن العطار ، نا حفص بن عمرو الرمالي ، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد ، نا هشام بن حسان عن محمد بن نافع أن عبد الله بن عمر كان يكري أرض آل عمر فسأل رافع بن خديج فأخبره أن رسول الله نهى عن كرا الأرض فترك ذلك ابن عمر .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ، نا محمد بن عبد الملك الدقيقي ، نا يزيد بن هارون ، أنا سليمان يعني ابن علي الربعي نا أبو الجوزاء غير مرة ، قال : سألت ابن عباس عن الصرف ، فقال : يداً بيد لا بأس به ، ثم حججت مرة أخرى والشيخ حي فأتيته فسألته عن الصرف ، فقال : وزنا بوزن . قلت : لا انك كنت أفتيتني اثنين بواحد ، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني ، قال : كان ذلك عن رأي . وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن النبي فتركت رأيي لحديث رسول الله .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ، نا عبد الرحمن بن مرزوق أبو عوف ، نا خلف بن هشام ، نا حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد ، قال : حدثني أبو الشعثاء مولى لابن معمر ، قال : سمعت ابن عباس يقول : أتوب إلى الله إنما كان ذلك رأياً رأيته وهو أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول الله .

باب القول في الصحابي يروي حديثاً عن رسول الله ثم يعمل بخلافه

إذا روى الصحابي عن رسول الله حديثاً ، ثم روي عن ذلك الصحابي خلاف لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته ، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه ، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي لا قبول رأيه كما .

أنا أبو بكر أحمد بن عمر الدلال ، نا أحمد ابن سلمان النجاد ، نا هلال بن العلاء بالرقة ، نا عبد الله ابن جعفر المعتمر عن أبي شعيب البناني عن ابن سيرين ، قال : حدثني أفلح أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه كان يفتيهم بالمسح ويخلع ، فقيل له فقال رأيت رسول الله يمسح ولكن حبب إلي الغسل .

وقال النجاد : نا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، قال : كتب إلي هلال بن العلاء ، قال عبد الله بن جعفر فذكر بإسناده مثله .

ولأن الصاحب قد ينسى ما روى وقت فتياه كما أنا أبو الحسين أحمد بن محمد بقن أحمد بن حماد الواعظ ، نا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي املاء في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، نا عبد الله بن سعيد الزهري ، نا عمي ، نا أبي عن ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد عن المجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق بن الأجدع ، قال : ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله فخطب الناس . فقال : أيها الناس ما اكثاركم في صدقات النساء فقد كان رسول الله وأصحابه فيما بين أربعمائة درهم فما دون ذلك ، ولو كان الاكثار في ذلك تقوى أو مكرمة لم تسبقوهم إليها ، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم . قال : ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم ؟ قال : وما ذاك . قالت : أو ما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال : وأي ذلك ؟ قال : فقالت أو ما سمعت الله تعالى يقول : ( { وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً واثماً مبيناً } ) [10] قال ، فقال : اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر ، ثم رجع فركب المنبر ثم قال : أيها الناس إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب وطابت به نفسه فليفعل .

وكما أنا القاضي أبو بكر الحيري وأبو سعيد الصيرفي ، قالا : نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد ابن عبيد الله بن أبي داود ، نا يونس هو ابن محمد المؤدب نا حيان يعني ابن عبيد الله العدوي قال لاحق بن حميد أبو مجلز ، وأنا شاهد عن الصرف ، فقال : كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره حتى لقيه أبو سعيد الخدري فقال له : يا ابن عباس لا تتقي الله ؟ حتى متى تؤكل الناس الربا ؟ اما بلغك ان رسول الله قال ذات يوم وهو عند أم سلمة زوجته ﷺ : «إني أشتهي تمر عجوة » . وانها بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل رجل من الأنصار فأوتيت بدلهما تمر عجوة فقدمته إلى رسول الله فأعجبه ، فتناول تمرة ثم أمسك ، فقال ﷺ : «من أين لكم هذا » ؟ . قالت : بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل فلان فأتينا بدلهما من هذا الصاع الواحد فألقى التمرة من يده وقال ﷺ : «ردوه ردوه لا حاجة فيه ، التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، يداً بيد مثلاً بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان ، فمن زاد أو نقص فقد أربا فكذلك ما يكال أو يوزن » فقال : ذكرتني يا أبا سعيد أمراً نسيته ، استغفر الله وأتوب إليه ؛ وكان ينهى بعد ذلك يعني عنه أشد النهي .

ولأن الصحابي قد يذكر ما روى إلا أنه يتأول فيه تأويلاً يصرفه عن ظاهره كما تأولت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في اتمام الصلاة في السفر وهي التي روت : «فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر » . ولأنه لا يحل أن يظن بالصاحب أن يكون عنده نسخ لما روى ، أو تخصيص فيسكت عنه ويبلغ إلينا المنسوخ والمخصوص دون البيان لأن الله تعالى يقول : ( { ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } ) [11] وقد نزه الله صحابة نبيه عن هذا .

باب تعظيم السنن والحث على التمسك بها والتسليم لها والانقياد إليها وترك الاعتراض عنها

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ، نا محمد بن عبد الملك الدقيقي ، نا يزيد بن هارون ، أنا جويبر عن طلحة بن الشحاح ، قال : كتب عبيد الله بن معمر القرشي إلى عبد الله بن عمر وهو أمير فارس على جند : إنا قد استقررنا فلا نخاف عدواً وقد أتى علينا سبع سنين فقد ولدنا الأولاد فكم صلاتنا ؟ فكتب إليه عبد الله : إن صلاتكم ركعتان فأعاد إليه الكتاب فكتب إليه ابن عمر : إني كتبت إليك بسنة رسول الله فسمعته يقول ﷺ : «من أخذ بسنتي فهو مني ، ومن رغب عن سنتي فليس مني » .

أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي ، أنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري نا محمد بن الوليد البسري ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن حصين عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني » .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، نا محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، نا محمد بن كناسة ، نا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران في قوله تعالى : ( { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ) [12] قال : الرد إلى الله إلى كتابه والرد إلى الرسول إذا قبض إلى سنته .

أخبرنا أخبرني الجوهري ، أنا أحمد بن محمد بن الجراح الخزاز ، نا أحمد بن عبد الله بن النيربي نا أبو سعيد الأشج ، نا وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران : ( { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله } ) قال : إلى كتابه وإلى الرسول مادام حياً فإذا قبض فإلى سنّته .

أخبرني أبو الحسن محمد بن عمر بن عيسى بن يحيى البلدي ، أنا محمد بن العباس بن الفضل الحناط بالموصل ، نا محمد بن أحمد بن أبي المثنى ، نا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد ، في قوله تعالى : ( { فردوه إلى الله والرسول } ) قال : إلى كتاب الله وسنة نبيه .

أنا أبو نعيم الحافظ ، نا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه ، قال : قال عمر بن الخطاب إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب . قال سالم بن عبد الله : فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى الجمرة قبل أن يزور ، قال سالم : وسنة رسول الله أحق أن تتبع .

أنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان الدمشقي ، أنا أبو بكر يوسف بن القاسم القاضي الميانجي ، نا أبو يعلي أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ، نا يحيى بن معين ، نا حجاج ، نا شريك عن الأعمش عن فضيل بن عمرو قال أراه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : تمتع النبي فقال عروة بن الزبير : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة . فقال ابن عباس ما يقول عريه يريد ؟ قال يقول : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، قال ابن عباس : أراهم سيهلكون ! ! أقول قال النبي : ويقولون نهى أبو بكر وعمر .

أنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر الأصبهاني ، أنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني ، نا أحمد بن مهدي ، نا أبو الربيع الزهراني ، نا حماد يعني ابن زيد نا أيوب عن ابن أبي مليكة ان عروة ابن الزبير قال لابن عباس : أضللت الناس قال : وما ذاك يا عرية ؟ قال تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر وليست فيهن عمرة ، فقال : أو لا تسأل أمك عن ذلك ؟ . فقال عروة : فإن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك فقال ابن عباس : هذا الذي أهلككم والله ما أرى إلا سيعذبكم إني أحدثكم عن النبي وتجيئوني بأبي بكر وعمر . فقال عروة : هما والله كانا أعلما بسنة رسول الله واتبع لها منك .

قلت : قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما به عروة إلا أنه لا ينبغي أن يقلد أحد في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله .

أنا أبو نعيم ، نا محمد بن أحمد بن الحسن ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا عمرو بن دينار عن سلمة رجل من ولد أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن الزبير بن العوام خاصم رجلاً إلى رسول الله فقضى النبي للزبير ، فقال الرجل إنما قضى له لأنه ابن عمته ، فأنزل الله تعالى : ( { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ) [13] .

أنا أبو الحسن علي بن طلحة بن محمد المقري وأبو القاسم علي بن أبي علي البصري ، قالا : أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري ، نا أبو عروبة الحراني ، نا جدي عمرو بن أبي عمرو ، نا أبو يوسف ، نا الحسن بن عمارة عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قال رجل : المسح حسن وما أمسح أو ما تطيب نفسي به . فقال له ناس من أصحاب رسول الله : والله ما لك ذلك حتى لا يكون في نفسك حرج مما قال وتسلم تسليماً .

أنا محمد بن أحمد بن رزق ، أنا محمد بن عبد الله الشافعي ، نا أحمد بن سعيد الحمال ، قال : سمعت محمد بن حاتم بن بزيع ، يقول : سمعت إسحاق بن الطباع ، يقول : جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال : قال رسول الله كذا ، قال : أرأيت ان كان كذا ؟ قال مالك فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم المقريء ، أنا أبو العباس أحمد بن يحيى ، قال : حدثني محمد بن عبيد بن ميمون ، قال : حدثني عبد الله بن إسحاق الجعفري ، قال : كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة ، قال : فتذاكروا يوماً السنن ، فقال رجل كان في المجلس : ليس العمل على هذا ، فقال عبد الله : أرأيت ان كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام أفهم الحجة على السنة ؟ قال ربيعة : أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء .

أنا القاضي أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي ، أنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريح عن عامر بن مصعب ، ان طاوساً أخبره انه سأل ابن عباس عن الركعتين بعد العصر فنهاه عنهما ، قال طاوس فقلت ما أدعهما ، فقال ابن عباس : ( { ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } ) [14] الآية .

أنا أبو نعيم ، نا محمد بن أحمد بن الحسن ، نا بشر بن موسى ، نا الحميدي ، نا سفيان ، نا هشام بن حجين عن طاوس ، قال : رآني ابن عباس وأنا أصلي بعد العصر فنهاني ، فقلت

إنما كرهت أن تتخذ سلماً فقال ابن عباس : نهى رسول الله عن الصلاة بعد العصر ، وقال الله تعالى : ( { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } ) وما أدري تعذب عليها أم تؤجر .

أنا محمد بن الحسين بن الفضل القطان ، أنا عثمان بن أحمد الدقاق ، نا أبو الاصبع القرقساني ، نا مخلد بن مالك الحراني ، نا عطاف بن خالد عن عبد الرحمن بن حرملة ، أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل صلى بعد النداء من صلاة الصبح فأكثر الصلاة فحصبه ، ثم قال : إذا لم يكن أحدكم يعلم فليسأل ، انه لا صلاة بعد النداء إلا ركعتين ، فانصرف فقال : يا أبا محمد أتخشى أن يعذبني الله بكثرة الصلاة ؟ قال : بل أخشى أن يعذبك الله بترك السنّة .

أنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسنويه الأصبهاني ، نا عبد الله بن محمد بن علي ابن زيد الخشاب ، نا عبد الله بن محمد بن النعمان ، نا محمد بن سعيد بن سابق ، نا أبو جعفر .

وأخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، نا محمد بن أيوب ، قال : قرأت على محمد بن سعيد بن سابق عن أبي جعفر الرازي عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن عبد الله ابن مسعود ، قال وفي حديث ابن أيوب أنه قال : إنا نقتدي ولا نبتديء ، ونتبع ولا نبتدع ، وأن أفضل ما تمسكنا بالأثر .

أنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرفي ، أنا أحمد بن جعفر بن سلم الختلي ، أنا أحمد بن علي الآبار ، قال : نا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي يقول : قال أبو حمزة : تدرون ما الأثر الأثر أفتى بالشيء فيقال لي يوم القيامة بم افتيت كذا وكذا ؟ فأقول ، أخبرني الأعمش فيؤتى بالأعمش فيقال حدثته بهذا ؟ فيحيل على إبراهيم ويحيل إبراهيم على علقمة حتى ينتهي إلى منتهاه .

أخبرني أبو القاسم الأزهري ، نا عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري ، نا علي بن يعقوب أبو القاسم ، نا أبو زرعة الدمشقي ، قال : نا ابن أبي أويس ، قال : سمعت مالك بن أنس يقول : ما قلت الآثار في قوم إلا كثرت فيهم الأهواء ، وإذا قلت العلماء ظهر في الناس الجفاء .

أنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب الواسطي ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان ابن مالك القطيعي ، نا بشر بن موسى ، نا معاوية بن عمرو ، نا أبو إسحاق عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : قال عبد الله : القصد في السنّة خير من اجتهاد في بدعة . وقال أبو إسحاق : عن الأوزاعي ، انه بلغه ان عمر بن الخطاب قال : يا أيها الناس لا عذر لأحد بعد السنّة في ضلالة ركبها حسبها هدى ، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة ، قد بينت الأمور ، وثبتت الحجة ، وانقطع العذر .

أنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع بن الحسن بن موسى الصوفي وأبو القاسم علي بن محمد بن علي الأيادي ، قالا : أنا أحمد بن يوسف بن خلاد العطار ، نا الحارث بن محمد التميمي ، نا يزيد بن هارون أنا أبو نعامة العدوي عن حميد بن هلال عن بشير بن كعب عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول الله ﷺ : «الحياء خير كله » . قال بشير فقلت : ان منه ضعفاً وإن منه عجزاً ، فقال : أحدثك عن رسول الله وتجيئني بالمعاريض ؟ لا أحدثك بحديث ما عرفتك ، فقيل يا أبا نجيد انه طيب الهوى ، وإنه وإنه فلم يزالوا به حتى سكن وحدث .

أنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف ، أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا محمد بن مسلمة ، نا يزيد بن هارون ، أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ﷺ : «توضؤا مما مست النار ولو من ثور من أقط » . فقال له ابن عباس : يا أبا هريرة إنا لنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار وانا لندهن بالدهن وقد طبخ على النار ، فقال أبو هريرة : يا ابن أخي إذا سمعت بالحديث يحدث به عن رسول الله فلا تضرب له الأمثال .

أنا علي بن أحمد الرزاز نا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي ، نا أحمد بن علي الآبار ، نا يحيى بن أيوب الزاهد ، نا عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس ، قال : سمعت ابن شهاب يقول : سلموا للسنة ولا تعارضوها .

أنا البرقاني ، قال : قريء على أبي العباس بن حمدان وأنا أسمع ، حدثكم محمد بن أيوب أنا أبو الربيع ، نا حماد ، نا أيوب ، قال : سأل الحكم ابن عتيبة الزهري وأنا شاهد ، عن عدة أم الولد ، فقال : السنّة أربعة أشهر وعشراً ، فقال الحكم : ما يقول ذلك أصحابنا قال فغضب وقال : يأتيكم الحديث عن رسول الله ثم تعرضون له برأيكم ؟ قال : ان بريرة أعتقت ، فأمرها رسول الله أن تعتد عدة الحرة .

أنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل ، أنا الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة المروزي ، نا محمد بن أحمد بن محبوب ، نا أبو عيسى الترمذي ، قال : سمعت أبا السائب يقول : كنا عند وكيع فقال لرجل ممن عنده ممن ينظر في الرأي : أشعر رسول الله يعني هديه ويقول أبو حنيفة هو مثلة ؟ قال الرجل : فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي انه قال : الأشعار مثلة ، قال فرأيت وكيعاً غضب غضباً شديداً ، فقال : أقول لك قال رسول الله وتقول قال إبراهيم ؟ ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا .

أنا محمد بن عبد الرحمن بنت عثمان الدمشقي ، أنا يوسف بن القاسم الميانجي حدثني الحسين ابن الفتح على المذاكرة ، قال : نا أبو محمد بن صاعد ، نا بحر ، نا الشافعي ، قال : لقد ضل من ترك رسول الله لقول من بعده .

أنا محمد بن عيسى الهمذاني ، نا صالح بن أحمد بن التميمي ، نا محمد بن عبد الله بلبل ، نا أبو حاتم ، ثم قال : سمعت نعيم بن حماد يقول : من ترك حديثاً معروفاً فلم يعمل ورأى أن عليه أن يطرحه فهو مبتدع .

أنا الحسن بن أبي بكر ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله القطان ، نا عبد الكريم بن الهيثم نا أبو عثمان الصياد سعيد بن المغيرة ، نا مخلد بن الحسين ، قال : قال لي الأوزاعي : يا أبا محمد إذا بلغك عن رسول الله حديث فلا تظنن غيره ، ولا تقولن غيره ، فإن محمداً إنما كان مبلغاً عن ربه .

أنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقيقي ببغداد ، نا إسحاق يعني ابن أبي إسرائيل قال سمعت سفيان بن عيينة وذكر عنده حماد بن زيد فجعل يعظم من أمره ثم قال : يرحمه الله إن كان لمتبعاً لسنة نبيه ، قال سفيان : ملاك الأمر الاتباع . أنا أبو الحسن : علي بن أبي بكر الطرازي بنيسابور ، أنا أبو حامد : أحمد بن محمد بن حسنويه السري ، أنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي قال : سمعت وكيع بن الجراح ، يقول : قال الأعمش : ' لولا الشهرة لصليت ، ثم تسحرت اتباعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ' .

أنا أبو الحسن طاهر بن عبد العزيز بن عيسى الدعاء ، أنا إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان النسوي ، قال : سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، قال : سمعت محمد بن يحيى الأزدي ، قال : سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول : والله لو بلغنا ان القوم لم يزيدوا في الوضوء على غسل أظفارهم لما زدنا عليه ، قال أبو بكر بن خزيمة : يريد أن الدين الاتباع .

أنا محمد بن أحمد بن رزق ، أنا عثمان بن أحمد الدقاق ، نا محمد بن إسماعيل الرقي ، أنا الربيع بن سليمان ، قال : سمعت الشافعي وسأله رجل عن مسألة ، فقال : يروى فيها كذا وكذا عن النبي ، فقال له السائل : يا أبا عبد الله ما تقول فيه ؟ فرأيت الشافعي أرعد وأنتفض فقال : ما هذا ؟ أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن النبي حديثاً فلم أقل به ؟ نعم على السمع والبصر . نعم على السمع والبصر .

وقال أنا الربيع ، قال : سمعت الشافعي وقد روى حديثاً فقال له بعض من حضر تأخذ بهذا ؟ فقال إذا رويت عن النبي حديثاً صحيحاً فلم آخذ به فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب ومد يديه .

أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، قال : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم يقول : سمعت الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما قلت .

أنا أبو نعيم الحافظ ، أخبرني جعفر الخلدي في كتابه ، قال : سمعت الجنيد يقول : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه .

ما جاء في ترك المخاطبة لمن عارض السنة بالمخالفة

أنا عثمان بن محمد بن يوسف العلاف ، أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، نا محمد بن غالب بن مالك ، نا سلام أبو المنذر عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : نهى رسول الله عن الخذف وقال ﷺ : «انه لا يصيد صيداً ، ولا ينكأ العدو ، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين » ، فقام رجل من جلسائه فنقد حصاة وقال أنهى رسول الله عن هذا ؟ أو قال : ما تقول في هذا ؟ قال عبد الله : أحدثك عن رسول الله وتخذف ، والله لا أكلمك أبداً .

أنا إبنا بشر أن علي وعبد الملك قالا : أنا حمزة بن محمد بن العباس ( وأنا ) هلال بن محمد الجفار ومحمد بن أحمد الصياد ، قالا : أنا أحمد بن يوسف بن خلاد ، قال : أنا الحارث بن محمد ، نا عثمان ابن الهيثم ، حدثني أبي عن خزاعي بن زياد ، عن جده عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله ﷺ : «لا تخذفوا فإنه لا يصاد به الصيد ، ولا ينكأ به العدو ولكن يفقأ العين ويكسر السن » فقال رجل من بني عمه سبحان الله ما هذا ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله وتقول ما هذا وما هذا ؟ والله لا أكلمك من رأسي ما عرفتك هكذا ، قال الحارث عن خزاعي عن جده .

وأنا الحسن ابن أبي بكر ، أنا أبو سهل بن زياد القطان ، نا محمد بن غالب ، حدثني عثمان بن الهيثم حدثني أبي عن خزاعي بن زياد عن أبيه عن جده عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله ﷺ : «لا تخذفوا فإنه لا يصاد به الصيد ، ولا ينكأ به العدو ، ولكنه يفقأ العين ويكسر السن » فقال رجل من بني عمي : سبحان الله ما هذا ؟ ونقد به فقال : أحدثك عن رسول الله وتقول ما هذا مرتين ؟ والله لا أكلمك بكلمة من رأسي ما عرفتك .

أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل ، أنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز ، نا يحيى بن جعفر انا الضحاك بن مخلد ، أخبرني خالد بن رباح ، حدثني أبو السوار ، قال : سمعت عمران بن حصين يقول : قال رسول الله ﷺ : «الحياء خير كله » ، فقال رجل من القوم في الحكمة مكتوب ان منه وقاراً وإن منه ضعفاً . فقال : أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن الصحف والله لا أحدثكم اليوم بحديث .

أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن نجيب الدقاق ، نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهري ، نا أبو بكر الأثرم ، نا عيسى بن ميناء المدني ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، قال : ان السنن لا تخاصم ، ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي والتفكير ، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين ، ولكنه ينبغي للسنن أن تلزم ويتمسك بها على ما وافق الرأي وخالفه ، ولعمري ان السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي ومجانبته خلافاً بعيداً ، فما يرى المسلمون بدا من اتباعها والانقياد لها ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي ، ودلهم على غوره وغوره . إنه يأتي الحق على خلافه في وجوه غير واحدة ، من ذلك ان قطع أصابع اليد مثل قطع اليد من المنكب أي ذلك أصيب ففيه ستة آلاف ، ومن ذلك ان قطع الرجل في قلة ضررها مثل قطع الرجل من الورك أي ذلك أصيب ففيه سنة آلاف ، ومن ذلك أن في العينين إذا فقئتا مثل ما في قطع اشراف الأذنين في قلة ضررها أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشر ألفاً ، ومن ذلك أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائتي دينار وما بينهما صحيح فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى كان أعظم للجرح بكثير ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون ديناراً . ومن ذلك ان المرأة الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة . ومن ذلك رجلان قطعت إذنا أحدهما جميعاً يكون له اثنا عشر ألفاً وقتل الآخر فذهبت إذناه وعيناه ويداه ورجلاه وذهبت نفسه

ليس ذلك له إلا اثنا عشر ألفاً مثل ذلك لم يصب الاشراف أذنيه في أشباه هذا غير واحدة فهل وجد المسلمون بداً من لزوم هذا ؟ وأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير ؟ ولكن السنن من الإسلام بحيث جعلها الله هي ملاك الدين ، وقوامه الذي بني عليه الإسلام .

وأي قول أجسم وأعظم خطراً مما قال رسول الله في حجة الوداع حين خطب الناس فقال ﷺ : «وقد تركت فيكم أيها الناس ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمراً بينا كتاب الله وسنة نبيه » فقرن رسول الله بينهما ، وايْمُ الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والتفقه ونتعلمها شبيهاً بتعلمنا آي القرآن وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب وأخذ برأي أشد العيبة ، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم ، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير ، ويخبروننا أنهم أهل ضلال وتحريف بتأويل كتاب الله وسنن رسول الله وما توفي رسول الله حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث عن الأمور وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن ، حتى كان من قوله كراهية ذلك ان قال : «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » .

فأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا ؟ ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءاً من مائة جزء مما بلغوا اليوم . وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل والتفكير في دينهم . فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكر إلى دين سواه ، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك ، وأخذوا بالأمر الذي حضهم عليه رسول الله ورضيه لهم ، ولكنهم تكلفوا ما قد كفوا مؤنته وحملوا على عقولهم من النظر في أمر الله ما قصرت عنه عقولهم ، وحق لها أن تقصر عنه وتحسر دونه ، فهنالك تورطوا وأين ما أعطى الله العباد من العلم في قلته وزهادته مما تناولوا قال الله تعالى : ( { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } ) [15] وقد قص الله تعالى ما غير أو غير هذه الكلمة به موسى عليه السلام من أمر الرجل الذي لقيه فقال : ( { فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا علمناه من لدنا علماً } ) [16] فكان منه في خرقه السفينة وقتله الغلام وبنائه الجدار ما قد قال الله تعالى في كتابه فأنكر موسى ذلك عليه وجاء ذلك في ظاهر الأمر منكراً لا تعرفه القلوب ، ولا يهتدي له التفكير ، حتى كشف الله ذلك لموسى فعرفه .

وكذلك ما جاء من سنن الإسلام وشرائع الدين التي لا توافق الرأي ، ولا تهتدي لها العقول ، ولو كشف للناس عن أصولها لجاءت للناس واضحة بينة غير مشكلة على ما جاء عليه أمر السفينة وأمر الغلام وأمر الجدار . فإن ما جاء به محمد كالذي جاء به موسى يعتبر بعضه ببعض ويشبه بعضه بعضاً ومن أجهل وأضل وأقل معرفة بحق الله وحق رسوله ونور الإسلام وبرهانه ممن قال : لا أقبل سنة ولا أمراً مضى من أمر المسلمين حتى يكشف لي غيبه وأعرف أصوله ؟ أو لم يقل ذلك بلسان وكان عليه رأيه وفعله ويقول الله تعالى : ( { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } ) [17] .

الكلام في الأصل الثالث من أصول الفقه وهو إجماع المجتهدين

إجماع أهل الاجتهاد في كل عصر حجه من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام مقطوع على مغيبه ، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ ، وذهب إبراهيم بن سيار النظام إلى انه يجوز إجماع الأمة على الخطأ ، وقالت الرافضة الاجماع ليس بحجة وإنما الحجة قول الإمام وحده واحتج من نصرهم بما :

أنا الحسن بن أبي بكر وعثمان بن محمد العلاف ، قالا : أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي نا جعفر يعني ابن محمد بن شاكر الصائغ ، نا عفان ، نا شعبة ، أخبرني ابن عون ، قال : سمعت الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص ، عن معاذ رضي الله عنه ، أن النبي قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : كيف تقضي أن عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : بسنة رسول الله قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : اجتهد رأيي ولا آلوا قال : فضرب صدري وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله .

قالوا فذكر الأدلة ولم يذكر فيها الإجماع ولو كان صحيحاً لذكره .

وأنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود ، نا شعبة عن علي بن مدرك ، قال : سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير يحدث عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، قال : قال : رسول الله ﷺ : «يا جرير استنصت الناس » يعني في حجة الوداع ثم قال ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » .

وأنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الحنائي ، نا أحمد بن سلمان النجاد إملاء ، نا أبو الأحوص محمد بن الهيثم بن حماد القاضي ، نا ابن أبي مريم ، نا أبو غسان يعني محمد بن مطرف قال : حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ، ان رسول الله قال ﷺ : «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه » قلنا يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال ﷺ : «فمن ؟ » .

قالوا وما ذكر في هذين الحديثين يدل على أن الاجماع على الخطأ جائز على الأمة . قالوا : ولأن كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ بانفراده فإذا اجتمع مع غيره كان بمنزلة التفرد ، لانه يجتهد برأيه المعرض للخطأ . قالوا : ولأن الأمة لا يحصون ولا يمكن سماع أقاويلهم وما لا سبيل إلى معرفته فلا يجوز أن يجعله صاحب الشريعة دليلاً على شريعته .

وهذا عندنا غير صحيح وحجتنا فيما ذهبنا إليه قوله تعالى : ( { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً [18]

ووجه الدليل من هذه الآية ان الله تعالى توعد اتباع غير سبيل المؤمنين فدل على أن اتباع سبيلهم واجب ومخالفتهم حرام .

فإن قال المخالف : هذا استدلال بدليل الخطاب وليس بحجة عندنا ؟ فالجواب : انه دليل عندنا كالعموم والظاهر وقد دللنا عليه فيما تقدم وعلى أن هذا ليس بدليل الخطاب ، وإنما هو احتجاج بتقسيم عقلي لانه ليس بين اتباع سبيل المؤمنين وبين اتباع غير سبيلهم قسم ثالث ، وإذا حرم الله اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم ، وهذا واضح لا يشتبه .

فإن قال : توعد الله على مشاقة الرسول وهي مخالفته وعلى اتباع غير سبيل المؤمنين فلا يجوز أن يحمل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين بانفراده ؟ فالجواب : ان مشاقة الرسول محرمة بانفرادها وإن لم يكن هناك مؤمن ، فدل على أن الوعيد على كل واحد منهما بانفراده . ولأن اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرماً بانفراده لم يحرم مع مشاقة الرسول كسائر المناجاة .

فإن قال : أهل العصر هم بعض المؤمنين ، والظاهر من الآية جميع المؤمنين إلى يوم القيامة ؟

فالجواب انه لا يجوز أن يريد به جميعهم لأن التكليف في ذلك يكون يوم القيامة ولا تكليف في الآخرة وإذا كان المراد بعض المؤمنين وأجمعوا على أنه لم يرد ما زاد على أهل العصر ، كان المراد به أهل العصر لأن من يقع عليه اسم المؤمنين حقيقة هم الموحدون في العصر ، لأن من لم يخلق لا يسمى مؤمناً . ومن خلق ومات لا يسمى مؤمناً حقيقة وإنما كان مؤمناً .

انتهى الجزء الرابع من كتاب الفقيه والمتفقه ويتلوه ان شاء الله الجزء الخامس وأوله ( ومن الدليل أيضاً على أصل المسألة ) والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً .

وفرغ من كتبه عبد العزيز بن علي يوم الأحد وقت الأولى في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وأربعمائة ، وحسبي الله وحده .


هامش

  1. [ الاسراء : 32 ]
  2. [ النساء : 101 ]
  3. [ المائدة : 1 ]
  4. [ آل عمران : 199]
  5. [ البقرة : 178 ]
  6. [ النساء : 51 ]
  7. [ الطلاق : 1 ]
  8. [ النور : 2 ]
  9. [ الأحزاب : 12 ]
  10. [ النساء : 02 ]
  11. [ البقرة : 159 ]
  12. [ النساء : 95 ]
  13. [ النساء : 56 ]
  14. [ الأحزاب : 63 ]
  15. [ الاسراء : 58 ]
  16. [ الكهف : 56 ]
  17. [ النساء : 56 ]
  18. [ النساء : 115]


الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر