75%

الروح/المسألة السادسة/فصل عذاب البرزخ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الروح - المسألة السادسة - فصل الإيمان عذاب البرزخ

المؤلف: ابن القيم
فصل عذاب البرزخ

و مما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق العذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع وأحرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور.
(و في صحيح البخاري) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» قال: فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول ما شاء اللّه، فسألنا يوما فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب [1] حتى يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت له: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بصخرة أو فهر [2] فيشدخ بها رأسه فإذا ضربة تدهده [3] الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى نقب مثل التنور [4] أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فيأتيهم اللهب من تحتهم، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم وعلى وسط النهر، رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فيه بحجر، فرجع كما كان، فقلت: ما هذا، قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها شيوخ وشبان، ثم صعدا بي فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، قلت: طوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت؟ قالا: نعم، الذي رأيته يشق شدقه كذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيت في النقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر فآكل الربا، وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فإبراهيم والصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد النار فمالك خازن النار، والدار الأولى دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء وأنا جبرائيل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا قصر مثل السحابة قالا ذلك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك.
و هذا نص في عذاب البرزخ فإن رؤيا الأنبياء وحي مطابق لما في نفس الأمر.
(و قد ذكر) الطحاوي عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «أمر بعبد من عباد اللّه أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل اللّه ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه أفاق فقال:
علّام جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت بغير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره.
(و ذكر البيهقي) حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم [أنه قال] [5] في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[17:1] قال: أتى بفرس فحمل عليه قال: كل خطوة منتهى أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل [عليه السلام] [6] فأتي على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء [المهاجرون] [7] في سبيل اللّه يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾[34:39] ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيئا، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذي تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة، قال: ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام على الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم اللّه، وما اللّه بظلّام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم من قدر نضيج ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلوا من الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هذا الرجل يقوم وعنده امرأة حلالا طيبا فيأتي المرأة الخبيثة فتبيت معه حتى يصبح، ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شي ء إلا قصعته، يقول اللّه تعالى ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾[7:86].
ثم مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها، ثم أتى على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شي ء، قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ثم أتى على حجر صغير يخرج منه نور عظيم، فجعل النور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: «هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع» وذكر الحديث [8].
و ذكر البيهقي أيضا في حديث الإسراء من رواية أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «فصعدت أنا وجبريل [فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال: وقال اللّه عز وجل: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ] [9] فاستفتح جبريل [باب السماء، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم] [10] فإذا [أنا] [11] بآدم كهيئته يوم خلقه اللّه على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين، ثم مضت هنيهة، فإذا أنا بأخونة [12] عليها لحم مشرح ليس بقربها أحد، وإذا [أنا] [13] بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح ونتن وعندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء [من أمتك] [14] يتركون الحلال ويأتون الحرام، قال: ثم مضت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر، يقول: اللهم لا تقم الساعة، قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجي ء السابلة فتطؤهم، [قال: فسمعتهم يضجون إلى اللّه سبحانه] [15] قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ [قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾[2:275] قال ثم مضت هنيهة فإذا أنا [بأقوام] [16] مشافرهم كمشافر الإبل، [قال]: [17] فتفتح أفواههم فيلقمون الجمر ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون [إلى اللّه عز وجل] [18] قلت [يا جبريل] [19] من هؤلاء؟ قال: [هؤلاء من أمتك] [20] يأكلون أموال اليتامى ظلما [إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا] [21]، ثم مضت هنيهة، فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن فسمعتهن يصحن [إلى اللّه عز وجل] [22] [قلت يا جبريل من هؤلاء النساء] [23]؟ قال: هؤلاء [الزناة من أمتك] [24]، ثم مضت هنيهة فإذا أنا [بأقوام] [25] تقطع من جنوبهم اللحم فيلقمون فيقال [له] [26]: كل [كما] [27] كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: [يا جبريل] [28] من هؤلاء؟ قال: [هؤلاء] [29] الهمازون من أمتك [اللمازون] [30] وذكر الحديث بطوله.
و في سنن أبي داود من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون [31] وجوههم وصدورهم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: [هؤلاء] [32] الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» [33].
(و قال) أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى على قبرين فقال:
«إنهما ليعذبان في غير كبير، أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة»، ثم دعا بجريدة فشقها نصفين فوضع نصفها على هذا القبر ونصفها على القبر [الآخر] وقال: «عسى أن يخفف عنهما ما دامتا رطبتين».
و قد اختلف الناس في هذين: هل كانا كافرين أو مؤمنين؟ وقوله: وما يعذبان في كبير يعني بالإضافة إلى الكفر والشرك قالوا: ويدل عليه أن العذاب لم يرتفع عنهما وإنما خفف، وأيضا فإنه خفف مدة رطوبة الجريدة فقط، وأيضا فإنهما لو كانا مؤمنين لشفع فيهما، ودعا لهما النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فرفع عنهما [العذاب] [34] بشفاعته، وأيضا: ففي بعض طرق الحديث أنهما كانا كافرين وهذا التعذيب زيادة على تعذيبهما بكفرهما وخطاياهما، وهو دليل على أن الكافر يعذب بكفره وذنوبه جميعا. وهذا اختيار أبي الحكم بن برخان.
و قيل: كانا مسلمين لنفيه صلى اللّه عليه وآله وسلم التعذيب بسبب غير السببين المذكورين، ولقوله: وما يعذبان في كبير، والكفر والشرك أكبر الكبائر على الإطلاق، ولا يلزم أن يشفع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لكل مسلم يعذب في قبره على جريمة من الجرائم، فقد أخبر عن صاحب الشملة الذي قتل في الجهاد أن الشملة تشتعل عليه نارا في قبره، وكان مسلما مجاهدا [35]، ولا يعلم ثبوت هذه اللفظة وهي قوله: كانا كافرين، ولعلها لو صحت فهي من قول بعض الرواة، واللّه أعلم. وهذا اختيار أبي عبد اللّه القرطبي.

هامش

  1. الكلّوب مثل تنوّر، والكلّاب مثل تفّاح، وهي خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد.
  2. الفهر: الحجر- يذكر ويؤنث- وهو حجر ناعم صلب، يسحق به الصيدلي الأدوية، والجمع أفهار وفهور، والفهرة القطعة من الحجر.
  3. أي تدحرج.
  4. التنور: هو الذي يخبز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة الأعاجم. قال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح، والجمع تنانير.
  5. نقص في المطبوع، والزيادة من دلائل النبوة.
  6. نقص في المطبوع.
  7. وردت في المطبوع: المجاهدون، والتصويب من الدلائل.
  8. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/ 397).
  9. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  10. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  11. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  12. الخوان: المائدة التي يؤكل عليها.
  13. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  14. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  15. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  16. وردت في المطبوع: بقوم.
  17. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  18. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  19. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  20. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  21. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  22. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  23. وردت في المطبوع: قلت من هؤلاء.
  24. وردت في المطبوع: الزواني.
  25. وردت في المطبوع: بقوم.
  26. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  27. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  28. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  29. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  30. نقص في المطبوع، والزيادة من الدلائل.
  31. أي يخدشون أو يجرحون وجوههم وصدورهم.
  32. نقص في المطبوع والزيادة من سنن أبي داود.
  33. أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في الغيبة برقم (4878).
  34. زيدت لوضوح العبارة.
  35. أخرج البخاري في كتاب المغازي باب غزوة خيبر (5/ 81) عن سالم مولى ابن مطيع أنه سمع أبا هريرة رضي اللّه عنه يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «بلى، والذي نفسي بيده أن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بشراك أو شراكين فقال:
    هذا شي ء كنت أصبته، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «شراك أو شراكان من نار».
    و السهم العائر: هو السهم الذي لا يدرى من أين أتى، وقيل: هو الحائد. والشملة كساء صغير يؤزر به والجمع: شملات. والشراك: النعل، سيرها الذي على ظهر القدم).


المسألة السادسة
و هي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا | فصل مذهب السلف في عذاب الميت | فصل عذاب القبر | فصل الإيمان بعذاب القبر | فصل عذاب البرزخ


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون