الفقيه والمتفقه/الجزءالثامن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفقيه والمتفقه
الجزءالثامن
الخطيب البغدادي


كتاب الفقيه والمتفقه الجزء الثامن

باب تقسيم الأسئلة والجوابات ووصف وجوه المطاعن والمعارضات

السؤال على أربعة أضرب ، يقابل كل ضرب منها ضرب من الجواب من جهة المسؤول ، فأولها : السؤال عن المذهب بأن يقول السائل : ما تقول في كذا ؟ فيقابله جواب من جهة المسؤول فيقول : كذا . والثاني : السؤال عن الدليل بأن يقول السائل : ما دليلك عليه ؟ فيقول المسؤول : كذا . والثالث : السؤال عن وجه الدليل فيبينه المسؤول والرابع : السؤال على سبيل الاعتراض عليه والطعن فيه فيجيب المسؤول عنه ويبين بطلان إعتراضه وصحة ما ذكره من وجه دليله .

فإذا سأل سائل عن حكم مطلق ، نظر المسؤول فيما سأله عنه ، فإن كان مذهبه موافقاً لما سأله عنه من غير تفصيل أطلق الجواب عنه ، وإن كان عنده فيه تفصيل كان الخيار بين أن يفصله في جوابه وبين أن يقول للسائل هذا مختلف عندي فمنه كذا ومنه كذا فعن أيهما تسأل ؟ فإذا ذكر أحدهما أجاب عنه ، وان أطلق الجواب عنه كان مخطئاً .

مثال ذلك أن يسأله سائل عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ ؟ وعند المسؤول ان جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما لا يطهر بالدباغ ويطهر ما عدا ذلك ، فيقول للسائل هذا التفصيل ، وان شاء قال : منه ما يطهر بالدباغ ومنه ما لا يطهر فعن أيهما تسأل ؟ فأما إذا أطلق الجواب وقال يطهر بالدباغ فإنه يكون مخطئاً . وقد جرى لأبي يوسف القاضي مع أبي حنيفة نحو من هذه المسألة .

أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري ، أخبرنا عمر بن إبراهيم المقري ، حدثنا مكرم بن أحمد ، نا أحمد بن محمد يعني الحماني نا الفضل بن غانم قال : كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً فصار إليه آخر مرة فرآه ثقيلاً فاسترجع ثم قال : لقد كنت أوأمّلك بعدي للمسلمين ، ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير ، ثم رزق العافية وخرج من العلة فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلساً في الفقه وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة ، فسأل عنه فأخبر انه قد عقد لنفسه مجلساً وانه بلغه كلامك فيه ، فدعى رجلاً كان له عنده قدر فقال : صر إلى مجلس يعقوب فقل له : ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم ، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب ، فقال له القصار : مالك عندي شيء وأنكره ، ثم ان رب الثوب رجع إليه فدفع إليه الثوب مقصوراً ، أله أجرة ؟ فإن قال : له أجرة فقل : أخطأت ، وإن قال : لا أجرة له فقل : أخطأت ، فصار إليه فسأله ، فقال أبو يوسف : فله الأجرة ، فقال : أخطأت ، فنظر ساعة ثم قال : لا أجرة له فقال : أخطأت . فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة ، فقال له : ما جاء بك إلا مسألة القصار ؟ قال أجل ، قال : سبحان الله من قعد يفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإيجارات ، فقال : يا أبا حنيفة علمني ، فقال : ان كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة لانه قصره لنفسه وان كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لانه قصره لصاحبه ثم قال : من ظن انه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه .

فصل

وإذا صح الجواب من جهة المسؤول قال له السائل : ما الدليل عليه وهو السؤال الثاني فإذا ذكر المسؤول الدليل فإن كان السائل يعتقد ان ما ذكره ليس بدليل ، مثل أن يكون قد احتج بالقياس والسائل ظاهري لا يقول بالقياس ، فقال للمسؤول : هذا ليس بدليل ، فإن المسؤول يقول له : هذا دليل عندي وأنت بالخيار بين أن تسلمه وبين أن تنقل الكلام إليه فأدل على صحته . فإن قال السائل : لا أسلم لك ما أحتججت به ولا أنقل الكلام إلى الأصل ، كان متعنتاً مطالباً للمسؤول بما لا يجب عليه ، وإنما كان كذلك لأن المسؤول لا يلزمه أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل عنده ، ومن نازعه في دليله دل على صحته وقام بنصرته ، فإذا فعل ذلك فقد قام بما يجب عليه فيه ، وان عدل إلى دليل غيره لم يكن منقطعاً لأن ذلك لعجز السائل عن الاعتراض على ما احتج به وقصوره عن القدح فيه ، ولأن المسؤول لا تلزمه معرفة مذهب السائل لانه لا تضره مخالفته ولا تنفعه موافقته ، وإنما المعول على الدليل وهذا لا اشكال فيه .

وأما السائل إذا عارضه ما هو دليل عنده وليس بدليل عند المسؤول مثل أن يعارض خبره المسند بخبر مرسل ، أو خبره المعروف بخبر المجهول ، وما أشبه ذلك وقال للمسؤول : اما أن تسلم ذلك لي فيكون معارضاً لما رويته ، واما أن تنقل الكلام إلى مسألة المرسل والمجهول ، فهذا ليس للسائل أن يقوله له . ويخالف المسؤول فيه لأن السائل تابع للمسؤول فيما يورده المسؤول ويحتج به .

وإنما كان كذلك لأنه لما سأله عن دليله الذي دله على صحة مذهبه ، والطريق الذي أداه إلى اعتقاده لزمه أن ينظر معه فيما يورده ، فإن كان فاسداً بَيَّن فساده ، وإن لم يكن فاسداً صار إليه وسلمه له . ولهذا المعنى جاز للمسؤول أن يفرض المسألة حيث اختارها وكان السائل تابعاً له فيه ولم يجز للسائل أن ينقله إلى جهة أخرى ويفرض الكلام فيها .

ويكفي المسؤول إذا عارضه السائل بما ليس بدليل عنده مثل ما ذكرناه من التمثيل في الخبر المرسل وخبر المجهول ، أن يرده بأن يقول هذا لا يصح على أصلي .

ثم هو بالخيار بين أن يبين للسائل من أي وجه لا يصح على أصله وبين أن يرده بمجرد مذهبه . وقد ورد القرآن بذلك قال الله تبارك وتعالى : ( { سبحانه أن يكون له ولد } ) [1] وقال : ( { لم يلد ولم يولد } ) [2] ولم يذكر في الموضعين تعليلا وقال : ( { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله إذاً لذهب كل إله بما خلق } ) [3] فبين العلة في سقوط قول من قال ان له ولداً وأن له شريكاً .

فصل

واما السؤال الثالث وهو السؤال عن وجه الدليل وكيفيته فإنه ينظر فيه فإن كان الدليل الذي استدل به غامضاً يحتاج إلى بيان وجب السؤال عنه ، وان تجاوزه إلى غيره كان مخطئاً لانه لا يجوز تسليمه إلا بعد أن ينكشف وجه الدليل منه من جهة المسؤول على ما سأله عنه ، وإن كان الدليل ظاهراً جلياً لم يجز هذا السؤال وكان السائل عنه متعنتاً أو جاهلاً .

مثال ذلك أن يسأل سائل عن جلد الكلب أو جلد ما لا يؤكل لحمه هل يطهر بالدباغ ؟ فيقول المسؤول يطهر لقول النبي ﷺ : «ايما اهاب دبغ فقد طهر » فيقول السائل ما وجه الدليل . منه ؟ فيكون مخطئاً في هذا القول لظهور ما سأله عن بيانه ووضوحه ، وإذا قصد بيانه لم يزد على لفظه .

أخبرني أبو الحسن علي بن أيوب القمى ( أخبرنا ) أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني أخبرنا ابن دريد ، قال : حدثني أبو حاتم عن أبي زيد ، قال : كان كيسان ثقة وجاءه صبي يقرأ عليه شعراً حتى مرّ ببيت فيه ذكر العيس ، فقال له ما العيس ؟ قال : الابل البيض التي تخلط بياضها حمرة . قال : وما الابل ؟ قال : الجمال ، قال وما الجمال ؟ فقام على أربعة ورغا في المسجد .

فصل

واما السؤال الرابع وهو السؤال على سبيل الاعتراض والقدح في الدليل فإن ذلك يختلف على حسب اختلاف الدليل . فإن كان دليلهم من القرآن كان الاعتراض عليهم من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن ينازعه في كونه محكماً ويدعي أنه منسوخ ، مثاله أن يحتج الشافعي بقول الله تعالى : ( { فاما منا بعد واما فداء } ) [4] فيدعي خصمه انه منسوخ بقوله تعالى : ( { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ) [5] ، فيقول المسؤول : إذا أمكن الجمع بينهما لم يجز حمله على النسخ .

والثاني : أن ينازعه في مقتضى لفظه . مثال ذلك أن يحتج الشافعي على وجوب الايتاء من مال الكتابة بقوله تعالى : ( { وآتوهم من مال الله الذي أتاكم } ) [6] فيقول المخالف انه إيتاء من مال الزكاة دون مال الكتابة ، فيقول المسؤول : هو خطاب للسادات لانه قال : ( { فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } ) [7] فلا يصلح لإيتاء الزكاة .

والثالث : أن يعارضه بغيره فيحتاج أن يجيب عنه بما يدل على انه لا يعارضه ، أو يرجح دليله على ما عارضه به . مثال ذلك أن يحتج على تحريم الجمع بين الأختين بملك

اليمين بقوله تعالى : ( { وان تجمعوا بين الأختين } ) [8] فيعارضه بقوله تعالى : ( { أو ما ملكت إيمانكم } ) [9] أو يعارضه بالسنة ويكون جواب المسؤول ما ذكرناه .

وإن كان دليله من السنّة فالاعتراض عليه من خمسة أوجه : أحدها : أن يطالبه بإسناد حديثه ، والثاني : أن يقدح في إسناده ، والثالث : أن يعترض على متنه ، والرابع : أن يدعي نسخه ، والخامس : أن يعارضه بخبر غيره .

فاما المطالبة بإسناده فهي صحيحة لانه لا حجة فيه إذا لم يثبت إسناده وقد جرت عادة المتأخرين من أهل العلم بترك المطالبة بالإسناد وهذا لا بأس به في الألفاظ المشهورة والأحاديث المحفوظة المتداولة بين الفقهاء ، فاما الغريب الشاذ فإنه تجب المطالبة بإسناده ، فإن قال المخالف : هذا الحديث ذكره محمد بن الحسن في الأصول أو رواه أبو يوسف في الأمالي ، لم يكن فيه حجة لأن أهل العراق يرون المراسيل والبلاغات ويحتجون بها ولا حجة فيها عندنا .

واما الاعتراض الثاني وهو القدح في الإسناد فمن وجوه : منها أن يكون الراوي غير عدل ، ومنها أن يكون مجهولاً ، ومنها أن يكون الحديث مرسلاً .

فأما الجواب عن عدم العدالة ، مثل أن يقول في الراوي ليس بثقة فهو أن السبب الموجب لذلك يجب أن يفسر فربما لم يكن إذا فسر يوجب إسقاط العدالة . والجواب عمن قال راوي خبرك مجهول هو أن من روى عنه رجلان عدلان خرج بذلك عن حد الجهالة على شرط أصحاب الحديث فيبين انه روى عنه رجلان عدلان . والجواب من قال الحديث مرسل بأن يبين اتصاله عن وجه يصح الاحتجاج به .

وأما الاعتراض الثالث وهو على المتن فمن وجوه : أحدها : أن يكون المتن جواباً عن سؤال والسؤال مستقل بنفسه فيدعي المخالف قصره على السؤال . والجواب عن ذلك أن الاعتبار بجواب النبي دون سؤال السائل وقد بينا هذا في موضعه ، ومن ذلك أن يكون الجواب غير مستقل بنفسه ويكون مقصوراً على السؤال ويكون السؤال عن فعل خاص يحتمل موضع الخلاف وغيره فيلزم السائل المسؤول التوقف فيه حتى يقوم الدليل على المراد به . مثال ذلك أن يحتج شافعي في وجوب الكفارة على قاتل العمد : بما أخبرنا أبو الفرج عبد السلام بن عبد الوهاب القرشي ، أخبرنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ، نا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا أبو مسهر ، حدثنا يحيى بن حمزة ، قال : حدثني إبراهيم بن أبي عبلة قال حدثني الغريف بن عياش عن فيروز الديلمي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ، قال : خرجنا مع رسول الله في غزاة تبوك فجاء ناس من بني سليم ، فقالوا يا رسول الله : ان صاحبا لنا قد أوجب فقال ﷺ : «اعتقوا عنه رقبة يفك الله بكل عضو منها عضواً من النار » .

( وأخبرنا ) القاضي أبو عمر الهاشمي ، حدثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي ، نا أبو داود ، نا عيسى بن محمد الرملي ، نا ضمرة عن ابن أبي عبلة عن الغريف عن الديلمي ، قال : أتينا واثلة بن الأسقع ، قال : أتينا رسول الله في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فذكر بقية الحديث .

فيقول المخالف يحتمل هذا القتل بالمثقل وشبه العمد فوجب التوقف فيه حتى يرد البيان ، ويكون الجواب عنه أن النبي أطلق الجواب ولم يستفصل فوجب أن يكون القتل الموجب للنار موجباً للرقبة على أي صفة كان .

ومن ذلك الحديث الذي أخبرناه القاضي أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي ، حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه ، نا محمد بن غالب ، نا أبو حذيفة ، أخبرنا سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك ، قال : أمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الإقامة .

إذا احتج به الشافعي على إيتار الإقامة فقال المخالف ليس فيه ذكر الآمر من هو ، ويحتمل أن يكون أمر به بعض أمراء بني أمية . فالجواب ان هذا خطأ ، لأنه لا يجوز أن يأمر بعض الأمراء بتغيير إقامة فعلها بلال بأمر النبي زماناً طويلاً وبين يدي أبي بكر وعمر ، على أن بلالاً لم يعش إلى ولاية بني أمية وإنما مات في خلافة عمر ، ولو أمر بلالاً آمر بتغيير الإقامة لم يقبل أمره ولو قبله بلال لم يرض بذلك سائر الصحابة .

وقد أخبرنا أبو بكر البرقاني ، قال : قرأنا على عمر بن نوح البجلي ، حدثكم الفريابي ، نا إبراهيم بن حجاج السامي ، نا وهب عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك ، قال : لما كثر الناس ذكروا شيئاً يعلمون به وقت الصلاة فقالوا : توروا ناراً أو تضربوا ناقوساً ، قال : فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة .

أورد البخاري محمد بن إسماعيل هذا الحديث في كتابه الصحيح . وذكر هذا السبب يدل على أن الآمر هو النبي إذ كان ذلك في صدر الإسلام .

وقد روي بلفظ صريح أن النبي أمر بلالاً أن يوتر الإقامة : أخبرنيه عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي ، نا علي بن عمر الختلي ، نا أبو حمزة أحمد بن عبد الله بن عمران المروذي ، نا أحمد بن سيار ، أخبرنا عبد الله بن عثمان عن خارجة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ، أن النبي أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة .

وأما الاعتراض الرابع وهو دعوى النسخ فمثاله ، ما أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن إسماعيل الداودي ، أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ ، نا عبد الله بن محمد وهو البغوي نا محمد بن زياد بن فروة ، نا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه رضي الله عنه قال : خرجنا وفداً إلى النبي حتى قدمنا عليه فبايعناه وصلينا معه ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال : يا رسول الله ، ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة ؟ فقال : «وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك » فقال أصحاب الشافعي هذا الحديث منسوخ بحديث أبي هريرة .

أخبرني أبو بكر محمد بن الفرج بن علي البزاز ، أخبرنا عبد العزيز بن جعفر الخرقي ، نا أحمد بن الحسن بن الجعد ، نا يعقوب بن حميد ، نا عبد الله بن نافع عن يزيد بن عبد الملك عن أبي موسى الخياط عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ، أن النبي : قال ﷺ : «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ » .

قال الشافعي : راوي هذا الحديث متأخر وهو أبو هريرة فإنه صحب رسول الله ثلاث سنين وقول النبي : «هل هو إلا بضعة منك » متقدم فإن قيس بن طلق روى عن أبيه ، قال : قدمت على رسول الله وهو يؤسس مسجد المدينة . فوجب أن ينسخ المتقدم بالمتأخر .

قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : وفي هذا القول عندي نظر لأن أبا هريرة يجوز أن يكون سمع الحديث الذي رواه من صحابي قديم الصحبة وأرسله عن النبي فيكون حديثه وحديث طلق متعارضين ليس أحدهما بناسخ للآخر فيحتاج إلى استعمال الترجيح فيهما والله أعلم .

وأما الاعتراض الخامس وهو معارضة الخبر بخبر غيره ، فيكون الجواب عنه بأن يسقط المسؤول معارضة السائل ، أو يرجح خبره . وقد ذكرنا ما ترجح به الأخبار في كتاب الكفاية .

فصل

وإن كان دليله الاجماع فإن الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه : أحدها أن يطالب بظهور القول لكل مجتهد من الصحابة . مثال ذلك : ما أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ، أخبرنا علي بن عبد العزيز ، نا أبو عبيد القاسم بن سلام ، حدثنا الأنصاري عن إسرائيل عن إبراهيم ابن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة ، أن بلالاً قال لعمر : ان عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج . فقال : لا تأخذوها منهم ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم الثمن .

فاحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على أن الخمر مال في حق أهل الذمة يصح بيعهم لها وتملكهم لثمنها ، فطالبهم أصحاب الشافعي بظهور هذا القول من عمر وانتشاره حتى عرفه كل مجتهد من الصحابة وسكت عن مخالفته ، وإذا لم يتمكنوا من ذلك بطل دعوى الإجماع فيه .

والاعتراض الثاني أن يبين ظهور خلاف بعض الصحابة وذلك مثل :

ما أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ، أخبرنا علي بن عمر الحافظ ، نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا سعيد بن يحيى الأموي ، نا أبي ، نا ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن أبي مليكة ، قال : سألت عبد الله بن الزبير عن الرجل يطلق امرأته فيبتها ثم يموت في عدتها ؟ فقال ابن الزبير : طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته تماضر بنت الاصبغ الكلبي ثم مات وهي في عدتها فورّثها عثمان .

فاحتج أصحاب أبي حنيفة بأن الصحابة أجمعت على توريث تماضر وهي مبتوتة في المرض ، فقال أصحاب الشافعي : قد خالف عبد الله بن الزبير عثمان بن عفان فروى الشافعي عن ابن أبي رواد ومسلم ابن خالد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير ، انه قال : طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته تماضر في مرض موته ومات وهي في العدة فورّثها عثمان ، قال ابن الزبير : وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة .

قال الشيخ الإمام أبو بكر صان الله قدره : وحديث الشافعي هذا قد ذكرناه بإسناده في كتاب الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ، قال ابن الزبير : واما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة .

والاعتراض الثالث أن يعترض على قول المجمعين إن لم يكونوا صرحوا بالحكم بمثل ما يعترض على لفظ السنّة .

فصل

وإن كان دليله الذي احتج به هو القياس فإن الاعتراض عليه من وجوه : أحدها : أن يكون مخالفاً لنص القرآن ، أو نص السنّة ، أو الإجماع ، وإذا كان كذلك فإنه قياس غير صحيح لأن ما ذكرناه أقوى من القياس وأولى منه فوجب تقديمها عليه .

ومنها : أن تكون العلة منضوية لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض وأكثره فيدل ذلك على فسادها .

ومنها : إنكار العلة في الأصل وفي الفرع ، مثل قول أصحاب أبي حنيفة : إذا لم يصم المتمتع في الحج سقط الصوم ، لأنه بدل موقت فوجب أن يسقط بفوات وقته ، أصل ذلك صلاة الجمعة وعلة الأصل غير مسلمة لأن الجمعة ليست ببدل عن الظهر ، وإنما الظهر بدل عن الجمعة ، وكذلك علة الفرع غير مسلمة لأن صوم الثلاثة الأيام في الحج بدل غير موقت لأنه مأمور في الحج دون الزمان ، والموقت ما خص فعله بوقت يعينه .

ومنها : أن يعارض النطق بالنطق مثل أن يحتج عى المنع من الجمع بين الأختين بملك اليمين بقول الله تعالى : ( { وإن تجمعوا بين الأختين } ) [10] فيعارضه المخالف بقوله تعالى : ( { أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ) [11]

فيقول المسؤول ؛ معناه أو ما ملكت إيمانهم في غير الجمع بين الأختين ، فيقول السائل : معنى قوله : ( { وأن تجمعوا بين الأختين } ) في غير ملك اليمين فيحتاج المسؤول إلى ترجيح استعماله وتقديمه على استعمال خصمه ، فإن عجز عن ذلك كان منقطعاً . ووجه الترجيح أن يقول : روي عن علي بن أبي طالب انه قال : حرمتهما آية وأحلتهما آية والتحريم أولى : ولأن قوله : ( { وأن تجمعوا بين الأختين } ) قصد به بيان التحريم وليس كذلك قوله تعالى : ( { أو ما ملكت إيمانهم } ) فإنه قصد به مدح قوم فكان ما قصد به التحريم ، وبيان الحكم أولى بالتقديم ويجب حمله على ظاهره وترتب الآية الأخرى عليه .

وللاعتراضات على القياس وجوه كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكرناه .

أخبرنا أحمد بن أبي جعفر وعلي بن أبي علي ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز البرذعي ، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، نا الربيع بن سليمان ، قال : سمعت الشافعي يقول : قال ربيعة يعني ابن أبي عبد الرحمن من أفطر يوماً من شهر رمضان قضى اثني عشر يوماً لأن الله سبحانه وتعالى اختار شهر رمضان من اثني عشر شهراً ، قال الشافعي : يقال له قال الله تعالى : ( { ليلة القدر خير من ألف شهر } ) [12] فمن ترك الصلاة ليلة القدر وجب عليه أن يصلي ألف شهر على قياس قوله . وهذه فصول منثورة لها أمثلة في القرآن يحتاج إلى معرفتها أهل النظر .

فصل

يجوز للسائل أن يسأل الخصم فيقول : له ما تقول في كذا ؟ ويفوض الجواب إليه وان كان عالماً بجوابه . قال الله تعالى مخبراً عن إبراهيم عليه السلام : ( { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون قالوا نعبد أصناماً } ) [13] وذلك معلوم له من جوابهم وهذا يسمى سؤال التفويض ، ولو سأل سؤال حجة فقال لم عبدتم الأصنام ؟ أو لم قلتم انها تعبد ؟ لعلمه بقولهم انه كذلك جاز ، قال الله تعالى : ( { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } ) [14] .

فصل

إذا ذكر المجادل جواب أقسام قسمها أو لزم أسئلة سئلها فليس عليه أن يرتب جوابه بل يجوز أن يذكر جواب سؤال متقدم أو متأخر ويأتي بالآخر من غير ترتيب قال الله تعالى : ( { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ) [15] فقسم الوجوه قسمين بدأ منها بذكر المبيضة وجوههم ثم ذكر أولاً حكم القسم الثاني فقال : ( { فأما الذين اسودت وجوههم } ) [16] .

فصل

التقسيم على ضربين كلاهما جائز أحدهما : أن يقسم المقسم حال الشيء فيذكر جميع أقسامه ثم يرجع فيذكر حكم كل قسم كما فعلنا في تقسيم الأسئلة والجوابات ووصف وجوه المطاعن والمعارضات . والضرب الثاني : أن يذكر قسماً ثم يذكر حكمة ثم يذكر القسم الآخر ثم يذكر حكمه . وقد ورد القرآن بالجميع قال الله تعالى : ( { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ) [17] ففرغ من ذكر القسمين ثم رجع فذكر حكم كل واحد منهما ، وقال في القارعة : ( { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية } ) [18] فذكر القسم وحكمه ثم ذكر القسم الآخر وحكمه فقال : ( { وأما من خفت موازينه فأمه هاوية } ) [19] .

فصل

قد يعبر السائل عن المسألة بالاسم الذي تعرف به المسألة ولا يكون ذلك تسليماً منه للاسم فيها .

سأل حنفياً فقال : لم قلت أن الطهارة بغير نية تصح ؟ فليس للحنفي أن يقول قد سلمت لي انها طهارة في لفظ سؤالك ، ومسألتك عن بطلانها بفقد النية دعوى ، فقد سقط عني إقامة الحجة في كونها طهارة ، فإن قال ذلك فللسائل أن يقول : انا لم أسلم انها طهارة ولكن تقدير سؤالي : هذه التي تقول أنت انها طهارة لم زعمت انها تصح بغير نية ؟ فلا تؤاخذني بلفظ انا مفتقر إليه في تعريفك المسألة . وبهذه العبارة تتعين ، وقد ورد القرآن بذلك قال الله تعالى مخبراً عن فرعون انه قال : ( { ان رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } ) [20] فلم يقل له موسى قد اعترفت بأني رسول إليهم وادعيت إني مجنون فلا يقبل ذلك منك وقد سقط عني قيام الدلالة على رسالتي بتسميتك إني رسول إليهم وتقديره أن الذي يقول إني أرسلت إليكم .

فصل

يجوز لمن طولب بمقدمة في كلامه أن يشترط على من طالبه بها الالتزام لما تقتضيه المقدمة والعمل بحكمها والوفاء بمقتضاها . قال الله تعالى : ( { إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ) [21] إلى أن قال : ( { قال الله إني منزلها عليكم } ) [22] الآية ، أي وقد وعدتم إني إذا أنزلتها اطمأنت قلوبكم وعلمت إنكم قد صدقتم وتكونوا عليها من الشاهدين فاعلموا إني إذا أنزلتها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين .

فصل

يجوز للمتكلم تقديم علة الحكم ثم يعقب ذلك بالحكم ، ويجوز أن يقدم الحكم ثم يذكر علته قال الله تعالى : ( { يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } ) [23] فقدم لعلة قبل الفتوى بحكم ما سئل عنه ، وقدم الحكم في موضع آخر فقال : ( { فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة } ) [24] ثم علل فقال : ( { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } ) [25] .

فصل

يجوز للمتكلم إذا عين في نوبة من كلامه شيئاً ثم أعاد النوبة أن يعيد ما كان عينه بلفظ مبهم قال الله تعالى : ( { ألا عجوزاً في الغابرين } ) [26] ولم يعين من هي العجوز وذلك بعدما عينها في قوله : ( { انا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين } ) [27] .

فصل

يجوز للمتكلم إذا عادت نوبته في النظر واقتضى الكلام إعادة مثل ما تقدم أن يقول لخصمه ؛ هذا قد تكلمت به أولا وقد تقدم جوابي عنه فأغنى عن إعادته طلباً للتخفيف . وقال الله تعالى : ( { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } ) [28] ولم يعده إكتفاءاً بما تقدم .

فصل

كثيراً يجري من المناظر في حال الكلام واشتداد الخاطر إذا وثق بما يقول أن يحلف عليه فيقول : والله انه لصحيح ، فيقول له الخصم : ليس في يدك حجة وهذا شيء لا يجيء بالأَيْمان وخصمك أيضاً يحلف على ضد ما تقول ؟ فجوابه أن يقول : ما حلفت ليلزمك يميني حجة ، ولا أردت ذلك ولكن أردت أن أعلمك ثقتي بما أقوله ، وسكون نفسي إليه ، وتصوري له على حد التصديق وليس ذلك بمنكر .

قال الله تعالى : ( { فورب السماء والأرض انه لحق } ) [29] وقال : ( { فوربك لنسألنهم أجمعين } ) [30] ولا يجوز أن يقال هذا القسم من الله لا فائدة فيه ، لأن اليمين في ذلك وإن كان لا يخصم به الملحد فإنها تضعف نفسه وتقوي نفس الموافق .

وقد جاء مثله عن علي بن أبي طالب فيما أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ، نا أبو عبد الله محمد بن يحيى هو الذهلي نا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش ، قال : سمعت عليّاً يقول : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انه لعهد النبي الأمي إلي انه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق .

فصل

قد يشبِّه الخصم لخصمه الحق عنده بما هو حق عنده أيضاً فيقول هذا عندي مثل أن الشمس طالعة أو هذا واجب كوجوب الصلوات الخمس قال الله تعالى : ( { فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما انكم تنطقون } ) [31] وليس هذا مثال حجاج ، وإنما هو مثال تشبيه أي ان حكم هذا عندي في الوضوح والصحة حكم ما تشاهدون من نطقكم .

فصل

قد يمثل الخصم لخصمه قوله بقول باطل عنده ليعلم خصمه بطلان قوله كبطلان ما مثله به قال الله تعالى : ( { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } ) [32] وتقديره إنكم في أياسكم من الآخرة كما يئس الكفار من الموتى وهما في البطلان سواء .

فصل

إذا اعترض أحد الخصمين على الآخر بشيء يخالف أصله فله أن يرده بأصله ، وله أن يرده بمعنى نظري أو فقهي قال الله تعالى : ( { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ) [33] فأخبر الله تعالى بقول السفهاء وهم سفهاء قريش ، وقيل : اليهود وإنهم سألوا عن علة ذلك فأجابهم بما بنى عليه أفعاله من كونه مالكاً غير مُمَلَّكٍ أو غير مأمور لا يدخل تحت رسم وحدٍّ ، ولا يسأل عما يفعل لأنه إنما يسأل عن فعله من هو تحت حد أو رسم ، فكأنه تعالى قال : إذا كنت مالك الشرق والغرب أتصرف في ملكي فما موضع المسألة : لم نقلت عبيدي ، وهذا هو الجواب النظري رده بأصله وموجب قاعدة أمره ، فسقط السؤال ولم يلزمه أن يبين لم فعل ذلك . ثم لما ثبت ذلك أجاب بجواب فقهي عن المسألة فقال : وقل لهم أيضاً : ( { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ) [34] يقول الله تعالى ، إنما أمرتك أن تصلي إلى بيت المقدس ، ليصلوا معك على ما ألفوه من الصلاة إلى بيت المقدس ثم نقلتك إلى الكعبة لتعلم أنت وتخبر من صلى معك إلى بيت المقدس تبعاً لك وطاعة لأمرك وقبولاً منك فإنه ينتقل معك لما التزمه من الطاعة . ومن صلى إلى بيت المقدس لكونه شريعة له لا لطاعتك ، فإنه لا يتحول معك بل يقيم على الصلاة إلى بيت المقدس فتعلم أنت انه منقلب على عقبيه وينكشف لك انه لم يكن مطيعاً لك ولا تابعاً . فبين علة الجواب وعلة التحويل .

ثم أجاب بجواب آخر وهو انه ذكر جواز النسخ في القبلة وغيرها فقال : ( { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } ) [35] يقول وإن كان انتقالهم من المنسوخ إلى الناسخ ثقيلاً عليهم شاقاً في ترك المألوف المعتاد الذي قد نشأوا عليه إلى ما لم يألفوه .

وهذا أحد العلل في جواز النسخ على من أنكره ، فهذه أجوبة سؤالهم وقد بينا موضعها من النظر . وأفضل النظار وأقدرهم من أجاب عن السؤال بجواب نظري يحرس به قوانين النظر وقواعده ، ثم يجيب بجواب يبين فيه فقه المسألة .

فصل

القلب على الخصم والمعارضة والنقض كل ذلك صحيح في النظر . قال الله سبحانه وتعالى حاكياً عن قول المنافقين : ( { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } ) [36] فأجابهم بما قلبه عليهم في أنفسهم ، وإن جعلته نقضاً صح ، وان جعلته معارضاً معارضة صح ، ولكل واحد وجه فقال : ( { قل فادرؤا عن أنفسكم الموت ان كنتم صادقين } ) [37] يقول : إذا زعمتم ان من خرج معي فقتل لو كان عندكم ما قتل وكان ذلك دافعاً لقضائي فيهم فادفعوا عن أنفسكم ما قضيته من الموت ان كنتم صادقين .

فصل

السكوت عن الجواب من أقسام الانقطاع قال الله تعالى : ( { فبهت الذي كفر } ) [38] وأقسام الانقطاع سبعة : هذا أحدها . والثاني : أن يعلل ولا يجدي . والثالث : أن ينقض ببعض كلامه بعضاً . والرابع : أن يؤدي كلامه إلى المحال . والخامس : أن ينتقل من دليل إلى دليل . والسادس : أن يسأل عن الشيء فيجيب عن غيره . والسابع : أن يقول قولاً فيلزم أن يقول بمثله فلا يركب ما طولب به ولا يأتي بالفصل .

أخبرنا الحسن بن أبي طالب ، أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران ، نا صالح بن محمد ، قال : حدثني أخي صدقة بن محمد ، قال : قال لي أبو محمد عبد الله بن محمد الزهري ، قال المأمون : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة . لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء .

قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : فينبغي لمن لزمته الحجة ووضحت له الدلالة أن ينقاد لها ، ويصير إلى موجباتها لأن المقصود من النظر والجدل طلب الحق واتباع تكاليف الشرع قال الله تعالى : ( { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } ) [39] .

أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن ابن الحسين ابن محمد بن رامين الاستراباذي ، نا عبد الرحمن ابن محمد بن جعفر الجرجاني ، نا أبو العباس السراج ، قال : سمعت عبيد الله بن سعيد يقول سمعت عبد الرحمن يعني ابن مهدي يقول : قال عبد الواحد بن زياد : قلت لزفر ، صرتم حديثاً في الناس وضحكة ، قال : وما ذاك ؟ قلت تقولون في الأشياء كلها : إدرؤا الحدود بالشبهات ، ادرؤا الحدود بالشبهات ، فصرتم إلى أعظم الحدود فقلتم يقام بالشبهات ، قال : وما ذاك ؟ قلت : قال رسول الله ﷺ : « لا يقتل مؤمن بكافر » ، وقلتم يقتل به ، قال : إني أشهدك إني قد رجعت عنه الساعة .

قلت : كان زفر بن الهذيل من أفاضل أصحاب أبي حنيفة فلما حاجه عبد الواحد في مناظرته وفت في عضده بحجته ، أشهده على رجعته خيفة من مدَّع يدعي ثباته على قوله الذي سبق منه بعد أن تبين له انه زلة وخطأ ، فكذلك يجب على كل من احتج عليه بالحق أن يقبله ، ويسلم له ، ولا يحمله اللجاج والمراء على التقحم في الباطل مع علمه به قال الله تعالى : ( { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ) [40] .

أنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال ، نا أحمد بن محمد بن عمران ، أخبرنا محمد بن يحيى ، نا عون بن محمد ، نا العباس بن رستم ، قال : كان المأمون يقول : إذا وضحت الحجة ثقل على الأسماع استماع المنازعة فيها .

أخبرني أبو عبد الله محمد بن الحسين بن موسى الكازروني بنيسابور ، قال : أنشدنا أبو عامر الفسوي ، قال : أنشدنا أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد القومسي ، لأبي سعد بن دوست :

ومخالف للحق غير مخالف...... للصدق عند تناظر وحجاج

ترك الحجاج إلى اللجاج فقلت يا .......طرد الدجاج ومنزل الحجاج

باب الكلام في أقوال المجتهدين وهل الحق في واحد أو كل مجتهد مصيب

إذا اختلف المجتهدون من العلماء في مسألة على قولين أو أكثر ، فقد ذكر عن أبي حنيفة انه قال : كل مجتهد مصيب والحق ما غلب على ظن المجتهد . وهو ظاهر مذهب مالك بن أنس وذكر عن الشافعي ان له في ذلك قولين : أحدهما : مثل هذا ، والثاني : إن الحق في واحد من الأقوال وما سواه باطل . وقيل : ليس للشافعي في ذلك إلا قول واحد وهو أن الحق في واحد من أقوال المختلفين وما عداه خطأ إلا أن الاثم موضوع عن المخطيء فيه . وروي عن عبد الله بن المبارك مثل هذا .

أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتوثي ، أخبرنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن يوسف المروذي ، نا علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سألت عبد الله يعني ابن المبارك عن اختلاف أصحاب محمد كله صواب ؟ فقال : الصواب واحد والخطأ موضوع عن القوم أرجو . قلت : فمن أخذ بقول من الأقاويل فهو أيضاً موضوع عنه ؟ قال : نعم ، إلا أن يكون رجل اختار قولاً حتماً ثم نزل به شيء فتحول منه إلى غيره ترخصاً للشيء الذي نزله به .

وحكى أبو إبراهيم المزني ان هذا مذهب مالك بن أنس والليث بن سعد . واحتج من نصر القول الأول وإن كل مجتهد مصيب بأن الصحابة اجتهدوا واختلفوا وأقر بعضهم بعضاً على قوله وسوغ له أن يعمل به وإن كان مخالفاً لقوله ومؤدى اجتهاده ، وسوغوا للعامة أن يقلدوا من شاؤا منهم .

حتى قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فيما أخبرنا محمد بن عبد الله الحنائي والحسن بن أبي بكر ، قال محمد : أخبرنا ، وقال الحسن ، نا علي بن محمد بن الزبير الكوفي ، نا الحسن بن علي بن عفان ، نا جعفر بن عون ، أخبرنا أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد ، قال : كان اختلاف أصحاب رسول الله مما نفع الله به ، فما عملت منه من عمل لم يدخل نفسك منه شيء .

وقال عمر بن عبد العزيز فيما أخبرنا عبد الملك بن محمد الواعظ ، أخبرنا دعلج بن أحمد نا يوسف القاضي ، نا عمرو بن مرزوق ، نا عمران القطان عن مطر الوراق عن عمر بن عبد العزيز ، قال : ما يسرني أن أصحاب محمد لم يختلفوا . ( وأخبرنا ) محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، نا حنبل بن إسحق ، حدثني أبو عبد الله ، نا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول : ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي ، نا معاذ بن المثنى ، نا مسدد ، قال نا عيسى بن يونس ، نا إسماعيل بن عبد الملك عن عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : قال لي عمر بن عبد العزيز : ما يسرني باختلاف أصحاب محمد حمر النعم لانا أن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا وان أخذنا بقول هؤلاء أصبنا .

قالوا : ولا يجوز أن يجمعوا على اقرار الخاطيء على خطئه ، والرضا بالعمل به ، والاذن في تقليده .

وأيضاً فإن الله تعالى لو عين حكماً من بعض ما اختلف فيه ونصب عليه دليلاً وجعل إليه طريقاً وكلف أهل العلم إصابته لوجب أن يكون المصيب عالماً به قاطعاً بخطأ من خالفه ، ويكون المخالف آثماً فاسقاً ، ووجب نقض حكمه إذا حكم به ، ويكون بمنزلة من خالف دليل مسائل الأصول من الرؤية والصفات والقدر وما أشبه ذلك ، وبمنزلة من خالف النص ولما اجتمعنا على أن المخالف لا يقطع على خطئه ولا اثم عليه فيه ولا ينقض حكمه إذا حكم به دل ذلك على أن كل مجتهد مصيب . ولأن العامي إذا نزلت به نازلة كان له أن يسأل عنها من شاء من العلماء وإن كانوا مختلفين ، فدل على أن جميعهم على الصواب .

واحتج من قال أن الحق في واحد وإليه يذهب بقول الله سبحانه وتعالى : ( { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } ) [41] إلى قوله : ( { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما }) [42] فأخبر أن سليمان هو المصيب وحمده على إصابته ، وأثنى على داود في اجتهاده ولم يذمه على خطئه وهذا نص في إبطال قول من قال إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذموماً .

ويدل عليه أيضاً قول النبي المشهور : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » وقد سقنا هذا الحديث بإسناده فيما تقدم وفيه دليل على أن المجتهد بين الإصابة والخطأ .

وأخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ، نا يونس بن حبيب ، نا أبو داود نا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله : « يا عبد الله أتدري أي الناس أعلم » ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « فإن أعلم الناس أعلمهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً في العمل وإن كان يزحف على أسته » .

أخبرني الحسن بن علي بن محمد الواعظ ، حدثنا عمر بن أحمد المروروذي ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، نا موسى بن عامر بن خريم ، نا الوليد يعني ابن مسلم نا بكير بن معروف ، نا مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده عبد الله بن مسعود ، قال : قال لي رسول الله : ﷺ : « هل تدري أي المؤمنين أعلم » ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . ﷺ قال : « إذا اختلفوا وشبك رسول الله بين أصابعه أبصرهم بالحق وإن كان في علمه تقصير وإن كان يزحف على استه زحفاً » .

فقد نص رسول الله على أن الحق يصيبه بالعلم بعض أهل الاختلاف ومنع أن يصيبه جميعهم مع اختلافهم . ويدل على ذلك أيضاً إنهم إذا اختلفوا على قولين متضادين مثل تحليل وتحريم ، وتصحيح وافساد ، وإيحاب واسقاط ، فلا تخلو من أحد ثلاثة أقسام : اما أن يكون القولان فاسدين ، أو صحيحين ، أو أحدهما فاسداً والآخر صحيحاً .

فلا يجوز أن يكونا فاسدين لأنه يؤدي إلى اجتماع الأمة على الخطأ ، ولا يجوز أن يكونا صحيحين لأنهما متضادان فيمتنع أن يكون الشيء الواحد حراماً حلالاً ، وواجباً غير واجب ، وصحيحاً باطلاً . وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن أحدهما صحيح والآخر فاسد فإن قال المخالف هما صحيحان ولا يؤدي إلى التضاد ولا تستحيل صحتهما إلا أن ذلك إنما يستحيل على شخص واحد في وقت واحد ، وإما على شخصين أو فريقين فإن ذلك لا يستحيل ، كما ورد الشرع بإيجاب الصلاة على الطاهر وإسقاطها عن الحائض ، ووجوب إتمام الصلاة على المقيم ، والرخصة في القصر للمسافر .

وعندنا إن كل واحد من المجتهدين يلزمه ما أدى إليه اجتهاده ، فيحرم النبيذ على من أدى اجتهاده إلى تحريمه ، ويحل لمن أدى اجتهاده إلى تحليله ، وتجب النية للوضوء على من أدى اجتهاده إلى وجوبها ، وتسقط عمن أدى اجتهاده إلى سقوطها ، ويصح النكاح بلا ولي في حق من أدى اجتهاده إلى صحته ، ويفسد في حق من أدى اجتهاده إلى فساده . وإذا كان كذلك لم يكن فيه تضاد .

والجواب : أن هذا خطأ لأن الأدلة إذا كانت عامة لم يجز أن يكون مدلولها خاصاً ، والدلالة الدالة على كل واحد منها عامة في الجميع فلا يجوز أن يكون حكمها خاصاً . وإذا كانت الأحكام عامة ثبت التضاد .

وأيضاً فإنه يلزم من يذهب إلى أن كل مجتهد مصيب إذا أداه اجتهاده إلى شيء ، وغيره من المجتهدين على ضد قوله في ذلك الشيء ، أن يكون مخيراً فيهما ، كالذي تلزمه كفارة يمين لما كانت الحقوق البينة متساوية في كونها مما يجوز التكفير بها والكل مراد ، كان مخيراً فيها ، فلما لزم المجتهد أن يعمل بما يؤدي اجتهاده إليه دون ما خالفه من اجتهاد غيره بدا أن الحق في واحد من القولين .

ودليل آخر يدل على أن ليس كل مجتهد بمصيب ، وهو أنا وجدنا أهل العلم في كل عصر يتناظرون ويتباحثون ، ويحتج بعضهم على بعض ، ولو كان كل واحد منهم مصيباً كانت المناظرة خطأ ولغواً لا فائدة فيها .

فإن قال المخالف : إنما يناظر أحد الخصمين الآخر حتى يغلب على ظنه ما أدى اجتهاده إليه فيرجع إلى قوله . فالجواب : انه لا فائدة في رجوعه من حق إلى حق ، وكونه على ما هو عليه وانتقاله إلى ظن آخر سواء لا فرق بينهما ، وتحمل التعب الكلفة والتنازع والتخاصم لما ذكره المخالف ليس من فعل العقلاء ، وقد وجدنا الأمة متفقة على حسن المناظرة في هذه المسائل وعقد المجالس بسببها فسقط ما قاله .

وأما الجواب عما احتج به من إجماع الصحابة فهو أن يقال له : أقلت هذا نصاً أو استدلالاً ؟ فإن قال : نصاً ، لم يجد إليه طريقاً لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه قال لصاحبه : أقررتك على خلافك ، وأجزت لك أن تعمل به ، وسوغت للعامة أن يقلدوك . وإن قال : استدلالاً ، طولب به . فإن قال : لو كان المخالف مخطئاً لقاتلوه ، قيل : ليس في ذلك قتال لأن الخاطىء فيه معذور ، وله على قصد الصواب أجر ، وقد ورد الشرع بذلك كما ورد بالعفو عن الناسي فإذا كان كذلك لم يجز قتاله ولا تأثيمه .

فإن قال لم ينقل إن بعضهم خطأ بعضاً ولو كان أحد القولين خطأ والآخر صواباً لوجب أن يخطّىء من أصاب الحق من لم يصبه ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه لم يخطئه . فالجواب انه قد نقل ذلك عن غير واحد منهم .

فأخبرنا أبو الحسين أحمد بن عمر بن علي القاضي بأذربيجان ، قال : أخبرنا محمد بن المظفر ، قال : أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي ، قال : حدثنا عبد السلام بن عبد الحميد الإمام ، قال : نا زهير عن الحسن بن دينار عن الحسن ، قال : بلغ عمر بن الخطاب ان امرأة اتخذت عبدها الرجل يعني فأرسل إليها قال : وكان عمر رجلاً مهيباً فلما جاءها الرسول قالت : يا ويلها ما لها ولعمر يا ويحها ما لها ولعمر ، فخرجت فضربها المخاض ، فمرت بنسوة فعرفن الذي بها ، فقذفت بغلام فصاح صيحة ثم طفي ، فبلغ ذلك عمر فجمع المهاجرين والأنصار فاستشارهم ، وفي آخر القوم رجل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إنما كنت مؤدباً وإنما أنت راع ، قال : ما تقول أنت يا فلان ؟ قال : أقول إن كان القوم تابعوه على هواك فوالله ما نصحوا لك ، وأن يكونوا اجتهدوا آراءهم فوالله لقد أخطأ رأيهم غرمت يا أمير المؤمنين ، قال فعزمت عليك لما قدمت فقسمتها على قومك ، قال : فقيل للحسن : من الرجل ؟ قال : علي .

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، نا عبد الرزاق ، نا معمر عن ابن طاووس ، قال : أخبرني انه سمع ابن عباس يقول : وددت أن هؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ( وأخبرنا ) محمد بن أحمد بن رزق ، أخبرنا إسماعيل بن علي ، نا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي نا يعقوب ، نا أبي عن ابن إسحاق ، قال : حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول إذا ذكر عول الفرائض : أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً أجعل في مال قسمه نصفاً ونصفاً وثلثاً ؟ هذا النصف والنصف قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ؟ قال عطاء فقلت له يا أبا عباس ان هذا لا يغني عني ولا عنك شيئاً لو مِتُ أو مُتَ قسم ميراثنا على ما عليه القوم من خلاف رأيك . قال : فإن شاؤا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ما جعل الله في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً .

أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن إبراهيم الصيدلاني بأصبهان ، أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني ، نا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، أخبرنا عبد الزراق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال : أتي عبد الله بن مسعود فسئل عن رجل تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسها حتى مات ؟ فردهم ثم قال : أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني .

أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، نا يعقوب بن سفيان ، نا الحجاج وهو ابن منهال نا حماد ، أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي ، قال : اجتمع رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن ، قال : ثم رأيت بعد أن تباع في دين سيدها وأن تعتق من نصيب ولدها . فقلت : رأيك ورأي الجماعة أحب إلي من رأيك في الفرقة .

ولم ينكر على عبيدة هذا القول . واما الجواب عما احتج به من العلم بإصابته ، والقطع على خطإ مخالفة وتأثيمه ومنعه من الحكم باجتهاده ، ونقض حكمه ، ومنع العامي من تقليده فهو أنا نعلم إصابتنا للحق ، ونقطع بخطإ من خالفنا فيه ، ونمنعه من الحكم باجتهاده المخالف للحق .

فأما علمنا بإصابتنا للحق ، فهو لأن أحد الحكمين يتميز عن الآخر بالتأثير الموجب للعلم أوبكثرة الأصول المقتضية للظن وتمييز أحد الحكمين غن الآخر معلوم للمجتهد . فإذا كان كذلك كانت الإصابة معلومة ، وإذا علمت الإصابة فقد علم خطأ من خالفها .

وأما التأثيم فلا يجوز لأن الشرع ورد بالعفو عنه ، وإثابته على قصده ونيته ، والوعد والوعيد ، والعفو والتأثيم طريقه الشرع ، وقد ورد الشرع بالعفو عن خطئه كما ورد بالعفو عن الخاطيء . والناسي والمكره ، يدل عليه قول الله تعالى : ( { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } ) [43] إلى قوله تعالى : ( { ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً } ) [44] فأثنى عليهما جميعاً ، وأخبر بإصابة سليمان ولم يؤثم داود ، وكذا قال النبي إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر . فجعل له أجر اجتهاده ، ولم يؤثمه مع خطئه .

وأما منعه من العمل بما أدى اجتهاده إليه فلا شك فيه ، لأنا نقول إذا عمل به هو فاسد ولهذا نقول : إذا تزوج بغير ولي أنه نكاح فاسد ، وإذا شرب النبيذ انه شرب حراماً ، وما أشبه ذلك .

وأما حكم الحاكم فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا ينقض إذا لم يكن مخالفاً لنص ، أو إجماع ، أو قياس معلوم ، والمنع من نقضه لا يدل على انه كان له أن يحكم به لانه لا يمتنع أن يكون ممنوعاً من الحكم ، فإذا حكم به وقع موقع الصحيح الجائز كما نقول في البيع في حال النداء للجمعة ، والصلاة في الدار المغصوبة والطلاق في حال الحيض .

فإن قيل : مثل هذا لا يمتنع لكن ما الذي يدل عليه ؟ فالجواب عنه : ان الدليل ما ذكرناه من إجماع الأمة على أنه لايجوز نقضه . ولأن في نقض الحكم فساداً لكونه ذريعة إلى تسليط الحكام بعضهم على بعض ، فلا يشاء حاكم يكون في قلبه من حاكم شيء الا تعقب حكمه بنقض فلا يستقر حكمه ، ولا يصح لأحد ملك ، وفي ذلك فساد عظيم ، وإذا كان كذلك ثبت ما ذكرناه من هذين الطريقين .

وأما الجواب عن تقليد العامي ، فهو أن فرضه تقليد من هو من أهل الاجتهاد وقال أبو علي الطبري : فرضه اتباع عالمه بشرط أن يكون عالمه مصيباً كما يتبع عالمه بشرط أن لا يكون مخالفاً للنص .

وقد قيل ان العامي يقلد أوثق المجتهدين في نفسه ، ولا يكلف أكثر من ذلك لأنه لا سبيل له إلى معرفة الحق والوقوف على طريقه ، وكل واحد من المجتهدين يقينه بما أدى إليه اجتهاده فيؤدي ذلك إلى حيرة العامي فجعل له أن يقلد أوثقهما في نفسه ، ويخالف المجتهد لانه يتمكن من موافقته على طريق الحق ومناظرته فيه .

باب الكلام في التقليد وما يسوغ منه وما لا يسوغ

قد ذكرنا الأدلة التي يرجع إليها المجتهد في معرفة الأحكام وبقي الكلام في بيان ما يرجع إليه العامي في العمل وهو التقليد . وجملته أن التقليد هو قبول القول من غير دليل ، والأحكام على ضربين : عقلي ، وشرعي . فأما العقلي : فلا يجوز فيه التقليد كمعرفة الصانع تعالى وصفاته ومعرفة الرسول وصدقه ، وغير ذلك من الأحكام والعقاب .

وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري ، أنه قال : يجوز التقليد في أصول الدين . وهذا خطأ لقول الله تعالى : ( { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون } ) [45] وقال الله : ( { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } ) [46] وقال تعالى : ( { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } ) [47]

فمن منعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الأهدى فقالوا : ( { إنا بما أرسلتم به كافرون } ) [48] وقال تعالى : ( { واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } ) [49] فتركوا جواب المسألة لانقطاعهم عنه وكشفت المسألة عن عوار مذهبهم فذكروا ما لم يسألهم عنه من فعل آبائهم وتقليدهم إياهم . وقال تعالى : ( { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ) [50] وقال تعالى : ( { إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ) [51] .

أخبرنا عبد الملك بن محمد بن الواعظ ، أخبرنا عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ، نا علي بن عبد العزيز ، نا محمد بن سعيد الأصبهاني ، نا عبد السلام ، نا غطيف بن أعين المحاربي عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب قال فقال لي : ﷺ : « يا ابن حاتم الق هذا الوثن من عنقك » . قال : فألقيته قال : ثم افتتح بسورة براءة فقرأ حتى بلغ إلى قوله تعالى : ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ) [52] قال قلت يا رسول الله : ما كنا نعبدهم . فقال النبي : ﷺ : « أليس كانوا يحلون لكم الحرام فتستحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه » ؟ قال : قلت : بلى ، قال :ﷺ : « فتلك عبادتهم » .

أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، نا بشر بن موسى ، نا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري ، قال : سئل حذيفة عن هذه الآية : ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ) أكانوا يعبدونهم ؟ قال : كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيحلونه ، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه .

أخبرنا أخبرنا أحمد بن عبد الواحد الدمشقي ، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان ابن الوليد السلمي ، أخبرنا محمد بن يوسف بن بشر الهروي ، وأخبرنا محمد بن حماد الطهراني ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري ، قال : سأل رجل حذيفة ، فقال : يا أبا عبد الله أرأيت قول الله تعالى : ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ) أكانوا يعبدونهم ؟ قال لا ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه ، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه .

أخبرنا أبو الحسين محمد بن مكي بن عثمان الأسدي المصري بصور ، قال : أخبرنا أبو سلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب ، قال : أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد أخو زيد ، قال : نا أبو هشام الرفاعي ، قال : نا ابن فضيل ، قال : نا عطاء عن أبي البختري : ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } ) قال : أطاعوهم فيما أمروهم به من تحليل حرام وتحريم حلال ، عبدوهم بذلك .

أنا إبراهيم بن مخلد بن جعفر المعدل ، نا أحمد بن كامل القاضي ، نا أبو جعفر : محمد بن جرير الطبري ، حدثني أحمد بن الوليد ، نا عبد الله بن داود ، قال : ذكر الأعمش ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : قال عبد الله :' لا يقلدن رجل دينه رجل ، إن آمن آمن ، وإن كفر كفر ' .

قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : ولأن طريق الأصول التي ذكرناها العقل ، والناس كلهم يشتركون في العقل فلا معنى للتقليد فيه .

واما الأحكام الشرعية فضربان : أحدهما يعلم ضرورة من دين الرسول كالصلوات الخمس والزكوات ، وصوم شهر رمضان ، والحج ، وتحريم الزنا وشرب الخمر ، وما أشبه ذلك . فهذا لا يجوز التقليد فيه لأن الناس كلهم يشتركون في ادراكه والعلم به فلا معنى للتقليد فيه

وضرب آخر لا يعلم إلا بالنظر والاستدلال كفروع العبادات ، والمعاملات ، والفروج ، والمناكحات ، وغير ذلك من الأحكام ، فهذا يسوغ فيه التقليد بدليل قول الله تعالى : ( { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ) [53] ولأنا لو منعنا التقليد في هذه المسائل التي هي من فروع الدين لاحتاج كل أحد أن يتعلم ذلك ، وفي إيجاب ذلك قطع عن المعائش ، وهلاك الحرث والماشية فوجب أن يسقط .

باب القول فيمن يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ

أما من يسوغ له التقليد فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية ، فيجوز له أن يقلد عالماً ويعمل بقوله ، قال الله تعالى : ( { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ) .

أخبرني أبو القاسم الأزهري ، حدثنا أبو العباس محمد بن مكرم إملاءًا ، حدثنا أبو بكر بن مجاهد المقري ، حدثنا عبد الله بن أيوب ، حدثنا أبو بدر قال سمعت عمرو بن قيس يقول في قول الله تعالى : ( { فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون } ) قال : أهل العلم .

أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا الربيع ابن سليمان ، نا أيوب بن سويد ، نا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس ، أن رجلاً أصابه جرح في عهد رسول الله يعني فاحتلم فأمر بالاغتسال فاغتسل فمات ، فبلغ ذلك النبي فﷺ قال : « قتلوه قتلهم الله ، ان شفاء العيِّ السؤال » . قال عطاء فبلغنا أن النبي سئل بعد ذلك فقال : ﷺ : « لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه » يعني الجرح .

ولأنه ليس من أهل الاجتهاد فكان فرضه التقليد كتقليد الأعمى في القبلة فإنه لما لم يكن معه آلة الاجتهاد في القبلة كان عليه تقليد البصير فيها .

وحكي عن بعض المعتزلة انه قال : لا يجوز للعامي العمل بقول العالم حتى يعرف علة الحكم ، وإذا سأل العالم فإنما يسأله أن يعرفه طريق الحكم فإذا عرفه وقف عليه وعمل به . وهذا غلط لأنه لا سبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك إلا بعد أن يتفقه سنين كثيرة ويخالط الفقهاء المدة الطويلة ، ويتحقق طرق القياس ويعلم ما يصححه ويفسده ، وما يجب تقديمه على غيره من الأدلة . وفي تكليف العامة بذلك تكليف ما لا يطيقونه ولا سبيل لهم إليه .

واما العالم هل يجوز أن يقلد غيره ؟ ينظر فيه . فإن كان الوقت واسعاً عليه يمكنه فيه الاجتهاد لم يجز له التقليد ولزمه طلب الحكم بالاجتهاد ، ومن الناس من قال : يجوز له تقليد العالم ، وحكي ذلك عن سفيان الثوري .

أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البزاز بالبصرة ، نا أبو بكر يزيد بن إسماعيل بن عمر بن يزيد بن مروان الخلال ، نا العباس بن عبد الله الترقفي ، نا رواد بن الجراح ، قال : سمعت سفيان يقول : ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهي أحداً من إخواني أن يأخذ به .

( وأخبرنا ) ابن الفضل ، أخبرنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن علي الابار ، نا أبو هشام ، قال : سمعت حفص بن غياث يقول : سمعت سفيان يقول : إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه .

وروي عن محمد بن الحسن الشيباني أنه قال : يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله .

والدليل على أنه لا يجوز له التقليد أصلاً مع اتساع الوقت ان معه آلة يتوصل بها إلى الحكم المطلوب فلا يجوز له تقليد غيره كما قلنا في العقليات .

وأما إذا كان الوقت قد ضاق وخشي فوات العبادة أن أشتغل بالاجتهاد ففي ذلك وجهان : أحدهما : يجوز له أن يقلد . والوجه الثاني انه لا يجوز لأن معه آلة الاجتهاد فأشبه ما إذا كان الوقت واسعاً وقيل هذا أصح الوجهين والله أعلم .

أخبرنا محمد بن أحمد بن عمر الصابوني ، أخبرنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحداني ، أخبرنا أحمد بن علي بن الحسن بن شعيب المدائني ، قال : قال المزني : ويقال لمن حكم بالتقليد هل لك فيما حكمت من حجة ؟ فإن قال : نعم ، أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لاالتقليد فإن قال : بغير حجة ، قيل له : فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله كل ذلك فأبحته بغير حجة ؟ فإن قال : انا أعلم إني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء ورأيته في العلم مقدماً فلم يقل ذلك إلا بحجة خفيت عني ، قيل : فتقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك لانه لا يقول إلا بحجة خفيت عن معلمك كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عنك ؟ فإن قال : نعم ، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي إلى العلماء من أصحاب رسول الله ، فإن أبى ذلك نقض قوله ، وقيل له : وكيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً وهذا متناقض ؟ فإن قال : لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك ، قيل : وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فلزمك تقليده وترك تقليد معلمك ، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علمه وعلم من فوقه إلى علمك فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ، وكذلك على الصحابي تقليد من دونه وكذلك تقليد الأعلى الأدنى أبداً في قياس قوله مع ما يلزمه من تصويب من قلد غير معلمه في تخطئة معلمه فيكون بذلك مخطئاً لمعلمه ولتقليده إياه .

باب في فضل العلم

أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري ، أخبرنا محمد بن الحسين الآجري ، أخبرنا أبو جعفر أحمد ابن يحيى الحلواني ، نا الهيثم بن خارجة نا رشدين بن سعد عن عبد الله بن الوليد التجيبي عن أبي حفص حدثه انه سمع أنس بن مالك يقول : قال النبي : ﷺ : « ان مثل العلماء في الأرض كمثل نجوم السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، فإذا انطمست النجوم يوشك أن تضل الهداة » .

أخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، أخبرنا محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، نا أبو بكر أحمد ابن محمد بن عيسى المكي ، نا محمد بن القاسم بن خلاد ، قال : يقال العقل دليل الخير والعلم مصباح العقل ، وهو جلاء القلب من صدى الجهل ، وهو أقنع جليس ، وأسر عشيق ، وأفضل صاحب وقرين ، وأزكى عقدة ، وأربح تجارة ، وأنفع مكسب وأحسن كهف ، وأفضل ما أقتني للدنيا وأستظهر به للآخرة ، واعتصم به من الذنوب ، وسكنت إليه القلوب ، يزيد في شرف الشريف ، ورفعة الرفيع ، وقدر الوضيع ، أنس في الوحشة ، وأمن عند الشدة ، ودال على طاعة الله تعالى ، وناهٍ عن معصيته وقائد إلى رضوانه ، ووسيلة إلى رحمته .

قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر صان الله قدره : وقد جعل الله العلم وسائل أوليائه وعصم به من اختاره من أصفيائه ، فحقيق على المتوسم به استفراغ المجهود في طلبه ، وأهل العلم في حفظه متقاربون ، وفي استنباط فقهه متباينون . ولهذا قال النبي ، فيما أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين ابن أبي سليمان المعدل ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي ، حدثنا محمد بن محمد الواسطي ، نا علي ابن المديني ، نا يحيى بن سعيد ، نا شعبة ، قال : حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه ، قال : خرج زيد بن ثابت من عند مروان بن الحكم قريباً أو نحواً من نصف النهار قال : فقلت : ما يخرج هذه الساعة إلا قد سأله عن شيء ، قال : فقمت إليه فسألته فقال : سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله يقول : ﷺ : « نضر الله أمرءًا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » .

فأخبر انه قد يحمل الحديث من يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً ، وأكثر كتبة الحديث في هذا الزمان بعيد من حفظه * خال من معرفة فقهه ، لا يفرقون بين معلل وصحيح * ولا يميزون ما بين معدل من الرواة ومجروح ، ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم رسمه * ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه ، مع أنهم قد أذهبوا في كتبه أعمارهم * وبعدت في الرحلة لسماعه أسفارهم ، فجعلوا لأهل البدع من المتكلمين * ولمن غلب عليه الرأي من المتفقهين ، طريقاً إلى الطعن على أهل الآثار * ومن شغل فيه بسماع الأحاديث والأخبار ، حتى وصفوهم بضروب الجهالات * ونبذوهم بأسوء المقالات ، وأطلقوا ألسنتهم بسبهم * وتظاهروا بعيب المتقدمين وثلبهم ، وضربوا لهم المثل بقول الشاعر :

زوامل للأسفار لا علم عندهم...... بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري المطي إذا غدا ...... باجماله أو راح ما في الغرائر

كل ذلك لقلة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه * وعدم فقههم بما كتبوه وسمعوه ، ومنعهم نفوسهم عن محاضرة الفقهاء * وذمهم مستعملي القياس من العلماء ، لسماعهم الأحاديث التي تعلق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه ، والتحذير منه ، وأنهم لم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه * بل سبق إلى نفوسهم أنه محظور على عمومه ، ثم قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم * وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم ، فنقضوا بذلك ما أحلوه * واستحلوا ما كانوا حرموه ، وحق لمن كانت حاله هذه أن يطلق فيه القول الفظيع * ويشنع عليه بضروب التشنيع ، فبلغ مني ما ذكرته اغتماماً * وأثر في معرفتي به اهتماماً ، لأمرين : أحدهما قصد من ذكرت لك الوقيعة * في متقدمي أئمة أهل الحديث القائمين ، بحفظ الشريعة ، لأنهم رأس مالي * وإلى علمهم مآلي ، وبهم فخري وجمالي ، نحو مالك ، والأوزاعي ، وشعبة ، والثوري ، ويحيى بن سعيد القطان * وابن مهدي عبد الرحمن ، وعلي بن المديني الأمين * وأحمد بن حنبل وابن معين ، ومن خلفهم من الأئمة الاعلام ، على مضي الأوقات وكرور الأيام ، فبهم في علم الحديث أكثر الفخر * لا بناقليه وحامليه في هذا العصر ، كما أنشدني أبو عبد الله محمد بن علي الصوري * قال : أنشدني أبو يعلى محمد بن الحسين البصري ، لنفسه :

أهل التصوف أهلي...... وهم جمالي ونبلي

ولست أعني بهذا ...... إلا لمن كان قبلي

والأمر الآخر إزدراؤهم بمن في وقتنا * والمتوسمين بالحديث من أهل عصرنا ، فإن لهم حرمة ترعى * وحقاً يجب أن يؤدى ، لتحليهم بسماعه واكتتابه ، وتشبههم بأهله وأصحابه ، وقد دلتنا الشريعة على السماع منهم * وأذنت لنا في الأخذ عنهم ، وورد بذلك مأثور الأثر * عن سيد البشر وأقر بالزلفى عينيه في قوله : ﷺ : « نضر الله أمرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره . . . إلى آخر الكلام الذي أوردناه في أول هذا الفصل .

وحدثنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل املاءًا ( وأخبرنا ) الحسن بن أبي بكر قراءة عليه ، قالا : أخبرنا أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد ، نا موسى بن سهل الوشاء ، أخبرنا أبو النضر نا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، نا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله : « بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم » .

انتهى الجزء الثامن من كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي يتلوه ان شاء الله الجزء التاسع وأوله ( ثم إني نظرت في حال من طعن على أهل الحديث ) والحمد لله حق حمده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً .

هامش

  1. [ النساء : 171 ]
  2. [ الاخلاص : 3 ]
  3. [ المؤمنون : 19 ]
  4. [ محمد : 64 ]
  5. [ التوبة : 5 ]
  6. [ النور : 33 ]
  7. [ النور : 33 ]
  8. [ النساء : 32 ]
  9. [ النساء : 3 ]
  10. [ النساء : 32 ]
  11. [ المؤمنين 6 ]
  12. [ القدر : 1 ]
  13. [ الصافات : 58 ]
  14. [ مريم : 24 ]
  15. [ آل عمران : 106 ]
  16. [ آل عمران : 106 ]
  17. [ آل عمران : 106 ]
  18. [ القارعة : 6 ]
  19. [ القارعة : 8 ]
  20. [ الشعراء : 72 ]
  21. [ المائدة : 114 ]
  22. [ المائدة : 115 ]
  23. [ البقرة : 222 ]
  24. [ الطلاق : 1 ]
  25. [ الطلاق : 1 ]
  26. [ الشعراء : 171 ]
  27. [ العنكبوت : 33 ]
  28. [ النحل : 118 ]
  29. [ الذاريات : 32 ]
  30. [ الحجر : 29 ]
  31. [ الذاريات : 32 ]
  32. [ الممتحنة : 31 ]
  33. [ البقرة : 241 ]
  34. [ البقرة : 143 ]
  35. [ البقرة : 143 ]
  36. [ آل عمران : 156 ]
  37. [ آل عمران : 168 ]
  38. [ البقرة ]
  39. [ الزمر : 81 ]
  40. [ الأنبياء : 81 ]
  41. [ الأنبياء : 87 ]
  42. [الأنبياء : 97 ]
  43. [ الأنبياء : 7 ]
  44. [ الأنبياء : 97 ]
  45. [ الأعراف : 3 ]
  46. [ لقمان : 12 ]
  47. [ الزخرف : 23: 24 ]
  48. [ سبإ : 43 ]
  49. [ الشعراء : 96 ]
  50. [ الأحزاب : 76 ]
  51. [ التوبة : 13 ]
  52. [ التوبة : 13 ]
  53. [ النحل : 34 ]



الفقيه والمتفقه
الجزء الأول | الجزءالثاني | الجزءالثالث | الجزءالرابع | الجزءالخامس | الجزءالسادس | الجزءالسابع | الجزءالثامن | الجزءالتاسع | الجزءالعاشر | الجزءالحادي عشر | الجزءالثاني عشر