75%

الروح/المسألة الأولى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الروح - المسألة الأولى

المؤلف: ابن القيم
المسألة الأولى (و هي: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا)

قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام». فهذا نص في أنه يعرفه بعينه ويرد عليه السلام.
و في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان ابن فلان، «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فقال له عمر: يا رسول اللّه ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال:
«و الذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جوابا» [1]. و ثبت عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه [2].
و قد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين [3] وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل- ولو لا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد.
و السلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به.
قال أبو بكر عبد اللّه بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في كتاب القبور باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء (حدثنا) محمد بن عون حدثنا يحيى بن يمان عن عبد اللّه بن سمعان عن زيد بن أسلم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم» (حدثنا) محمد بن قدامة الجوهري، حدثنا معن بن عيسى القزاز، أخبرنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: إذا مر الرجل بقبر أخيه فسلم عليه، رد عليه السلام وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام (حدثنا محمد بن الحسين حدثني يحيى بن بسطام الأصغر حدثني مسمع حدثني رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أ ليس قد مت. قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا واللّه في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني [4]، نتلقى أخباركم، قال: قلت: أجسادكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟
قال: نعم نعلم بها عشية الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت:
فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته (و حدثنا) محمد بن الحسين، حدثني بكر بن محمد، حدثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي الجبان فنقف على القبور فنسلّم عليهم وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صبرت هذا اليوم يوم الاثنين، قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبلها ويوما بعدها (حدثني) محمد حدثنا عبد العزيز بن إبان قال: حدثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته الأخيرة، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.
(حدثنا) خالد بن خداش، حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي التياح قال: كان مطرف يغدو فإذا كان يوم الجمعة أدلج [5] (قال وسمعت أبا التياح) يقول: بلغنا أنه كان ينور له في سوطه، فأقبل ليلة، حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسا على قبره، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة، قلت: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير، قلت: وما [يقولون؟ قالوا: يقولون]: [6] سلام سلام.
(حدثني) محمد بن الحسين حدثني يحي بن أبي بكير، حدثني الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء اللّه، ثم إني أتيته يوما، فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قام في قبره متوشحا أكفانه [7] عليه سحنة [8] الموتى قال: فكأني بكيت لما رأيته قال: يا بني ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فآنس بك وأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال:
فكنت آتيه بعد ذلك كثيرا.
(حدثني) محمد، حدثني يحي بن بسطام، حدثني عثمان بن سودة الطفاوي (و كانت أمه من العابدات وكان يقال لها راهبة) قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخرتي وذخيرتي [9]، ومن عليه اعتمادي في حياتي و بعد موتي لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني [10] في قبري، فماتت فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في منامي فقلت لها: يا أمي كيف أنت؟ قالت: أي بني أن للموت لكربة شديدة، وأني بحمد اللّه لفي برزخ [11] محمود، نفترش فيه الريحان، ونتوسد فيه السندس والإستبرق [12] إلى يوم النشور [13] فقلت لها: أ لك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال: يا راهبة هذا ابنك قد أقبل فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات:
(حدثني) محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس اللّه وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال: فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي، ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، فقلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت: فإني أعود لذلك، قال: فما تركتها بعد [14]. (حدثني) محمد حدثني أحمد بن سهل حدثني رشد بن سعد عن رجل عن يزيد بن أبي حبيب أن سليم بن عمر مر على مقبرة وهو حاقن [15] قد غلبه البول، فقال له بعض أصحابه: لو نزلت إلى هذه المقابر فبلت في بعض حفرها، فبكى ثم قال: سبحان اللّه، واللّه إني لأستحي من الأموات كما أستحي من الأحياء، ولو لا أن الميت يشعر بذلك لما استحيا منه.
(و أبلغ) من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه، قال عبد اللّه بن المبارك [16]: حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أبي أيوب قال: عظني؟
قال: بم أعظك أصلحك اللّه، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى فانظر ما يعرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل [17] لحيته.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، حدثني خالد بن عمرو الأموي، حدثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شرة سمجة [18] فمات أبي، فأنبت وندمت على ما فرطت، قال: ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام فقال: أي بني ما كان أشد فرحي بك، أعمالك تعرض علينا فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدا، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات، فقال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر (و كان جار لي بالكوفة): أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور [19]، يا مصلح الصالحين، ويا هادي المضلين، ويا أرحم الراحمين.
و هذا باب في آثار كثيرة عن الصحابة، وكان بعض الأنصار من أقارب عبد اللّه بن رواحة يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد اللّه بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد اللّه.
و يكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ولو لا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره هذا، هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون، يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل اللّه لنا ولكم العافية» [20].
و هذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك.
(قال) يزيد بن هارون: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف، فانتهى إلى قبر، قال:
فصليت ركعتين، ثم اتكأت عليه، فو اللّه إن قلبي ليقظان، إذ سمعت صوتا من القبر، إليك عني لا تؤذني فإنكم [اليوم] [21] تعلمون ولا تعملون، ونحن [اليوم] نعلم ولا نعمل ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته.
(و قال) ابن أبي الدنيا: حدثني الحسين بن علي العجلي، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ثابت بن سليم، حدثنا أبو قلابة قال:
أقبلت من الشام إلى البصرة، فنزلت منزلا، فتطهرت وصليت ركعتين بليل، ثم وضعت رأسي على قبر فنمت، ثم انتبهت، فإذا صاحب القبر يشتكيني، قد آذيتني منذ الليلة ثم قال: إنكم تعلمون ولا تعملون، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل، ثم قال: الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها، ثم قال: جزى اللّه أهل الدنيا خيرا، أقرئهم منا السلام، فإنه يدخل علينا من دعائهم نورا مثال الجبال. (و حدثني) الحسين العجلي، حدثنا عبد اللّه بن نمير، حدثنا مالك بن مغول، عن منصور بن زيد بن وهب قال: خرجت إلى الجبّانة فجلست فيها، فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه، ثم تحول إلي فجلس قال: فقلت لمن هذا القبر؟
قال: أخ لي، فقلت: أخ لك؟ فقال: أخ لي في اللّه رأيته فيما يرى النائم فقلت:
فلان عشت، الحمد للّه رب العالمين، قال: قد قلتها، لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم قال: أ لم تر حيث كانوا يدفنونني، فإن فلانا قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها (حدثني) أبو بكر التيمي، حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثني الليث بن سعد (حدثني) حميد الطويل، عن مطرف بن عبد اللّه الحرشي قال: خرجنا إلى الربيع في زمانه، فقلنا: ندخل يوم الجمعة لشهودها وطريقنا على المقبرة، قال: فدخلنا فرأيت جنازة في المقبرة، فقلت: لو اغتنمت شهود هذه الجنازة فشهدتها، قال:
فاعتزلت ناحية قريبا من قبر، فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إتقانهما ونعمت، فرأيت صاحب القبر يكلمني وقال: ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما؟ قلت: قد كان ذلك، قال: تعلمون ولا تعملون ولا نستطيع أن نعمل، لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها، فقلت: من هاهنا؟ فقال: كلهم مسلم، وكلهم قد أصاب خيرا، فقلت: من هاهنا أفضل؟ فأشار إلى قبر، فقلت في نفسي اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه، قال: فخرج من قبره فتى شاب، فقلت: أنت أفضل من هاهنا؟ قال: قد قالوا ذلك، قلت: فبأي شي ء نلت ذلك، فو اللّه ما أرى لك ذلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل اللّه والعمل، قال قد ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم.
تنبيه:
و هذه المرائي وإن لم تصح بمجردها لإثبات مثل ذلك فهي على كثرتها وأنها لا يحصيها إلا اللّه قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شي ء كان كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند اللّه قبيح، على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها. و قد ثبت في الصحيح أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه (فروى) مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال:
حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت [22]، فبكى طويلا، وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه، أما بشرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، وإني كنت على أطباق ثلاث [23]، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مني ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل اللّه الإسلام في قلبي لقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقلت: أبسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه قال: فقبضت يدي قال: فقال: «ما لك يا عمرو»؟ قال قلت: أردت أن أشترط. قال: «تشترط ما ذا»؟ قلت: أن يغفر لي قال: «أ ما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله»؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن املأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا عليّ التراب سنا [24]، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور [25]، ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وأنظر ما ذا أراجع به رسل ربي [26]. فدل على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم.
و قد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن، قال عبد الحق: يروى أن عبد اللّه بن عمر أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة، وممن رأى ذلك المعلى بن عبد الرحمن، وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولا حيث لم يبلغه فيه أثر ثم رجع عن ذلك.
و قال الخلال في الجامع كتاب القراءة عند القبور: (أخبرنا) العباس بن محمد الدوري حدثنا يحيى بن معين، حدثنا مبشر الحلبي، حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم اللّه وعلى سنّة رسول اللّه، وسن عليّ التراب سنا، واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة، فإني سمعت عبد اللّه بن عمر يقول ذلك (قال) عباس الدورمي: سألت أحمد بن حنبل قلت: تحفظ في القراءة على القبر شيئا؟ فقال:
لا، وسألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث.
(قال الخلال) وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق، حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقا قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟
قال: نعم، فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن [أن] [27] يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. فقال له أحمد فارجع وقل للرجل يقرأ [28]. (و قال) الحسن بن الصباح الزعفراني: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر، فقال: لا بأس بها [29].
(و ذكر) الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون عنده القرآن. قال: وأخبرني أبو يحيى الناقد قال: سمعت الحسن بن الجروي يقول: مررت على قبر أخت لي، فقرأت عندها (تبارك) لما يذكر فيها، فجاءني رجل فقال: إني رأيت أختك في المنام تقول: جزى اللّه أبا علي خيرا، فقد انتفعت بما قرأ.
(أخبرني) الحسن بن الهيثم قال: سمعت أبا بكر بن الأطروش ابن بنت أبي نضر بن التمار يقول: كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة فيقرأ سورة يس، فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة يس، ثم قال: اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ثوابا فاجعله في أهل هذه المقابر، فلما كان في الجمعة التي تليها جاءت امرأة فقالت: أنت فلان ابن فلانة؟ قال: نعم، قالت: إن بنتا لي ماتت فرأيتها في النوم جالسة على شفير قبرها فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ فقالت: إن فلان بن فلانة جاء إلى قبر أمه فقرأ سورة يس وجعل ثوابها لأهل المقابر فأصابنا من روح ذلك، أو غفر لنا أو نحو ذلك.
(و في النسائي) وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرؤوا «يس» عند موتاكم» [30] وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه. ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: (أحدها) أنه نظير قوله: «لقنوا موتاكم لا إله إلا اللّه» [31].
(الثاني) انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ۝26بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ۝27﴾ [36:26—27] فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء اللّه فيحب اللّه لقاءها فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر.
و قد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) وقضى.
(الثالث) أن هذا عمل الناس وعادتهم قديما وحديثا يقرؤون «يس» عند المحتضر.
(الرابع) أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اقرؤوا «يس» عند موتاكم» [32]، قراءتها عند القبر: لما أخلوا به وكان ذلك أمرا معتادا مشهورا بينهم.
(الخامس) إن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت.
و قد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الإشبيلي على هذا فقال: ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون أقوالهم وأعمالهم ثم قال: ذكر أبو عمر ابن عبد البر من حديث ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام». ويروي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا قال: «فإن لم يعرفه وسلّم عليه رد عليه السلام».
(قال) ويروى من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم».
و احتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ما من أحد يسلم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام» [33]. وقال سليمان بن نعيم رأيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في النوم فقلت: يا رسول اللّه هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم؟ قال: نعم وأرد عليهم، وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلمهم أن يقولوا إذا دخلوا المقابر: «السلام عليكم أهل الديار [34] الحديث: قال وهذا يدل على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من يدعو له. (قال أبو محمد) ويذكر عن الفضل بن الموفق قال: كنت آتي قبر أبي المرة بعد المرة فأكثر من ذلك، فشهدت يوما جنازة في المقبرة التي أدفن فيها، فتعجلت لحاجتي ولم آته، فلما كان من الليل رأيته في المنام فقال لي: يا بني لم لا تأتيني؟
قلت له: يا أبت وأنك لتعلم بي إذا أتيتك؟ قال: أي واللّه يا بني، لا أزال أطلع عليك حين تطلع من القنطرة حتى تصل إلي وتقعد عندي ثم تقوم، فلا أزال أنظر إليك حتى تجوز القنطرة.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن بشار الكوفي قال: حدثني الفضل بن الموفق فذكر القصة.
و صح عن عمرو بن دينار أنه قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وأنهم ليغسلونه ويكفنونه وأنه لينظر إليهم.
و صح عن مجاهد أنه قال: إن الرجل ليبشر في قبره بصلاح ولده من بعده.

هامش

  1. روى البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر (2/ 101): حدثنا علي بن عبد اللّه، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي عن صالح، حدثني نافع: أن ابن عمر رضي اللّه عنهما أخبر وقال: اطلع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على أهل القليب فقال: «وجدتم ما وعد ربكم حقا؟» فقيل له: أ تدعو أمواتا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون».
    و روى مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (8/ 163) قال: حدثني إسحاق بن عمر بن سليط الهذلي، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس كنت مع عمر (ح) وحدثنا شيبان بن فروخ (و اللفظ له): حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر، فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلت أقول لعمر: أ ما تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء اللّه»، قال: فقال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم اللّه ورسوله حقا؟ فإني وجدت ما وعدني اللّه حقا» قال عمر: يا رسول اللّه كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها!، قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا».
    قال النووي رحمه اللّه: قوله عليه الصلاة والسلام: «هذا مصرع فلان» الخ ... هذا من معجزاته صلى اللّه عليه وآله وسلم الظاهرة.
  2. روى أبو داود في سننه في كتاب الجنائز باب المشي في النعل بين القبور برقم 3231 قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبد الوهاب- يعني ابن عطاء- عن سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم».
    و أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب الميت يسمع خفق النعال (2/ 113) وفي باب ما جاء في عذاب القبر. كما أخرجه مسلم في كتاب الجنة باب عرض مقعد الميت (8/ 162) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا».
    و أخرجه النسائي في كتاب الجنائز باب المسألة في القبر وباب مسألة الكافر (2051 و2053).
  3. أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة برقم 249 وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز باب ما يقول: إذا زار القبور أو مر بها، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر الحوض برقم 4306 ولفظه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه أتى المقبرة فسلم على المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء اللّه تعالى بكم لاحقون» ثم قال: «لوددنا أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: يا رسول اللّه، أو لسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي، وأنا فرطكم على الحوض» قالوا: يا رسول اللّه، كيف تعرف من لم يأت من أمتك؟ قال:
    «أ رأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل وهم بهم، أ لم يكن يعرفها؟» قالوا: بلى، قال: «فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء» قال: «أنا فرطكم على الحوض» ثم قال:
    «ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير، فأناديهم: ألا هلموا، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم فأقول: ألا سحقا سحقا».
  4. هو أبو عبد اللّه بكر بن عبد اللّه المزني الفقيه، روى عن المغيرة ابن شعبة وجماعة، توفي سنة ثمان ومائة، وقيل سنة ست.
  5. أدلج: أي سار من أول الليل، والاسم: الدلج، بفتحتين، والدّلجة والدّلجة بوزن الجرعة والضربة، وأدلج بتشديد الدال: سار من آخره.
  6. زيادة على المطبوع لعدم وضوح العبارة في الأصل.
  7. الوشاح بالضم والكسر: كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما، معطوف أحدهما على الآخر، وأديم عريض يرصع بالجوهر، تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها، جمع وشح وأوشحة ووشائح، وقد توشحت المرأة واتشحت ووشحتها توشيحا.
  8. السحنة: الهيئة.
  9. يقال: ذخرته ذخرا: من باب نفع، والاسم: الذخر، بالضم، إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، وأذخرته على افتعلت مثله، وهو مذخور وذخيرة أيضا، وجمع الذخر: أذخار، مثل قفل وأقفال، وجمع الذخيرة: ذخائر.
  10. الوحشة: الخلوة والهم، وقد أوحشه اللّه فاستوحش، وأوحش المنزل: أقفر وذهب عنه الناس.
  11. البرزخ: هو الحاجز بين الشيئين، ومن وقت الموت إلى القيامة، ومن مات دخله، وبرازخ الإيمان:
    ما بين أوله وآخره، أو ما بين الشك واليقين.
  12. الإستبرق: هو الديباج الغليظ، وهو فارسي معرب، وتصغيره أبيرق.
  13. وهو يوم القيامة.
  14. زيارة القبور للرجال مستحبة، لما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة» والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهاهم أول الأمر عن زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية، فلما اطمأنوا إلى الإسلام وعرفوا أحكامه وحدوده وطبقوها كان الأمر بزيارة القبور للاعتبار والاتعاظ فترقق القلب وتصفي النفس وتقلل من خطر الدنيا في نفس المؤمن. أما زيارة النساء للقبور فقد روى الحاكم والبيهقي والإمام أحمد عن عبد اللّه بن أبي مليكة أن السيدة عائشة رضي اللّه عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟
    قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أ ليس كان نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها.
    ذكره قوم زيارة النساء للقبور لما رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لعن اللّه زوارات القبور».
    قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك.
    قال الشوكاني: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.
  15. الحاقن هو الذي به بول شديد، يقال: احتقن المريض: أي احتبس بوله فاستعمل الحقنة.
  16. هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وهذه الطبقة وصنف التصانيف الكثيرة وحديثه نحو عشرين ألف حديث، قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وقال شعبة: ما قدم علينا مثله، وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك أطلب للعلم منه، وقال شعبة: ما قدم علينا مثله.
    و عن شعيب بن حرب قال: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه، وكانت له تجارة واسعة، كان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم، قال ابن ناصر الدين: الإمام العلّامة الحافظ شيخ الإسلام وأحد أئمة الأنام ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة، حدث عنه ابن منيع وابن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم، جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر وفصاحة العرب مع قيام الليل والعبادة.
    قال ابن الأهدل: تفقه بسفيان الثوري ومالك بن أنس وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع في الخلوات شديد الورع. توفي سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون سنة، قيل مات بهيت- بالكسر- بلد بالعراق منصرفا من غزوة، وقيل مات في برية سائحا مختارا للعزلة.
    قال في العبر: كان أستاذه تاجرا فتعلم منه، وكان أبوه تركيا وأمه خوارزمية.
    (انظر شذرات الذهب 1/ 295).
  17. يقال: شيء خضل أي رطب، والخضل: النبات الناعم، وأخضل الشي ء اخضلالا واخضوضل:
    أي ابتل.
  18. أي تبيحه.
  19. الحور: الرجوع.
  20. أخرج الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن بريدة قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون أنتم فرطنا ونحن تبع لكم، ونسأل اللّه لنا ولكم العافية» وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر اللّه لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر».
  21. وردت في المطبوع: يوم ولعله كما أثبتناه.
  22. وردت في مسلم: في سياقة الموت، قال النووي: أي حال حضور الموت.
  23. قال النووي: قوله على أطباق ثلاث أي على أحوال، فلهذا أنت ثلاثا إرادة لمعنى أطباق.
  24. وردت في مسلم: فشنوا على التراب شنا، وضبط النص بالشين والسين، ومعناه على الأول: فرقوا عليّ التراب، ومعناه على الثاني: صبوا عليّ التراب، والمراد به المنع من الترصيص على القبر بنحو طين وآجر.
  25. قال في المصباح: الجزور هي الناقة التي تنحر.
  26. انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان باب كون الإسلام بهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (1/ 78).
  27. زيادة على المطبوع لسياق العبارة.
  28. أخرج ابن ماجه برقم 242 عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته».
    و من المتفق عليه أن الميت ينتفع بما كان سببا فيه من أعمال البر في حياته ومنها قراءة القرآن وهذا رأي جمهور من أهل السنة، قال النووي: المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل. و ذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان.
    و قال ابن قدامة في المغني: قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شي ء من الخير للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل عصر ويقرؤون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعا. والقائلون بوصول ثواب القراءة إلى الميت يشترطون أن لا يأخذ القارئ على قراءته أجرا، فإن أخذ القارئ أجرا على قراءته حرم على المعطي والآخذ ولا ثواب له على قراءته لما رواه أحمد والطبراني والبيهقي عن عبد الرحمن بن شبل أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «اقرؤوا القرآن واعملوا ... ولا تجفوا عنه ولا تغفلوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به».
  29. اختلف الفقهاء في حكم قراءة القرآن عند القبر، فذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى استحبابها، وقال بذلك أيضا القاضي عياض والقرافي من المالكية، وقال الإمام أحمد: لا بأس بها. وكرهها مالك وأبو حنيفة لعدم ورود السنّة بها.
  30. أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما يقال عند المريض إذا حضر برقم 1448 بلفظ: «اقرءوها عند موتاكم» يعني يس. وهو حديث ضعيف.
  31. أخرجه النسائي في كتاب الجنائز باب تلقين الميت (4/ 5) وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز باب ما جاء في تلقين الميت لا إله إلا اللّه برقم 1444 و1445، وأخرجه الترمذي في كتاب الجنائز باب ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له عنده برقم 976، كما أخرجه مسلم في كتاب الجنائز برقم 1، وأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز باب في التلقين برقم 3117.
  32. أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان عن معقل بن يسار رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «يس قلب القرآن، لا يقرأها رجل يريد اللّه والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم».
  33. أخرجه أبو داود برقم 2041.
  34. أخرج أبو داود برقم 3237 عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون».
    و أخرج الترمذي برقم 1053 عن ابن عباس قال: مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر اللّه لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر».
    و أخرج ابن ماجه عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها قالت: فقدته (تعني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم) فإذا هو بالبقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم فرط لنا، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم».
    قال الخطابي في معالم السنن: وأما قوله «و إنا إن شاء اللّه بكم لاحقون» فقد قيل أن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام لشك وارتياب، ولكنه عادة المتكلم يحسن بذلك كلامه ويزينه، كما يقول الرجل لصاحبه: إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء اللّه، وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء اللّه، في نحو ذلك من الكلام، وهو لا يريد به الشك في كلامه، وقد قيل أنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان والآخرون يظنون بهم النفاق، فكان استثناؤه منصرفا إليهم دون المؤمنين، فمعناه اللحوق بهم في الإيمان، وقيل أن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الموت.


المسألة الأولى
هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا | فصل تلقين الميت


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون