معالم السنن/الجزء الرابع/8

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معالم السنن للإمام الخطابي

 

36/80م ومن باب التشديد في الكذب

1365- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود ( ح ) قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة.

قال الشيخ: هذا تأويل قوله سبحانه {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [1].

وأصل الفجور الميل عن الصدق والانحراف إلى الكذب، ومنه قول الاعرابي في عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أقسم بالله أبو حفص عمر... ما أن بها من نقَب ولا دبر

  • اغفر له اللهم إن كان فجر *

يريد إن كان مال عن الصدق فيما قاله.

37/81 م ومن باب في حسن الظن

1366- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته وقمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ: على رسلكما انها صفية بنت حيي، فقالا سبحان الله برسول الله، قال الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال شرا.

قال الشيخ: فيه من العلم استحباب أن يتحرز الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون ويخطر بالقلوب وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريب.

ويحكى عن الشافعي رحمه الله في هذا أنه قال خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا وإنما قال ذلك لهما شفقة عليهما لا على نفسه.

38/83م ومن باب من تشبع بما لم يُعط

1367- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أن امرأة قالت يا رسول الله إن لي جارة تعني ضرة فهل عليّ جناح إن تشبعت لها بما لم يعط زوحي قال المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

قال الشيخ: العرب تسمي امرأة الرجل جارته وتدعو الزوجتين الضرتين جارتين وذلك لقرب أشخاصهما كالجارتين المتصاقبتين في الدارين تسكنانهما، ومن هذا قول الأعشى لامرأته:

أجارتنا بيني فإنك طالقة

ومن هذا النحو قول امرىء القيس:

أجارتنا إنا غريبان ههنا... وكل غريب للغريب نسيب

وقوله كلابس ثوبي زور يتأول على وجهين أحدهما أن الثوبين ههنا كأنه كناية عن حاله ومذهبه، وقد تكني العرب بالثوب عن حال لابسه وعن طريقه ومذهبه كقول الشاعر:

وإني بحمد الله لا ثوب غادر... لبست ولا من ريبة أتقنع

والمعنى أن المتشبع بما لم يعط بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.

والوجه الآخر ما يروى عن فلان أنه كان يكون في الحي الرجل له هيئة ونبل فإذا احتيج إلى شهادة زور شهد بها فلا يرد من أجل نبله وحسن ثوبيه فأضيف الشهادة إلى ثوبيه إذ كانا سبب جوازها ورواجها.

39/84م ومن باب في المزاج

1368- قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا شريك عن عاصم عن أنس قال قال رسول الله ﷺ: يا ذا الأذنين.

قال الشيخ: كان مزح النبي ﷺ مزحا لا يدخله الكذب والتزيد وكل إنسان له أذنان فهو صادق في وصفه إياه بذلك.

وقد يحتمل وجها آخر وهو أن لا يكون قصد بهذا القول المزاح وإنما معناه الحض والتنبيه على حسن الاستماع والتلقف لما يقوله ويعلمه إياه، وسماه ذا الأذنين إذ كان الاستماع إنما يكون بحاسة الأذن، وقد خلق الله تعالى له أذنين يسمع بكل واحدة منهما وجعلهما حجة عليه فلا يعذر معهما إن أغفل الاستماع له ولم يحسن الوعي له والله أعلم.

1369- قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن ابن أبي ذئب عن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا جادا.

قال الشيخ: معناه أن يأخذه على وجه الهزل وسبيل المزح ثم يحبسه عنه ولا يرده فيصير ذلك جدا.

40/86 ومن باب تعليم الخطب

1370- قال أبو داود: حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن عبد الله بن المسيب عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال والناس لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.

قال الشيخ: صرف الكلام فضله وما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة ومن هذا سمي الفضل بين النقدين صرفا.

وإنما كره رسول الله ﷺ ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد وأمر ﷺ أن يكون الكلام قصدا تلو الحاجة غير زائد عليها يوافق ظاهره باطنه وسره علنه.

41/87م ومن باب في الشعر

1371- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام فقال رسول الله ﷺ: إن من البيان سحرا وإن من الشعر حُكْمًا.

قال الشيخ: اختلف الناس في هذا وفي تأويله فقال بعضهم وجهه أنه ذم التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه وتزويقه ليروق السامعين قوله ويستميل به قلوبهم فيحيل الشيء عن ظاهره ويزيله عن موضوعه إرادة التلبيس عليهم فيصير ذلك بمنزلة السحر الذي هو أو نوع منه تخييل لما لا حقيقة له وتوهيم لما ليس له محصول والسحر منه مذموم وكذلك المشبه به.

وقال آخرون بل القصد به مدح البيان والحث على تخير الألفاظ والتأنق في الكلام. واحتج لذلك بقوله إن من الشعر لحكما وذلك ما لا ريب فيه أنه على طريق المدح له وكذلك مصراعه الذي بإزائه لأن عادة البيان غالبا أن القرينين نظما لا يفترقان حكما.

وروي عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها فرقق له الكلام فيها حتى استمال به قلبه فأنجزها له ثم قال هذا هو السحر الحلال.

1372- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا سعيد بن محمد حدثنا أبو تميلة حدثنا أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من البيان سحرا وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حُكْمًا، وإن من القول عيالا.

فقال صعصعة بن صوحان صدق نبي الله ﷺ.

قال الشيخ: أما قوله إن من البيان سحرا فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق.

وأما قوله إن من العلم جهلا فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهله ذلك.

وأما قوله إن من الشعر حُكْمًا فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس.

وأما قوله إن من القول عيالا فعرض كلامك أوحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده.

قلت هكذا رواه أبو داود من القول عيالا ورواه غيره أن من القول عَيَلا هكذا ذكره الأزهري عن المنذري.

قال حدثنا يعقوب بن إسحاق المخرمي حدثنا سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو تميلة بإسناده، قال الأزهري قوله عيلا من قولك علت الضالة أعيل عَيْلا وعَيَلا إذا لم تدر أي جهة تبغيها. قال أبوزيد كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده.

1373- قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ: إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله ﷺ.

قال الشيخ: قوله ما نافح معناه دافع، ومن هذا قولهم نفحت الرجل بالسيف إذا تناولته من بعد ونفحته الدابة إذا أصابته بحد حافرها.

42/88م ومن باب الرؤيا

1374- قال أبو داود: حدثعا محمد بن كثير حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن عبد الله بن الصامت عن النبي ﷺ قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

قال الشيخ: معنى هذا الكلام تحقيق أمرالرؤيا وتأكيده وإنما كانت جزءا من أجزاء النبوة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة.

وأنبأنا ابن الأعرابي حدثنا ابن أبي ميسرة حدثنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي وقرأ قوله تعالى {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر} [2].

فأما تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعض أهل العلم قولا زعم أن رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثا وعشرين سنة أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

وقال بعض العلماء معناه أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة.

وقال آخر معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة باق والنبوة غير باقية بعد رسول الله ﷺ وهو معنى قوله ﷺ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له.

1375- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن محمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب فأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا.

قال الشيخ: في اقتراب الزمان قولان أحدهما أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها.

والقول الآخر أن معنى اقتراب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع ووقت اعتدال الليل والنهلر.

1376- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدْس عن عمه أبي رزين قال: قال رسول الله ﷺ: الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت قال وأحسبه قال ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي.

قال الشيخ: معنى هذا الكلام حسن الارتياد لموضع الرؤيا واستعبارها العالم بها الموثوق برأيه وأمانته.

وقوله على رجل طائر مثل ومعناه أنها لا تستقر قرارها ما لم تعبر.

وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله لا يقصها إلا على وادٍ أو ذي رأي الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب وإن لم يكن عالما بالعبارة ولم يعجل لك بما يغمك لا أن تعبيره يزيلها عما جعله الله عليه.

وأما ذو الرأي فمعناه ذو العلم بعبارتها فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها ولعله أن يكون في تفسيره موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه أو تكون فيها بشرى فتشكر الله على النعمة فيها.

1377- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها وليس بنافخ، ومن تحلّم كلف أن يعقد شعيرة ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة.

قال الشيخ: قوله تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه يقال حلم الرجل يحملم إذا رأى حلما. وحلم بالضم إذا صار حليما وحلم الأديم بكسر اللام حلما.

ومعنى عقد الشعيرة أنه يكلف ما لا يكون ليطول عذابه في النار. وذلك أن عقد ما بين طرفي الشعيرة غير ممكن.

والآنك الأسرب.

3/89 م ومن باب التثاؤب

1378- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقول هاه هاه فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه.

قال الشيخ: معنى حب العطاس وحمده وكراهة التثاؤب وذمه أن العطاس إنما يكون مع أنفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات. وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من المطعم والاجتزاء باليسير منه، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل فصار العطاس محمودا لأنه يعين على الطاعات والتثاؤب مذموما لأنه يثبطه عن الخيرات وقضاء الواجبات.

44/91م ومن باب تشميت العاطس

1379- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان حدثنا سليمان التيمي عن أنس قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمت أحدهما وترك الاخر فقيل يا رسول الله رجلان عطسا فشمت أحدهما وتركت الاخر، فقال إن هذا حمد الله وإن هذا لم يحمد الله.

قال الشيخ: يقال شمت وسمت بمعنى واحد وهو أن يدعو للعاطس بالرحمة وفيه بيان أن تشميت من لم يحمد الله غير واجب.

وحكي عن الأوزاعي أنه عطس رجل بحضرته فلم يحمد الله، فقال له الأوزاعي كيف تقول إذا عطست، فقال أقول الحمد لله فقال له يرحمك الله وانما أراد بذلك أن يستخرج منه الحمد ليستحق التشميت.

45/94م ومن باب ينبطح على بطنه

1380- قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى ابن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري قال كان أبي من أصحاب الصفة فقال رسول الله ﷺ: انطلقوا بنا إلى بيت عائشة فانطلقنا فقال يا عائشة أطعمينا فجاءت بجشيشة فأكلنا، ثم قال يا عائشة أطعمينا فجاءت بحيسة مثل القطا فأكلنا وذكر الحديث.

قال الشيخ: الحيس أخلاط من تمر وسمن وسويق وإقط يجمع فيؤكل والجشيشة ما يجش من الحب فيطبخ، والجش طحن خفيف وهو ما كان فوق الدقيق، وفيها لغة أخرى وهي الدشيشة، فأما الجذيذة فهي السويق.

46/95م ومن باب النوم على سطح ليس له ستر

1381- قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا سالم بن نوح عن عمر بن جابر الحنفي عن وعلة بن عبد الرحمن بن وثاب عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: من بات على ظهر بيت ليس عليه حَجا فقد برئت منه الذمة.

قال الشيخ: هذا الحرف يروى بفتح الحاء وكسرها، ومعناه معنى الستر والحجاب فمن قال الحجا بكسر الحاء شبهه بالحجا الذي هو بمعنى العقل وذلك أن العقل يمنع الإنسان من الردى والفساد ويحفظه من التعرض للهلاك فشبه الستر الذي يكون على السطح المانع للإنسان من التردي والسقوط بالعقل المانع له من أفعال السوء المؤدية له إلى الردى والهلاك.

ومن رواه بفتح الحاء ذهب إلى الطرف والناحية، واحجاء الشيء نواحيه واحدها حجا مقصور.

47/96-97م ومن باب النوم على طهارة

1382- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا عاصم بن بهدلة عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعارّ من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والاخرة إلا أعطاه إياه.

قال الشيخ: قوله يتعار معناه يستيقظ من النوم، وأصل التعار السهر والتقلب على الفراش، يقال إن التعار لا يكون إلا مع كلام وصوت وهو مأخوذ من عِرار الظليم.

48/97-98م ومن باب ما يقول عند النوم

1383- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا المعتمر قال سمعت منصور بن الحارث عن سعد بن عبيدة قال حدثني البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مُت مت على الفطرة.

قال الشيخ: الفطرة ههنا فطرة الدين والإسلام وقد تكون الفطرة أيضا بمعنى السنة وهي ما جاء في الحديث أن عشرا من الفطرة فذكر منها المضمضة والاستنشاق مع سائر الخصال.

1384- قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر التنيسي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن ثور عن خالد بن معدان، عن أبي الأزهر الأنماري أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل قال بسم الله وضعت جنبي اللهم اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفكَّ رهاني واجعلني في الندى الأعلى.

قال أبو داود: رواه أبو همام الأهوازي عن ثور فقال أبو زهير الأنماري.

قال الشيخ: الندى القوم المجتمعون في مجلس ومثله النادي ويجمع على الأندية.

قال الراجز:

إني إذا ما القوم كانوا أندية

يريد بالندى الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة.

49/99-100م ومن باب في التسبيح عند النوم

1385- قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجُريري، عن أبي الورد بن ثمامة قال: قال علي كرم الله وجهه وذكر فاطمة عليها السلام أنها جرت بالرحى حتى أثرت بيدها واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها وقمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت في القدر حتى دكنت ثيابها وأصابها من ذلك ضُر. وساق الحديث إلى أن قال: فأتى رسول الله ﷺ ونحن في لِفاعنا وذكرت الحديث.

قال الشيخ: قوله قمت البيت معناه كنسته ومن ذلك سميت الكناسة قماما واللفاع اللحطف وهو كل ما يتلفع به من كساء ونحو ذلك.

ومعنى التلفع الاشتمال بالثوب.

50/100-101م ومن باب ما يقول إذا أصبح

1386- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة.

قال الشيخ: قوله أبوء بنعمتك معناه الاعتراف بالنعمة والإقرار بها وأبوء بذنبي معناه الإقرار بها أيضا كالأول، ولكن فيه معنى ليس في الأول تقول العرب باء فلان بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه.

1387- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فأسحر يقول سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه علينا اللهم صاحِبْنا فأفضل علينا عائذا بالله من النار.

قال الشيخ: قوله سمع سامع معناه شهد شاهد وحقيقته ليسمع السامع وليشهد الشاهد على حمدنا لله سبحانه على نعمه وحسن بلائه.

وقوله عائذا بالله يحتمل وجهين أحدهما أن يريد أنا عائذ بالله، والوجه الآخر أن يريد متعوذا بالله كما يقال مستجار بالله بوضع الفاعل مكان المفعول كقولهم سر كاتم وماء دافق بمعنى مدفوق ومسكوب.

51/103-104م ومن باب ما يقول إذا هاجت الريح

1388- قال أبو داود: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة ثم يقول اللهم إني أعوذ بك من شرها، فإن مطرت قال اللهم صيبا هنيئا.

قال الشيخ: الصيب ما سال من المطر وجرى، وأصله من صاب يصوب إذا نزل قال الله تعالى {أو كصيبٍ من السماء} [3] ووزنه فيعل من الصوب.

1389- قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن زياد عن حابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: اقلوا الخروج بعد هدأة الرَّجل.

قال الشيخ: هدأة الرجل يريد به انقطاع الأرجل عن المشي في الطريق ليلا وأصل الهدوء السكون.

52/106-107م ومن باب المولود

1390- قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن ابن جريج عن أبيه عن أم حميد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله ﷺ: هل رئي أو كلمة غيرها فيكم المغّرَّبون، قلت وما المغربون قال: الذين يشترك فيهم الجن.

قال الشيخ: إنما سموا مغربين لانقطاعهم عن أصولهم وبعد مناسبتهم وأصل الغرب البعد، ومنه قيل عنقاء مغرب أي جائية من بعد، ومنه سمي الغريب غريبا وذلك لبعده عن أهله وانقطاعه عن وطنه فسمي هؤلاء الذين اشترك فيهم الجن مغربين لما وجد فيهم من شبه الغرباء بمداخلة من ليس من جنسهم ولا على طباعهم وشكلهم.

53/108-109م ومن باب في رد الوسوسة

1391- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة قال جاءه أناس من أصحابه قالوا يا رسول الله نجد في أنفسنا الشيء نعظم أن نتكلم به أو الكلام به قال أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الإيمان.

قال الشيخ: قوله ذاك صريح الإيمان، معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن في قلوبكم ولا تطمئن إليه أنفسكم وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيمانا صريحا، وقد روي في حديث آخر أنهم لما شكوا إليه ذلك قال الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة.

1392- قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف.

قال الشيخ: قوله بغير إذن مواليه ليس بشرط في جواز أن يفعل ذلك أو يستبيحه إذا أذن مواليه في ذلك، وإنما معناه أنه ليس له أن يوالي غير مواليه بحال ولا يجوز له أن يخونهم في نفسه وأن يقطع حقوقهم من ولائه مستسرا له يقول فليستأذنهم إذا سولت له نفسه فعل هذا الصنيع فإنهم إذا علموا ذلك منعوه ولم يأذنوا له فيه فلا يمكنه حينئذ أن يوالي غيرهم وأن يحول ولاءه إلى قوم سواهم، وإنما لا يجوز ذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا ينتقل بحال كما لا ينتقل النسب إلا ما جاء في أن الولاء للكبر وهذا ليس فيه نقل للولاء عن أصله إنما هو تنزيل وترتيب له فيما بين ورثة المعتق وتقديم الأقرب منه على الأبعد.

54/110-111م ومن باب التفاخر

1393- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمذاني أنبأنا ابن وهب عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب.

قال الشيخ: العبية الكبر والنخوة وأصله من العب وهو الثقل يقال عُبِية وعِبية بضم العين وكسرها.

وقوله مؤمن تقي وفاجر شقي معناه أن الناس رجلان مؤمن تقي وهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيبا في قومه وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفا رفيعا.

55/111-112م ومن باب في العصبية

1394- قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّي فهو ينزع بذنبه ورفعه من رواية سفيان عن سماك.

قال الشيخ: معناه أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على خلاصه.

56/112-113م ومن باب الرجل يحب الرجل يخبره

1395- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثور حدثني حبيب بن عبيد عن المقدام بن معديكرب عن النبي ﷺ قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه.

قال الشيخ: معناه الحث على التودد والتألف وذلك أنه إذا أخبره بأنه يحبه استمال بذلك قلبه واجتلب به وده.

وفيه أنه إذا علم أنه محب له وواد قبل نصحه ولم يرد عليه قوله في عيب إن أخبره به عن نفسه أو سقطة إن كانت منه فإذا لم يعلم ذلك منه لم يؤمن أن يسوء ظنه فيه فلا يقبل قوله ويحمل ذلك منه على العداوة والشنآن والله أعلم.

هامش

  1. [الانفطار: 14]
  2. [الصافات: 120]
  3. [البقرة: 19]


معالم السنن - الجزء الرابع للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الرابع/1 | معالم السنن/الجزء الرابع/2 | معالم السنن/الجزء الرابع/3 | معالم السنن/الجزء الرابع/4 | معالم السنن/الجزء الرابع/5 | معالم السنن/الجزء الرابع/6 | معالم السنن/الجزء الرابع/7 | معالم السنن/الجزء الرابع/8 | معالم السنن/الجزء الرابع/9 | معالم السنن/الجزء الرابع/10 | معالم السنن/الجزء الرابع/11 | معالم السنن/الجزء الرابع/12 | معالم السنن/الجزء الرابع/13 | معالم السنن/الجزء الرابع/14 | معالم السنن/الجزء الرابع/15 | معالم السنن/الجزء الرابع/16 | معالم السنن/الجزء الرابع/17