الصواعق المرسلة/الفصل الرابع والعشرون/الطاغوت الثاني/العشر السابعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة
العشر السابعة
ابن قيم الجوزية

الوجه الحادي والستون: وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين الوحي والعقل في إثبات الصانع هي بعينها تنفي وجوده فإنها متضمنة لنفي صفاته وأفعاله صريحا وهي تنفي وجوده لزوما فإن هؤلاء المعارضين صنفان الفلاسفة والجهمية:

أما الفلاسفة فأثبتوا وجود الصانع بطريق التركيب وهو أن الأجسام مركبة والمركب يفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر ممكن والممكن لا بد له من وجود واجب وتستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه إذ يلزم تركيبه وافتقاره وذلك ينافي وجوبه وهذا هو غاية توحيدهم وبه أثبتوا الخالق على زعمهم ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق فإنه ينفي قدرته ومشيئته وعلمه وحياته إذ لو ثبتت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا والمركب مفتقر إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه وقد انتدب لإفسادها جنود الإسلام على اختلاف مذاهبهم فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ركبه غيره وما كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه وما يمكن تفريق بعضه عن بعض والله سبحانه منزه عن هذه التراكيب ويراد به في اصطلاح هؤلاء ماله ماهية خاصة يتميز بها عن سائر الماهيات وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض صفاته عن بعض وهذا ثابت له سبحانه وإن سماه هؤلاء تركيبا كما تقدم وكذلك لفظ الافتقار لفظ مجمل يراد به فقر الماهية إلى موجد غيرها بتحقيق وجودها به والله سبحانه غني عن هذا الافتقار ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها إلى ذاتها ولا قوام لذاتها إلا بذاتها وأن الصفة لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف وهذا المعنى حق وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا وكذلك لفظ الغير فيه إجمال يراد بالغيرين ما مفارقة أحدهما للآخر ذاتا أو مكانا أو زمانا فصفات القديم سبحانه ليست غيرا له بهذا الاعتبار ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر وهذا المعنى حق في ذاته وصفاته سبحانه وإن سماها هؤلاء أغيارا.

فإن المخلوق يعلم من الخالق صفة بعد صفة وقد قال أعلم الخلق به: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وهذا لكثرة أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وقال: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك" والمستعاذ به غير المستعاذ منه والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء وليس الشأن في الألفاظ إنما الشأن في المعاني وقولهم إنه مفتقر إلى جزئية تلبيس فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة له تمتنع أن تفارقه صفاته وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها وإن سميت تلك الصفة غيرا فالذات والصفات متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر وهذا التلازم لا يقتضي حاجة الذات والصفات إلى موجد أوجدها وفاعل فعلها والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فإما أن لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز منه أمر عن أمر فلا يلزم ذلك من وجوبه وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه فقول الملبس إنه مفتقر إلى ذلك كقوله لو كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته والله سبحانه اسم للذات المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات الكمال ليس اسما لذات مجردة عن الأوصاف والنعوت فكل ذات أكمل من هذه الذات تعالى الله عن قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوا كبيرا والمقصود أن هذه الطريق التي سلكها هؤلاء في إثبات الصانع هي أعظم الطرق في نفيه وإنكار وجوده وكذلك كان سالكوها لا يؤمنون بالله ولا بملائكته وكتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر وإن صانع من صانع منهم لأهل الملل بألفاظ لا حاصل لها.

فصل وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من الجواهر المفردة وأنها قابلة للحوادث وما يقبل الحوادث فهو حادث فالأجسام كلها حادثة فإذا يجب أن يكون لها محدث ليس بجسم فنفوا العلم بإثبات الصانع على حدوث الأجسام واستدلوا على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون والاجتماع والافتراق ثم قالوا إن تلك أعراض والأعراض حادثة ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم ثانيا ثم إبطال حوادث لا أول لها ثالثا ثم التزام بطلان حوادث لا نهاية لها رابعا عند فريق منكم وإلزام الفرق عند فريق آخر ثم إثبات الجوهر الفرد خامسا ثم إلزام كون العرض لا يبقى زمانين سادسا فيلزم حدوثه والجسم لا يخلو منه ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث ثم إثبات تماثل الأجسام سابعا فيصح على بعضها ما يصح على جميعها فعلمهم بإثبات الخالق سبحانه مبني على هذه الأمور الشنيعة فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام وضارب بلا ضرب وعالم بلا علم وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما ولو كان جسما لكان حادثا فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق الذي أثبتوا بها وجوده فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله وعن هذه الطريق أنكروا علوه على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى ورؤيته بالأبصار في الآخرة ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة ومجيئه لفصل القضاء بين الخلائق وغضبه ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وجميع ما وصف به نفسه من وصف ذاتي أو معنوي أو فعلي فأنكروا وجهه الأعلى وأنكروا أن له يدين وأن له سمعا وبصرا وحياة وأنه يفعل ما شاء حقيقة وإن سمي فاعلا فلم يستحق ذلك الفعل الذي قام به بل فعله هو عين مفعوله. وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا بها نبوة في الحقيقة فإنهم بنوها على مجرد خرق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما يثلج له الصدر ولا يحصل به برد اليقين مع أن النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي والتعلق عندهم أمر عدمي فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي وقد صرحوا بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء الله سبحانه وتعالى لرسوله وأمره بتبليغ كلامه إلى عباده وعندهم أن الله لا يتكلم ولا يقوم به كلام.

وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد وقالوا لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته وهو في الحقيقة باطل لا أصل له والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء فقالوا إن الله سبحانه يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجودا حتى إن يعيد زمنه بعينه وينشئوه لا من مادة كما قالوا في المبدأ فجنوا على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل.

وأما المبدأ فإنهم قالوا كان الله سبحانه معطلا في الأزل والفعل غير ممكن مع قولهم كان قادرا عليه ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر أصلا وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها بين الوحي والعقل وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا مبدأ ولا معادا ونحن إنما أشرنا إلى ذلك أدنى إشارة وإلا فبسط ذلك في غير هذا الموضع وقد بسطه شيخنا في عامة كتبه المطولات والمبسوطات وبينه بيانا شافيا فمن أحب الوقوف عليه وجده في مظانه وبالله التوفيق.

الوجه الثاني والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم ارتكبوا أربع عظائم إحداها ردهم لنصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم الثانية إساءة الظن به وجعله منافيا للعقل مناقضا له الثالثة جنايتهم على العقل بردهم ما يوافق النصوص من المعقول فإن موافقة العقل للنصوص التي زعموا أن العقل يردها أظهر للعقل من معارضته لها الرابعة تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم لمن خالفهم في أصولهم التي اخترعوها وأقوالهم التي ابتدعوها مع أنها مخالفة للعقل والنقل فصوبوا رأي من تمسك بالقول المخالف للعقل والنقل وخطأوا من تمسك بما يوافقهما وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا ولم يشرق على قلبه نور النبوة.

الوجه الثالث والستون: أن من عارض بين الوحي والعقل فقد قال بتكافؤ الأدلة لأن العقل الصحيح لا يكذب والوحي أصدق منه وهما دليلان صادقان فإذا تعارضا تكافآ فإن لم يقدم أحدهما بقي في الحيرة والشك وإن قدم أحدهما على الآخر أبطل موجب الدليل الصحيح وأخرجه عن كونه دليلا فيبقى حائرا بين أمرين لا بد له من أحدهما إما أن يسيء الظن بالوحي أو بالعقل والعقل عنده أصل الوحي فلا يمكنه أن يسيء الظن به فيسطو على الوحي تارة بالتحريف والتأويل وتارة بالتخييل وتارة بالدفع والتكذيب إن أمكن وذلك في نصوص السنة وتارة يدعي ذلك في نصوص القرآن كما يدعيه غلاة الرافضة وكثير من القرامطة وأشباههم وهذا كله إنما نشأ من ظنونهم الفاسدة أن العقل الصحيح يعارض الوحي الصريح وأما أهل العلم والإيمان أهل السمع والنقل فعندهم أن فرض هذه المسألة محال وأن فرضها كفرض مسألة إذا تعارض العقل وأدلة ثبوت النبوة والرسالة وإذا تعارض العقل وأدلة ثبوت الخالق وتوحيده والمعارضة بين العقل والوحي كالمعارضة بين العقل وإثبات الصانع وتوحيده ورسالة رسله ولهذا طردوا منع هذه القاعدة في ذلك الأصل وقالوا الباب كله واحد.

الوجه الرابع والستون: إن هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل بنوا أمرهم على أصل فاسد وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها وجعلوها أصول دينهم ومعتقدهم في رب العالمين هي المحكمة وجعلوا قول الله ورسوله هو المتشابه الذي لا يستفاد منه علم ولا يقين فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه ثم ردوا تشابه الوحي إلى محكم كلامهم وقواعدهم وهذا كما جعلوا ما أحدثوه من الأصول التي نفوا بها صفات الرب جل جلاله ونعوت كماله ونفوا بها كلامه وتكليمه وعلوه على عرشه ورؤيته في الدار الآخرة محكما وجعلوا النصوص الدالة على خلاف تلك القواعد والأصول متشابهة يقضي بتلك القواعد عليها وترد النصوص إليها فتارة يحرفون النصوص عن مواضعها ويسمون ذلك التحريف تأويلا في اللفظ وتنزيها في المعنى وتارة يقول من تجمل منهم فأحسن أراد الله ورسوله من هذه النصوص أمورا لا نعرفها ولا ندري ما أراد وتارة يقولون قصد خطاب الجمهور فأفهمهم الأمر على خلاف حقيقته لأن مصلحتهم في ذلك وتارة يفسرون صفة بصفة كما يفسرون الحب والبغض والغضب والرضا والرحمة بالإرادة والسمع والبصر والكلام بالعلم ثم يجعلون ذلك نفس الذات ومنهم من يجعل العلم نفس المعلوم كما قاله أفضل متأخريهم عندهم وأجهلهم بالله وأكفرهم نصير الكفر والشرك الطوسي فأما أهل العلم والإيمان فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجه يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه ويرد ما يتنازع الناس فيه إليه فما وافقه كان حقا وما خالفه كان باطلا وإذا ورد عليهم لفظ مشتبه ليس في القرآن ولا في السنة لم يتلقوه بالقبول ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده فإن كان حقا موافقا للعقل والنقل قبلوه وإن كان باطلا مخالفا للعقل والنقل ردوه ونصوص الوحي عندهم أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدموا عليها ألفاظا مجملة لها معان مشتبهة وبنوا أصولهم على أربع قواعد

أحدها: بيان أن ما جاء به الوحي هو الهدى والحق واليقين

الثانية: بيان أن ما يقدر من الاحتمالات المعارضة لظاهره وحقيقته باطل لغة

الثالثة: بيان أن ما يدعى أنه معارض لذلك من العقل فهو باطل

الرابعة: بيان أن العقل موافق له معاضد لا معارض مناقض فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون

الوجه الخامس والستون: إن هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل قد فارقوا العقل والنقل فلا عقل ولا نقل وهم الذين يقولون { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [1] أما النقل فإنهم قد سمحوا بمفارقته وهان عليهم أمره وأما العقل فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به النقل لاستحيوا من أهل العقل الذين هم أهله فإن هؤلاء يجعلون الاثنين واحدا والواحد اثنين والمستحيل واجبا والواجب ممتنعا والكلي جزءا من المعين الجزئي والمعدوم موجودا والموجود معدوما والثابت منتفيا والمنتفي ثابتا ويفرقون بين الشيء ونظيره في الحكم ويحملون على الشيء بحكم ضده ونقيضه وينفون النقيضين تارة ويثبتونهما تارة ويثبتون الشيء وينفون لازمه البين للزوم اللازم ويثبتون ملزومه فيجعلون الصفة هي عين الصفة الأخرى ثم يجعلونها هي نفس الموصوف كما يقولون العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة والسمع هو البصر ثم يقولون إن ذلك هو نفس العالم القادر المريد ويجعلون تارة العلم هو المعلوم وتار يجعلون الفعل هو عين المفعول ويجعلون الصفة التي لا تقوم إلا بمحل قائمة بنفسها كما يقولون الرب تعالى مريد بإرادة قديمة لا في محل ويجعلون الأمر هو عين النهي وهما عين الخبر وهو عين الاستفهام ويجعلون وجود الرب تعالى وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بلا شرط ثم يصرحون بأن المطلق لا وجود له في الخارج ويجعلون الشيء المعين لهذا الإنسان مثلا عدة جواهر حيوانا وناطقا وحساسا ويجعلون كلا من هذه الجواهر عين الآخر ومعلوم أنه جوهر واحد له صفات متعددة ويفرقون بين المادة والصورة ويجعلونها جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما والمعقول قيام الصفات بالموصوفات والأعراض بالجواهر ويجعلون الصور الذهنية ثابتة في الخارج كقولهم في المجردات المفارقات المادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلا النفس الناطقة إذا فارقت البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون المعدوم الممتنع الذي لا يتصور وجوده هو الواجب الذي يمتنع عدمه كما أثبتوا لصانع العالم وجودا مطلقا مقيدا بسلب الأمور الثبوتية ليس له ماهية غير ذلك الوجود ويثبتون كونه حيا بلا حياة وعالما بلا علم وقادرا بلا قدرة إلى أضعاف أضعاف ذلك من ضلالهم في عقلياتهم التي جعلوها معارضة للوحي وقدموها عليه وكلما تدبر العاقل الذكي المنصف أحوال هؤلاء ومن وافقهم على بعضها تبين له أن القوم لا عقل ولا نقل وتفصيل هذا يستدعي بسطا طويلا والله المستعان.

الوجه السادس والستون: إن هؤلاء في معارضتهم للوحي سلكوا طريقا سحروا بها عقول ضعفاء الناس وبصائرهم فشبهت عليهم وخيل إليهم أنها حق فأصابهم في ذلك مثل ما أصاب السحرة حين عارضوا عصى موسى بما خيل إلى أبصار الناظرين أنه حق فإن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة تحتها معاني مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة وأدخلوا فيها من المعاني غير المفهوم منها في لغات الأمم ثم ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض ففكروا فيه وقدروا وأطالوا التفكير والتقدير ثم عظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب وسمع منهم ما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا تفهم هذا وهذا لا يصلح لك وهذا أمر قد صقلته الأذهان على تطاول الأزمان وتلقته العقول بالقبول والتسليم وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم فيبقى ما في النفوس من الحمية والإلفة يحملها على تسليم تلك الأمور قبل تحقيقها وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل فيأخذها مسلمة فإذا جاءت لوازمها لم يجد بدا من التزامها ويرى أن التزام تلك اللوازم أهون عليه من القدح في تلك القواعد وإبطالها فهذا أصل ضلال من ضل من أهل النظر والبحث في المعقولات وأما الأعمى المقلد فليس معه أكثر من هكذا قال العقلاء وهذا القدر الذي وقع من ضلال هؤلاء لم يقصده عقلاؤهم ابتداء بل كان قصدهم تحصيل العلوم والمعارف ولكن أخطأوا بطلبها من غير طريقها فضلوا وأضلوا وقد سئل شيخنا رضي الله عنه عن بعض رؤساء هؤلاء ممن له علم وعقل وسلوك وقصد ثم أخطأ الصواب فقال طلب الأمور العلية من غير الطرق النبوية فقادته قسرا إلى المناهج الفلسفية وما أحسن ما قال فإن من طلب أمرا عاليا من غير طريقه لم يحصل إلا على ضده فالواجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وامثالهم أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين معناه ويعرف مقصوده فيكون الكلام في معنى معقول يتوارد النفي والإثبات فيه على محل واحد لا في لفظ مجمل مشتبه المعنى وهذا نافع في الشرع والعقل والدين والدنيا وبالله التوفيق.

السابع والستون: إن الله سبحانه نهى المؤمنين أن يتقدموا بين يدي رسوله وأن يرفعوا أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وحذرهم من حبوط أعمالهم بذلك فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } [2]. فإذا كان سبحانه قد نهى عن التقديم بين يديه فأي تقدم أبلغ من تقديم عقله على ما جاء به قال غير واحد من السلف ولا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر ومعلوم قطعا أن من قدم عقله أو عقل غيره على ما جاء به فهو أعصى الناس لهذا النبي وأشدهم تقدما بين يديه وإذا كان سبحانه قد نهاهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته فكيف برفع معقولاتهم فوق كلامه وما جاء به ومن المعلوم قطعا أنه لم يكن يفعل هذا في عهده إلا الكفار والمنافقون فهم الذين حكى الله سبحانه عنهم معارضة ما جاء به بعقولهم وآرائهم وصارت تلك المعارضة ميراثا في أشباههم كما حكى الله عن المشركين معارضة شرعه وأمره بقضائه وقدره وورثهم في هذه المعارضة طائفتان إحداهما إخوانهم المباحية الذين خلعوا ربقة الشريعة من أعناقهم ودانوا بالقدر.

والثانية: الذين عارضوا قضاءه وقدره بأمره وقالوا لا يمكن الجمع بينهما فأبطلوا القدر بالأمر وأولئك أقعد بالميراث من هؤلاء وقد ذكر سبحانه الأمثال العقلية التي عارض المشركون بها الوحي لتكون عبرة للمؤمنين ومثلا للمعارضين: { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة ٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة ٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } [3]

الوجه الثامن والستون: إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه فإن الله سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين حمليتين:

إحداهما: قوله { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } فهذه هي الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وذكر مستند المقدمة الأولى وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ }.

والمقدمة الثانية: كأنها معلومة أي ومن خلق من نار أفضل ممن خلق من طين فهما قياسان متداخلان وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة فالقياس الأول هكذا أنا خير منه وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه وهذا من الشكل الأول والقياس الثاني هكذا خلقتني من نار وخلقته من طين والمخلوق من النار خير من المخلوق من الطين فنتيجة هذا القياس العقلي أنا خير منه ونتيجة الأول ولا ينبغي لي أن أسجد له.

وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي وقدموها عليه والكل باطل وقد اعتذر أتباع الشيخ له بأعذار: ومنها أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل

ومنها أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله اسجدوا لا عموم له فإن الضمائر ليست من صيغ العموم

ومنها أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس المذكور ومنها أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن أو على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز.

ومنها أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور

ومنها أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه فبالله تأمل هذه التأويلات وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها كثير من الناس والمعارضات التي عارض بها النصوص وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه ويقول الصواب معه ولهم في ذلك تصانيف وكان بشار بن برد الأعمى الشاعر على هذا المذهب يقول في قصيدته الرائية:

الأرض مظلمة سوداء مقتمة والنار معبودة مذ كانت النار ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضته بالعقول أوحى إلى تلامذته وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارض به الوحي وأوهم أصحابه وتلاميذه أنها قواطع عقلية وقال إن قدمتم الوحي عليها فسدت عقولكم قال تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [4]

ومن المعلوم أن وحيهم إنما هو شبه عقلية وقال تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة ُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَة ِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [5].

الوجه التاسع والستون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به الوحي وذلك من وجوه: أحدها إنه قياس في مقابلة النص والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياسا باطلا ويسمى قياسا إبليسيا فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل وتقديمه عليه ولهذا كانت عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته وقد بينا فيما تقدم أنه ما عارض أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول ما يضحك منه العقلاء.

الثاني: إن قوله أنا خير منه كذب ومستنده في ذلك باطل فإنه لا يلزم من تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من الأخرى فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من غيرها وهذا من كمال قدرته سبحانه ولهذا كان محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح والرسل أفضل من الملائكة ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت مادتهم نورا ومادة البشر ترابا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى وهي التي أبطلها الله عز وجل بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [6].

وقال النبي ﷺ: "إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي" وقال ﷺ: "لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب" فانظر إلى سريان هذه النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد الأصول والأنساب.

الثالث: إن ظنه أن النار خير من التراب باطل مستنده ما فيها من الإضاءة والخفة وما في التراب من الثقل والظلمة ونسي الشيخ ما في النار من الطيش والخفة وطلب العلو والإفساد بالطبع حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه متعددة.

منها أن طبعه السكون والرزانة والنار بخلافه

ومنها أنه مادة الحيوان والنبات والأقوات والنار بخلافه

ومنها أنه لا يمكن أحدا العيش بدونه ودون ما خلق منه البتة ويمكنه أن يعيش برهة بلا نار قالت عائشة يمر بنا الشهر والشهران ما نوقد في بيوتنا نارا أو ما نرى نارا قال لها عروة فما كان قوتكم قالت الأسودان التمر والماء.

ومنها أن الأرض تؤدي إليك بما فيها من البركة أضعاف أضعاف ما تودعه من الحب والنوى وتربيه لك وتغذيه وتنميه والنار تفسده عليك وتمحق بركته

ومنها أن الأرض مهبط وحي الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه وكفاتهم أحياء وأمواتا والنار مسكن أعدائه ومأواهم

ومنها أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما لهم وجعل حجه محطا لأوزارهم ومكفرا لسيئاتهم وجالبا لهم مصالح معاشهم ومعادهم.

ومنها أن النار طبعها العلو والفساد وأن الله لا يحب المستكبرين ولا يحب المفسدين والأرض طبعها الخشوع والإخبات والله يحب المخبتين الخاشعين وقد ظهر هذا بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية وخلق إبليس وجنوده من المادة النارية نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار والمشركين ومن المادة النارية صالحي الجن ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس وليس في أولئك مثل الرسل والأنبياء فمعلم الخير من المادة الأرضية ومعلم الشر من المادة النارية.

ومنها أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني عنه وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها والأرض قائمة بنفسها لا تحتاج إلى محل تقوم به ولا يفتقر قوامها ونفعها إلى النار.

ومنها أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها وإن علت عليه

ومنها أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحي بها وتخرج زينتها وأقواتها وتشكر ربها وتنزل على النار فتأباها وتطفيها وتمحوها وتذهب بها فبينها وبين الرحمة معاداة وبين الأرض وبين الرحمة موالاة وإخاء.

ومنها أن النار تطفأ عند التكبير فتضمحل عند ذكر كبرياء الرب ولهذا يهرب المخلوق منها عند الأذان حتى لا يسمعه والأرض تبتهج بذلك وتفرح به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة ويكفي في فضل المخلوق من الأرض على المخلوق من النار أن الله سبحانه خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من هذه فقد تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه وأكثر منها وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول فما الظن بمعارضة التلامذة ونحن نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته علينا وفضله لدينا وأنه محض منته وجوده وفضله فهو المحمود أولا وآخرا على توفيقنا له وتعليمنا إياه إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ما يبطلها بأكثر من الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم وإن مد الله في الأجل أفردنا في ذلك كتابا كبيرا ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك ويقوم به تبلغ إليه أكباد الإبل لاقتدينا بالمسير إليه بموسى في سفره إلى الخضر وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد ولكن أزهد الناس في العالم قومه وقد قام قبلنا بهذا الأمر من برز به على أهل الأرض في عصره وفي الأعصار قبله فأدرك من قبله وحيدا وسبق من بعده سبقا بعيدا واستنقذ النصوص من أيدي الملحدين ونفى عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وجعل ملوك أرباب المعقولات المعارضين لها أسرى في أيدي المسلمين وأخذ عليهم بمجامع الطرق حتى لم يبق لهم مدد ولا كمين فجرى عليه من تلامذة هذا الشيخ وأتباعه من الجاهلين والمعاندين والمعطلين ما جرى على من قام مقامه على مر السنين.

مضوا ومضى ثم التقوا عند ربهم فأخرهم للحكم يوم التخاصم

الوجه السبعون: إن العقل الذي عارض به هؤلاء السمع هو النفي والذي دل عليه السمع هو الإثبات فإن السمع دل على إثبات الصفات والكلام والتكليم وعلو الرب على خلقه واستوائه على عرشه ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا ومجيئه وإتيانه وإثبات وجهه الأعلى ويديه اللتين كلتاهما يمين وغير ذلك والعقل عندهم دل على نفي ذلك كله فالمعارضة التي ادعوها هي معارضة بين النفي والإثبات فالرسل جاءوا بالإثبات المفصل للأسماء والصفات والأفعال فجاء أرباب هذا العقل بالنفي المفصل لها وادعوا التعارض بين دليل هذا الإثبات ودليل النفي ثم قدموا دليل النفي فيقال الكلام معكم في مقامين:

أحدهما: أن العقل لم يدل على ثبوتها

والثاني: أنه دل على انتفائها فإن أردتم بدلالة العقل المقام الأول فنفيها خطأ فإنه لونفى كل مالم يدل عليه عقل أو حس نفيت أكثر الموجودات التي لا ندركها بعقولنا ولا حواسنا وهذا هو حاصل ما عند القوم عند التحقيق ومن تدبر أدلتهم حق التدبر علم أنه ليس فيها دليل واحد يدل على النفي ومعلوم أن الشيء لا ينعنى لانتفاء دليل يدل عليه وإن انتفى العلم به فنفي العلم لا يستلزم نفي المعلوم فكيف والعقل الصريح قد دل على ثبوتها كما نبهنا عليه وسنذكره وإن أردتم الثاني وهو أن العقل دل على انتفائها فيقال العقل إنما يدل على نفي الشيء إذا علم ثبوت نقيضه فيعلم حينئذ أن النقيض الآخر منتف فأين في العقل المقطوع بحكمه أو المظنون ما يدل على نقيض ما أخبرت به الرسل بوجه من وجوه الأدلة الصحيحة فالمسلمون يقولون قد دل العقل والوحي معا على إثبات علم الرب تعالى آمرا ناهيا وعلى كونه فوق العالم كله وعلى كونه يفعل بقدرته ومشيئته وعلى أنه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويحب ويبغض فقد شهد بذلك العقل والنقل أما النقل فلا يمكنكم المكابرة فيه وأما العقل فلأن ذات الرب أكمل من كل ذات على الإطلاق بل ليس الكمال المطلق التام من كل وجه إلا له وحده فيستحيل وصفه بما يضاد كماله وكل ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فهو صفة كمال ثبوتها له أكمل من نفيها عنه وقد اتفقت الأمم على أن الله سبحانه موصوف بالكمال منزه عن أضداده وإن تنازعوا في كون الصفة المعينة والفعل المعين كمالا أو ليس بكمال والذين نفوه تخيلوا أن إثباته يستلزم النقص والحدوث وأن الكمال في نفيه وإن كان كثير من طوائف بني آدم يستجيزون وصفه بالنقائص والعيوب مع علمهم بأنها عيوب ونقائص كما صرحت به اليهود من قولهم وإنه فقير وإنه تعب لما خلق العالم وأنه بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة وإنه ندم على خلق آدم وذريته ندما عظيما حتى عض أنامله ويقولون في صلاتهم يا إلهنا انتبه من رقدتك كم تنام ونحو ذلك والنصارى لا يخفى على أحد منهم أن نزوله عن عرشه ودخوله في رحم امرأة وإقامته هناك تسعة أشهر بين الحيض والبول ثم خروجه طفلا صغيرا يرضع ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويألم ثم تمكن أعدائه منه وصفعه وتسمير يديه ورجليه وصلبه بين نصبين وعلى رأسه تاج من الشوك أن هذا غاية التنقص المنافي لكماله والاتحادية مصرحون بأنه موصوف بكل صفة مذمومة عقلا وعرفا وشرعا ومعلوم أن هذه النقائص هي التي دل العقل الصريح واتفاق المرسلين من أولهم إلى آخرهم على نفيها عن الله وتنزيهه عنها فمن جعل دلالته على نفي علمه وسمعه وبصره وقوته وقدرته وحياته وإرادته وكماله وتكليمه وعلوه على عرشه ووجهه الأعلى ويديه وغضبه ورضاه كدلالته على نفي تلك العيوب والنقائص وإثباتها له كإثبات تلك العيوب والنقائص وإن العقل يوجب نفي هذا وهذا فهو من أسخف الناس عقلا وأعظمهم جهلا وأفسدهم فطرة وكان الذين وصفوه سبحانه بتلك العيوب والنقائص أقرب إلى العقل منه فإنهم وصفوه بالكمال والنقص وهؤلاء نزهوه عن الكمال وهو يستلزم وصفه بالنقص فقط ومعلوم أن ذاتا موصوفة بالكمال والنقائص أكمل من ذات لا توصف بشيء من الكمالات البتة وتوصف بأضدادها وأيضا فإن تلك الذات يمكن وجودها وهذه الذات يمتنع وجودها والمقصود أنه قد دل العقل مع السمع على إثبات ما يقول هؤلاء إن العقل عارضه وغاية ما معهم أن عقولهم لم تدل على إثباته وقد بينا أنه يستحيل دلالة العقل على نفيه فإن العقل إنما يدل على نفي ما علم ثبوت نقيضه بالعقل والعقل لم يعلم به ثبوت نقيض الصفات العلى والأسماء الحسنى واستواء الرب على عرشه وتكلمه ورؤية أوليائه له في الآخرة عيانا بالأبصار فوق رؤوسهم حتى يكون نفي ذلك معلوما بالعقل فإن قيل نحن ما نفينا ذلك إلا لدلالة العقل على نفيه فإنه لو كان فوق العرش أو كان يرى بالأبصار أو كان مكلما متكلما أو كان له وجه ويد وسمع وبصر لزم أن يكون جسما ويلزم من كونه جسما أن يكون مركبا من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة وإن قلنا بتماثل الأجسام لزم أن يكون مماثلا لكل جسم ويلزم من كونه مركبا أن يكون مفتقرا إلى أجزائه وأجزاء المركب غيره ويلزم من افتقاره إلى غيره أن يكون مخلوقا مصنوعا فهذا الدليل العقلي الذي أوجب لنا أن ننفي ما نفيناه لنثبت آلهيته وربوبيته وقدمه وأما أنتم فلما أثبتم له هذه الصفات لزمكم نفي قدمه ونفي ربوبيته قيل هذا الدليل هو الذي خرب دياركم وقلع الإيمان بشروشه من قلوبكم وسهل عليكم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وتعطيله عن كل كمال وسلبه عنه وهو في الحقيقة مستلزم لجحد وجود الخالق سبحانه وإنكار أن يكون للعالم صانع على الحقيقة ففررتم من إثبات الكمالات له سبحانه لظنكم أنها تستلزم افتقاره وحدوثه فوقعتم في شر من ذلك وهو تعطيل العالم عن رب يدبره فعطلتم الصانع عن كماله وعطلتم العالم عن صانعه ولقد أقامت الدهرية والمعطلة أربعين شبهة التي ذكرتموها واحدة من تلك الأربعين فقالوا لو كان للعالم رب أو صانع أو خالق لكان إما جسما وإما عرضا ودليل هذا الحصر أنه إما أن يكون قائما بنفسه وهو الذي يعني بالجسم وأما أن يكون قائما بغيره وهو الذي يعني بالعرض فلا يجوز أن يكون عرضا لأنه لا يقوم بنفسه فهو مفتقر إلى محل يقوم به ولا يجوز أن يكون جسما لما ذكرتم من الدليل المتقدم بعينه وكل ما تجيبون به إخوانكم في الأصل عن هذه الشبهة فهو جواب أهل السمع والعقل لكم بعينه فإن قلتم بل هو قائم بنفسه وليس بجسم قال لكم أهل السمع والعقل فقولوا هو فوق عرشه موصوف بصفات كماله ونعوت جلاله وحقائق أسمائه وليس بجسم فإن قلتم هذا لا يعقل قيل لكم فكيف عقلتم ذاتا قائمة بنفسها فاعلة بغيرها ليست بجسم فإن قلتم دل الدليل على انتهاء الممكنات والمصنوعات إلى ذات هذا شأنها فأثبتناها بالدليل قيل لكم ودل الدليل على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى ذات موصوفة بالصفات التي يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وصفاتها وأشكالها وهيآتها وإعدامها بعد إيجادها وإيجادها وإيجاد بدل منها ودلالته على ذات هذا شأنها أعظم من دلالته على ذات مجردة لا فعل لها ولا صفة ولا قدرة ولا مشيئة ولا إرادة فإن قلتم يلزم من ثبوت صفاتها حدوثها ولا يلزم من تجردها عنها حدوثها قيل لكم بل يلزم من تجردها عنها عدمها وامتناع وجودها فلو لزم من ثبوت صفاتها ما لزم كان خيرا من جحدها ونفيها بالكلية كيف وتلك اللوازم التي ركبتم بعضها على بعض فيها من التلبيس والتدليس والإجمال اللفظي والاشتباه المعنوي ما إذا كشف أمره تبين أنها زغل ومحال وأشد شيء منافاة للعقل والسمع وكل مقدماتها دعاو كاذبة باطلة بصريح العقل والسمع فلا يلزم من كونه فوق سمواته على عرشه يسمع ويرى ويأمر وينهى ويتكلم ويكلم أن يكون مركبا من جواهر فردة ولا من مادة وصورة ولا ان يكون مماثلا لخلقه فدعوى هذا اللزوم عين البهت والكذب الصراح بل العرش خلق من خلقه ولا يلزم من كونه فوق السموات كلها أن يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا مماثلا لغيره من الأجسام وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته وهو ذو قوة وحياة وسمع وبصر وأجنحة ويصعد وينزل ويرى بالأبصار ولا يلزم من وصفه بذلك أن يكون مركبا من الجواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا أن يكون جسمه مماثلا لأجسام الشياطين فدعونا من هذا الفشر والهذيان والدعاوي الكاذبة والتفاوت الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثرى والهواء والماء وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين والعاقل إذا أطلق على جسم صفة من صفاته وعنده من كل وجه موصوف بتلك الصفة لم يلزم من ذلك تماثلها أطلق على الرجيع الذي قد بلغ غاية الخبث أنه جسم قائم بنفسه ذو رائحة ولون وأطلق ذلك على المسك لم يقل ذو حس سليم ولا عقل مستقيم إنهما متماثلان وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله وخلقه فكم تلبسون وكم تدلسون وتموهون فاشتراك الذاتين في معنى من المعاني لا يستلزم تماثلهما عند أحد من العقلاء وإن المختلفات والمتضادات تشترك في أشياء متعددة فمشاركة الماء للنار في مسمى بالجسمية والحركة وإدراك الحس لهما لا يوجب تماثلهما وليس معكم دليل واحد صحيح يدل على تركب الأجسام كما ذكرتم فكيف ولو أقمتم الدليل على ذلك لم يلزم منه تركب خالق الأجسام وجواهرها وأعراضها مما تركبت منه الأجسام بوجه من الوجوه سوى الدعوى الكاذبة وهو أنه لو كان فوق عرشه أو موصوفا بالصفات أو يرى بالأبصار لزم أن يكون مركبا وليس العجب من عقول رضيت لنفسها بمثل هذا الهذيان حتى اعتقدته غاية الغايات العقلية ونهايات المعارف الإلهية والمباحث الحكمية ثم قدمته على نصوص الوحي فإن هذا في الأصل وضع من قصد معارضة الأنبياء ورد ما جاءوا به بل العجب من قوم صدقوا الأنبياء وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات وعلموا أنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [7] ثم ولج هذا الهذيان في آذانهم فسمعوه ودخل إلى قلوبهم فقبلوه وعظموا أصحابه وسموهم المحققين وقدموا أقوالهم على نصوص الوحي المبين فضلا عن تقديمه على كلام الصحابة والتابعين ولقد أحسن القائل فيهم وإن قصد سواهم:

خفافيش أعشاها الظلام بضوئه ولاءمها قطع من الليل مظلم

وهذه الحجة الداحضة باطلة من أكثر من سبعين وجها تذكر في غير هذا الموضع فلا يلزم من استوائه على عرشه وثبوت صفات كماله وتكلمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار أن يكون جسما بالمعنى الذي اصطلحوا عليه ولو لزم أن يكون جسما لم يلزم أن يكون مركبا بالاعتبار الذي ذكروه ولو لزم أن يكون مركبا لم يلزم أن يكون مفتقرا إلى مركب ركبه ولا محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه ولو لزم أن يكون جسما مركبا لم يلزم أن يكون مماثلا للأجسام بوجه من الوجوه فشيء من ذلك غير لازم لعلوه على عرشه وثبوت صفاته لا عقلا ولا سمعا إلا بالدعاوي الكاذبة حتى لو قدر لزوم ذلك كله لكان التزامه أسهل من تعطيل علوه على عرشه وتعطيل كلامه وإبطال أمره ونهيه وتعطيل صفاته وأفعاله وجعله بمنزلة المعدوم الممتنع الذي لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا له فعل يقوم به ولا صفة كمال يتصف بها فلا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا يفعل شيئا فأي ذات من الذوات المخلوقة المتصفة بذلك فرضت فهي أكمل من هذه الذات وقد تقدم أن الدليل العقلي الصحيح إنما دل على انتهاء المخلوقات إلى خالق واحد قديم غير مخلوق ولا مصنوع ولا محتاج إلى سواه بوجه من الوجوه وكل ما عداه محتاج إليه من جميع الوجوه ولم يدل على أن هذا الواحد سبحانه معطل عن الأفعال والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وأن الدليل العقلي إنما دل على خلاف ذلك وأنه أحق بكل صفة كمال من غيره وأن كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه فلا يستلزم نقصا فمعطيه وموجده أحق به وأولى فكيف يكون المخلوق يتكلم وخالقه لا يتكلم وكيف يكون سميعا بصيرا وخالقه لا يسمع ولا يبصر وكيف يكون حيا عليما قديرا حكيما وخالقه ليس كذلك وكيف يكون ملكا آمرا ناهيا مرسلا مثيبا معاقبا وخالقه ليس كذلك وكيف يكون فاعلا باختياره ومشيئته وخالقه ليس كذلك وكيف يكون قويا وخالقه ليس له قوة وكيف يكون رحيما وخالقه لم تقم به صفة رحمة ولا رأفة وكيف يكون كريما حليما جوادا ماجدا وخالقه ليس كذلك هذا ومن المعلوم بالضرورة أن ما يرى أكمل ممن لا يمكن أن يرى فإنه إما معدوم وإما عرض والمرئي أكمل منهما وما يتكلم أكمل من لا يتكلم فإنه إما جماد وإما عرض وإما معدوم والمتكلم أكمل من ذلك وما له سمع وبصر ووجه ويدان أكمل من الفاقد لذلك بالضرورة وهكذا سائر الصفات فلا أحسن الله في تلك العقول عن أصحابها إذا أحسن عن الصابئين ولا حياها بما حيا به عباده المرسلين ولا زكاها بما زكى به أتباعهم من المؤمنين ونسأله أن لا يبتلينا بما ابتلاهم به من مفارقة المنقول والمعقول وتلقي العلم واليقين من غير مشكاة الرسول وأن لا يجعلنا من أتباع قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.

هامش

  1. [الملك10]
  2. [الحجرات21]
  3. [الأنفال42]
  4. [الأنعام121]
  5. [الأنعام117، 112]
  6. [الحجرات13]
  7. [النجم4]
الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية
المقدمة | الفصل الأول في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا | الفصل الثاني وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل | الفصل الثالث في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء | الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب | الفصل الخامس في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما | الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ | الفصل السابع في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه | الفصل الثامن في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل | الفصل التاسع في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها | الفصل العاشر في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها | الفصل الحادي عشر في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى | الفصل الثاني عشر في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه | الفصل الثالث عشر في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره | الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال | الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل | الفصل السادس عشر في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله | الفصل السابع عشر في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه | الفصل الثامن عشر في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل | الفصل التاسع عشر في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله | الفصل العشرون في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا | الفصل الحادي والعشرون في الأسباب الجالبة للتأويل | الفصل الثاني والعشرون في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم | الفصل الثالث والعشرون في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله | الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان | الطاغوت الأول | العشر الأولى | العشر الثانية | العشر الثالثة | العشر الرابعة | العشر الخامسة | العشر السادسة | العشر السابعة | المكملة | الطاغوت الثاني | العشر الأولى | العشر الثانية | العشر الثالثة | العشر الرابعة | العشر الخامسة | العشر السادسة | العشر السابعة | العشر الثامنة | العشر التاسعة | العشر العاشرة | العشر الحادية عشرة | العشر الثانية عشرة | العشر الثالثة عشر | العشر الرابعة عشر | العشر الخامسة عشر | العشر السادسة عشر | العشر السابعة عشر | العشر الثامنة عشر | العشر التاسعة عشر | العشر العشرون | العشر الحادية والعشرون | العشر الثانية والعشرون | العشر الثالثة والعشرون | العشر الرابعة والعشرون | وجوه آخيرة