75%

الروح/المسألة التاسعة عشرة/فصل روح النائم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الروح - المسألة التاسعة عشرة - فصل روح النائم

المؤلف: ابن القيم
فصل روح النائم

المائة: ما قد اشترك في العلم به عامة أهل الأرض من لقاء أرواح الموتى لهم و سؤالهم وإخبارهم إياهم بأمور خفيت عليهم فرأوها عيانا وهذا أكثر من أن يتكلف إيراده.
و أعجب من هذا الوجه الحادي والمائة: أن روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عيانا وهي من تأثير الروح في الروح كما ذكر القيرواني في (كتاب البستان) عن بعض السلف.
قال: كان لي جار يشتم أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فلما كان ذات يوم أكثر من شتمهما، فتناولته وتناولني، فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، فنمت وتركت العشاء، فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في المنام، فقلت: يا رسول اللّه فلان يسب أصحابك! قال: من أصحابي؟ قلت: أبو بكر وعمر، فقال:
خذ هذه المدية فاذبحه بها فأخذتها فأضجعته وذبحته، ورأيت كأن يدي أصابها من دمه فألقيت المدية وأهويت بيدي إلى الأرض لأمسحها فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، فقلت: ما هذا الصراخ؟ قالوا: فلان مات فجأة، فلما أصبحنا جئت فنظرت إليه، فإذا خط موضع الذبح.
و في كتاب المنامات لابن أبي الدنيا عن شيخ من قريش قال: رأيت رجلا بالشام قد اسود نصف وجهه وهو يغطيه، فسألته عن ذلك؟ فقال: قد جعلت للّه علي أن لا يسألني أحد عن ذلك إلا أخبرته به، كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آت في منامي فقال لي:
أنت صاحب الوقيعة في؟ فضرب شق وجهي فأصبحت وشق وجهي أسود كما ترى.
و ذكر مسعدة عن هشام بن حسان عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة قالت: كنت عند عائشة رضي اللّه عنها فأتتها امرأة مشتملة على يدها، فجعل النساء يولعن بها، فقالت: ما أتيتك إلا من أجل يدي أبي كان رجلا سمحا، وإني رأيت في المنام حياضا عليها رجال معهم آنية يسقون من أتاهم، فرأيت أبي، قلت: أين أمي؟ فقال: انظري، فنظرت فإذا أمي ليس عليها إلا قطعة خرقة، فقال: إنها لم تتصدق قط إلا بتلك الخرقة وشحمة من بقرة ذبحوها، فتلك الشحمة تذاب وتطرف بها وهي تقول: وا عطشاه! قالت: فأخذت إناء من الآنية فسقيتها، فنوديت من فوقي: من سقاها أيبس اللّه يده فأصبحت يدي كما ترين.
و ذكر الحارث بن أسد المحاسبي وأصبغ وخلف بن القاسم وجماعة من سعيد بن مسلمة قال: بينما امرأة عند عائشة إذا قالت: بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على أن لا أشرك باللّه شيئا، ولا أسرق ولا أزني، ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه من بين يدي ورجلي، ولا أعصي في معروف، فوفيت لربي ووفى لي ربي، فو اللّه لا يعذبني اللّه فأتاها في المنام ملك فقال لها: كلا إنك تتبرجين، وزينتك تبدين، وخيرك تكندين [1]، وجارك تؤذين، وزوجك تعصين، ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها وقال: خمس بخمس ولو زدت زدناك، فأصبحت أثر الأصابع في وجهها.
و قال عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك: سمعت مالكا يقول: إن يعقوب بن عبد اللّه بن الأشج كان من خيار هذه الأمة، نام في اليوم الذي استشهد فيه فقال لأصحابه: إني قد رأيت أمرا ولأخبرته، إني رأيت كأني أدخلت الجنة، فسقيت لبنا فاستقاء فقاء اللبن، واستشهد بعد ذلك، قال أبو القاسم: وكان في غزوة البحر بموضع لا لبن فيه، وقد سمعت غير مالك يذكره ويذكر أنه معروف، فقال: إني رأيت كأني أدخل الجنة فسقيت فيها لبنا، فقال له بعض القوم: أقسمت عليك لما تقيأت، فقاء لبنا يصلد أي يبرق، وما في السفينة لبنا ولا شاة. قال ابن قتيبة: قوله يصلد أي يبرق، يقال: صلد اللبن يصلد، ومنه حديث عمر أن الطبيب سقاه لبنا فخرج من الطعنة أبيض يصلد.
و كان نافع القارئ إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: كلما قعدت تتطيب فقال: ما أمس طيبا ولا أقربه، ولكن رأيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في المنام وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت يشم من في هذه الرائحة.
و ذكر مسعدة في كتابه في الرؤيا عن ربيع بن زيد الرقاشي قال: أتاني رجلان فقعدا إلي فاغتابا رجلا فنهيتهما، فأتاني أحدهما بعد فقال: إني رأيت في المنام كأن زنجيا أتاني بطبق عليه جنب خنزير لم أر قط أسمن منه، فقال لي: كل، فقلت: آكل لحم خنزير؟ فتهددني فأكلت، فأصبحت وقد تغير فمي، فلم يزل يجد الريح في فمه شهرين.
و كان العلاء بن زياد له وقت يقوم فيه، فقال لأهله تلك الليلة: إني أجد فترة، فإذا كان وقت كذا أيقظوني، فلم يفعلوا، قال: فأتاني آت في منامي فقال:
قم يا علاء بن زياد أذكر اللّه يذكرك، وأخذ شعرات في مقدم رأسي، فقامت تلك الشعرات في مقدم رأسي، فلم تزل قائمة حتى مات، قال يحيى بن بسطام: فلقد غسلناه يوم مات وإنهن لقيام في رأسه.
و ذكر ابن أبي الدنيا عن أبي حاتم الرازي عن محمد بن علي قال: كنا بمكة في المسجد الحرام قعودا، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصفه أبيض فقال:
يا أيها الناس اعتبروا بي، فإني كنت أتناول الشيخين وأشتمها، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آت فرفع يده فلطم وجهي وقال لي: يا عدو اللّه يا فاسق أ لست تسب أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما؟ فأصبحت وأنا على هذه الحالة.
و قال محمد بن عبد اللّه المهلبي: رأيت في المنام كأني في رحبة بني فلان، وإذا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم جالس على أكمة ومعه أبو بكر، وعمر واقف قدامه، فقال له عمر: يا رسول اللّه إن هذا يشتمني ويشتم أبا بكر، فقال: جي ء به يا أبا حفص، فأتى برجل فإذا هو العماني وكان مشهورا بسبهما، فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: أضجعه، فأضجعه، ثم قال: اذبحه، فذبحه، قال:
فما نبهني إلا صياحه، فقلت: ما لي أخبره؟ عسى أن يتوب، فلما تقربت من منزله سمعت بكاء شديدا، فقلت: ما هذا البكاء؟ فقالوا: العماني ذبح البارحة على سريره، قال: فدنوت من عنقه فإذا من أذنه إلى أذنه طريقة حمراء كالدم المحصور.
و قال القيرواني: أخبرني شيخ لنا من أهل الفضل قال: أخبرني أبو الحسن المطلبي إمام مسجد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قال: رأيت بالمدينة عجبا! كان رجل يسب أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فبينما نحن يوما من الأيام بعد صلاة الصبح، إذ أقبل رجل وقد خرجت عيناه وسالتا على خديه، فسألناه ما قصتك؟
فقال: رأيت البارحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلي بين يديه، ومعه أبو بكر وعمر، فقالا: يا رسول اللّه، هذا الذي يؤذينا ويسبنا! فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: من أمرك بهذا يا أبا قيس؟ فقلت له وأشرت عليه، فأقبل عليّ علي بوجهه ويده وقد ضم أصابعه وبسط السبابة والوسطى وقصد بها إلى عيني فقال: إن كنت كذبت، ففقأ اللّه عينيك وأدخل إصبعيه في عيني، فانتبهت من نومي وأنا على هذه الحال، فكان يبكي ويخبر الناس وأعلن التوبة.
قال القيرواني: وأخبرني شيخ من أهل الفضل، قال: أخبرني فقيه قال: كان عندنا رجل يكثر الصوم ويسرده، ولكنه كان يؤخر الفطر، فرأى في المنام كأن أسودين آخذين بضبعيه [2] وثيابه إلى تنور محمى ليلقيه فيه، قال: فقلت لهما:
على ما ذا؟ فقالا: على خلافك لسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فإنه أمر بتعجيل الفطر وأنت تؤخره، قال: فأصبح وجهه قد اسود من وهج النار، فكان يمشي متبرقعا في الناس.
و أعجب من هذا الرجل يرى في المنام وهو شديد العطش والجوع والألم أن غيره قد سقاه وأطعمه أو داواه بدواء، فيستيقظ وقد زال عنه ذلك كله، وقد رأى الناس من هذا عجائب.
و قد ذكر مالك عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة أن جارية لها سحرتها، وأن سيدها دخل عليها وهي مريضة، فقال: إنك سحرت، قالت: ومن سحرني؟
قال: جارية في حجرها صبي قد بال عليها؟ قالت: نعم، قالت: وما دعاك إلى ذلك؟ قالت: أردت تعجيل العتق، فأمرت أخاها أن يبيعها من الأعراب ممن يسي ء ملكها، فباعها، ثم إن عائشة رأت في منامها أن اغتسلي من ثلاثة آبار يمد بعضها بعضا فاستسقى لها فاغتسلت فبرأت.
و كان سماك بن حرب قد ذهب بصره، فرأى إبراهيم الخليل في المنام فمسح على عينيه وقال: اذهب إلى الفرات فانغمس فيه ثلاثا. ففعل فأبصر.
و كان إسماعيل بن بلال الحضرمي قد عمي، فأتي في المنام، وقيل له: قل يا قريب يا مجيب يا سميع الدعاء يا لطيف بمن يشاء رد عليّ بصري، فقال الليث بن سعد: أنا رأيته قد عمي ثم أبصر.
و قال عبيد اللّه بن أبي جعفر: اشتكيت شكوى فجهدت منها، فكنت أقرأ آية الكرسي، فنمت، فإذا رجلان قائمان بين يدي، فقال أحدهما لصاحبه أن يقرأ آية فيها ثلاثمائة وستون رحمة أ فلا يصيب هذا المسكين فيها رحمة واحدة؟ فاستيقظت فوجدت خفة.
قال ابن أبي الدنيا: اعتلت امرأة من أهل الخير والصلاح بوجع المعدة فرأت في المنام قائلا يقول لها: لا إله إلا اللّه المغلي وشراب الورد. فشربته فأذهب اللّه عنها ما كانت تجد.
قال: وقالت أيضا: رأيت في المنام كأني أقول السناء [3] والعسل وماء الحمص الأسود شفاء لوجع الأوراك، فلما استيقظت أتتني امرأة تشكو وجعا بوركها فوصفت لها ذلك فاستنفعت به.
و قال جالينوس: السبب الذي دعاني إلى فصد العروق [4] والضوارب أني أمرت به في منامي مرتين، قال: كنت إذ ذاك غرما، قال: وأعرف إنسانا شفاه اللّه من وجع كان به في جنبه يفصد العرق الضارب لرؤيا رآها في منامه.
و قال ابن الخراز: كنت أعالج رجلا ممعودا [5] فغاب عني، ثم لقيته فسألته عن حاله؟ فقال: رأيت في المنام إنسانا في زي ناسك متوكئا على عصا وقف علي، وقال: أنت رجل ممعود؟ فقلت: نعم، فقال: عليك بالكباء والجلنجبين، فأصبحت فسألت عنهما فقيل لي: الكباء والمصطكى والجلجنبين والورد والمربى بالعسل، فاستعملتها أياما فبرأت، فقلت له: ذلك جالينوس.
و الوقائع في هذا الباب أكثر من أن تذكر. قال بعض الناس: إن أصل الطب من المنامات، ولا ريب أن كثيرا من أصوله مستند إلى الرؤيا، كما أن بعضها عن التجارب، وبعضها عن القياس، وبعضها عن إلهام، ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر في (تاريخ الأطباء) وفي كتاب (البستان) للقيرواني وغير ذلك.

هامش

  1. أي تكفرين بالنعمة.
  2. الضّبع: العضد، والجمد أضباع، والاضطباع الذي يؤمر به الطائف بالبيت الحرام هو أن يدخل الرداء تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره ويبدي منكبه الأيمن ويغطي الأيسر.
  3. السنا: نبت يتداوى به.
  4. أي قطعها.
  5. أي به ألم في معدته.


المسألة التاسعة عشرة
حقيقة النفس | فصل نفس المؤمن ونفس الكافر | فصل خروج نفس المؤمن | فصل حضور الملائكة عند خروج نفس المؤمن | فصل الأرواح جنود مجندة | فصل روح النائم | فصل فتح أبواب السماء لروح المؤمن | فصل | فصل الروح والجسم، والنفس والجسم | فصل النفس والجسم | فصل الوجود | فصل هل الصورة العقلية مجردة | فصل القوى العقلية والإدراكات | فصل الإدراك | فصل | فصل الخيالات | فصل حال البدن والقوة العقلية | فصل | فصل الرد على القول بأن القوة الجسمانية تتعب | فصل | فصل الرد على أن محل الإدراكات جسم | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون