كتاب الأم/كتاب الجزية/كم الجزية ؟

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - كتاب الجزية

المؤلف: الشافعي
كم الجزية ؟


[قال الشافعي]: قال: الله تبارك وتعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد} وكان معقولا أن الجزية شيء يؤخذ في أوقات وكانت الجزية محتملة للقليل والكثير.

[قال الشافعي]: وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد (فأخذ رسول الله ﷺ جزية أهل اليمن دينارا في كل سنة، أو قيمته من المعافري) وهي الثياب، وكذلك روي أنه أخذ من أهل أيلة ومن نصارى مكة دينارا عن كل إنسان، قال: وأخذ الجزية من أهل نجران فيها كسوة، ولا أدري ما غاية ما أخذ منهم، وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار وأخذها من أكيدر، ومن مجوس البحرين لا أدري كم غاية ما أخذ منهم، ولم أعلم أحدا قط حكى عنه أنه أخذ من أحد أقل من دينار أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز أن (النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن إن على كل إنسان منكم دينارا، أو قيمته من المعافري) يعني أهل الذمة منهم أخبرني مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا أحفظه غير أنه حسن أن (النبي ﷺ فرض على أهل الذمة من أهل اليمن دينارا كل سنة) قلت لمطرف بن مازن فإنه يقال وعلى النساء أيضا فقال: ليس أن النبي ﷺ أخذ من النساء ثابتا عندنا.

[قال الشافعي]: وسألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعدة من علماء أهل اليمن فكل حكى عن عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة أن صلح النبي ﷺ لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن النساء كن فيمن تؤخذ منه الجزية وقال: عامتهم، ولم يأخذ من زروعهم، وقد كانت لهم الزروع، ولا من مواشيهم شيئا علمناه وقال لي: قد جاءنا بعض الولاة فخمس زروعهم، أو أرادوها فأنكر ذلك عليه وكل من وصفت أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من حمير.

[قال الشافعي]: سألت عددا كثيرا من ذمة أهل اليمن مفترقين في بلدان اليمن فكلهم أثبت لي لا يختلف قولهم أن معاذا أخذ منهم دينارا على كل بالغ وسموا البالغ الحالم قالوا كان في كتاب النبي ﷺ مع معاذ (إن على كل حالم دينارا) أخبرنا إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث أن (النبي ﷺ ضرب على نصراني بمكة يقال له موهب دينارا كل سنة وأن النبي ﷺ ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، ولا يغشوا مسلما) أخبرنا إبراهيم عن إسحاق بن عبد الله أنهم كانوا يومئذ ثلاثمائة فضرب النبي ﷺ يومئذ ثلاثمائة دينار كل سنة.

[قال الشافعي]: فإذا دعا من يجوز أن تؤخذ منه الجزية إلى الجزية على ما يجوز وبذل دينارا عن نفسه كل سنة لم يجز للإمام إلا قبوله منه، وإن زاده على دينار ما بلغت الزيادة، قلت أو كثرت جاز للإمام أخذها منه؛ لأن اشتراط النبي ﷺ على نصارى أيلة في كل سنة دينارا على كل واحد والضيافة زيادة على الدينار وسواء معسر البالغين من أهل الذمة وموسرهم بالغا ما بلغ يسره؛ لأنا نعلم أنه إذا صالح أهل اليمن وهم عدد كثير على دينار على المحتلم في كل سنة أن منهم المعسر فلم يضع عنه وأن فيهم الموسر فلم يزد عليه فمن عرض دينارا موسرا كان أو معسرا قبل منه، وإن عرض أقل منه لم يقبل منه؛ لأن من صالح رسول الله ﷺ لم نعلمه صالح على أقل من دينار قال: فالدينار أقل ما يقبل من أهل الذمة وعليه إن بذلوه قبوله منه عن كل واحد منهم، وإن لم يزد ضيافة، ولا شيئا يعطيه من ماله.

فإن صالح السلطان أحدا ممن يجوز أخذ الجزية منه، وهو يقوى عليه على الأبدي على أقل من دينار، أو على أن يضع عمن أعسر من أهل دينه الجزية، أو على أن ينفق عليهم من بيت المال فالصلح فاسد وليس له أن يأخذ من أحد منهم إلا ما صالحه عليه إن مضت مدة بعد الصلح توجب عليه بشرطه شيئا وعليه أن ينبذ إليهم حتى يصالحوه صلحا جائزا، وإن صالحوه صلحا جائزا على دينار، أو أكثر فأعسر واحد منهم بجزيته فالسلطان غريم من الغرماء ليس بأحق بماله من غرمائه، ولا غرمائه منه.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإن فلسه لأهل دينه قبل أن يحول الحول عليه ضرب مع غرمائه بحصة جزيته لما مضى عليه من الحول، وإن قضاه الجزية دون غرمائه كان له ما لم يستعد عليه غرماؤه، أو بعضهم، فإذا استعدى عليه بعضهم فليس له أن يأخذ جزيته دونهم؛ لأن عليه حين استعدى عليه أن يقف ماله إذا أقر به، أو ثبت عليه ببينة فإن لم يستعد عليه كان له أخذ جزيته منه دونهم؛ لأنه لم يثبت عليه حق عنده حين أخذ جزيته.

وإن صالح أحدا من أهل الذمة على ما يجوز له فغاب الذمي فله أخذ حقه من ماله، وإن كان غائبا إذا علم حياته، وإن لم يعلم حياته سأل وكيله ومن يقوم بماله عن حياته فإن قالوا: مات، وقف ماله وأخذ ما استحق فيه إلى يوم يقولون مات فإن قالوا: حي، وقف ماله إلا أن يعطوه متطوعين الجزية، ولا يكون له أخذها من ماله، وهو لا يعلم حياته إلا أن يعطوه إياها متطوعين، أو يكون بعلم ورثته كلهم وأن لا وارث له غيرهم وأن يكونوا بالغين يجوز أمرهم في مالهم فيجيز عليهم إقرارهم على أنفسهم؛ لأنه إن مات فهو مالهم.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإن أخذ الجزية من ماله لسنتين ثم ثبت عنده أنه مات قبلهما. رد حصة ما لم يستحق وكان عليه أن يحاص الغرماء فإن كان ما يصيبه إذا حاصصهم في الجزية عليه أقل مما أخذ رده عليهم، وإن كان ورثته بالغين جائزي الأمر فقالوا مات أمس وشهد شهود أنه مات عام أول فسأل الورثة الوالي أن يرد عليهم جزيته سنة لم يكن على الوالي أن يردها عليهم؛ لأنهم يكذبون الشهود بسقوط الجزية عنه بالموت، ولو جاءنا وارثان فصدق أحدهما الشهود وكذبهم الآخر فكانا كرجلين شهد لهما رجلان بحقين فصدقهما أحدهما، ولم يصدقهما الآخر فتجوز شهادتهما للذي صدقهما وترد للذي كذبهما وكان على الإمام أن يرد نصف الدينار على الوارث الذي صدق الشهود، ولا يرد على الذي كذب الشهود.

[قال الشافعي]: وإن أخذنا الجزية من أحد من أهلها فافتقر كان الإمام غريما من الغرماء، ولم يكن له أن ينفق من مال الله عز وجل على فقير من أهل الذمة؛ لأن مال الله عز وجل ثلاثة أصناف: الصدقات فهي لأهلها الذين سمى الله عز وجل في سورة براءة، والفيء فلأهله الذين سمى الله عز وجل في سورة الحشر، والغنيمة فلأهلها الذين حضروها، وأهل الخمس المسلمين في الأنفال وكل هؤلاء مسلم فحرام على الإمام والله تعالى أعلم أن يأخذ من حق أحد من المسلمين فيعطيه مسلما غيره فكيف بذمي لم يجعل الله تبارك وتعالى فيما تطول به على المسلمين نصيبا؟ ألا ترى أن الذمي منهم يموت فلا يكون له وارث فيكون ماله للمسلمين دون أهل الذمة؛ لأن الله عز وجل أنعم على المسلمين بتخويلهم ما لم يكونوا يتخولونه قبل تخويلهم وبأموال المشركين فيئا وغنيمة.

[قال الشافعي]: ويروون أن (النبي ﷺ جعل على نصارى أيلة جزية دينار على كل إنسان) وضيافة من مر بهم من المسلمين وتلك زيادة على الدينار.

[قال الشافعي]: فإن بذل أهل الذمة أكثر من دينار بالغا ما بلغ كان الازدياد أحب إلي، ولم يحرم على الإمام مما زادوه شيء، وقد صالح عمر أهل الشام على أربعة دنانير وضيافة أخبرنا مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل المذهب أربعة دنانير ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.

[قال الشافعي]: وقد روي أن عمر ضرب على أهل الورق ثمانية وأربعين وعلى أهل اليسر وعلى أهل الأوساط أربعة وعشرين وعلى من دونهم اثني عشر درهما، وهذا في الدرهم أشبه بمذهب عمر بأنه عدل الدراهم في الدية اثني عشر درهما بدينار أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضر أن عمر بن الخطاب فرض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة فمن حبسه مرض، أو مطر أنفق من ماله.

[قال الشافعي]: وحديث أسلم ضيافة ثلاثة أيام أشبه؛ لأن (رسول الله ﷺ جعل الضيافة ثلاثا)، وقد يكون جعلها على قوم ثلاثا وعلى قوم يوما وليلة، ولم يجعل على آخرين ضيافة كما يختلف صلحه لهم فلا يرد بعض الحديث بعضا.


كتاب الأم - كتاب الجزية
مبتدأ التنزيل والفرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم على الناس | الإذن بالهجرة | مبتدأ الإذن بالقتال | فرض الهجرة | أصل فرض الجهاد | من لا يجب عليه الجهاد | من له عذر بالضعف والمرض والزمانة في ترك الجهاد | العذر بغير العارض في البدن | العذر الحادث | تحويل حال من لا جهاد عليه | شهود من لا فرض عليه القتال | من ليس للإمام أن يغزو به بحال | كيف تفضل فرض الجهاد | تفريع فرض الجهاد | تحريم الفرار من الزحف | في إظهار دين النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأديان | الأصل فيمن تؤخذ الجزية منه ومن لا تؤخذ | من يلحق بأهل الكتاب | تفريع من تؤخذ منه الجزية من أهل الأوثان | من ترفع عنه الجزية | الصغار مع الجزية | مسألة إعطاء الجزية بعدما يؤسرون | مسألة إعطاء الجزية على سكنى بلد ودخوله | كم الجزية ؟ | بلاد العنوة | بلاد أهل الصلح | الفرق بين نكاح من تؤخذ منه الجزية وتؤكل ذبائحهم | تبديل أهل الجزية دينهم | جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه | جماع نقض العهد بلا خيانة | نقض العهد | ما أحدث الذين نقضوا العهد | ما أحدث أهل الذمة الموادعون مما لا يكون نقضا | المهادنة | المهادنة على النظر للمسلمين | مهادنة من يقوى على قتاله | جماع الهدنة على أن يرد الإمام من جاء بلده مسلما أو مشركا | أصل نقض الصلح فيما لا يجوز | جماع الصلح في المؤمنات | تفريع أمر نساء المهادنين | إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم | الصلح على أموال أهل الذمة | كتاب الجزية على شيء من أموالهم | الضيافة مع الجزية | الضيافة في الصلح | الصلح على الاختلاف في بلاد المسلمين | ذكر ما أخذ عمر رضي الله تعالى عنه من أهل الذمة | تحديد الإمام ما يأخذ من أهل الذمة في الأمصار | ما يعطيهم الإمام من المنع من العدو | تفريع ما يمنع من أهل الذمة | الحكم بين أهل الذمة | الحكم بين أهل الجزية