كتاب الأم/كتاب الحج/باب هل تجب العمرة وجوب الحج ؟

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - كتاب الحج

المؤلف: الشافعي
باب هل تجب العمرة وجوب الحج ؟

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: قال الله تبارك وتعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} فاختلف الناس في العمرة فقال بعض المشرقيين: العمرة تطوع وقاله سعيد بن سالم واحتج بأن سفيان الثوري أخبره عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله ﷺ قال (الحج جهاد والعمرة تطوع) فقلت له أثبت مثل هذا عن النبي ﷺ؟ فقال هو منقطع وهو وإن لم تثبت به الحجة فإن حجتنا في أنها تطوع أن الله عز وجل يقول {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ولم يذكر في الموضع الذي بين فيه إيجاب الحج إيجاب العمرة وأنا لم نعلم أحدا من المسلمين أمر بقضاء العمرة عن ميت فقلت له قد يحتمل قول الله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة لله} أن يكون فرضها معا وفرضه إذا كان في موضع واحد يثبت ثبوته في مواضع كثيرة كقوله تعالى {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ثم قال {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} فذكرها مرة مع الصلاة وأفرد الصلاة مرة أخرى دونها فلم يمنع ذلك الزكاة أن تثبت وليس لك حجة في قولك لا نعلم أحدا أمر بقضاء العمرة عن ميت إلا عليك مثلها لمن أوجب العمرة بأن يقول ولا نعلم من السلف أحدا ثبت عنه أنه قال لا تقضى عمرة عن ميت ولا هي تطوع كما قلت، فإن كان لا نعلم لك حجة كان قول من أوجب العمرة لا نعلم أحدا من السلف ثبت عنه أنه قال هي تطوع وأن لا تقضى عن ميت حجة عليك.

قال: ومن ذهب هذا المذهب أشبه أن يتأول الآية {وأتموا الحج والعمرة لله} إذا دخلتم فيهما، وقال بعض أصحابنا: العمرة سنة لا نعلم أحدا أرخص في تركها.

قال: وهذا قول يحتمل إيجابها إن كان يريد أن الآية تحتمل إيجابها وأن ابن عباس ذهب إلى إيجابها ولم يخالفه غيره من الأئمة ويحتمل تأكيدها لا إيجابها.

[قال الشافعي]: والذي هو أشبه بظاهر القرآن وأولى بأهل العلم عندي وأسأل الله التوفيق أن تكون العمرة واجبة، فإن الله عز وجل قرنها مع الحج فقال {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} (وأن رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحج) وأن رسول الله ﷺ سن إحرامها والخروج منها بطواف وحلاق وميقات، وفي الحج زيادة عمل على العمرة، فظاهر القرآن أولى إذا لم يكن دلالة على أنه باطن دون ظاهر، ومع ذلك قول ابن عباس وغيره، أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله {وأتموا الحج والعمرة لله}، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: ليس من خلق الله تعالى أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان.

[قال الشافعي]: وقاله غيره من مكيينا وهو قول الأكثر منهم.

[قال الشافعي]: قال الله تبارك وتعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} وسن رسول الله ﷺ في قران العمرة مع الحج هديا ولو كان أصل العمرة تطوعا أشبه أن لا يكون لأحد أن يقرن العمرة مع الحج لأن أحدا لا يدخل في نافلة فرضا حتى يخرج من أحدهما قبل الدخول في الآخر، وقد يدخل في أربع ركعات وأكثر نافلة قبل أن يفصل بينهما بسلام، وليس ذلك في مكتوبة ونافلة من الصلاة فأشبه أن لا يلزمه بالتمتع أو القران هدي إذا كان أصل العمرة تطوعا بكل حال، لأن حكم ما لا يكون إلا تطوعا بحال غير حكم ما يكون فرضا في حال.

[قال الشافعي]: وقال رسول الله ﷺ (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (وقال رسول الله ﷺ لسائله عن الطيب والثياب افعل في عمرتك ما كنت فاعلا في حجتك) [أخبرنا] مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر، قال ابن جريج: ولم يحدثني عبد الله بن أبي بكر عن كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم شيئا إلا قلت: له أفي شك أنتم من أنه كتاب رسول الله ﷺ؟ فقال: لا.

[قال الشافعي]: فإن قال قائل فقد أمر النبي ﷺ امرأة أن تقضي الحج عن أبيها ولم يحفظ عنه أن تقضي العمرة عنه، قيل له إن شاء الله قد يكون في الحديث فيحفظ بعضه دون بعض ويحفظ كله فيؤدى بعضه دون بعض، ويجيب عما يسأل عنه ويستغني أيضا بأن يعلم أن الحج إذا قضي عنه فسبيل العمرة سبيله فإن قال قائل وما يشبه ما قلت؟ قيل روى عنه طلحة (أنه سئل عن الإسلام فقال خمس صلوات في اليوم والليلة. وذكر الصيام ولم يذكر حجا ولا عمرة من الإسلام وغير هذا ما يشبه هذا)، والله أعلم. فإن قال قائل: ما وجه هذا؟ قيل له: ما وصفت من أن يكون في الخبر فيؤدى بعضه دون بعض أو يحفظ بعضه دون بعض أو يكتفى بعلم السائل أو يكتفى بالجواب عن المسألة ثم يعلم السائل بعد ولا يؤدى ذلك في مسألة السائل ويؤدى في غيره.

[قال]: وإذا أفرد العمرة فالميقات لها كالميقات في الحج، والعمرة في كل شهر من السنة كلها إلا أنا ننهى المحرم بالحج أن يعتمر في أيام التشريق لأنه معكوف على عمل الحج ولا يخرج منه إلى الإحرام حتى يفرغ من جميع عمل الإحرام الذي أفرده.

[قال الشافعي]: ولو لم يحج رجل فتوقى العمرة حتى تمضي أيام التشريق كان وجها وإن لم يفعل فجائز له، لأنه في غير إحرام نمنعه به من غيره لإحرام غيره.

[قال الشافعي]: ويجزيه أن يقرن الحج مع العمرة وتجزيه من العمرة الواجبة عليه ويهريق دما قياسا على قول الله عز وجل: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} فالقارن أخف حالا من المتمتع، المتمتع إنما أدخل عمرة فوصل بها حجا فسقط عنه ميقات الحج وقد سقط عن هذا وأدخل العمرة في أيام الحج وقد أدخلها القارن، وزاد المتمتع أن تمتع بالإحلال من العمرة إلى إحرام الحج ولا يكون المتمتع في أكثر من حال القارن فيما يجب عليه من الهدي.

[قال]: وتجزئ العمرة قبل الحج والحج قبل العمرة من الواجبة عليه.

قال: وإذا اعتمر قبل الحج ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة لا من الميقات.

[قال]: وإن أفرد الحج فأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أهل من أين شاء وسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات، فأحرم بها من أقرب المواضع من ميقاتها، ولا ميقات لها دون الحل. كما يسقط ميقات الحج إذا قدم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر وأحب إلى أن يعتمر من الجعرانة لأن النبي ﷺ اعتمر منها، فإن أخطأه ذلك اعتمر من التنعيم لأن (النبي ﷺ أمر عائشة أن تعتمر منها وهي أقرب الحل إلى البيت)، فإن أخطأه ذلك اعتمر من الحديبية لأن النبي ﷺ صلى بها وأراد المدخل لعمرته منها، أخبرنا ابن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول سمعت عمرو بن أوس الثقفي يقول أخبرني (عبد الرحمن بن أبي بكر أن النبي ﷺ أمره أن يردف عائشة فيعمرها من التنعيم قال الشافعي وعائشة كانت قارنة فقضت الحج والعمرة الواجبتين عليها، وأحبت أن تنصرف بعمرة غير مقرونة بحج، فسألت ذلك النبي ﷺ فأمر بإعمارها، فكانت لها نافلة خيرا، وقد كانت دخلت مكة بإحرام، فلم يكن عليها رجوع إلى الميقات،) أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عن محرش الكعبي أو محرش (أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر وأصبح بها كبائت)، أخبرنا مسلم عن ابن جريج هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال ابن جريج هو محرش.

[قال الشافعي]: وأصاب ابن جريج لأن ولده عندنا يقول بنو محرش، أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء (أن النبي ﷺ قال لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) [أخبرنا] سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ مثله، وربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة وربما قال: إن النبي ﷺ قال لعائشة.

[قال الشافعي]: فعائشة كانت قارنة في ذي الحجة ثم اعتمرت بأمر النبي ﷺ بإعمارها بعد الحج فكانت لها عمرتان في شهر، ورسول الله ﷺ اعتمر قبل الجعرانة عمرة القضية فكان متطوعا بعمرة الجعرانة، فكان وإن دخل مكة عام الفتح بغير إحرام للحرب فليست عمرته من الجعرانة قضاء ولكنها تطوع، والمتطوع يتطوع بالعمرة من حيث شاء خارجا من الحرم.

[قال الشافعي]: ولو أهل رجل بحج ففاته خرج من حجه بعمل عمرة وكان عليه حج قابل والهدي ولم تجز هذه عنه من حجة ولا عمرة واجبة عليه لأنه إنما خرج من الحج بعمل العمرة، لا أنه ابتدأ عمرة فتجزي عنه من عمرة واجبة عليه.

كتاب الأم - كتاب الحج
باب فرض الحج على من وجب عليه الحج | باب تفريع حج الصبي والمملوك | الإذن للعبد | باب كيف الاستطاعة إلى الحج | باب الخلاف في الحج عن الميت | باب الحال التي يجب فيها الحج | باب الاستسلاف للحج | باب حج المرأة والعبد | الخلاف في هذا الباب | باب المدة التي يلزم فيها الحج ولا يلزم | باب الاستطاعة بنفسه وغيره | باب الحال التي يجوز أن يحج فيها الرجل عن غيره | باب من ليس له أن يحج عن غيره | باب الإجارة على الحج | باب من أين نفقة من مات ولم يحج ؟ | باب الحج بغير نية | باب الوصية بالحج | باب ما يؤدى عن الرجل البالغ الحج | باب حج الصبي يبلغ والمملوك يعتق والذمي يسلم | باب الرجل ينذر الحج أو العمرة | باب الخلاف في هذا الباب | باب هل تجب العمرة وجوب الحج ؟ | باب الوقت الذي تجوز فيه العمرة | باب من أهل بحجتين أو عمرتين | باب الخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتين | في المواقيت | باب تفريع المواقيت | باب دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة | باب ميقات العمرة مع الحج | باب الغسل للإهلال | باب الغسل بعد الإحرام | باب دخول المحرم الحمام | باب الموضع الذي يستحب فيه الغسل | باب ما يلبس المحرم من الثياب | باب ما تلبس المرأة من الثياب | باب لبس المنطقة والسيف للمحرم | باب الطيب للإحرام | باب لبس المحرم وطيبه جاهلا | باب الوقت الذي يجوز فيه الحج والعمرة | باب هل يسمي الحج أو العمرة عند الإهلال أو تكفي النية منهما ؟ | باب كيف التلبية ؟ | باب رفع الصوت بالتلبية | باب أين يستحب لزوم التلبية ؟ | باب الخلاف في رفع الصوت بالتلبية في المساجد | باب التلبية في كل حال | باب ما يستحب من القول في أثر التلبية | باب الاستثناء في الحج | باب الإحصار بالعدو | باب الإحصار بغير حبس العدو | باب الإحصار بالمرض | باب فوت الحج بلا حصر عدو ولا مرض ولا غلبة على العقل | باب هدي الذي يفوته الحج | باب الغسل لدخول مكة | باب القول عند رؤية البيت | باب ما جاء في تعجيل الطواف بالبيت حين يدخل مكة | باب من أين يبدأ بالطواف ؟ | باب ما يقال عند استلام الركن | باب ما يفتتح به الطواف وما يستلم من الأركان | الركنان اللذان يليان الحجر | باب استحباب الاستلام في الوتر | الاستلام في الزحام | القول في الطواف | باب إقلال الكلام في الطواف | باب الاستراحة في الطواف | الطواف راكبا | باب الركوب من العلة في الطواف | باب الاضطباع | باب في الطواف بالراكب مريضا أو صبيا والراكب على الدابة | باب ليس على النساء سعي | باب لا يقال شوط ولا دور | باب كمال الطواف | باب ما جاء في موضع الطواف | باب في حج الصبي | باب في الطواف متى يجزئه ومتى لا يجزئه ؟ | باب الخلاف في الطواف على غير طهارة | باب كمال عمل الطواف | باب الشك في الطواف | باب الطواف في الثوب النجس والرعاف والحدث والبناء على الطواف | باب الطواف بعد عرفة | باب ترك الحائض الوداع | باب تحريم الصيد | باب أصل ما يحل للمحرم قتله من الوحش ويحرم عليه | باب قتل الصيد خطأ | باب من عاد لقتل الصيد | باب أين محل هدي الصيد ؟ | باب كيف يعدل الصيام | باب الخلاف في عدل الصيام والطعام | باب هل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعم ؟ | الإعواز من هدي المتعة ووقته | باب الحال التي يكون المرء فيها معوزا بما لزمه من فدية | فدية النعام | باب بيض النعامة يصيبه المحرم | الخلاف في بيض النعام | باب بقر الوحش وحمار الوحش والثيتل والوعل | باب الضبع | باب في الغزال | باب الأرنب | باب في اليربوع | باب الثعلب | باب الضب | باب الوبر | باب أم حبين | باب دواب الصيد التي لم تسم | فدية الطائر يصيبه المحرم | فدية الحمام | في الجراد | الخلاف في حمام مكة | بيض الحمام | الطير غير الحمام | باب الجراد | بيض الجراد | باب العلل فيما أخذ من الصيد لغير قتله | نتف ريش الطائر | الجنادب والكدم | قتل القمل | المحرم يقتل الصيد الصغير أو الناقص | ما يتوالد في أيدي الناس من الصيد وأهل بالقرى