75%

الروح/المسألة الثانية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الروح - المسألة الثانية

المؤلف: ابن القيم
المسألة الثانية (و هي: أن أرواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا)

و هي أيضا مسألة شريفة كبيرة القدر، وجوابها أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، وروح نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم في الرفيق الأعلى، قال اللّه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا﴾ [4:69] وهذه المعية ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاثة.
(و روى) جرير عن منصور عن أبي ضحى بن مسروق قال: قال أصحاب محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإذا مت رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا﴾ [4:69].
(و قال الشعبي) جاء رجل من الأنصار وهو يبكي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: «ما يبكيك يا فلان»؟ فقال: يا نبي اللّه واللّه الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، واللّه الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إليّ من نفسي وأنا أذكرك وأنا وأهلي فيأخذني كذا حتى أراك، فذكرت موتك وموتي فعرفت أني لن أجامعك إلا في الدنيا وأنك ترفع في النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة كنت في منزل أدنى من منزلك، فلم يرد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم شيئا فأنزل اللّه تعالى ﴿ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ﴾[4:69] إلى قوله ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾[4:70] وقال تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ۝27ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً۝28فَادْخُلِي فِي عِبَادِي۝29وَادْخُلِي جَنَّتِي۝30﴾ [89:27—30] أي ادخلي في جملتهم كوني معهم وهذا يقال للروح عند الموت.
(و في قصة الإسراء) من حديث عبد اللّه بن مسعود قال: لما أسري بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم بموسى فلم يكن عنده منها علم، حتى أجمعوا الحديث إلى عيسى، فقال عيسى: عهد اللّه فيما إليّ فيما دون وجبتها فذكر خروج الدجال، قال: فأهبط فأقتله، ويرجع الناس إلى بلادهم فتستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه، ولا يمرون بشي ء إلا أفسدوه، فيجأرون إلي فأدعو اللّه فيميتهم، فتجأر الأرض إلى اللّه من ريحهم، ويجأرون إليّ فأدعو ويرسل اللّه السماء بالماء فيحمل أجسامهم فيقذفها في البحر، ثم ينسف الجبال ويمد الأرض مد الأديم، فعهد اللّه إليّ إذا كان كذلك، فإن الساعة من الناس كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلا أو نهارا، ذكره الحاكم والبيهقي وغيرهما.
و هذا نص في تذاكر الأرواح العلم. و قد أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم يستبشرون بنعمة من اللّه، وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه:
(أحدها) أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.
(الثاني) أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم.
(الثالث) أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا مثل يتباشرون.
و قد تواترت المرائي بذلك، (فمنها) ما ذكره صالح بن بشير قال: رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت له: يرحمك اللّه لقد كنت طويل الحزن في الدنيا، فقال: أما واللّه لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائما، فقلت: في أي الدرجات أنت؟ قال: مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
(و قال) عبد اللّه بن المبارك: رأيت سفيان الثوري [1] في النوم فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال: لقيت محمدا وحزبه.
(و قال) صخر بن راشد: رأيت عبد اللّه بن المبارك [2] في النوم بعد موته فقلت: أ ليس قدمت؟ قال: بلى، قلت: فما صنع اللّه بك؟ قال: غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب، قلت: فسفيان الثوري؟ قال: بخ بخ ذاك مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
(و ذكر) ابن أبي الدنيا من حديث حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن يقظة بنت راشد قالت: كان مروان المحملي لي جارا وكان قاضيا مجتهدا، قالت:
فمات فوجدت عليه وجدا شديدا قالت: فرأيته فيما يرى النائم قلت: أبا عبد اللّه ما صنع بك ربك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: ثم ما ذا؟ قال: ثم رفعت إلى أصحاب اليمين، قلت: ثم ما ذا؟ قال: ثم رفعت إلى المقربين، قلت: فمن رأيت من إخوانكم؟ قال: رأيت الحسن وابن سيرين وميمون بن سياه، قال حماد: قال هشام بن حسان: فحدثتني أم عبد اللّه وكانت من خيار نساء أهل البصرة قالت:
رأيت فيما يرى النائم كأني دخلت دار حسنة ثم دخلت بستانا فذكرت من حسنه ما شاء اللّه، فإذا أنا فيه برجل متكئ على سرير من ذهب وحوله الوصفاء بأيديهم الأكاويب قالت: فإني لمتعجبة من حسن ما أرى إذ قيل هذا مروان المحملي أقبل، فوثب فاستوى جالسا على سريره قالت: واستيقظت من منامي فإذا جنازة مروان قد مر بها على بابي تلك الساعة.
و قد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح وتعارفها.
(قال) ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عبد اللّه بن بزيغ، أخبرني فضل بن سليمان النميري، حدثني يحيى ابن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور [3] وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا فقالت: يا رسول اللّه إنه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رءوس الشجر» وكان لا يهلك هالك من بني سلمة، جاءته أم بشر فقالت: يا فلان عليك السلام، فيقول: وعليك، فتقول: اقرأ على بشر السلام.
(و ذكر) ابن أبي الدنيا من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أهل القبور يتوكفون الأخبار، فإذا أتاهم الميت قالوا: ما فعل فلان؟
فيقول: صالح، ما فعل فلان؟ يقول: صالح، ما فعل فلان؟ فيقول: أ لم يأتكم أو ما قدم عليكم؟ فيقولون: لا، فيقول: إنا للّه وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا.
(و قال) صالح المري: بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليها: كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في طيب أم خبيث؟ ثم بكى حتى غلبه البكاء.
(و قال) عبيد بن عمير: إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما يستخبر الركب ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فإذا قال: توفي ولم يأتهم، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية (و قال) سعيد بن المسيب: إذا مات الرجل استقبله ولده كما يستقبل الغائب؛ (و قال) عبيد بن عميرة أيضا: لو أني آيس من لقاء من مات من أهلي لألفاني قدمت كمدا.
(و ذكر) معاوية بن يحيى عن عبد اللّه بن سلمة أن إبراهيم المسمعي حدثه أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاه أهل الرحمة من عند اللّه كما يتلقى البشير في الدنيا فيقولون: انظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد [4] فيسألونه: ما ذا فعل فلان؟ وما ذا فعلت فلانة؟ وهل تزوجت فلانة؟ فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال: إنه قد مات قبلي، قالوا: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية.
و قد تقدم حديث يحيى بن بسطام، حدثني مسمع بن عاصم قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أ ليس قدمت؟ قال: بلى، قلت: وأين أنت؟ قال: أنا واللّه في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني [5] فنتلقى أخباركم، قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات [6] بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح.


هامش

  1. هو الإمام أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري الفقيه سيد أهل زمانه علما وعملا، روى عن عمرو بن مرة وسماك بن حرب وخلق كثير، قال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ، ما فيهم أفضل من سفيان. وقال أحمد بن حنبل: لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد. ولكن سفيان كثير الحط على المنصور لظلمه، فهمّ به وأراد قتله فما أمهله اللّه. توفي رحمه اللّه تعالى في البصرة متواريا إحدى وستين ومائة قال ابن رجب: وجد في آخر القرن الرابع سفيانيون، ومناقبه تحمل مجلدات. ورآه بعضهم بعد موته فقال:
    نظرت إلى ربي عيانا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد
    لقد كنت قواما إذ أظلم الدجى ... بصبرة مشتاق وقلب عميد
    فدونك فاختر أي قصد أردته ... وزرني فإني منك غير بعيد
  2. هو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك الحنظلي مولاهم المروزي الفقيه الحافظ ذو المناقب، سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وهذه الطبقة، وصنف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث. قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وكانت له تجارة واسعة ينفق منها على الفقراء في السنة مائة ألف درهم. قال الفضيل بن عياض: ورب الكعبة ما رأت عيناي ابن المبارك. قال ابن الأهدل: تفقه بسفيان الثوري ومالك بن أنس وروى عنه في الموطأ، وكان كثير الانقطاع في الخلوات شديد الورع. وكذلك أبوه مبارك. قال في العبر: كان أستاذه تاجرا فتعلّم منه، وكان أبوه تركيا وأمه خوارزمية. توفي بهيت (بلد في العراق وقبره يزار هناك) سنة إحدى وثمانين ومائة.
  3. هو بشر بن البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، توفي رحمه اللّه تعالى بعد أكله من الشاة المسمومة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقصتها معروفة مشهورة.
  4. الكربة: الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكرب، يقال: كربه الغم أي اشتد عليه.
  5. هو أبو عبد اللّه بكر بن عبد اللّه المزني البصري الفقيه، روى عن المغيرة ابن شعبة وجماعة، توفي سنة ثمان ومائة.
  6. كلمة تبعيد، وهي مبنية على الفتح، وأناس يكسروها على كل حال.


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون