مجموع الفتاوى/المجلد التاسع عشر/فصل في الذب عن المظلوم ونصرته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في الذب عن المظلوم ونصرته
ابن تيمية

فصل في الذب عن المظلوم ونصرته[عدل]

إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول: يجوز بل يستحب، وقد يجب أن يُذَبَّ عن المظلوم وأن يُنْصَرَ؛ فإن نصر المظلوم مأمور به بحسب الإمكان، وفي الصحيحين حديث البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبع؛ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب، وعن شُرْب بالفضة، وعن المَيَاثِر، وعن القِسِيِّ، ولبس الحرير، والإستبرق، والديباج. وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلوما» قلت: يارسول الله، أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه».

وأيضا، ففيه تفريج كربة هذا المظلوم. وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من نَفَّسَ عن مؤمن كُرْبَة من كُرَبِ الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عَوْن العبد ما كان العبد في عون أخيه». وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر أن رسول الله ﷺ لما سئل عن الرقى قال: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».

لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل: الأدعية والأذكار الشرعية، ومثل: أمر الجنى ونهيه، كما يؤمر الإنسى وينهى، ويجوز من ذلك ما يجوز مثله في حق الإنسى، مثل: أن يحتاج إلى انتهار الجنى وتهديده ولعنه وسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثًا» وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يارسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك! قال: «إن عدو الله إبليس جاء بِشِهَاب من نار ليجعله في وجهى فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، ووالله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة» ففي هذا الحديث الاستعاذة منه ولعنته بلعنة الله، ولم يستأخر بذلك فمد يده إليه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان عَرَضَ لي فَشَدَّ على ليقطع الصلاة على، فأمكننى الله منه فَذَعَتُّه، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول أخى سليمان: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي } [1] فرده الله خاسئًا».

فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره، وقوله: ذَعَتُّه أى: خنقته، فبين أن مد اليد كان لخنقه، وهذا دفع لعدوانه بالفعل وهو الخنق، وبه اندفع عدوانه فرده الله خاسئًا.

وأما الزيادة وهو ربطه إلى السارية فهو من باب التصرف الملكى الذي تركه لسليمان، فإن نبينا ﷺ كان يتصرف في الجن كتصرفه في الإنس تصرف عَبْد رسول، يأمرهم بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع إليه وهو التصرف الملكي؛ فإنه كان عبدًا رسولا وسليمان نبي ملك، والعبد الرسول أفضل من النبي الملك، كما أن السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب إلىمين، وقد روى النسائي على شرط البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي فأتاه الشيطان، فأخذه فصرعه فخنقه، قال رسول الله ﷺ: «حتى وجدت بَرْدَ لسانه على يدى، ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقًا حتى يراه الناس». ورواه أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد، وفيه: «فأهويت بيدى، فما زلت أخنقه حتى وجدت بَرْدَ لعابه بين أصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها»، وهذا فعله في الصلاة، وهذا مما احتج به العلماء على جواز مثل هذا في الصلاة، وهو كدفع المارّ، وقتل الأسودين، والصلاة حال المُسَايَفَة.

وقد تنازع العلماء في شيطان الجن إذا مر بين يدي المصلي، هل يقطع؟ على قولين هما قولان في مذهب أحمد، كما ذكرهما ابن حامد وغيره:

أحدهما: يقطع لهذا الحديث؛ ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع للصلاة: «الكلب الأسود شيطان»، فعلل بأنه شيطان. وهو كما قال رسول الله ﷺ؛ فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة.

ومما يتقرب به إلى الجن الذبائح، فإن من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ورُوى أنه نهى عن ذبائح الجن، وإذا برئ المصاب بالدعاء والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهارهم وسبهم ولعنهم، ونحو ذلك من الكلام حصل المقصود، وإن كان ذلك يتضمن مرض طائفة من الجن أو موتهم فهم الظالمون لأنفسهم، إذا كان الراقى الداعى المعالج لم يتعد عليهم كما يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم، فيأمرون بقتل من لا يجوز قتله، وقد يحبسون من لا يحتاج إلى حبسه؛ ولهذا قد تقاتلهم الجن على ذلك، ففيهم من تقتله الجن أو تمرضه، وفيهم من يفعل ذلك بأهله وأولاده أو دوابه.

وأما من سلك في دفع عداوتهم مسلك العدل الذي أمر الله به ورسوله فإنه لم يظلمهم، بل هو مطيع لله ورسوله في نصر المظلوم وإغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب بالطريق الشرعى التي ليس فيها شرك بالخالق ولا ظلم للمخلوق، ومثل هذا لا تؤذيه الجن؛ إما لمعرفتهم بأنه عادل، وإما لعجزهم عنه. وإن كان الجن من العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه، فينبغى لمثل هذا أن يحترز لقراءة العوذ، مثل آية الكرسي والمعوذات، والصلاة، والدعاء، ونحو ذلك مما يقوى الإيمان ويجنب الذنوب التي بها يسلطون عليه، فإنه مجاهد في سبيل الله، وهذا من أعظم الجهاد، فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه، وإن كان الأمر فوق قدرته فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق.

ومن أعظم ما ينتصر به عليهم آية الكرسي، فقد ثبت في صحيح البخاري حديث أبي هريرة قال: وَكَّلَنى رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتأني آتٍ فجعل يَحْثُو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: أني محتاج وعلى عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا هريرة، مافعل أسيرك البارحة؟» قلت: يارسول الله، شكى حاجة شديدة وعيالًا فرحمته وخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعنى فأني محتاج وعلى عيال لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟» قلت: يارسول الله، شكى حاجة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود» فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات، تزعم أنك لا تعود ثم تعود، قال: دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ماهن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: { اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [2] حتى تختم الآية، فإنك لن يزال علىك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: «مافعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها فخليت سبيله، قال: ما هى؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: { اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [3]، وقال لي: لن يزال علىك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قلت: لا. قال: «ذاك شيطان».

ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته، فإن لها تأثيرًا عظيمًا في دفع الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين، مثل: أهل الظلم والغضب، وأهل الشهوة والطرب، وأرباب السماع المُكَاء والتَّصْدِية، إذا قرئت عليهم بصدق دفعت الشياطين، وبطلت الأمور التي يخيلها الشيطان، ويبطل ما عند إخوان الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطأني، إذ كانت الشياطين يوحون إلى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هى من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين. والصَّائِل المعتدى يستحق دفعه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وقد قال النبي ﷺ: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد»، فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادى، فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته؟ فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه، وقد يفعل معه فاحشة إنسى بإنسى، وإن لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله.

وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين، وهذا فرض على الكفاية مع القدرة، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه»، فإن كان عاجزًا عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب، وإن كان قادرًا وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو أوجب منه وجب عليه.

وأما قول السائل: هل هذا مشروع؟ فهذا من أفضل الأعمال، وهو من أعمال الأنبياء والصالحين؛ فإنه ما زال الأنبياء والصالحون يدفعون الشياطين عن بنى آدم بما أمر الله به ورسوله، كما كان المسيح يفعل ذلك، وكما كان نبينا ﷺ يفعل ذلك، فقد روى أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال: حدثتني أم أَبَان بنت الوازع بن زارع بن عامر العبدي، عن أبيها؛ أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله ﷺ، فانطلق معه بابن له مجنون أو ابن أخت له قال جدى: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ قلت: إن معي ابنًا لي أو ابن أخت لي مجنون، أتيتك به تدعو الله له. قال: «ائتني به» قال: فانطلقت به إليه وهو في الركاب، فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ، فقال: «ادْنُهُ مني، اجعل ظهره مما يليني» قال: بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: «اخرج عدو الله! اخرج عدو الله !» فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده رسول الله ﷺ بين يديه، فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه.

وقال أحمد في المسند: ثنا عبد الله بن نُمَيْرٍ، عن عثمان بن حكيم، أنا عبد الرحمن ابن عبد العزيز، عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثًا ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي، لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها، فقالت: يا رسول الله، هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: «ناولينيه»، فرفعته إليه، فجعله بينه وبين واسطة الرَّحْل، ثم فَغَرَ فَاهُ فنفث فيه ثلاثًا، وقال: «بسم الله أنا عبد الله اخْسَأ عدو الله» ثم ناولها إياه، فقال: القينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل، قال: فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث، فقال: «ما فعل صبيك؟» فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئًا حتى الساعة فاجْتَرِر هذه الغنم، قال: «انزل خذ منها واحدة ورد البقية». وذكر الحديث بتمامه».

ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه قال وَكِيع: مرة يعنى الثقفي، ولم يقل: مرة عن أبيه؛ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ معها صبي لها به لمم، فقال النبي ﷺ: «اخرج عدو الله أنا رسول الله» قال: فبرأ، قال: فأهدت إليه كبشين، وشيئًا من أقط، وشيئًا من سمن. قال: فقال رسول الله ﷺ: «خذ الأقْطَ والسمن، وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر».

ثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص، عن يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله ﷺ وذكر الحديث، وفيه قال: ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جِنَّةٌ، فأخذ النبي ﷺ بمنخره فقال: «اخرج إني محمد رسول الله» قال: ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن، فأمرها أن ترد الجزر، وأمر أصحابه فشربوا من اللبن، فسألها عن الصبي فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبًا بعدك. ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون مثله لم يقع عند الأنبياء؛ لكون الشياطين لم تكن تقدر تفعل ذلك عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا، فقد أمرنا الله ورسوله من نصر المظلوم والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك.

وقد ثبت في الصحيحين حديث الذين رَقَوا بالفاتحة، وقال النبي ﷺ: «وما أدراك أنها رقية»، وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية، وقد قال النبي ﷺ للشيطان الذي أراد قطع صلاته: «أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله التامة ثلاث مرات». وهذا كدفع ظالمي الإنس من الكفار والفجار، فإن النبي ﷺ وأصحابه، وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقِسِيِّ الفارسية ونحوها مما يحتاج إليه في قتال، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم»، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية التي تشبه قوس القطن لم تغن شيئًا، بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم، فلابد من قتالهم بما يقهرهم.

وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب: إن العدو إذا رأيناهم قد لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة، فقال: وأنتم فالبسوا كما لبسوا. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه في عمرة القضية بالرَّمَل والاضْطِبَاع؛ لِيُرِىَ المشركين قوتهم، وإن لم يكن هذا مشروعًا قبل هذا، ففعل لأجل الجهاد مالم يكن مشروعًا بدون ذلك.

ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب، فيضرب ضربًا كثيرًا جدًا، والضرب إنما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك، ولا يؤثر في بدنه، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة وأكثر وأقل، بحيث لو كان على الإنسى لقتله، وإنما هو على الجنى، والجنى يصيح ويصرخ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة، كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين.

وأما الاستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما لا يعرف معناه فلا يشرع، لا سيما إن كان فيه شرك؛ فإن ذلك محرم. وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك، وقد يقرؤون مع ذلك شيئًا من القرآن ويظهرونه، ويكتمون ما يقولونه من الشرك، وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله.

والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال؛ لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه؛ فإن ذلك إنما يجوز إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، والتكلم به إنما يؤثر إذا كان بقلب صاحبه، ولو تكلم به مع طمأنينة قلبه بالإيمان لم يؤثر. والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف بالعزائم لم يساعده وأيضا فإن المكره مضطر إلى التكلم به ولا ضرورة إلى إبراء المصاب به لوجهين:

أحدهما: أنه قد لا يؤثر أكثر مما يؤثر من يعالج بالعزائم، فلا يؤثر بل يزيده شرًا.

والثأني: أن في الحق ما يغني عن الباطل.

والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: قوم يكذبون بدخول الجني في الإنس، وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة، فهؤلاء يكذبون بالموجود، وهؤلاء يعصون، بل يكفرون بالمعبود. والأمة الوسط تصدق بالحق الموجود، وتؤمن بالإله الواحد المعبود، وبعبادته ودعائه وذكره وأسمائه وكلامه، فتدفع شياطين الإنس والجن.

وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم، فهذا إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به والتعظيم للمسؤول فهو حرام، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن معاوية ابن الحكم السلمى قال: قلت: يا رسول الله، أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: «فلا تأتوا الكهان»، وفي صحيح مسلم أيضا عن عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».

وأما إن كان يسأل المسؤول ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز، كما ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ سأل ابن صَيَّاد فقال: «ما يأتيك؟» فقال: يأتيني صادق وكاذب، قال: «ما ترى؟» قال: أرى عرشًا على الماء، قال: «فأني قد خبأت لك خبيئًا»، قال: الدُّخُّ الدُّخُّ، قال: «اخسأ فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهان».

وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار والفجار ليعرفوا ما عندهم فيعتبروا به، وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } [4]، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة ويفسرونها بالعربية، فقال النبي ﷺ: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وقولوا: { وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [5]، فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه ولم يصدقوه ولم يكذبوه.

وقد روى عن أبي موسى الأشعرى أنه أبطأ عليه خبر عمر، وكان هناك امرأة لها قرين من الجن، فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يَسِمُ إبل الصدقة. وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشًا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر، فسأل عمر عن ذلك فذكر له، فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن، وسيأتى بريد الإنس بعد ذلك، فجاء بعد ذلك بعدة أيام.

هامش

  1. [ص: 35]
  2. [البقرة: 255]
  3. [البقرة: 255]
  4. [الحجرات: 6]
  5. [العنكبوت: 46]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد التاسع عشر - أصول الفقه
فصل الكتاب والسنة والإجماع واجبة الاتباع | فصل في عموم رسالة الرسول للثقلين | فصل في استعمال الدعوة إلى الله مع الجن | فصل في تصور الشيطان في صورة المدعو المستغاث به | فصل في الذب عن المظلوم ونصرته | فصل في جواز أن يكتب للمصاب شيئا من كتاب الله ويغسل به ويسقى | فصل في الاكتفاء بالرسالة والاستغناء بالنبي عن اتباع ما سواه | فصل في أول البدع ظهورا في الإسلام | أصل جامع في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه | فصل في الأمر باتباع الكتاب والحكمة | قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة | فصل في أن الرسالة ضرورية لإصلاح العبد في معاشه ومعاده | فصل في توحد الملة وتعدد الشرائع | فصل في قوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون | فصل في الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق والاختلاف | فصل فيما تنازع فيه العلماء | قاعدة في العلوم والاعتقادات | فصل في غلط من قال أن الحقائق تابعة للعقائد | فصل ما لا تؤثر فيه الاعتقادات | فصل في تأثير الاعتقادات في رفع العذاب | فصل في تأثير الاعتقادات في الأدلة الشرعية | فصل مذاهب الأئمة تؤخذ من أقوالهم | معارج الوصول | فصل في أن الرسول بين جميع أصول الدين وفروعه | فصل في العمليات أو الفروع | قاعدة في تصويب المجتهدين وتخطئتهم | فصل في العلوم الشرعية والعقلية | فصل في حدود الأسماء التي علق الله بها الأحكام | فصل في اسم الحيض | فصل في المسح على الخفين | فصل في القصر والفطر في السفر | فصل في مقادير الدراهم والدنانير والمكاييل | فصل في مقدار الإطعام شرعا | فصل في الاستبراء | فصل في العاقلة ومقدار ما تحمله من الدية | فصل في خمس الغنيمة وتقسيمه | فصل في التقليد الذي حرمه الله ورسوله | سئل عمن يقول أن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة | فصل أحوال العبد في العبادات المأمور بها | فصل في اسم الشريعة والشرع والسنة