كتاب الأم/التفليس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - التفليس

المؤلف: الشافعي
التفليس

[أخبرنا الربيع]: قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزام عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به).

[قال الشافعي]: وأخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنه سمع يحيى بن سعيد يقول أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر بن عبد العزيز حدثه أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله ﷺ (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به). [أخبرنا] محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب قال حدثني أبو المعتمر بن عمرو بن رافع عن ابن خلدة الزرقي، وكان قاضيا بالمدينة أنه قال جئنا أبا هريرة رضي الله عنه في صاحب لنا قد أفلس فقال هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ (أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه).

[قال الشافعي]: وبحديث مالك بن أنس وعبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد وحديث ابن أبي ذئب عن أبي المعتمر في التفليس نأخذ وفي حديث ابن أبي ذئب ما في حديث مالك والثقفي من جملة التفليس ويتبين أن ذلك في الموت والحياة سواء وحديثاهما ثابتان متصلان وفي قول النبي ﷺ (من أدرك ماله بعينه فهو أحق به) بيان على أنه جعل لصاحب السلعة إذا كانت سلعته قائمة بعينها نقض البيع الأول فيها إن شاء كما جعل للمستشفع الشفعة إن شاء؛ لأن كل من جعل له شيء فهو إليه إن شاء أخذه، وإن شاء تركه، وإن أصاب السلعة نقص في بدنها عوار أو قطع أو غيره أو زادت فذلك كله سواء، يقال لرب السلعة: أنت أحق بسلعتك من الغرماء إن شئت؛ لأنا إنما نجعل ذلك إن اختاره رب السلعة نقضا للعقدة الأولى بحال السلعة الآن. قال: وإذا لم أجعل لورثة المفلس، ولا له في حياته دفعه عن سلعته إذا لم يكن هو بريء الذمة بأدائه عن نفسه لم أجعل لغرمائه أن يدفعوا عن السلعة إن شاءوا وما لغرمائه يدفعون عنه. وما يعدو غرماؤه أن يكونوا متطوعين للغريم بما يدفعون عنه فليس على الغريم أن يأخذ ماله من غير صاحب دينه كما لو كان لرجل على رجل دين فقال له رجل: أقضيك عنه لم يكن عليه أن يقتضي ذلك منه وتبرأ ذمة صاحبه أو يكون هذا لهم لازما فيأخذه منهم، وإن لم يريدوه فهذا ليس لهم بلازم ومن قضى عليه أن يأخذ المال منهم خرج من حديث رسول الله ﷺ أولا؛ لأنه قد وجد عين ماله عند مفلس فإذا منعه إياه فقد منعه ما جعل له رسول الله ﷺ ثم أعطاه شيئا محالا ظلم فيه المعطى والمعطي. وذلك أن المعطي لو أعطى ذلك الغريم حتى يجعله مالا من ماله يدفعه إلى صاحب السلعة فيكون عنده غير مفلس يحقه وجبره على قبضه فجاء غرماء آخرون رجعوا به عليه فكان قد منعه سلعته التي جعل له رسول الله ﷺ دون الغرماء كلهم وأعطاه العوض منها والعوض لا يكون إلا لما فات والسلعة لم تفت فقضى ها هنا قضاء محالا إذ جعل العوض من شيء قائم ثم زاد أن قضى بأن أعطاه ما لا يسلم له؛ لأن الغرماء إذا جاءوا ودخلوا معه فيه، وكانوا أسوته وسلعته قد كانت له منفردة دونهم عن المعطي فجعله يعطي على أن يأخذ فضل السلعة ثم جاء غرماء آخرون فدخلوا عليه في تلك السلعة. فإن قال قائل لم أدخل ذلك عليه وهو تطوع به قيل له: فإذا كان تطوع به فلم جعلت له فيما تطوع عوض السلعة والمتطوع من لا يأخذ عوضا ما زدت على أن جعلته له بيعا لا يجوز وغررا لا يفعل.

[قال الشافعي]: وإذا باع الرجل من الرجل نخلا فيه ثمر أو طلع قد أبر استثناه المشتري، وقبضها المشتري وأكل الثمر ثم أفلس المشتري كان للبائع أن يأخذ حائطه؛ لأنه عين ماله ويكون أسوة الغرماء في حصة الثمر الذي وقع عليه البيع فاستهلكه المشتري من أصل الثمن يقسم الثمن على الحائط والثمر فينظر كم قيمة الثمر من أصل البيع فإن كان الربع أخذ الحائط بحصته وهو ثلاثة أرباع الثمن ورجع بقيمة الثمر وهو الربع، وإنما قيمته يوم قبضه لا يوم أكله؛ لأن الزيادة كانت في ماله. ولو قبضه سالما والمسألة بحالها ثم أصابته جائحة رجع بحصته من الثمن؛ لأنها أصابته في ملكه بعد قبضه، ولو كان باعه الحائط والثمر قد أخضر ثم أفلس المشتري والثمر رطب أو ثمر قاتم أو بسر زائد عن الأخضر كان له أن يأخذه والنخل؛ لأنه عين ماله، وإن زاد كما يبيعه الجارية الصغيرة فيأخذها كبيرة زائدة، ولو أكل بعضه وأدرك بعضه زائدا بعينه أخذ المدرك وتبعه بحصة ما باع من الثمر يوم باعه إياه مع الغرماء.

[قال الشافعي]: وهكذا لو باعه وديا صغارا أو نوى قد خرج أو زرعا قد خرج أو لم يخرج مع أرض فأفلس وذلك كله زائد مدرك أخذ الأرض وجميع ما باعه زائدا مدركا، وإذا فات رجع بحصته من الثمن يوم وقع البيع كما يكون.

لو اشترى منه جارية أو عبدا بحال صغر أو مرض فمات في يديه أو أعتقه رجع بثمنه الذي اشتراه به منه، ولو كبر العبد أو صح، وقد اشتراه سقيما صغيرا كان للبائع أخذه صحيحا كبيرا؛ لأنه عين ماله والزيادة فيه منه لا من صنعة الآدميين، وكذلك لو باعه فعلمه أخذه معلما، ولو كسا المشتري العبد أو وهب له مالا أخذ البائع العبد وأخذ الغرماء مال العبد، وليس بالعبد؛ لأنها غيره ومال من مال المشتري لا يملكه البائع، ولو كان العبد المبيع بيع، وله مال استثناه المشتري فاستهلك المشتري ماله أو هلك في يد العبد فسواء ويرجع البائع بالعبد فيأخذه دون الغرماء وبقيمة المال من البيع يحاص به الغرماء.

ولو باعه حائطا لا ثمر فيه فأثمر ثم فلس المشتري فإن كان الثمر يوم فلس المشتري مأبورا أو غير مأبور فسواء والثمر للمشتري ثم يقال لرب النخل إن شئت فالنخل لك على أن نقر الثمر فيها إلى الجداد، وإن شئت فدع النخل وكن أسوة الغرماء. وهكذا لو باعه أمة فولدت ثم فلس كانت له الأمة، ولم يكن له الولد، ولو فلس والأمة حامل كانت له الأمة والحمل تبع يملكها كما يملك به الأمة. ولو كانت السلعة أمة فولدت له أولادا قبل إفلاس الغريم ثم أفلس الغريم رجع بالأم، ولم يرجع بالأولاد؛ لأنهم ولدوا في ملك الغريم، وإنما نقضت البيع الأول بالإفلاس الحادث واختيار البيع نقضه لا بأن أصل البيع كان مفسوخا من الأصل، ولو كانت السلعة دارا فبنيت أو بقعة فغرست ثم أفلس والغريم رددت البائع بالدار كما كانت والبقعة كما كانت حين باعها، ولم أجعل له الزيادة؛ لأنها لم تكن في صفقة البيع، وإنما هي شيء متميز من الأرض من مال المشتري ثم خيرته بين أن يعطى قيمة العمارة والغراس ويكون ذلك له أو يكون له ما كان من الأرض لا عمارة فيها وتكون العمارة الحادثة تباع للغرماء سواء بينهم إلا أن يشاء الغرماء والغريم أن يقلعوا البناء والغراس ويضمنوا لرب الأرض ما نقص الأرض القلع فيكون ذلك لهم.

ولو كانت السلعة شيئا متفرقا مثل عبيد أو إبل أو غنم أو ثياب أو طعام فاستهلك المشتري بعضه ووجد البائع بعضه كان له البعض الذي وجد بحصته من الثمن إن كان نصفا قبض النصف، وكان غريما من الغرماء في النصف الباقي وهكذا إن كان أكثر أو أقل. قال: وإذا جعل له رسول الله ﷺ الكل؛ لأنه عين ماله فالبعض عين ماله وهو أقل من الكل ومن ملك الكل ملك البعض إلا أنه إذا ملك البعض نقص من ملكه والنقص لا يمنعه الملك.

ولو باع رجل من رجل أرضا فغرسها ثم فلس الغريم فأبى رب الأرض أن يأخذ الأرض بقيمة الغراس وأبى الغريم أن يقلعوا الغراس ويسلموا الأرض إلى ربها لم يكن لرب الأرض بالخيار إن شاء أن يأخذ أرضه ويبقي الثمر فيها إلى الجداد إن أراد الغريم والغرماء أن يبقوه فيها إلى الجداد فذلك له، وليس للغريم منعه، وإن أراد أن يدعها ويضرب مع الغرماء بما كان له فعل، وكذلك لو باعه أرضا بيضاء فزرعها ثم فلس كان مثل الحائط يبيعه ثم يثمر النخل فإن أراد رب الأرض أو رب النخل أن يقبلها ويبقي فيها الزرع إلى الحصاد والثمار إلى الجداد ثم عطبت النخل قبل ذلك بأي وجه ما عطبت بفعل الآدميين أو بأمر من السماء أو جاء سيل فخرق الأرض وأبطلها فضمان ذلك من ربها الذي قبلها لا من المفلس؛ لأنه عندما قبلها صار مالكا لها إن أراد أن يبيع باع، وإن أراد أن يهب وهب. فإن قيل ومن أين يجوز أن يملك المرء شيئا لا يتم له جميع ملكه فيه؛ لأن هذا لم يملكه الذي جعلت له أخذه ملكا تاما؛ لأنه محول بينه وبين جمار النخل والجريد وكل ما أضر بثمر المفلس ومحول بينه وبين أن يحدث في الأرض بئرا أو شيئا مما يضر ذلك بزرع المفلس؟ قيل له بدلالة قول النبي ﷺ (من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأجاز رسول الله ﷺ أن يملك المبتاع النخل ويملك البائع الثمر إلى الجداد. قال: ولو سلم رب الأرض الأرض للمفلس فقال الغرماء احصد الزرع وبعه بقلا، وأعطنا ثمنه. وقال المفلس: لست أفعل وأنا أدعه إلى أن يحصد؛ لأن ذلك أنمى لي والزرع لا يحتاج إلى الماء، ولا المؤنة كان القول قول الغرماء في أن يباع لهم. ولو كان يحتاج إلى السقي والعلاج فتطوع رجل للغريم بالإنفاق عليه فأخرج نفقة ذلك وأسلمها إلى من يلي الإنفاق عليه وزاد حتى ظن أن ذلك إن سلم لم يكن للغريم إبقاء الزرع إلى الحصاد، وكان للغرماء بيعه، وإذا جعل له رسول الله ﷺ الكل؛ لأنه عين ماله فالبعض عين ماله وهو أقل من الكل ومن ملك الكل ملك البعض إلا أنه إذا ملك البعض نقص من ملكه والنقص لا يمنعه الملك قال: ولو كانت السلعة عبدا فأخذ نصف ثمنه ثم أفلس الغريم كان له نصف العبد شريكا به للغريم ويباع النصف الذي كان للغريم لغرمائه دونه على المثال الذي ذكرت، ولا يرد مما أخذ شيئا؛ لأنه مستوف لما أخذه، ولو زعمت أنه يرد شيئا مما أخذ جعلت له لو أخذ الثمن كله أن يرده ويأخذ سلعته ومن قال هذا فهذا خلاف السنة، والقياس عليها.

ولو كانا عبدين أو ثوبين فباعهما بعشرين فقبض عشرة وبقي من ثمنهما عشرة كان شريكا فيهما بالنصف يكون نصفهما له والنصف للغرماء يباع في دينه، ولو كانت المسألة بحالها فاقتضى نصف الثمن وهلك نصف المبيع وبقي أحد الثوبين أو أحد العبدين، وقيمتهما سواء كان أحق به من الغرماء من قبل أنه عين ماله عند معدم، والذي قبض من الثمن إنما هو بدل، فكما كان لو كانا قائمين أخذهما ثم أخذ بعض البدل وبقي بعض السلعة كان ذلك كقيامهما معا فإن ذهب ذاهب إلى أن يقول البدل منهما معا فقد أخذ نصف ثمن ذا ونصف ثمن ذا، فهل من شيء يبين ما قلت غير ما ذكرت؟ قيل نعم أن يكونا جميعا ثمن ذا مثل ثمن ذا مستويي القيمة فيباعان صفقة واحدة ويقبضان ويقبض البائع من ثمنهما خمسين ويهلك أحد الثوبين ويجد بالآخر عيبا فيرده بالنصف الباقي، ولا يرد شيئا مما أخذ ويكون ما أخذ ثمن الهالك منهما، ولو لم يكونا بيعا، وكانا رهنا بمائة فأخذ تسعين وفات أحدهما كان الآخر رهنا بالعشرة الباقية، وكذلك يكون لو كانا قائمين، ولا يبعض الثمن عليهما، ولكنه يجعل الكل في كليهما والباقي في كليهما. وكما يكون ذلك في الرهن لو كانوا عبيدا رهنا بمائة فأدى تسعين كانوا معا رهنا بعشرة لا يخرج منهم أحد من الرهن، ولا شيء منه حتى يستوفي آخر حقه فلما كان البيع في دلالة حكم النبي ﷺ موقوفا فإن أخذ ثمنه، وإلا رجع بيعه فأخذه فكان كالمرتهن قيمته وفي أكثر من حال المرتهن في أنه أخذه كله لا يباع عليه كما يباع الرهن فيستوفي حقه ويرد فضل الثمن على مالكه فكان في معنى السنة.

[قال الشافعي]: في الشريكين يفلس أحدهما: لا يلزم الشريك الآخر من الدين شيء إلا أن يقر أنه أدانه له بإذنه أو هما معا فيكون كدين أدانه له بإذنه بلا شركة كانت، وشركة المفاوضة باطلة لا شركة إلا واحدة.

قال الله تبارك وتعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}، وقال رسول الله ﷺ (مطل الغني ظلم) فلم يجعل على ذي دين سبيلا في العسرة حتى تكون الميسرة، ولم يجعل رسول الله ﷺ مطله ظلما إلا بالغنى فإذا كان معسرا فهو ليس ممن عليه سبيل إلا أن يوسر، وإذا لم يكن عليه سبيل فلا سبيل على إجارته؛ لأن إجارته عمل بدنه، وإذا لم يكن على بدنه سبيل، وإنما السبيل على ماله لم يكن إلى استعماله سبيل، وكذلك لا يحبس؛ لأنه لا سبيل عليه في حاله هذه.

وإذا قام الغرماء على رجل فأرادوا أخذ جميع ماله ترك له من ماله قدر ما لا غناء به عنه، وأقل ما يكفيه وأهله يومه من الطعام والشراب، وقد قيل إن كان لقسمه حبس أنفق عليه وعلى أهله كل يوم أقل ما يكفيهم حتى يفرغ من قسم ماله ويترك لهم نفقتهم يوم يقسم آخر ماله، وأقل ما يكفيه من كسوته في شتاء كان ذلك أو صيف فإن كان له من الكسوة ما يبلغ ثمنا كثيرا بيع عليه، وترك له ما وصفت لك من أقل ما يكفيه منها. فإن كانت ثيابه كلها غوالي مجاوزة القدر اشتري له من ثمنها أقل ما يكفيه مما يلبس أقصد من هو في مثل حاله ومن تلزمه مؤنته في، وقته ذلك شتاء كان أو صيفا، وإن مات كفن من ماله قبل الغرماء وحفر قبره بأقل ما يكفيه ثم اقتسم فضل ماله ويباع عليه مسكنه وخادمه؛ لأن له من الخادم بدا، وقد يجد المسكن.

قال: وإذا جنيت عليه جناية قبل التفليس فلم يأخذ أرشها إلا بعد التفليس فالغرماء أحق بها منه إذا قبضها؛ لأنها مال من ماله لا ثمن لبعضه.

ولو وهب له بعد التفليس هبة لم يكن عليه أن يقبلها فلو قبلها كانت لغرمائه دونه، وكذلك كل ما أعطاه أحد من الآدميين متطوعا به فليس عليه قبوله، ولا يدخل ماله شيء إلا بقبوله إلا الميراث، فإنه لو ورث كان مالكا، ولم يكن له دفع الميراث، وكان لغرمائه أخذه من يده.

ولو جنيت عليه جناية عمدا فكان له الخيار بين أخذ الأرش أو القصاص كان له أن يقتص، ولم يكن عليه أن يأخذ المال؛ لأنه لا يكون مالكا للمال إلا بأن يشاء، وكذلك لو عرض عليه من جنى عليه المال.

ولو استهلك له شيئا قبل التفليس ثم صالح منه على شيء بعد التفليس فإن كان ما صالح قيمة ما استهلك له بشيء معروف القيمة فأراد مستهلكه أن يزيده على قيمته لم يكن عليه أن يقبل الزيادة؛ لأن الزيادة في موضع الهبة.

فإن فلس الغريم، وقد شهد له شاهد بحق على آخر فأبى أن يحلف مع شاهده أبطلنا حقه إذا أحلفنا المشهود عليه، ولم نجعل للغرماء أن يحلفوا؛ لأنه لا يملك إلا بعد اليمين فلما لم يكن مالكا لم يكن عليه أن يحلف، وكذلك لو ادعى عليه فأبى أن يحلف ورد اليمين فامتنع المفلس من اليمين بطل حقه، وليس للغرماء في حال أن يحلفوا؛ لأنهم ليسوا مالكين إلا ما ملك، ولا يملك إلا بعد اليمين.

ولو جنى هو بعد التفليس جناية عمدا أو استهلك مالا كان المجني عليه والمستهلك له أسوة الغرماء في ماله الموقوف لهم، بيع أو لم يبع ما لم يقتسموه فإذا اقتسموه نظرنا فإن كانت الجناية قبل القسم دخل معهم فيما اقتسموا؛ لأن حقه لزمه قبل أن يقسم ماله، وإن كانت الجناية بعد القسم لم يدخل معهم؛ لأنهم قد ملكوا ما قسم لهم وخرج عن ملك المفلس والجناية والاستهلاك دين عليه سواء.

ولو أن القاضي حجر عليه وأمر بوقف ماله ليباع فجنى عبد له جناية لم يكن له أن يفديه وأمر القاضي ببيع الجاني في الجناية حتى يوفي المجني عليه أرشها فإن فضل فضل رده في ماله حتى يعطيه غرماءه، وإن لم يفضل من ثمنه شيء، ولم يستوف صاحب الجناية جنايته بطلت جنايته؛ لأنها كانت في رقبة العبد دون ذمة سيده، ولو كان عبد المفلس مجنيا عليه كان سيده الخصم له فإذا ثبت الحق عليه، وكان الجاني عليه عبدا فله أن يقتص إن كانت الجناية فيها قصاص وأن يأخذ الأرش من رقبة العبد الجاني فإن أراد الغرماء ترك القصاص وأخذ المال فليس ذلك لهم؛ لأنه لا يملك المال إلا بعد اختياره لهم، وإن كانت الجناية مما لا قصاص فيه إنما فيه الأرش لم يكن لسيد العبد عفو الأرش؛ لأنه مال من ماله وجب له بكل حال فليس له هبته هو مردود في ماله يقضي به عن دينه.

وإذا باع الرجل من الرجل الحنطة أو الزيت أو السمن أو شيئا مما يكال أو يوزن فخلطه بمثله أو خلطه بأردأ منه من جنسه ثم فلس غريمه كان له أن يأخذ متاعه بعينه؛ لأنه قائم كما كان ويقاسم الغرماء بكيل ماله أو وزنه، وكذلك إن كان خلطه فيما دونه إن شاء؛ لأنه لا يأخذ فضلا إنما يأخذ نقصا فإن كان خلطه بما هو خير منه ففيها قولان أحدهما أن لا سبيل له؛ لأنا لا نصل إلى دفع ماله إليه إلا زائدا بمال غريمه، وليس لنا أن نعطيه الزيادة، وكان هذا أصح القولين والله أعلم وبه أقول. قال: ولا يشبه هذا، الثوب يصبغ، ولا السويق يلت الثوب يصبغ والسويق يلت متاعه بعينه فيه زيادة مختلطة فيه وهذا إذا اختلط انقلب حتى لا توجد عين ماله إلا غير معروفة من عين مال غيره وهكذا كل ذائب. والقول الثاني: أن ينظر إلى قيمة عسله، وقيمة العسل المخلوط به متميزين ثم يخير البائع بأن يكون شريكا بقدر قيمة عسله من عسل البائع ويترك فضل كيل عسله أو يدع ويكون غريما كأن عسله كان صاعا يسوى دينارين، وعسل شريكه كان صاعا يسوى أربعة دنانير فإن اختار أن يكون شريكا بثلثي صاع من عسله وعسل شريكه كان له، وكان تاركا لفضل صاع ومن قال هذا قال ليس هذا ببيع إنما هذا وضيعة من مكيلة كانت له، ولو باعه حنطة فطحنها كان فيها قولان هذا أشبههما عندي والله أعلم وبه أقول. وهو أن له أن يأخذ الدقيق ويعطي الغرماء قيمة الطحن؛ لأنه زائد على ماله. وكذلك لو باعه ثوبا فصبغه كان له ثوبه وللغرماء صبغه يكونون شركاء بما زاد الصبغ في قيمة الثوب وهكذا لو باعه ثوبا فخاطه كان له أن يأخذ ثوبه وللغرماء ما زادت الخياطة. وهكذا لو باعه إياه فقصره كان له أن يأخذ ثوبه وللغرماء بعدما زادت القصارة فيه فإن قال قائل: فأنت تزعم أن الغاصب لا يأخذ في القصارة شيئا؛ لأنها أثر قلنا المفلس مخالف للغاصب من قبل أن المفلس إنما عمل فيما يملك ويحل له العمل فيه والغاصب عمل فيما لا يملك، ولا يحل له العمل فيه ألا ترى أن المفلس يشتري البقعة فيبنيها، ولا يهدم بناؤه ويهدم بناء الغاصب ويشتري الشيء فيبيعه فلا يرد بيعه ويرد بيع الغاصب ويشتري العبد فيعتقه فنجيز عتقه، ولا نجيز عتق الغاصب.

[قال الشافعي]: ولو كانت المسألة بحالها فأفلس الرجل، وقد قصر الثوب قصار أو خاطه خياط أو صبغه صباغ بأجرة فاختار صاحب الثوب أن يأخذ ثوبه أخذه فإن زاد عمل القصار فيه خمسة دراهم، وكانت إجارته فيه درهما أخذ الدرهم، وكان شريكا به في الثوب لصاحب الثوب، وكان صاحب الثوب أحق به من الغرماء، وكانت الأربعة الدراهم للغرماء شركاء بها للقصار وصاحب الثوب، وإن كان عمله زاد في الثوب درهما، وإجارته خمسة دراهم كان شريكا لصاحب الثوب بالدرهم وضرب مع الغرماء في مال المفلس بأربعة دراهم. ولو كانت تزيد في الثوب خمسة دراهم والإجارة درهم أعطينا القصار درهما يكون به شريكا في الثوب؟ وللغرماء أربعة يكونون بها في الثوب شركاء فإن قال قائل: كيف جعلته أحق بإجارته من الغرماء في الثوب. فإنما جعلته أحق بها إذا كانت زائدة في الثوب فمنعها صاحب الثوب لم يكن للغرماء أن يأخذوا ما زاد عمل هذا في الثوب دونه؛ لأنه عين ماله، فإن قالوا: فما بالها إذا كانت أزيد من إجارته لم تدفعها إليه كلها، وإذا كانت أنقص من إجارته لم تقتصر به عليها كما تجعلها في البيوع؟ قلنا: إنها ليست بعين بيع يقع فاجعلها هكذا، وإنما كانت إجارة من الإجارات لزمت الغريم المستأجر فلما وجدت تلك الإجارة قائمة جعلته أحق بها؛ لأنها من إجارته كالرهن له ألا ترى أنه لو كان له رهن يسوى عشرة بدرهم أعطيته منها درهما والغرماء تسعة، ولو كان رهن يسوى درهما بعشرة دراهم أعطيته منها درهما وجعلته يحاص الغرماء بتسعة فإن قال فما باله يكون في هذا الموضع أولى بالرهن منه بالبيع؟ قلت كذلك تزعم أنت في الثوب يخيطه الرجل أو يغسله له أن يحبسه عن صاحبه حتى يعطيه أجره كما يكون له أن يحبسه في الرهن حتى يعطيه ما فيه؛ لأن له فيه عملا قائما فلا يسلمه إليه حتى يوفيه العمل فإن قال قائل: فما تقول أنت؟ قلت لا أجعل له حبسه، ولا لصاحب الثوب أخذه وآمر ببيع الثوب فأعطي كل واحد منهما حقه إذا أفلس فإن أفلس صاحب الثوب كان الخياط أحق بما زاد عمله في الثوب فإن كانت إجارته أكثر مما زاد عمله في الثوب أخذ ما زاد عمله في الثوب؛ لأنه عين ماله، وكانت بقية الإجارة دينا على الغريم يحاص به الغرماء. وإن لم يفلس، وقد عمل له ثوب فلم يرض صاحب الثوب بكينونة الثوب في يد الخياط أخذ مكانه منهما حتى يقضي بينهما بما وصفت أو يباع عليه الثوب فيعطى إجارته من ثمنه وبه أقول. والقول الثاني: إنه غريم في إجارته؛ لأن ما عمل في الثوب ليس بعين، ولا شيء من ماله زائد في الثوب إنما هو أثر في الثوب وهذا يتوجه.

قال: وإذا استأجر الرجل أجيرا في حانوت أو زرع أو شجر بإجارة معلومة ليست مما استأجره عليه إما بمكيلة طعام مضمون، وإما بذهب أو ورق أو استأجر حانوتا يبيع فيه بزا أو استأجر رجلا يعلم له عبدا أو يرعى له غنما أو يروض له بعيرا ثم أفلس فالأجير أسوة الغرماء من قبل أنه ليس لواحد من هؤلاء الأجراء شيء من ماله مختلط بهذا زائد فيه كزيادة الصبغ والقصارة في الثوب وهو من مال الصباغ وزيادة الخياطة في الثوب من مال الخياط وعمله وكل شيء من هذا غير ما استؤجر عليه وغير شيء قائم فيما استؤجر عليه. ألا ترى أن قيمة الثوب غير مصبوغ، وقيمته مصبوغا، وقيمته غير مخيط وغير مقصور، وقيمته مخيطا ومقصورا معروفة حصة زيادة العامل فيه، وليس في الثياب التي في الحانوت، ولا في الماشية التي ترعى، ولا في العبد الذي يعلمه شيء قائم من صنعة غيره فيعطي ذلك صنعته أو ماله، وإنما هو غريم من الغرماء. أولا ترى أنه لو تولى الزرع كان الزرع والماء والأرض من مال المستأجر، وكانت صنعته فيه إنما هي إلقاء في الأرض ليست بشيء زائد فيه والزيادة فيه بعد شيء من قدر الله عز وجل ومن مال المستأجر لا صنعة فيها للأجير. أولا ترى أن الزرع لو هلك كانت له إجارته والثوب لو هلك في يديه لم يكن له إجارته؛ لأنه لم يسلم عمله إلى من استأجره؟

ولو تكارى رجل من رجل أرضا واشترى من آخر ماء ثم زرع الأرض ببذره ثم فلس الغريم بعد الحصاد كان رب الأرض ورب الماء شريكين للغرماء، وليسا بأحق بما يخرج من الأرض، ولا بالماء وذلك أنه ليس لهما فيه عين مال الحب الذي نما من مال الغريم لا من مالهما فإن قال قائل: فقد نما بماء هذا وفي أرض هذا قلنا عين المال للغريم لا لهما والماء مستهلك في الأرض والزرع عين موجودة والأرض غير موجودة في الزرع وتصرفه فيها ليس بكينونة منها فيه فنعطيه عين ماله، ولو عنى رجل فقال أجعلهما أحق بالطعام من الغرماء دخل عليه أنه أعطاهما غير عين مالهما ثم أعطاهما عطاء محالا، فإن قال قائل فما المحال فيه؟ قلنا: إن زعم أن صاحب الزرع وصاحب الأرض وصاحب الماء شركاء فكم يعطى صاحب الأرض وصاحب الماء وصاحب الطعام؟ فإن زعم أنه لهما حتى يستوفيا حقهما فقد أبطل حصة الغرماء من مال الزارع وهو لا يكون أحق بذلك من الغرماء إلا بعد ما يفلس الغريم فالغريم فلس وهذه حنطته ليست فيها أرض، ولا ماء، ولو أفلس والزرع بقل في أرضه كان لصاحب الأرض أن يحاص الغرماء بقدر ما أقامت الأرض في يدي الزارع إلى أن أفلس ثم يقال للمفلس وغرمائه ليس لك، ولا لهم أن تستمتعوا بأرضه، وله أن يفسخ الإجارة الآن إلا أن تطوعوا فتدفعوا إليه إجارة مثل الأرض إلى أن يحصد الزرع فإن لم تفعلوا فاقلعوا عنه الزرع إلا أن يتطوع بتركه لكم وذلك أنا نجعل التفليس فسخا للبيع وفسخا للإجارة فمتى فسخنا الإجارة كان صاحب الأرض أحق بها إلا أن يعطي إجارة مثلها؛ لأن الزارع كان غير متعد.

قال: ولو باع رجل من رجل عبدا فرهنه ثم فلس كان المرتهن أحق به من الغرماء يباع له منه بقدر حقه فإن بقي من العبد بقية كان البائع أحق بها فإن قال قائل فإذا جعلت هذا في الرهن فكيف لم تجعله في القصارة والغسالة كالرهن فتجعله أحق به من رب الثوب؟ قيل له لافتراقهما فإن قال قائل وأين يفترقان؟ قلنا القصارة والغسالة شيء يزيده القصار والغسال في الثوب فإذا أعطيناه إجارته والزيادة في الثوب فقد أوفيناه ماله بعينه فلا نعطيه أكثر في الثوب ونجعل ما بقي من ماله في مال غريمه. قال: ولو هلك الثوب عند القصار أو الخياط لم نجعل له على المستأجر شيئا من قبل أنه إنما هو زيادة يحدثها فمتى لم يوفها رب الثوب لم يكن له والرهن مخالف لهذا ليس بزيادة في العبد، ولكنه إيجاب شيء في رقبته يشبه البيع فإن مات العبد كان ذلك في ذمة مولاه الراهن لا يبطل بموت العبد كما تبطل الإجارة بهلاك الثوب فإن قال فقد يجتمعان في موضع ويفترقان في آخر قيل: نعم فنجمع بينهما حيث اجتمعا ونفرق بينهما حيث افترقا. ألا ترى أنه إذا رهن العبد فجعلنا المرتهن أحق به حتى يستوفي حقه من البائع والغرماء فقد حكمنا له فيه ببعض حكم البيع، ولو مات العبد رددنا المرتهن بحقه، ولو كان هذا حكم البيع بكماله لم يرد المرتهن بشيء فإنما جمعنا بينه وبين البيع حيث اشتبها وفرقنا بينهما حيث افترقا.

ولو استأجر رجل أرضا فقبض صاحب الأرض إجارتها كلها وبقي الزرع فيها لا يستغني عن السقي والقيام عليه وفلس الزارع وهو الرجل قيل لغرمائه إن تطوعتم بأن تنفقوا على الزرع إلى أن يبلغ ثم تبيعوه وتأخذوا نفقتكم مع مالكم فذلك لكم، ولا يكون ذلك لكم إلا بأن يرضاه رب الزرع المفلس فإن لم يرضه فشئتم أن تطوعوا بالقيام عليه والنفقة، ولا ترجعوا بشيء فعلتم، وإن لم تشاءوا وشئتم فبيعوه بحاله تلك لا تجبرون على أن تنفقوا على ما لا تريدون قال وهكذا لو كان عبد فمرض بيع مريضا بحاله، وإن قل ثمنه.

قال: وإذا اشترى الرجل من الرجل عبدا أو دارا أو متاعا أو شيئا ما كان بعينه فلم يقبضه حتى فلس البائع فالمشتري أحق به بما باعه يلزمه ذلك ويلزم له كره أو كره الغرماء. ولو اشترى منه شيئا موصوفا من ضرب السلف من رقيق موصوفين أو إبل موصوفة أو طعام أو غيره من بيوع الصفة ودفع إليه الثمن كان أسوة الغرماء فيما له وعليه، ولو كان الثمن لبعض ما اشترى من هذا عبدا بعينه أو دارا بعينها أو ثيابا بعينها بطعام موصوف إلى أجل أو غيره كان البائع للدار المشترى بها الطعام أحق بداره؛ لأنه بائع مشتر ليس بخارج من بيعه، وكذلك لو سلف في الطعام فضة مصوغة معروفة أو ذهبا أو دنانير بأعيانها فوجدها قائمة يقر بها الغرماء أو البائع كان أحق بها فإن كانت مما لا يعرف أو استهلكت فهو أسوة الغرماء.

وإذا اكترى الرجل من الرجل الدار ثم فلس المكري فالكراء ثابت إلى مدته ثبوت البيع مات المفلس أو عاش وهكذا قال بعض أهل ناحيتنا في الكراء وزعم في الشراء أنه إذا مات فإنما هو أسوة الغرماء، وقد خالفنا غير واحد من الناس في الكراء ففسخه إذا مات المكتري أو المكري؛ لأن ملك الدار قد تحول لغير المكري والمنفعة قد تحولت لغير المكتري، وقال ليس الكراء كالبيوع ألا ترى أن الرجل يكتري الدار فتنهدم فلا يلزم المكري أن يبنيها ويرجع المكتري بما بقي من حصة الكراء؟، ولو كان هذا بيعا لم يرجع بشيء فيثبت صاحبنا والله يرحمنا وإياه الكراء الأضعف؛ لأنا ننفرد به دون غيرنا في مال المفلس، وإن مات يجعله للمكتري وأبطل البيع فلم يجعله للبائع، ولو فرق بينهما لكان البيع أولى أن يثبت للبائع من الكراء للمكتري؛ لأنه ليس بملك تام، وإذا جمعنا نحن بينهما لم ينبغ له أن يفرق بينهما.

قال: وإذا تكارى الرجل من الرجل حمل طعام إلى بلد من البلدان ثم أفلس المكتري أو مات فكل ذلك سواء يكون المكري أسوة الغرماء؛ لأنه ليس له في الطعام صنعة، ولو كان أفلس قبل أن يحمل الطعام كان له أن يفسخ الكراء؛ لأنه ليس للمكتري أن يعطيه من ماله شيئا دون غرمائه، ولا أجبر المكري أن يأخذ شيئا من غريم المفلس إلا أن يشاء غرماؤه، ولو حمله بعض الطريق ثم أفلس كان له بقدر ما حمله من الكراء يحاص به الغرماء، وكان له أن يفسخ الحمولة في موضعه ذلك إن شاء إن كان موضع لا يهلك فيه الطعام مثل الصحراء أو ما أشبهها.

وإذا تكارى النفر الإبل بأعيانها من الرجل فمات بعض إبلهم لم يكن على المكري أن يأتيه بإبل بدلها فإذا كان هذا هكذا فلو أفلس المكري، ومات بعض إبلهم لم يرجع على أصحابه، ولا في مال المكري بشيء إلا بما بقي مما دفع إليه من كرائه يكون فيه أسوة الغرماء وتكون الإبل التي أكتريت على الكراء فإذا انقضى كانت مالا من مال المكري المفلس، ولو كانوا تكاروا منه حمولة مضمونة على غير إبل بأعيانها يدفع إلى كل رجل منهم إبلا بأعيانها كان له نزعها من أيديهم، وإبدالهم غيرها فإذا كان هذا هكذا فحقهم في ذمته مضمون عليه فلو ماتت إبل كان يحمل عليها واحد منهم فأفلس الغريم كانوا جميعا أسوة فيما بقي من الإبل بقدر حمولتهم؛ لأنها مضمونة في ماله لا في إبل بأعيانها فيكون إذا هلكت لم يرجع، وإن كان معهم غرماء غيرهم من غرمائه بأي وجه كان لهم الدين عليه ضرب هؤلاء بالحمولة وهؤلاء بديونهم وحاصوهم.

وإذا اكترى الرجل من الرجل الإبل ثم هرب منه فأتى المتكاري السلطان فأقام عنده البينة على ذلك فإن كان السلطان ممن يقضي على الغائب أحلف المتكاري أن حقه عليه لثابت في الكراء ما يبرأ منه بوجه من الوجوه وسمى الكراء والحمولة ثم تكارى له على الرجل كما يبيع له في مال الرجل إذا كانت الحمولة مضمونة عليه، وإن كانت الحمولة إبلا بأعيانها لم يتكار له عليه، وقال القاضي للمكتري أنت بالخيار بين أن تكتري من غيره وأردك بالكراء عليه؛ لفراره منك أو آمر عدلا فيعلف الإبل أقل ما يكفيها ويخرج ذلك متطوعا به غير مجبور عليه وأردك به على صاحب الإبل دينا عليه وما أعلف الإبل قبل قضاء القاضي فهو متطوع به. وإن كان للجمال فضل من إبل باع عليه وأعلف إبله إذا كان ممن يقضي على الغائب، ولم يأمر أحدا ينفق عليها، ولم يفسخ الكراء إنما يفعل هذا إذا لم يكن له فضل إبل. قال: وإذا باع عليه فضلا من إبله ومالا له سوى الإبل ثم جاء الجمال لم يرد بيعه ودفع إليه ماله وأمره بالنفقة على إبله قال: والاحتياط لمن تكارى من جمال أن يأخذه بأن يوكل رجلا ثقة ويجيز أمره في بيع ما رأى من إبله ومتاعه فيعلف إبله من ماله ويجعله مصدقا فيما أدان على إبله وعلفها به لازما له ذلك ويحلفه لا يفسخ، وكالته فإن غاب قام بذلك الوكيل.

قال: وإذا تكارى القوم من الجمال إبلا بأعيانها ثم أفلس فلكل واحد منهم أن يركب إبله بأعيانها، ولا تباع حتى يستوفوا الحمولة، وإن كانت بغير أعيانها ودفع إلى كل إنسان بعيرا دخل بعضهم على بعض إذا ضاقت الحمولة كما يدخل بعضهم على بعض في سائر ماله حتى يتساووا في الحمولة ودخل عليهم غرماؤه الذين لا حمولة لهم حتى يأخذوا من إبله بقدر مالهم وأهل الحمولة بقيمة حمولتهم.

ومن أصدق امرأة عبدا بعينه فقبضته أو لم تقبضه ثم أفلس فهو لها، وكذلك لو باعه أو تصدق به صدقة محرمة، وكذلك لو أقر أنه غصبه إياه أو أقر أنه له فإن وهبه لرجل أو نحله أو تصدق به صدقة غير محرمة فلم يقبضه الموهوب له حتى فلس فليس له دفعه إليه، ولا للموهوب له قبضه فإن قبضه بعد أن وقف القاضي ماله كان مردودا؛ لأن ملك هذا لا يتم إلا بالقبض من الهبة والصدقة والنحل.

قال: ومن وجد عين ماله عند مفلس كان أحق به إن شاء، وسواء كان مفلسا فتركه أو أراد الغرماء أخذه أو غير مفلس؛ لأنه لا يملكه إلا أن يشاء فلا أجبره على ملك ما لا يشاء إلا الميراث فإنه لو ورث شيئا فرده لم يكن له، وكان للغرماء أخذه كما يأخذون سائر ماله ولكل واحد منهما إجازة البيع ورده في أيام الخيار أحب ذلك الغرماء أو كرهوا؛ لأن البيع، وقع على عين فيها خيار.

قال: ولو أسلف رجل في طعام أو غيره بصفة فحلت وفلس فأراد أخذه دون الصفة لم يكن له إذا لم يرض ذلك الغرماء؛ لأنه يأخذ ما لم يشتر. قال: ولو أعطى خيرا مما سلف عليه فإن كان من غير جنس ما سلف عليه لم يكن عليه أخذه، وإن أراد ذلك الغرماء؛ لأن الفضل هبة، وليس عليه أن يتهب، ولهم أن يأخذوا من الغريم ما عليه بعينه، وإن كان من جنس ما سلف عليه لزمه أخذه إذا رضي الغرماء، وإن كره؛ لأنه لا ضرر عليه في الزيادة وذلك في العبيد وغيرهم مما لا تكون الزيادة مخالفة غير الزيادة خلافا لا تصلح الزيادة لما يصلح له النقص.

كتاب الأم - التفليس
باب كيف ما يباع من مال المفلس | باب ما جاء فيما يجمع مما يباع من مال صاحب الدين | باب ما جاء في العهدة في مال المفلس | باب ما جاء في التأني بمال المفلس | باب ما جاء في شراء الرجل وبيعه وعتقه وإقراره | باب ما جاء في هبة المفلس | باب حلول دين الميت والدين عليه | باب ما حل من دين المفلس وما لم يحل | باب ما جاء في حبس المفلس | باب ما جاء في الخلاف في التفليس | بلوغ الرشد وهو الحجر | باب الحجر على البالغين | باب الخلاف في الحجر


كتاب الأم
كتاب الطهارة | كتاب الحيض | كتاب الصلاة | كتاب صلاة الخوف وهل يصليها المقيم | كتاب صلاة العيدين | كتاب صلاة الكسوف | كتاب الاستسقاء | كتاب الجنائز | كتاب الزكاة | كتاب قسم الصدقات | كتاب الصيام الصغير | كتاب الاعتكاف | كتاب الحج | مختصر الحج المتوسط | مختصر الحج الصغير | كتاب الضحايا | كتاب الصيد والذبائح | كتاب الأطعمة | كتاب النذور | كتاب البيوع | باب السلف والمراد به السلم | كتاب الرهن الكبير | الرهن الصغير | التفليس | الصلح | الحوالة | باب الضمان | الشركة | الوكالة | جماع ما يجوز إقراره إذا كان ظاهرا | العارية | الغصب | كتاب الشفعة | باب القراض | المساقاة | المزارعة | الإجارة وكراء الأرض | إحياء الموات | الأحباس | كتاب الهبة | باب في العمرى | كتاب اللقطة | اللقطة الكبيرة | كتاب اللقيط | باب الجعالة | كتاب الفرائض | كتاب الوصايا | باب الولاء والحلف | الوديعة | قسم الفيء | كتاب الجزية | كتاب قتال أهل البغي وأهل الردة | كتاب السبق والنضال | كتاب الحكم في قتال المشركين ومسألة مال الحربي | كتاب النكاح | كتاب اللعان | كتاب جراح العمد | كتاب الحدود وصفة النفي | الاستحقاق | الأشربة | الوليمة | صدقة الشافعي | وثيقة في المكاتب أملاها الشافعي | وثيقة في المدبر | كتاب الأقضية | الإقرار والمواهب | الدعوى والبينات | الشهادات | باب الحدود | الأيمان والنذور والكفارات في الأيمان | باب في الأقضية | كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى | اختلاف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما | كتاب اختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما | كتاب الرد على محمد بن الحسن | كتاب سير الأوزاعي | كتاب القرعة | أحكام التدبير | المكاتب