كتاب الأم/كتاب الجزية/جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - كتاب الجزية

المؤلف: الشافعي
جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه


[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: جماع الوفاء بالنذر وبالعهد كان بيمين، أو غيرها في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}، وفي قوله تعالى {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا}، وقد ذكر الله عز وجل الوفاء بالعقود بالأيمان في غير آية من كتابه، منها قوله عز وجل: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} قرأ الربيع الآية وقوله {يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} مع ما ذكر به الوفاء بالعهد.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به وظاهره عام على كل عقد ويشبه والله تعالى أعلم أن يكون أراد الله عز وجل أن يوفي بكل عقد نذر إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية. فإن قال: قائل ما دل على ما وصفت والأمر فيه كله مطلق؟ ومن أين كان لأحد أن ينقض عهدا بكل حال؟ قيل: الكتاب ثم السنة (صالح رسول الله ﷺ قريشا بالحديبية على أن يرد من جاء منهم فأنزل الله تبارك وتعالى في امرأة جاءته منهم مسلمة {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن}) ففرض الله عز وجل عليهم أن لا ترد النساء، وقد أعطوهم رد من جاء منهم وهن منهم فحبسهن رسول الله ﷺ بأمر الله عز وجل: (وعاهد رسول الله ﷺ قوما من المشركين فأنزل الله عز وجل عليه {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}) الآية. وأنزل {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا} الآية. فإن قال: قائل كيف كان النبي ﷺ صالح أهل الحديبية ومن صالح من المشركين؟ قيل: كان صلحه لهم طاعة لله، إما عن أمر الله عز وجل بما صنع نصا، وإما أن يكون الله تبارك وتعالى جعل له أن يعقد لمن رأى بما رأى ثم أنزل قضاءه عليه فصاروا إلى قضاء الله جل ثناؤه ونسخ رسول الله ﷺ فعله بفعله بأمر الله وكل كان لله طاعة في وقته. فإن قال قائل: وهل لأحد أن يعقد عقدا منسوخا ثم يفسخه؟ قيل له أن يبتدئ عقدا منسوخا، وإن كان ابتدأه فعليه أن ينقضه كما ليس له أن يصلي إلى بيت المقدس ثم يصلي إلى الكعبة؛ لأن قبلة بيت المقدس قد نسخت. ومن صلى إلى بيت المقدس مع رسول الله ﷺ قبل نسخها فهو مطيع لله عز وجل كالطاعة له حين صلى إلى الكعبة. وذلك أن قبلة بيت المقدس كانت طاعة لله قبل أن تنسخ ومعصية بعدما نسخت، فلما قبض رسول الله ﷺ تناهت فرائض الله عز وجل فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها فمن عمل منها بمنسوخ بعد علمه به فهو عاص وعليه أن يرجع عن المعصية، وهذا فرق بين نبي الله وبين من بعده من الولاة في الناسخ والمنسوخ، وفي كل ما وصفت دلالة على أن ليس للإمام أن يعقد عقدا غير مباح له وعلى أن عليه إذا عقده أن يفسخه ثم تكون طاعة الله في نقضه، فإن قيل: فما يشبه هذا؟ قيل له: هذا مثل ما قال رسول الله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (وأسر المشركون امرأة من الأنصار وأخذوا ناقة النبي ﷺ فانطلقت الأنصارية على ناقة النبي ﷺ فنذرت إن نجاها الله عز وجل عليها أن تنحرها فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم).

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: يعني والله تعالى أعلم لا نذر يوفى به فلما دلت السنة على إبطال النذر فيما يخالف المباح من طاعة الله عز وجل دل على إبطاله العقود في خلاف ما يباح من طاعة الله جل وعز، ألا ترى أن نحر الناقة لم يكن معصية لو كانت لها فلما كانت لرسول الله ﷺ فنذرت نحرها كان نحرها معصية بغير إذن مالكها فبطل عنها عقد النذر، وقال الله تبارك وتعالى في الأيمان {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين} وقال: رسول الله ﷺ (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) فأعلم أن طاعة الله عز وجل أن لا يفي باليمين إذا رأى غيرها خيرا منها وأن يكفر بما فرض الله عز وجل من الكفارة وكل هذا يدل على أنه إنما يوفى بكل عقد نذر وعهد لمسلم، أو مشرك كان مباحا لا معصية لله عز وجل فيه فأما ما فيه لله معصية فطاعة الله تبارك وتعالى في نقضه إذا مضى، ولا ينبغي للإمام أن يعقده.


كتاب الأم - كتاب الجزية
مبتدأ التنزيل والفرض على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم على الناس | الإذن بالهجرة | مبتدأ الإذن بالقتال | فرض الهجرة | أصل فرض الجهاد | من لا يجب عليه الجهاد | من له عذر بالضعف والمرض والزمانة في ترك الجهاد | العذر بغير العارض في البدن | العذر الحادث | تحويل حال من لا جهاد عليه | شهود من لا فرض عليه القتال | من ليس للإمام أن يغزو به بحال | كيف تفضل فرض الجهاد | تفريع فرض الجهاد | تحريم الفرار من الزحف | في إظهار دين النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأديان | الأصل فيمن تؤخذ الجزية منه ومن لا تؤخذ | من يلحق بأهل الكتاب | تفريع من تؤخذ منه الجزية من أهل الأوثان | من ترفع عنه الجزية | الصغار مع الجزية | مسألة إعطاء الجزية بعدما يؤسرون | مسألة إعطاء الجزية على سكنى بلد ودخوله | كم الجزية ؟ | بلاد العنوة | بلاد أهل الصلح | الفرق بين نكاح من تؤخذ منه الجزية وتؤكل ذبائحهم | تبديل أهل الجزية دينهم | جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه | جماع نقض العهد بلا خيانة | نقض العهد | ما أحدث الذين نقضوا العهد | ما أحدث أهل الذمة الموادعون مما لا يكون نقضا | المهادنة | المهادنة على النظر للمسلمين | مهادنة من يقوى على قتاله | جماع الهدنة على أن يرد الإمام من جاء بلده مسلما أو مشركا | أصل نقض الصلح فيما لا يجوز | جماع الصلح في المؤمنات | تفريع أمر نساء المهادنين | إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم | الصلح على أموال أهل الذمة | كتاب الجزية على شيء من أموالهم | الضيافة مع الجزية | الضيافة في الصلح | الصلح على الاختلاف في بلاد المسلمين | ذكر ما أخذ عمر رضي الله تعالى عنه من أهل الذمة | تحديد الإمام ما يأخذ من أهل الذمة في الأمصار | ما يعطيهم الإمام من المنع من العدو | تفريع ما يمنع من أهل الذمة | الحكم بين أهل الذمة | الحكم بين أهل الجزية