كتاب الأم/الوديعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - الوديعة

المؤلف: الشافعي
الوديعة

أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: إذا استودع الرجل الرجل الوديعة وأراد المستودع سفرا فلم يثق بأحد يجعلها عنده فسافر بها برا أو بحرا فهلكت ضمن، وكذلك لو أراد سفرا فجعل الوديعة في بيت مال المسلمين فهلكت ضمن، وكذلك إن دفنها، ولم يعلم بها أحدا يأمنه على ماله فهلكت ضمن، وكذلك إن دفنها، ولم يخلف في منزله أحدا يحفظه فهلكت، ضمن.

وإذا أودع الرجل الوديعة فتعدى فيها فلم تهلك حتى أخذها وردها في موضعها فهلكت ضمن من قبل أنه قد خرج من حد الأمانة إلى أن كان متعديا ضامنا للمال بكل حال حتى يحدث له المستودع أمانة مستقبلة، وكذلك لو تكارى دابة إلى بلد فتعدى بها ذاهبا، أو جائيا ثم ردها سالمة إلى الموضع الذي له في الكراء فهلكت من قبل أن يدفعها كان لها ضامنا من قبل أنه صار متعديا ومن صار متعديا لم يبرأ حتى يدفع إلى من تعدى عليه ماله.

وكذلك لو سرق دابة لرجل من حرزها، ثم ردها إلى حرزها فهلكت ضمن، ولا يبرأ من ضمن إلا بدفع ما ضمن إلى مالكه.

ولو أودعه عشرة دراهم فتعدى منها في درهم فأخرجه فأنفقه، ثم أخذه فرده بعينه، ثم هلكت الوديعة ضمن الدرهم، ولا يضمن التسعة لأنه تعدى بالدرهم، ولم يتعد بالتسعة، وكذلك إن كان ثوبا فلبسه، ثم رده بعينه ضمنه [قال الربيع]: قول الشافعي إن كان الدرهم الذي أخذه، ثم وضع غيره معروفا من الدراهم ضمن الدرهم، ولم يضمن التسعة، وإن كان لا يتميز ضمن العشرة.

[قال الشافعي]: وإذا أودع الرجل الرجل الدابة فأمره بسقيها وعلفها فأمر بذلك من يسقي دوابه ويعلفها فتلفت من غير جناية لم يضمن، وإن كان سقى دوابه في داره فبعث بها خارجا من داره ضمن، قال: وإذا استودع الرجل الرجل الدابة فلم يأمره بسقيها، ولا علفها، ولم ينهه فحبسها المستودع مدة إذا أتت على مثلها، ولم تأكل، ولم تشرب تلفت فتلفت فهو ضامن، وإن كانت تلفت في مدة قد تقيم الدواب في مثلها، ولا تتلف فتلفت لم يضمن من تركها.

وإذا دفع إليه الدابة وأمره أن يكريها ممن يركبها بسرج فأكراها ممن يحمل عليها فعطبت ضمن، ولو أمره أن يكريها ممن يحمل عليها تبنا فأكراها ممن يحمل عليها حديدا فعطبت ضمن، ولو أمره أن يكريها ممن يحمل عليها حديدا فأكراها ممن يحمل عليها تبنا بوزنه فعطبت ضمن؛ لأنه يفترش عليها من التبن ما يعم فيقتل ويجمع عليها من الحديد ما يلهد فيتلعى ويرم فيقتل، ولو أمره أن يكريها ممن يركب بسرج فأكراها ممن يركبها بلا سرج فعطبت ضمن؛ لأن معروفا أن السرج أوقى لها، وإن كان يعرف أنه ليس بأوقى لها لم يضمن؛ لأنه زادها خفة، ولو كانت دابة ضئيلة فأكراها ممن يعلم أنها لا تطيق حمله ضمن؛ لأنه إذا سلطه على أن يكريها فإنما يسلطه على أن يكريها ممن تحمله فأكراها ممن لا تحمله ضمن، وإذا أمره أن يكريها ممن يركبها بسرج فأكراها ممن يركبها بإكاف فكان الإكاف أعم، أو أضر في حال ضمن، وإن كان أخف أو مثل السرج لم يضمن.

[قال الشافعي]: وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة فأراد المستودع السفر فإن كان المستودع حاضرا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى، فإن فعل فأودعها من شاء فهلكت ضمن إذا لم يأذنا له، وإن كان غائبا فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينا على ذلك فهلكت لم يضمن، فإن أودعها ممن يودع ماله ممن ليست له أمانة فهلكت ضمن، وسواء كان المودع من أهلها أو من غيرهم، أو حرا، أو عبدا أو ذكرا، أو أنثى؛ لأنه يجوز له أن يستهلك ماله، ولا يجوز له أن يستهلك مال غيره، ويجوز له أن يوكل بماله غير أمين، ولا يجوز له أن يوكل بأمانته غير أمين.

وهكذا لو مات المستودع فأوصى إلى رجل بماله الوديعة، أو الوديعة دون ماله فهلكت فإن كان الموصى إليه الوديعة أمينا لم يضمن الميت، وإن كان غير أمين ضمن.

ولو استودعه إياها في قرية آهلة فانتقل إلى قرية غير آهلة، أو في عمران من القرية فانتقل إلى خراب من القرية وهلكت ضمن في الحالين، ولو استودعه إياها في خراب فانتقل إلى عمارة، أو في خوف فانتقل إلى موضع آمن لم يكن ضامنا؛ لأنه زاده خيرا، ولو كان شرط عليه أن لا يخرجها من هذا الموضع فتعدى فأخرجها من غير ضرورة فهلكت ضمن، فإن كانت ضرورة فأخرجها إلى موضع أحرز من الموضع الذي كانت فيه لم يضمن. وذلك مثل النار تغشاه والسيل، ولو اختلفا في السيل، أو النار فقال: المستودع لم يكن سيل، ولا نار وقال: المستودع قد كان فإن كان يعلم أنه قد كان في تلك الناحية ذلك بعين ترى، أو أثر يدل فالقول قول المستودع، وإن لم يكن فالقول قول المستودع، ومتى ما قلت لواحد منهما القول قوله فعليه اليمين إن شاء الذي يخالفه أحلفه.

[قال]: وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة فاختلفا فقال: المستودع دفعتها إليك وقال: المستودع لم تدفعها فالقول قول المستودع، ولو كانت المسألة بحالها غير أن المستودع قال: أمرتني أن أدفعها إلى فلان فدفعتها وقال المستودع لم آمرك فالقول قول المستودع وعلى المستودع البينة. وإنما فرقنا بينهما أن المدفوع إليه غير المستودع. وقد قال: الله عز وجل: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} فالأول إنما ادعى دفعها إلى من ائتمنه، والثاني إنما ادعى دفعها إلى غير المستودع بأمره فلما أنكر أنه أمره أغرم له؛ لأن المدفوع إليه غير الدافع. وقد قال الله عز وجل: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} وقال عز اسمه {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم}، وذلك أن ولي اليتيم إنما هو وصي أبيه، أو وصي وصاه الحاكم ليس أن اليتيم استودعه، فلما بلغ اليتيم أن يكون له أمر في نفسه وقال: لم أرض أمانة هذا، ولم أستودعه فيكون القول قول المستودع كان على المستودع أن يشهد عليه إن أراد أن يبرأ، وكذلك الوصي، فإذا أقر المدفوع إليه أنه قد قبض بأمر المستودع فإن كانت الوديعة قائمة ردها، وإن كان استهلكها رد قيمتها، فإن قال هلكت بغير استهلاك، ولا تعد فالقول قوله، ولا يضمن من قبل أن الدافع إليه بعد إنما دفع إليه بقول رب الوديعة.

قال: وإذا استودع الرجل الرجل المال في خريطة فحولها إلى غيرها، فإن كانت التي حولها إليها حرزا كالتي حولها منها لا يضمن، وإن كانت لا تكون حرزا ضمن إن هلكت، وإن استودعه إياها على أن يجعلها في صندوق على أن لا يرقد عليه، أو على أن لا يقفله أو على أن لا يضع عليه متاعا فرقد عليه، أو أقفله، أو وضع عليه متاعا فسرق لم يضمن؛ لأنه زاده خيرا. وكذلك لو استودعه على أن يدفنها في موضع من البيت، ولا يبني عليه فوضعها في ذلك الموضع وبنى عليه بنيانا بلا أن يكون مخرجا لها من البيت فسرقت لم يضمن؛ لأنه زادها بالبناء حرزا.

وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة على أن يجعلها في بيت، ولا يدخله أحد فأدخله قوما فسرقها بعض الذين دخلوا، أو غيرهم، فإن كان الذي سرقها ممن أدخلها فعليه غرمها، وإن كان الذي سرق لم يدخله فلا غرم عليه.

[قال]: وإذا سأل الرجل الرجل الوديعة فقال: ما استودعتني شيئا، ثم قال: قد كنت استودعتني فهلكت فهو ضامن لها من قبل أنه قد أخرج نفسه من الأمانة، وكذلك لو سأله إياها فقال: قد دفعتها إليك ثم قال: بعد قد ضاعت في يدي فلم أدفعها إليك كان ضامنا، ولو قال: ما لك عندي شيء، ثم قال كان لك عندي شيء فهلك كان القول قوله؛ لأنه صادق أنه ليس له عنده شيء إذا هلكت الوديعة.

[قال]: وإذا سأل الرجل الرجل الوديعة فقال: ما استودعتني شيئا، ثم قال: قد كنت استودعتني فهلكت فهو ضامن لها من قبل أنه قد أخرج نفسه من الأمانة، وكذلك لو سأله إياها فقال: قد دفعتها إليك ثم قال: بعد قد ضاعت في يدي فلم أدفعها إليك كان ضامنا، ولو قال: ما لك عندي شيء، ثم قال كان لك عندي شيء فهلك كان القول قوله؛ لأنه صادق أنه ليس له عنده شيء إذا هلكت الوديعة.

[قال]: وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة فوضعها في موضع من داره يحرز فيه مال ويرى الناس مثله حرزا، وإن كان غيره من داره أحرز منه فهلكت لم يضمن، وإن وضعها في موضع من داره لا يراه الناس حرزا، ولا يحرز فيه مثل الوديعة فهلكت ضمن.

وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة ذهبا، أو فضة في منزله على أن لا يربطها في كمه أو بعض ثوبه فربطها فخرج فهلكت ضمن، ولو كان ربطها في مكانه ليحرزها فإن كان إحرازها يمكنه فتركها حتى طرت ضمن، وإن كان لا يمكنه بغلق لم ينفتح، أو ما أشبه ذلك لم يضمن. [قال]: وإذ استودعه إياها خارجا من منزله على أن يحرزها في منزله وعلى أن لا يربطها في كمه فربطها فضاعت فإن كان ربطها من كمه فيما بين عضده وجنبه لم يضمن، وإن كان ربطها ظاهرة على عضده ضمن؛ لأنه لا يجد من ثيابه شيئا أحرز من ذلك الموضع، وقد يجد من ثيابه ما هو أحرز من إظهارها على عضده، وإذا استودعه إياها على أن يربطها في كمه فأمسكها في يده فانفلتت من يده ضمن، ولو كرهه رجل على أخذها لم يضمن، وذلك أن يده أحرز من كمه ما لم يجن هو في يده شيئا هلك به.

[قال]: وإذا استودع الرجل الرجل شيئا من الحيوان، ولم يأمره بالنفقة عليه انبغى له أن يرفعه إلى الحاكم حتى يأمره بالنفقة عليه ويجعلها دينا على المستودع ويوكل الحاكم بالنفقة من يقبضها منه وينفقها غيره لئلا يكون أمين نفسه، أو يبيعها، وإن لم يفعل فأنفق عليها فهو متطوع، ولا يرجع عليه بشيء، وكذلك إذا أخذ له دابة ضالة، أو عبدا آبقا فأنفق عليه فهو متطوع، ولا يرجع عليه بشيء.

وإذا خاف هلاك الوديعة فحملها إلى موضع آخر فلا يرجع بالكراء على رب الوديعة؛ لأنه متطوع به.

[قال]: وإذا استودع الرجل الرجل الذهب فخلطها مع ورق له، فإن كان خلطها ينقصها ضمن النقصان، ولا يضمنها لو هلكت، وإن كان لا ينقصها لم يضمن، وكذلك لو خلطها مع ذهب يتميز منها فهلكت لم يضمن، وإن كان لا يتميز منها تميزا بينا فهلكت ضمن.

وإذا استودع الرجل الرجل دنانير أو دراهم فأخذ منها دينارا أو درهما، ثم رد مكانه بدله فإن كان الذي رد مكانه يتميز من دنانيره ودراهمه فضاعت الدنانير كلها ضمن ما تسلف فقط، وإن كان الذي وضع بدلا مما أخذ لا يتميز، ولا يعرف فتلفت الدنانير ضمنها كلها.

كتاب الأم
كتاب الطهارة | كتاب الحيض | كتاب الصلاة | كتاب صلاة الخوف وهل يصليها المقيم | كتاب صلاة العيدين | كتاب صلاة الكسوف | كتاب الاستسقاء | كتاب الجنائز | كتاب الزكاة | كتاب قسم الصدقات | كتاب الصيام الصغير | كتاب الاعتكاف | كتاب الحج | مختصر الحج المتوسط | مختصر الحج الصغير | كتاب الضحايا | كتاب الصيد والذبائح | كتاب الأطعمة | كتاب النذور | كتاب البيوع | باب السلف والمراد به السلم | كتاب الرهن الكبير | الرهن الصغير | التفليس | الصلح | الحوالة | باب الضمان | الشركة | الوكالة | جماع ما يجوز إقراره إذا كان ظاهرا | العارية | الغصب | كتاب الشفعة | باب القراض | المساقاة | المزارعة | الإجارة وكراء الأرض | إحياء الموات | الأحباس | كتاب الهبة | باب في العمرى | كتاب اللقطة | اللقطة الكبيرة | كتاب اللقيط | باب الجعالة | كتاب الفرائض | كتاب الوصايا | باب الولاء والحلف | الوديعة | قسم الفيء | كتاب الجزية | كتاب قتال أهل البغي وأهل الردة | كتاب السبق والنضال | كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي | كتاب النكاح | كتاب اللعان | كتاب جراح العمد | كتاب الحدود وصفة النفي | الاستحقاق | الأشربة | الوليمة | صدقة الشافعي | وثيقة في المكاتب أملاها الشافعي | وثيقة في المدبر | كتاب الأقضية | الإقرار والمواهب | الدعوى والبينات | الشهادات | باب الحدود | الأيمان والنذور والكفارات في الأيمان | باب في الأقضية | كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى | اختلاف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما | كتاب اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما | كتاب الرد على محمد بن الحسن | كتاب سير الأوزاعي | كتاب القرعة | أحكام التدبير | المكاتب