75%

الروح/المسألة السابعة عشرة/فصل القرآن يدل على خلقه تعالى للأرواح

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الروح - المسألة السابعة عشرة - فصل القرآن يدل على خلقه تعالى للأرواح

المؤلف: ابن القيم
فصل القرآن يدل على خلقه تعالى للأرواح

وأما ما احتجت به هذه الطائفة فأما، ما أتوا به من اتباع متشابه القرآن والعدول عن محكمه فهذا شأن كل ضلال ومبدع.
فمحكم القرآن من أوله إلى آخره يدل على أن اللّه تعالى خالق الأرواح ومبدعها.
و أما قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] فمعلوم قطعا أنه ليس المراد هاهنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد أن الروح كلامه الذي يأمر به، بل إنما المراد بالأمر هاهنا المأمور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ﴾[16:1] أي مأموره الذي قدره وقضاه وقال له: كن فيكون. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾[11:101] أي مأموره الذي أمر به من إهلاكهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾[16:77] وكذلك الخلق يستعمل بمعنى المخلوق كقوله تعالى للجنة أنت رحمتي فليس في قوله تعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجه ما.
و قد قال بعض السلف في تفسيرها: جرى بأمر اللّه في أجساد الخلق وبقدرته استقر.
و هذا بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان وفي ذلك خلاف بين السلف والخلف وأكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم بل هو الروح الذي أخبر اللّه عنه في كتابه أن يقوم يوم القيامة مع الملائكة وهو ملك عظيم [1].
و قد ثبت في الصحيح من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه قال: بينا أنا أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حرة المدينة وهو متكئ على عسيب، فمررنا على نفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشي ء تكرهونه، وقال بعضهم نسأله، فقام رجل فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت، فلما تجلى عنه قال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [17:85] [2].
و معلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند اللّه لا يعلمها الناس.
و أما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة.
فإن قيل: فقد قال أبو الشيخ: حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم، أنبأنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال:
بعثت قريش عقبة بن أبي معيط وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقالوا لهم: إنه قد خرج فينا رجل يزعم أنه نبي وليس على ديننا ولا على دينكم، قالوا: فمن تبعه؟ قالوا: سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه، وأما أشراف قومه فلم يتبعوه، فقالوا: إنه قد أظل زمان نبي يخرج، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل فأتوه فاسألوه عن ثلاث خصال نأمركم بهن، فأن أخبركم بهن فهو نبي صادق، وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب: سلوه عن الروح التي نفخ اللّه تعالى في آدم، فإن قال لكم: هي من اللّه، فقولوا كيف يعذب اللّه في النار شيئا هو منه؟ فسأل جبريل عنها فأنزل اللّه عز وجل ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] يقول: هو خلق من خلق اللّه ليس هو من اللّه. ثم ذكر باقي الحديث.
قيل: مثل هذا الإسناد لا يحتج به، فإنه من تفسير السدي عن أبي مالك وفيه أشياء منكرة، وسياق هذه القصة في السؤال من الصحاح والمسانيد كلها تخالف سياق السدي، وقد رواها الأعمش والمغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه، قال: مر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على ملأ من اليهود و أنا أمشي معه فسألوه عن الروح قال: فسكت، فظننت أنه يوحى إليه، فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [17:85].
و كذلك هي في قراءة عبد اللّه [3] فقالوا كذلك نجد مثله في التوراة أن الروح من أمر اللّه عز وجل. رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة.
و روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أتت اليهود إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فسألوه عن الروح فلم يجبهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بشي ء فأنزل اللّه عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [17:85].
فهذا يدل على ضعف حديث السدي وأن السؤال كان بمكة وكان هذا الحديث، وحديث ابن مسعود صريح في أن السؤال كان بالمدينة مباشرة من اليهود، ولو كان قد تقدم السؤال والجواب بمكة لم يسكت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وبادر إلى جوابهم بما تقدم من كلام اللّه له وما أنزل عليه.
و قد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظم اضطراب، فإما أن تكون من قبل الرواة، أو تكون أقواله قد اضطربت فيها، ونحن نذكر ذلك:
فقد ذكرنا رواية السدي عن أبي مالك عنه، ورواية داود بن أبي هند عن عكرمة عنه تخالفها، وفي رواية داود بن أبي هند هذه اضطراب، فقال مسروق بن المرزبان وإبراهيم بن أبي طالب عن يحيى بن زكريا عنه [أن] [4] اليهود أتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم .. الحديث.
و قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا إسحاق، أنبأنا يحيى بن زكريا عن داود بن أبي هند عند عكرمة عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾[17:85] الآية. وهذا يخالف الرواية الأخرى عنه وحديث ابن مسعود.
و عن ابن عباس رواية ثالثة، قال هشيم: حدثنا أبو بشر عن مجاهد عن ابن عباس: قل الروح أمر من أمر اللّه عز وجل، وخلق من خلق اللّه، وصور مثل صور بني آدم، وما نزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح. وهذا يدل على أنها غير الروح التي في ابن آدم.
و عنه رواية رابعة: قال ابن منده: روى عبد السلام بن حرب، عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] قد نزل من القرآن بمنزلة كن، نقول كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] ثم ساق من طريق خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يفسر أربعة أشياء: الرقيم والغسلين والروح.
و قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾[45:13].
و عنه رواية خامسة رواها جويبر عن الضحاك عنه: أن اليهود سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الروح: فقال: قال اللّه تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] يعني خلقا من خلقي: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[17:85] يعني لو سألتم عن خلق أنفسكم وعن مدخل الطعام والشراب ومخرجها ما وصفتم ذلك حق صفته وما أهديتم لصفتها.
و عنه رواية سادسة: روى عبد الغني بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾[17:85] وذلك أن قريشا اجتمعت، فقال بعضهم لبعض: واللّه ما كان محمد يكذب، وقد نشأ فينا بالصدق والأمانة، فأرسلوا جماعة إلى اليهود فسألوهم عنه، وكانوا مستبشرين به، ويكثرون ذكره، ويدعون نبوته، ويرجون نصرته موقنين بأنه سيهاجر إليهم، ويكونون له أنصارا، فسألوهم عنه، فقالت لهم اليهود: سلوه عن ثلاث: سلوه عن الروح وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسم الروح فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾[17:85] يريد من خلق ربي عز وجل.
و الروح في القرآن على عدة أوجه:
أحدها: الوحي كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾[42:52]، وقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾[40:15] وسمى الوحي روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح.
الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين كما قال أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه.
الثالث: جبريل كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [26:193]﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾[26:194] وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[2:97] وهو روح القدس، قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾[16:102].
الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بأنها من أمر اللّه، وقد قيل أنها الروح المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾[78:38] وأنها الروح المذكورة في قوله ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾[97:4].
الخامس: المسيح ابن مريم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾[4:171]. وأما أرواح بني آدم فلم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [89:27] وقال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [75:2] وقال تعالى:﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾[12:53] وقال تعالى: ﴿خْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾[6:93] وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا۝7فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا۝8﴾ [91:7—8] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[3:185]، وأما في السنّة فجاءت بلفظ النفس والروح.
و المقصود أن كونها من أمر اللّه لا يدل على قدمها وأنها غير مخلوقة.

هامش

  1. قال ابن عباس: هو جبريل عليه السلام، مستدلا على ذلك بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [26:193]﴿عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾[26:194] واستدل الحسن بالقرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾[42:52].
  2. وفي رواية أخرى أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في القرآن، فقدموا على سؤالهم.
  3. قراءة عبد اللّه بن مسعود: وما أوتوا.
  4. زيدت على المطبوع.


المسألة السابعة عشرة
هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة | فصل الأدلة على خلق الروح | فصل القرآن يدل على خلقه تعالى للأرواح | فصل الرد على الاستدلال بإضافتها إلى اللّه سبحانه وتعالى


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون