مجموع الفتاوى/المجلد التاسع عشر/فصل في العاقلة ومقدار ما تحمله من الدية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في العاقلة ومقدار ما تحمله من الدية
ابن تيمية

فصل في العاقلة ومقدار ما تحمله من الدية[عدل]

النبي ﷺ قضى بالدية على العَاقِلة [1] وكانت العاقلة على عهده هم عَصَبته. فلما كان في زمن عمر جعلها على أهل الديوان؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء، فيقال: أصل ذلك أن العاقلة هم محدودون بالشرع، أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين. فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب؛ فإنهم العاقلة على عهده. ومن قال بالثانى جعل العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك الزمان والمكان. فلما كان في عهد النبي ﷺ إنما ينصره ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة؛ إذ لم يكن على عهد النبي ﷺ ديوان ولا عطاء، فلما وضع عمر الديوان كان معلومًا أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضًا، ويعين بعضه بعضًا، وإن لم يكونوا أقارب، فكانوا هم العاقلة، وهذا أصح القولين. وأنها تختلف باختلاف الأحوال، وإلا فرجل قد سكن بالمغرب، وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته مَنْ بالمشرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنهم؟ والميراث يمكن حفظه للغائب؛ فإن النبي ﷺ قضى في المرأة القاتلة أن عَقْلَها على عصبتها؛ وأن ميراثها لزوجها وبنيها، فالوارث غير العاقلة.

وكذلك تأجيلها ثلاث سنين؛ فإن النبي ﷺ لم يؤجلها، بل قضى بها حَالَّةً، وعمر أجلها ثلاث سنين. فكثير من الفقهاء يقولون: لا تكون إلا مؤجلة، كما قضى به عمر، ويجعل ذلك بعضهم إجماعًا، وبعضهم قال: لا تكون إلا حالة. والصحيح أن تعجيلها وتأجيلها بحسب الحال والمصلحة، فإن كانوا مَيَاسِير ولا ضرر عليهم في التعجيل أخذت حالة، وإن كان في ذلك مشقة جعلت مؤجلة. وهذا هو المنصوص عن أحمد: أن التأجيل ليس بواجب، كما ذكر كثير من أصحابه أنه واجب، موافقة لمن ذكر ذلك من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك، وغيرهم؛ فإن هذا القول في غاية الضعف، وهو يشبه قول من يجعل الأمة يجوز لها نسخ شريعة نبيها، كما يقوله بعض الناس من أن الإجماع ينسخ، وهذا من أنكر الأقوال عند أحمد. فلا تترك سنة ثابتة إلا بسنة ثابتة، ويمتنع انعقاد الإجماع على خلاف سنة إلا ومع الإجماع سنة معلومة نعلم أنها ناسخة للأولى.

هامش

  1. [العاقلة: هي العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ، وهي صفة جماعة: عاقلة، وأصلها اسم، فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالبة، وهم: الذين ينصرون الرجل ويعينونه ]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد التاسع عشر - أصول الفقه
فصل الكتاب والسنة والإجماع واجبة الاتباع | فصل في عموم رسالة الرسول للثقلين | فصل في استعمال الدعوة إلى الله مع الجن | فصل في تصور الشيطان في صورة المدعو المستغاث به | فصل في الذب عن المظلوم ونصرته | فصل في جواز أن يكتب للمصاب شيئا من كتاب الله ويغسل به ويسقى | فصل في الاكتفاء بالرسالة والاستغناء بالنبي عن اتباع ما سواه | فصل في أول البدع ظهورا في الإسلام | أصل جامع في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه | فصل في الأمر باتباع الكتاب والحكمة | قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة | فصل في أن الرسالة ضرورية لإصلاح العبد في معاشه ومعاده | فصل في توحد الملة وتعدد الشرائع | فصل في قوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون | فصل في الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق والاختلاف | فصل فيما تنازع فيه العلماء | قاعدة في العلوم والاعتقادات | فصل في غلط من قال أن الحقائق تابعة للعقائد | فصل ما لا تؤثر فيه الاعتقادات | فصل في تأثير الاعتقادات في رفع العذاب | فصل في تأثير الاعتقادات في الأدلة الشرعية | فصل مذاهب الأئمة تؤخذ من أقوالهم | معارج الوصول | فصل في أن الرسول بين جميع أصول الدين وفروعه | فصل في العمليات أو الفروع | قاعدة في تصويب المجتهدين وتخطئتهم | فصل في العلوم الشرعية والعقلية | فصل في حدود الأسماء التي علق الله بها الأحكام | فصل في اسم الحيض | فصل في المسح على الخفين | فصل في القصر والفطر في السفر | فصل في مقادير الدراهم والدنانير والمكاييل | فصل في مقدار الإطعام شرعا | فصل في الاستبراء | فصل في العاقلة ومقدار ما تحمله من الدية | فصل في خمس الغنيمة وتقسيمه | فصل في التقليد الذي حرمه الله ورسوله | سئل عمن يقول أن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة | فصل أحوال العبد في العبادات المأمور بها | فصل في اسم الشريعة والشرع والسنة