الصواعق المرسلة/الفصل الرابع والعشرون/الطاغوت الثاني/العشر التاسعة عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة
العشر التاسعة عشر
ابن قيم الجوزية

الوجه الحادي والثمانون بعد المائة: لو عورض ما جاء به خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه بموسى وعيسى كانت هذه المعارضة ضلالا وانسلاخا من الدين بالكلية كما صرح به وقد رأى بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال أمتهوكون يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم فإذا كان اتباع موسى مع وجود محمد ضلالا فكيف باتباع أرسطو وابن سينا ورؤوس الجهمية والمعطلة وفي بعض ألفاظ هذا الحديث كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل على نبي غير نبيهم فأنزل الله تعالى { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ } [1] فكيف بضلالة قوم اتبعوا كتابا أوحاه الشيطان إلى رؤوس المشركين وأهل الضلال لم ينزله الله على نبي من أنبيائه فلا نزل به وحي ولا نطق به نبي كما قال تعالى عن هؤلاء المعارضين للوحي { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [2] وقال تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَة ُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَة ِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } [3] يوضحه

الوجه الثاني والثمانون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه أنكر على من لم يكتف بكتابه فقال { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَة ً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [4] ومن المحال أن يكون الكتاب الذي يخالفه صريح العقل كافيا وإنما يكون كافيا لمن قدمه على كل معقول ورأي وقياس وذوق وحقيقة وسياسة فهذا الكتاب في حقه كاف له كما أنه إنما يكون رحمة وذكرى له دون غيره وأما من أعرض عنه أو عارضه بآراء الرجال فليس بكاف له ولا هو في حقه هدى ولا رحمة بل هو من الذين آمنو بالباطل وكفروا بالله يوضحه

الوجه الثالث والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء الذين لم يكتفوا بكتابه حتى سلكوا بزعمهم طريقة العقل وعارضوه به وقدموه عليه من جنس الذين لم يكتفوا به سبحانه إلها حتى جعلوا له أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله بل أولئك لم يقدموا أندادهم على الله فهؤلاء جعلوا لله ندا يطيعونه ويعظمونه ويعبدونه كما يعظمون الله ويعبدونه وهؤلاء جعلوا لكتابه ندا يتحاكمون إليه ويقبلون حكمه ويقدمونه على حكم كتابه بل الأمران متلازمان فمن لم يكتف بكتابه لم يكتف به فمتى جعل لكتابه ندا فقد جعل له ندا لا يكون غير ذلك البتة. فلا ترى من عارض الوحي برأيه وجعله ندا له إلا مشركا بالله قد اتخذ من دون الله أندادا ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين لا ينفك أحدهما عن صاحبه فإن المعطل قد جعل آراء الرجال وعقولهم ندا لكتاب الله والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندا له ومما يبين تلازم التعطيل والشرك أن القلوب خلقت متحركة طالبة للتأله والمحبة فهي لا تسكن إلا بمحبوب تطمئن إليه وتسكن عنده يكون هو غاية محبوبها ومطلوبها ولا قرار لها ولا طمأنينة ولا سكون بدون هذا المطلوب والظفر به والوصول إليه ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة وفقرا وحاجة وقلقا واضطرابا.

فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه واشتغلت بغيره ولم تشعر به فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به بل وجوده شيء والشعور به شيء وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور والمعرفة بالمطلوب المراد وصفات كماله ونعوت جلاله وجماله فكيف إذا انضاف إلى ذلك معرفته بشدة الحاجة إليه والفاقة والضرورة وأنه لا حياة له في الحقيقة ولا فلاح ولا لذة ولا سرور ولا نعيم إلا بقربه والإنس به والتنعم بذكره وأن منزلة ذلك من الروح منزلة الروح من البدن فإذا فقدته الروح كانت كالبدن الفاقد لروحه بل القلب مضطر إليه فقير إليه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه إذ غاية ما يقدر بفوات الروح موت البدن وقد يعقبه راحة العبد وأما إذا فات الروح والقلب هذا المطلوب المحبوب ماتت موتا يتضمن كل ألم وهم وغم وحزن وخوف واضطراب فلو أن ما يحصل للقلب من الموت مثل موت البدن لكان في الموت راحة ولكنه موت يتجرع صاحبه كاسات الآلام من الهموم والغموم والحسرات { وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } [5] وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا وإذا كانت الروح مفطورة على تأله فاطرها وخالقها وهي فقيرة إليه أعظم الافتقار من جهة كونه ربها وخالقها وممسكها وحافظها ومغذيها وطبيها ومداويها ومن جهة كونه إلهها ومحبوبها ومطلوبها وغاية مناها فهي إلى معرفة هذا المطلوب ومعرفة كماله وجماله وأوصاف جلاله أشد شيء ضرورة وكلما كانت معرفتها بذلك أوفر كانت محبتها له أقوى مالم يعقها عائق ويمنعها مانع من مرض يتعطل به أو تضعف عن نهوضها بالجد في طلب هذا المحبوب.

وهذا العائق شيئان إما جهل بهذا المطلوب وكونه لم يقدره حق قدره ولم تهتد من معرفة كماله وجماله وجلاله إلى ما يدعوها إلى طلبه وإيثاره على غيره وإما فساد في إرادتها لماتعلقت بغيره وآثرته عليه ففسدت فطرتها التي فطرت عليها فانتقلت بفسادها عنه إلى غيره وهذه مقدمات فطرية ضرورية لا ينازع فيها سليم العقل والفطرة وإذا عرف هذا فالرسل جاءوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه فإنهم ذكروا من صفات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيا إلى محبته وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم وآرائهم فوقفوا في طريق الرسل وأتوا بما يضاد دعوتهم فنفوا صفاته التي تعرف بها إلى عباده وجعلوا إثباتها تجسيما وتشبيها ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته وأكدوا ذلك بأنه لا يحب ولا يحب ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه ولا يكلمهم ولا يخاطبهم ولا يسلم عليهم من فوقهم فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات فأشركت به في المحبة ولا بد وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما

رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق

الوجه الرابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعطلة النفاة المعارضين للوحي بآرائهم ومعقولاتهم من الظانين بالله وكتابه ورسوله ظن السوء ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظن به ظن السوء قال تعالى: { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَة ُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [6] وقال تعالى { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [7] فهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات فكيف بم ظن أنه لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا تكلم ولا يتكلم ولا استوى على عرشه ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين.

ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون عليه أن يعذب أنبياءه ورسله قالوا ولا نعلم تنزيهه عن ذلك بالعقل وإنما نعلم بالخبر ومن أعظم ظن السوء به وبكتابه أن يظن أن العقل الصريح مخالف له وأي نقص وعيب أبلغ من نقص كلام مخالف لصريح المعقول وأي إساءة ظن أعظم من هذه الإساءة يوضحه.

الوجه الخامس والثمانون بعد المائة: إن هذا نسبة له إلى كونه كذبا في نفسه فإنه إذا خالف صريح العقل لم يكن مطابقا لمخبره فيكون المتكلم به قد أخبر بخبر لم يطابق مخبره وهذا حقيقة الكذب بل هو من أقبح الكذب فإن الكذب نوعان أحدهما: كذب يجوز أن يكون متعلقه واقعا كمن يقول مات فلان أو تزوج أو ولد له ولم يكن ذلك والثاني: كذب لا يجوز أن يقع متعلقه وهو ما يحيله العقل وهذا أقبح نوعي الكذب فكيف يجوز على أصدق الكلام وأهداه وأفضله أن يكون فيه أقبح نوعي الكذب

الوجه السادس والثمانون بعد المائة: إن من ادعى معارضة العقل لما جاءت به الرسل من صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه لم يقدره حق قدره وقد ذم الله تعالى من لم يقدره حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه: أحدها قوله: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } [8]

الثاني: قوله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [9]

الثالث: قوله { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [10] فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل وإنزال كتبه عليهم وهذا حقيقة قول من قال إنه لا يتكلم ولم ينزل له إلى الأرض كلام ولا كلم موسى تكليما ومعلوم أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته ولحكمته ولم يقدره حق قدره من عبد من دونه إلها غيره ولم يقدره حق قدره من جحد صفات كماله ونعوت جلاله وقد وصف سبحانه نفسه بأنه العلي العظيم وحقيقة قول المعطلة النفاة أنه ليس بعلي ولا عظيم فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي كما يقال الذهب أعلى وأعظم من الفضة والبر أعلى وأعظم من الشعير وقد صرحوا بذلك فقالوا معناه علي القدر وعظيم القدر قال شيخنا فيقال لهم أتريدون أنه في نفسه علي الذات عظيم القدر وإن له في نفسه قدرا عظيما أم تريدون أن عظمته وقدره في النفوس فقط فإن أردتم الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل فإذا كان في نفسه عظيم القدرفهو في قلوب الخلق كذلك ومع ذلك فلا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه ولا يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو وتلك صفة يمتاز بها وبختص بها عن خلقه إذ هي من لوازم ماهيته وذاته التي اختص بها عن خلقه كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية إنه في المخلوقات نحن نعلم مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن أعدتم ذلك إلى مجرد تعظيم القلوب له من غير أن يكون هنانك صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به فذاك اعتقاد لا حقيقة له وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمة لا حقيقة لها وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم.

وإن قالوا بل يزيد معنى ثالثا لا هذا ولا هذا وهو أن له في نفسه قدرا يستحقه لكنه قدر معنوي قيل لهم أتريدون أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره وصفات عظيمة يتميز بها وذاتا عظيمة تمتاز عن الذوات وماهية عظيمة أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني المعقولة فذلك أمر وجودي محقق وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه المخلوق كما أنه إذا أضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به ولا يشركه فيه الخالق فهو في حق الخالق تعالى قدر يليق بعظمته وجلاله وفي حق المخلوق قدر يناسبه كما قال تعالى { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [11] فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه والقدر يكون علميا ويكون عينيا فالأول هو التقدير العلمي وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له قدرا ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.

فالقدر الإلهي نوعان:

أحدهما: في العلم والكتابة

والثاني: خلقها وبرأها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا والمقصود أن كل موجد فله قدر والعباد لا يقدرون الخالق قدره والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلا في حقهم قال تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } [12] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة من المشركين واليهود وغيرهم وقال تعالى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ولم يقل وما قدروا الله قدره فإن حق قدره هو الحق الذي لقدره فهو حق عليهم لقدره سبحانه فجحدوا ذلك الحق وأنكروه وما قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية وذلك جحود وإنكار لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل فشبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك أما إنكار علمه تعالى أو إنكار قدرته أو إنكار كلامه فمن أقر بما أرسل به رسله وأنه عالم به متكلم بكتبه التي أنزلها عليهم قادر على الإرسال لا يليق بحكمته تركه فقد قدره حق قدره من هذا الوجه إن لم يقدره حق قدره مطلقا وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } [13] إلى قوله { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [14] إلى قوله: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ } [15] فكان هذا ردا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته كما كان ذلك ردا على منكري كتبه ورسله وهذان أصلا الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد أئمة هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي وقال تعالى في آية الحج { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَة ِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } [16] فما قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابا واحدا وإن سلبه الذباب شيئا مما عليه من خلوق وغيره لم يقدر على استنقاذه منه ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده فكيف يعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها ولما كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له قال كثير من المفسرين في معنى ذلك ما عظموه حق عظمته وقال بعضهم ما عرفوه حق معرفته وقال بعضهم ما عبدوه حق عبادته وقال آخرون ما وصفوه حق صفته ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف فإن التعظيم له سبحانه والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك وإن كانوا لا يقدرونه قدره ولا يقدر أحد من العباد قدره فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة وإنما ذلك مجاز لا حقيقة له وللجهمية والمعطلة نفاة الصفات من هذا الذم أوفر نصيب وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذنوب مثل ذنوب أصحابهم وأكثر.

وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين العلي العظيم في الركوع والسجود كما ثبت في الصحيح أنه لما نزلت { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } قال النبي اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } قال اجعلوها في سجودكم وهو سبحانه كثيرا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين كقوله { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [17] وقوله { هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [18] وقوله { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } [19] يثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته فالعلو رفعته والعظمة عظمة قدره ذاتا ووصفا. وعند الجهمية ليس له علو ولا عظمة إلا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره.

فصل الوجه السابع والثمانون بعد المائة: إن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائما يدلون بنفي التشبيه والتمثيل ويجعلونه جنة لتعطيلهم ونفيهم فجحدوا علوه على خلقه ومباينته لهم وتكلمه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائر كتبه وتكليمه لموسى واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بأبصارهم من فوقهم في الجنة وسلامه عليهم وتجليه لهم ضاحكا وغير ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله وتترسوا بنفي التشبيه واتخذوه جنة يصدون به القلوب عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته وكل من نفى شيئا مما وصف به نفسه جعل نفي التشبيه له كالوقاية في الفعل حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن نفى ذاته وماهيته خشية التشبيه فقال هو وجود محض لا ماهية له ونفى آخرون وجوده بالكلية خشية التشبيه وقالوا يلزمنا في الوجود ما لزم مثبتي الصفات والكلام والعلو في ذلك فنحن نسد الباب بالكلية. ولا ريب أن المشبهة المحضة خير من هؤلاء وأحسن قولا في ربهم وأحسن ثناء عليه منهم.

والطائفة المعطلة بمنزلة من قدح في ملك الملك وسلطانه ونفى قدرته وعلمه وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك.

والطائفة الثانية بمنزلة من شبهه بملك غيره موصوف بأكمل الصفات وأحسن النعوت فينبغي أن تعلم في هذا قاعدة نافعة جدا وهي أن نفي الشبه والمثل والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال ولا يحمد به المنفي عنه ذلك بمجرده فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفي عنه الشبه والمثل والنظير ولا يكون ذلك كمالا ومدحا إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد اختص من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باين بها غيره وخرج بها عن أن يكون له نظير أو شبه فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثل والنظير والكفؤ فلا يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل ليس له شبه ولا مثل ولا نظير اللهم إلا في باب الذم والعيب أي قد سلب صفات الكمال كلها بحيث صار لا شبه له في النقص هذا الذي عليه فطر الناس وعقولهم واستعمالهم في المدح والذم كما قال شاعر القوم

ليس كمثل الفتى زهير خلق يساويه في الفضائل

وقال الآخر

ما أن كمثلهم في الناس من أحد

وقال الفرزدق

فما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه

أي ما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك هو خاله.

وقال الآخر

فما مثله فيهم ولا هو كائن وليس يكون الدهر ما دام يذبل

نفى أن يكون له مثل في الحال والماضي والمستقبل.

وقال الآخر

ولم أقل مثلك أعني به سواك يا فردا بلا شبه

ومنه قولهم فلان نسيج وحده شبهه بثوب لم ينسج له نظير في حسنه وصفاته فعكس المعطلة المعنى وقلبوا الحقائق وأزالوا دلالة اللفظ عن موضعها وجعلوا { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [20] جنة وترسا لنفي علوه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف به لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا ولا تعظيما ولهذا كان تسبيحه وتقديسه سبحانه متضمنا لعظمته ومستلزما لصفات كماله ونعوت جلاله وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح والعدم في نفسه ليس بشيء يمدح به ويحمد عليه ولا يكسب القلب علما بالمذكور ولا محبة وقصدا له ولهذا كان عدم السنة والنوم مدحا وكمالا في حقه سبحانه لتضمنه واستلزامه كمال حياته وقيوميته ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته ونفي النسيان عنه كمال لتضمنه كمال علمه وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة والولد كمال لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية وأن من في السماوات والأرض عبيد له وكذلك نفي الكفؤ والسمي والمثل عنه كمال لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة وجود مشارك له فيها فالذين يصفونه بالسلوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرسل وعرفوه إلى الخلق وهو الوجه الذي يحمده به ويثني عليه ويمجد وتعرف به عظمته وجلاله وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به بعدم اعتقادهم الحق واعتقادهم خلاف الحق وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن يكون كمالا بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا.

وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا فإذا أثبتوا علما وقدرة وإرادة وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بها هذه الصفات وتتميز بحقيقتها وماهيتها سواء سموه قدرا أو لم يسموه فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بلا صفات وأثبتوا أسماء بلا معان ولا حقائق وذلك كله مخالفة لصريح المعقول وهم يدعون أنهم أرباب عقليات فلا بد من إثبات ذات محققة لها الأسماء الحسنى التي لا تكون حسنى إلا إذا كانت دالة على صفات كمال وإلا فالأسماء فارغة لا معنى لها لا توصف بحسن فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضح ذلك.

الوجه الثامن والثمانون بعد المائة: أنه سبحانه فرق بين هذين الاسمين الدالين على علوه وعظمته في آخر آية الكرسي وفي سورة الشورى وفي سورة الرعد وفي سورة سبأ في قوله { قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [21] ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه وقال في سورة طه { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } [22] وقد اختلف في تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون بالله علما وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى وكذلك الضمير في قوله { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ } [23] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا بما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول والمقصود أنه لو كان { الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } إنما يراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن سوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } [24]. وقول يوسف الصديق { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [25] وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون { إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [26].

فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة وأما بعد أ، يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه مالا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى ولو تأول أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها ولهذا سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا يصرحون بأن القرآن والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه

الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله تعالى { وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [27] وقوله { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } [28] وأما المعاني فكقوله تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [29] وقوله { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [30] فيوصف بالذوات وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء وعظم صفاتها شيء وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل اعتبار وكل وجه بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة معنوية لا يثبتون عظمة الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو إنه علو معنوي لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات فليس عندهم عليا ولا عظيما إلا باعتبار معنوي فقط كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف وأهل السنة أثبتوا له العلو والعظمة ة بكل اعتبار ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعالي فالكبير يوصف به الذات وصفاتها القائمة بها فيقال هذا أكبر من هذا حسا ومعنى وسنا وكذلك الطول يقال هو أطول يدا منه صورة ومعنى كما قال النبي ﷺ: لنسائه: "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" فكلهن يمددن أيديهن أيهن أطول وكانت زينب أولهن موتا وكانت أطولهن يدا بالخير والصدقة وكذلك السعة والبسطة تكون في الذوات والمعاني كما قال تعالى: { وَزَادَهُ بَسْطَة ً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } [31] فكبر قدره في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد الجسم فكمل ظاهره وباطنه ومعناه وصورته وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفكره دون ذاته وصورته وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله من خلقه فإنه يكمله ذاتا ومعنى ظاهرا وباطنا كما قال تعالى في أهل الجنة { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَة ً وَسُرُورًا } [32] فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالمسرة وقال تعالى { وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّة ٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } [33] فهذا زينة ظواهرهم وهذا زينة بواطنهم وقال { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَة ٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ٌ } [34] فكمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه وقال تعالى { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } [35] وأنعم على عباده بزينتين ولباسين زينة تجمل ظواهرهم وزينة من التقوى تجمل بواطنهم وقال تعالى { فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } [36] قال المفسرون خيرات الأخلاق حسان الوجوه وقد روي هذا التفسير مسندا إلى النبي في حديث أم سلمة وهو في معجم الطبراني وغيره وقال تعالى { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَة ٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ } [37] فجعل المصابيح زينة لظاهرها ولباطنها بالحراسة من الشياطين فهي زينة الظاهر والباطن وقال تعالى { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّة ٍ فَاسْتَوَى } [38] وهو جبريل عليه الصلاة والسلام والمرة المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت. { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } [39] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل. { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } [40] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن والمقصود أن أهل السنة يثبتون لله سبحانه العلو الذاتي والمعنوي والعظمة الذاتية والمعنوية والجمال والجلال الذاتي والمعنوي ومن هذا قول المسلمين الله أكبر فإنه افعل تفضيل يقتضي كونه أكبر من كل شيء بجميع الاعتبارات وبهذا فسره النبي في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عدي بن حاتم في قصة إسلامه حيث قال له النبي ﷺ: "يا عدي ما يفرك أيضرك أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله" ثم قال: "يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله" فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله يوضحه.

الوجه التسعون بعد المائة: إن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك مجرد أمر معنوي يقتضي سلب ذلك عنه بالكلية ولا سيما عند الجهمية النفاة لصفاته وأفعاله فإنه عندهم لا تقوم به صفة ثبوتية يستحق بها أن يكون أعظم من غيره وأكبر منه وفوقه وأعلى منه فإنهم لا يجعلون ذلك عائدا إلى ذاته لأنه يلزم منه عندهم التجسيم فليست ذاته عندهم موصوفة بكبر ولا عظمة ولا علو ولا فوقية وليس له عندهم صفة ثبوتية تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها فإن إثبات الصفات عندهم يستلزم التركيب ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم وأكبر من غيره فإن ذلك يستلزم عندهم حلول الحوادث وقيامها به فلا حقيقة عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من غيره إلا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي والعدم مثل كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا تحله الحوادث ولا يفعل لحكمة ولا مصلحة ولا له وجه ولا يدان ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا هو مستو على عرشه ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ولا يراه المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم ولا كلم موسى في الدنيا ولا أحدا من الخلق ولا يشار إليه بالأصابع ولا يرفع إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه ولا عرج رسول الله ﷺ إليه ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ونحو ذلك من النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي التشبيه والتجسيم والتركيب فيوهمون السامع أن إثبات ذلك تشبيه وتجسيم ثم ينفونه عنه وحقيقة ذلك نفي ذاته وصفاته وأفعاله فهذا حقيقة كونه أكبر من كل شيء وأعظم منه وفوقه وعاليا عليه عندهم وحقيقة ذلك نفي هذا عنه وجعل كل شيء أكبر منه لأن ما لا ذات له ولا صفة ولا فعل فكل ذات لها صفة أكبر منه فالقوم كبروه وعظموه ونزهوه في الحقيقة عن وجوده فضلا عن صفات كماله وأفعاله يوضحه

هامش

  1. [العنكبوت51]
  2. [الأنعام121]
  3. [الأنعام113، 112]
  4. [العنكبوت51]
  5. [إبراهيم17]
  6. [الفتح6، 5]
  7. [فصلت23، 22]
  8. [الأنعام91]
  9. [الحج74، 73]
  10. [الزمر67]
  11. [الطلاق3]
  12. [الأنعام91]
  13. [الزمر54]
  14. [الزمر59]
  15. [الزمر67]
  16. [الحج75، 73]
  17. [البقرة 255]
  18. [الحج62]
  19. [الرعد9]
  20. [الشورى11]
  21. [سبأ23]
  22. [طه110]
  23. [البقرة 255]
  24. [النمل59]
  25. [يوسف39]
  26. [طه73]
  27. [المؤمنون6]
  28. [النمل23]
  29. [القلم4]
  30. [النور16]
  31. [البقرة 247]
  32. [الإنسان11]
  33. [الإنسان21]
  34. [القيامة 23-22]
  35. [الأعراف26]
  36. [الرحمن70]
  37. [الصافات7، 6]
  38. [النجم6، 5]
  39. [يوسف31]
  40. [يوسف32]
الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية
المقدمة | الفصل الأول في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا | الفصل الثاني وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل | الفصل الثالث في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء | الفصل الرابع في الفرق بين تأويل الخبر وتأويل الطلب | الفصل الخامس في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما | الفصل السادس في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ | الفصل السابع في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه | الفصل الثامن في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل | الفصل التاسع في الوظائف الواجبة على المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها | الفصل العاشر في أن التأويل شر من التعطيل فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها | الفصل الحادي عشر في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى وأن القصدين متنافيان وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى | الفصل الثاني عشر في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه | الفصل الثالث عشر في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره | الفصل الرابع عشر في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال | الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل على أديان الرسل وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل | الفصل السادس عشر في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله | الفصل السابع عشر في أن التأويل يفسد العلوم كلها إن سلط عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أمة من الأمم أن تعيش عليه | الفصل الثامن عشر في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل وأصحاب تجهيل وأصحاب تمثيل وأصحاب سواء السبيل | الفصل التاسع عشر في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله | الفصل العشرون في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا | الفصل الحادي والعشرون في الأسباب الجالبة للتأويل | الفصل الثاني والعشرون في أنواع الاختلاف الناشئة عن التأويل وانقسام الاختلاف إلى محمود ومذموم | الفصل الثالث والعشرون في أسباب الخلاف الواقع بين الأئمة بعد اتفاقهم على أصل واحد وتحاكمهم إليه وهو كتاب الله وسنة رسوله | الفصل الرابع والعشرون في ذكر الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان | الطاغوت الأول | العشر الأولى | العشر الثانية | العشر الثالثة | العشر الرابعة | العشر الخامسة | العشر السادسة | العشر السابعة | المكملة | الطاغوت الثاني | العشر الأولى | العشر الثانية | العشر الثالثة | العشر الرابعة | العشر الخامسة | العشر السادسة | العشر السابعة | العشر الثامنة | العشر التاسعة | العشر العاشرة | العشر الحادية عشرة | العشر الثانية عشرة | العشر الثالثة عشر | العشر الرابعة عشر | العشر الخامسة عشر | العشر السادسة عشر | العشر السابعة عشر | العشر الثامنة عشر | العشر التاسعة عشر | العشر العشرون | العشر الحادية والعشرون | العشر الثانية والعشرون | العشر الثالثة والعشرون | العشر الرابعة والعشرون | وجوه آخيرة