معالم السنن/الجزء الرابع/14

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معالم السنن للإمام الخطابي

 

4/5م ومن باب النهي عن المسكر

1582- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين قالوا حدثنا حماد، يَعني ابن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة.

قال الشيخ: قوله كل مسكر خمر يتأول على وجهين أحدهما أن الخمر اسم لكل ما وجد فيه السكر من الأشربة كلها ؛ ومن ذهب إلى هذا زعم أن للشريعة أن تحدث الأسماء بعد أن لم تكن. كما لها أن تضع الأحكام بعد أن لم تكن.

والوجه الآخر أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ووجوب الحد على شاربه وإن لم يكن عين الخمر، وإنما ألحق بالخمر حكما إذ كان في معناها. وهذا كما جعل النباش في حكم السارق والمتلوط في حكم الزاني وإن كان كل واحد منهما يختص في اللغة باسم غير الزنى وغير السرقة.

وقوله من مات وهو يشرب الخمر يدمنها فإن مدمن الخمر هو الذي يتخذها ويعاقرها، وقال النضر بن شميل من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر وإن لم يتخذها.

وقوله لم يشربها في الآخرة معناه لم يدخل الجنة لأن شراب أهل الجنة خمر إلا أنه لا غول فيها ولا نزف.

1583- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت سئل رسول الله ﷺ عن البِتْع فقال كل شراب أسكر فهو حرام.

قال الشيخ: البتع شراب يتخذ من العسل وفي هذا إبطال كل تأول يتأوله أصحاب تحليل الأنبذة في أنواعها كلها وافساد قول من زعم أن القليل من المسكر مباح، وذلك أنه سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس فدخل فيه القليل والكثير منها. ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يبهمه والله أعلم.

1584- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل، يَعني ابن جعفر عن داود بن بكر بن الفُرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ما أسكر كثيره فقليله حرام.

قال الشيخ: هذا أوضح البيان أن الحرمة شاملة لأجزاء المسكر وأن قليله ككثيره في الحرمة، والاسكار في هذا الحديث وإن كان مضافا إلى كثيره فان قليله مسكر على سبيل التعاون كالزعفران يطرح اليسير منه في الماء فلا يصبغه حتى إذا أمدَّ بجزء بعد جزء منه فإذا كثر ظهر لونه وكان الصبغ والتلوين مضافا إلى جميع أجزائه على سبيل التعاون.

وتأوله بعضهم تأولا فاسدا فقال إنما وقعت الإشارة بقول فقليله حرام إلى الشربة الآخرة أو إلى الجرعة التي يحدث السكر عقيب شربها لأن الفعل إنما يضاف إلى سببه وسبب السكر هو الشربة الآخرة التي حدث السكر على أثرها لا ما تقدمها منه حين السكر معدوم.

قلت وهذا تأويل فاسد إذ كان مستحيلا في العقول وشهادات المعارف أن يعجز كثير الشيء عما يقدر عليه قليله. ولو كان الأمر على ما زعموه لكان لقائل أن يقول إن الله حرم علينا شيئا لم يجعل لنا طريقا إلى معرفة عينه لأن الشارب لا يعلم متى يقع السكر به ومن أي أجزاء الشراب يحدث فيه وهذا فاسد لا وجه له، ولو توهمنا الجزء الآخر مشروبا مفردا عن غيره غير مضاف ولا مجموع إلى ما تقدمها لم يتوهم وجود السكر فيه حين انضم إلى سائر الأجزاء توهمنا وجوده فعلمنا أن السكر إنما حصل بمجموع أجزائه والله أعلم.

1585- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا عثمان الأنصاري عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرَق فملء الكف منه حرام.

قال الشيخ: الفرق مكيلة تسع ستة عشر رطلا وفي هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر.

وفيه حجة على من زعم أن الإسكار لا يضاف إلى الشراب لأن ذلك من فعل الله سبحانه.

قلت والأمر وإن كان صحيحا في إضافة الفعل إلى الله عز وجل فإنه قد يصح أن يضاف إلى الشراب على معنى أن الله تعالى قد أجرى العادة بذلك كما أن إضافة الاشباع إلى الطعام والارواء إلى الشراب صحيح إذ كان قد أجرى الله العادة به.

1586- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد عن عبيدة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال كل مسكر حرام.

قال الشيخ: الميسر القمار، والكوبة يفسر بالطبل ويقال هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر في نحو ذلك من الملاهي والغناء.

قال أبو عبيد الغبيراء هو السُّكُرْكة يعمل من الذرة شراب يصنعه الحبشة.

وفي قوله كل مسكر حرام دليل على تحريم الوضوء بالنبيذ المسكر.

1587- قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع عن الحسن بن عمرو الفُقيمي عن الحكم بن عتيبة عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر.

قال الشيخ: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف وهو مقدمة السكر نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر والله أعلم.

5/7م ومن باب في الأوعية

1588- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا منصور بن حبان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قالا نشهد أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفَّت والحنتم والنَّقير.

قال الشيخ: الدباء القرع قال أبو عبيد قد جاء تفسيرها في الحديث، عن أبي بكرة أنه قال اما الدباء فإنا معاشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت.

وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت.

قلت وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها فتكون على غرر من شربها.

وقد اختلف الناس في هذا فقال قائلون كان هذا في صلب الإسلام ثم نسخ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا، وهذا أصح الأقاويل.

وقال بعضهم الخطر باق وكرهوا أن ينتبذوا في هذه الأوعية وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق، وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما.

1589- قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن نوح بن قيس حدثنا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لوفد عبد القيس أنهاكم عن النقير والمقيَّر والحنْتم والدُّباء والمزادة المحبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه.

قال الشيخ: قوله اشرب في سقائك وأوكه إنما قال ذلك من أجل أن السقاء الذي يشد ويوكي جلد رقيق فإذا حدثت فيه الشدة تقطع وانشق فلم يخف على صاحبه أمره، وهذه الأوعية صلبة متينة يتغير فيها الشراب وتشتد فلا يشعر صاحبها بذلك. وأما المزادة المحبوبة فهي التي ليست لها عزلاء من أسفلها تتنفس منها فالشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها.

1590- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا إسماعيل بن سُميع حدثنا مالك بن عمير عن علي رضي الله عنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الجِعة.

قال الشيخ: قال أبو عبيد الجعة نبيذ الشعير.

6/8م ومن باب في الخليطين

1591- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن شريك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر جميعا، ونهى أن ينتبذ البسْر والرطب جميعا.

قال الشيخ: قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرا قولا بظاهر الحديث ولم يجعلوه معلولا بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أهل الحديث وهو غالب مذهب الشافعي. وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثما من جهتين أحدهما شرب الخليطين والآخر شرب المسكر، ورخص فيه سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الليث بن سعد إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعا لأن أحدهما يشد صاحبه.

1592- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثابت بن عُمارة حدثتني رَبطة عن كبشة بنت أبي مريم قالت، سألت أم سلمة ما كان النبي ﷺ ينهى عنه قالت كان ينهانا أن نعجم النوى طبخا أو نخلط الزبيب والتمر.

قال الشيخ: قوله أن نعجُم النوى نريد أن نبلغ به النضيج إذا طبخنا التمر فعصدناه يقال عجمت النوى أعجمه عجما إذا لكته في فيك، وكذلك إذا أنت طبخته أو أنضجته، ويشبه أن يكون إنما كره ذلك من أجل أنه يفسد طعم التمر أو لأنه علف الدواجن فتذهب قوته إذا هو نضج.

1593- قال أبو داود: حدثنا زياد بن يحيى الحساني حدثنا أبو بحر حدثنا عتاب بن عبد العزيز الجِماني قال، حدثتني صفية بنت عطية قالت، دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة رضي الله عنها فسألناها عن التمر والزبيب فقالت كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم اسقيه النبي ﷺ.

قال الشيخ: قولها امرسه تريد أنها تدلكه بأصابعها في الماء، والمرس والمرث بمعنى واحد. وفيه حجة لمن رأى الانتباذ بالخليطين.

7/9م ومن باب في نبيذ البسر

1594- قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن جابر بن زيد وعكرمة أنهما كانا يكرهان البسر وحده ويأخذان ذلك عن ابن عباس، وقال ابن عباس رضي الله عنه أخشى أن يكون المُزَّاء التي نهيت عنه عبد القيس، فقلت لقتادة ما المزاء فقال النبيذ في الحنتم والمزفت.

قال الشيخ: قد فسر قتادة المزاء وأخبر أنه النبيذ في الحنتم والمزفت، وذكره أبو عبيد فقال: ومن الأشربة المسكرة شراب يقال له المزاء ولم يفسره بأكثر من هذا وأنشد فيه الأخطل:

بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم... إذا جرى فيهم المزاء والسكر

8/10م ومن باب صفة النبيذ

1595- قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد حدثنا ضمرة عن السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إن لنا أعنابا ما نصنع بها قال زببوها قال ما نصنع بالزبيب، قال انبذوه على غدائكم واشربوه على عشائكم وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم وانبذوه في الشِّنان ولا تنبذوه في القُلل فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلا.

قال الشيخ: الشنان الأسقية من الأدم وغيرها واحدها شن، وأكثر ما يقال ذلك في الجلد الرقيق أو البالي من الجلود، والقلل الجرار الكبار واحدتها قلة، ومنه الحديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا.

1596- قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أمه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يُوكأ أعلاه وله عَزلاء ينبذه غُدوة ويشربه عِشاء، وينبذه عشاء فيشربه غدوة.

قال الشيخ: العزلاء فم المزادة وقد يكون ذلك للسقاء من أسفله ويجمع على العزالي.

9/11م ومن باب شرب العسل

1597- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج عن عطاء أنه سمع عبيد بن عمير قال: عائشة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ تخبر ان النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة ايتُّنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت {لِمَ ترحم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك - إلى - أن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [1] لعائشة وحفصة رضي الله عنهما {وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا} [2] لقوله بل شربت عسلا.

1598- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل فذكر هذا الخبر وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح.

قال الشيخ: وفي الحديث قالت سودة بل أكلت مغافير، قال بل شربت عسلا سقتني حفصة فقالت جرستْ نحله العُرْفُطَ.

والمغافير واحدها مغفور، ويقال له أيضا مغثور، والفاء والثاء يتعاقبان كما قالوا فوم وثوم وجدث وجدف وهو شيء يتولد من العرفط حلو كالناطف وريحه منكر، والعرفط شجر له شوك، وقوله جرست نحلحه العرفط أى أكلت، ويقال للنحل جوارس.

وفي هذا الحديث دليل على أن يمين النبي ﷺ إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس.

10/14م ومن باب الشرب من في السقاء

1599- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من في السقاء وعن ركوب الجلالة والمُجثَمَّة.

قال الشيخ: المجثمة هي المصبورة وذلك أنها قد جثمت على الموت أي حبست عليه بأن توثق وترمى حتى تموت، وأصل الجثوم في الطير، يقال جثم الطائر وبرك البعير، وربضت الشاة، وبين الجاثم والمجثم فرق. وذلك أن الجاثم من الصيد يجوز لك أن ترميه حتى تصطاده والمجثم هو ما ملكته فجثمته وجعلته غرضا ترميه حتى تقتله وذلك محرم.

وأما الشرب من في السقاء فأما يكره ذلك من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخل جوفه فاستحب أن يشربه في إناء طاهر يبصره.

وروي أن رجلا شرب من في سقاء فانساب جان فدخل جوفه.

11/15م ومن باب اختناث الأسقية

1600- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري سمع عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ نهى عن اختناث الأسقية.

قال الشيخ: معنى الاختناث فيها أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها ومن هذا سمي المخنث وذلك لتكسره وتثنيه.

وقد قيل إن المعنى في النهي عن ذلك أن الشرب إذا دام فيها خنثت وتغيرت رائحتها.

1601- وقد روي أن النبي ﷺ قال اختنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها.

وقد ذكره أبو داود في هذا الباب فيحتمل أن يكون النهي إنما جاء عن ذلك إذا شرب من السقاء الكبير دون الأداوي ونحوها، ويحتمل أن يكون إنما أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت، وإنما المنهي عنه أن يتخذه الإنسان دربة وعادة. وقد قيل إنما أمره بذلك لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء والله أعلم.

12/16م ومن باب الشرب من ثُلمة القدح والنفخ في الشراب

1602- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب.

قال الشيخ: إنما نهى عن الشراب من ثلمة القدح لأنه إذا شرب منها تصبب الماء وسال قطره على وجهه وثوبه لأن الثلمة لا تتماسك عليها شفة الشارب كما تتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح. وقد قيل إنه مقعد الشيطان فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن موضع الثلمة لا ينال التنظيف التام إذا غسل الإناء فيكون شربه على غير نظافة وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا خرج الماء فسال من الثلمة فأصاب وجهه وثوبه فإنما هو من اعنات الشيطان وايذائه إياه والله أعلم.

13/13م ومن باب الشرب قائما

1603- قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب الرجل قائما.

قال الشيخ: هذا نهي تأديب وتنزيه لأنه أحسن وأرفق بالشارب وذلك لأن الطعام والشراب إذا تناولهما الإنسان على حال سكون وطمأنينة كانا أنجع في البدن وأمرأ في العروق، وإذا تناولهما على حال وفاز وحركة اضطربا في المعدة وتخضخضا فكان منه الفساد وسوء الهضم.

1604- وقد روي أن النبي ﷺ شرب قائما.

وقد رواه أبو داود في هذا الباب فكان ذلك متأولا على الضرورة الداعية إليه وإنما فعله ﷺ بمكة شرب من زمزم قائما، ومعلوم أن القعود والطمأنينة كالمتعذر في ذلك المكان مع ازدحام الناس عليه وتكابسهم في ذلك المقام ينظرون إليه ويقتدون به في نسكهم وأعمال حجهم ؛ فترخص فيه لهذا ولما أشبه ذلك من الأعذار والله أعلم.

14/20م ومن باب النفخ في الشراب والتنفس فيه

1605- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه.

قال الشيخ: قد يحتمل أن يكون النهي عن ذلك من أجل ما يخاف أن يبدر من ريقه ورطوبة فيه فيقع في الماء وقد تكون النكهة عن بعض من يشرب متغيرة فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فيه فليمطه بإصبع أو بخلال أو نحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال.

15/21م ومن باب ما يقول إذا شرب اللبن [3]

1606- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن عمرو بن حرملة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت في بيت ميمونه فدخل رسول الله ﷺ ومعه خالد بن الوليد فجاؤوا بضبين مثسويين على ثُمامتين فتبزَّق رسول الله ﷺ فقال خالد أخالك تقذره يا رسول الله فقال أجل، وذكر الحديث.

قال الشيخ: الثمامتان عودان واحدتهما ثمامة، والثمام شجر دقيق العود ضعيفه قال الشاعر:

ولو أن ما أبقيت مني معلق... بعود ثمام ما تأود عودها

16/22م ومن باب إيكاء الآنية

1607- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال أغلق بابك واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا واطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه.

قال الشيخ: قوله خمر إناءك يريد غطه، ومنه سمي الخمار الذي يقنع به الرأس وسميت الخمر لمخامرتها العقل، والخمر ما واراك من الشجر والأشب.

وقوله تعرضه كان الأصمعي يرويه تعرضه بضم الراء. وقال غيره بكسرها.

1608- قال أبو داود: حدثنا مسدد وفضيل بن عبد الوهاب السُّكري قالا: حدثنا حماد عن كثير بن شِنظير عن عطاء عن جابر رفعه قال: اكفتوا صبيانكم عند العشاء فإن للجبن انتشارا أو خطْفة.

قال الشيخ: قوله اكفتوا صبيانكم معناه ضموهم إليكم وادخلوهم البيوت وكل شيء ضممته إليك فقد كفته، ومن هذا قول الله سبحانه {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياءً وأمواتا} [4] أي انها تضمهم إليها ما داموا أحياء على ظهرها فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها.

28 كتاب الذبائح

1609- قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن هشام بن زيد قال دخلت مع أنس على الحكم بن أيوب فرأى فتيانا أو غلمانا قد نصبوا دجاجة يرمونها فقال أنس نهى رسول الله ﷺ أن تُصْبر البهائم.

قال الشيخ: أصل الصبر الحبس ومنه قيل قتل فلان صبرا أي قهرا أو حبسا على الموت. وإنما نهي عن ذلك لما فيه من تعذيب البهيمة وأمر بإزهاق نفسها بأوجأ الذكاة واخفها.

1/12-13م ومن باب أكل ذبائح أهل الكتاب

1610- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [5] الآية.

قال الشيخ: في هذا دلالة على أن معنى ذكر اسم الله على الذبيحة في هذه الآية ليس باللسان، وإنما معناه تحريم ما ليس بالمذكى من الحيوان، فإذا كان الذابح ممن يعتقد الاسم وإن لم يذكره بلسانه فقد سمى، وإلى هذا ذهب ابن عباس في تأويل الاية.

2/13-14م ومن باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب

1611- قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف، عن أبي ريحانة عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب.

قال الشيخ: هو أن يتبارى الرجلان كل واحد منهما يجاود صاحبه فيعقر هذا عددا من إبله ويعقر صاحبه فأيهما كان أكثر عقرا غلب صاحبه ونفره. كره أكل لحومها لئلا تكون مما أهل به لغير الله، وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان، وأوان حدوث نعمة تتجدد لهم في نحو ذلك من الأمور.

3/14-15م ومن باب الذبيحة في المروة

1612- قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال: حدثنا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مُدَىَّ أفنذبح بالمَرْوة وشقة العصا، فقال رسول الله ﷺ أرِنْ أو أعجل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظُفر وسأحدثكم عن ذلك. أما السن فعظم وأما الظفر فمُدَى الحبشة وتقدم به سرعان من الناس فتعجلوا فأصابوا من الغنائم ورسول الله ﷺ في آخر الناس فنصبوا قدورا فمر رسول الله ﷺ بالقدور فأمر بها فأكفئت وقسم بينهم فعدل بعير بعشر شياه وند بعير من إبل القوم لم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه الله ؛ فقال النبي ﷺ إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به مثل هذا.

قال الشيخ: قوله أرن صوابه ائرن بهمزة، ومعناه خف واعجل لئلا تخنقها فإن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يده وسرعته في إمرار الآلة على المري والحلقوم والأوداج كلها والإتيان عليها قطعا قبل هلاك الدبيحة بما ينالها من ألم الضغط قبل قطع مذابحها وفسر به في غريب الحديث.

وفيه دلالة على أن العظم كذلك لأنه لما علل بالسن قال لأنه عظم فكل عظم من العظام يجب أن يكون الذكاة به محرمة غير جائزة.

وقال أصحاب الرأي إذا كان العظم والسن بائنين من الأسنان فوقع بها الذكاة حل. وإن ذبحها بسنه أو ظفره وهما غير منزوعين من مكانهما من بدنه فهو محرم.

وقال مالك إن ذكى بالعظم فمر مرا أجزأه. وقال بعض أصحاب الشافعي إن العظم إذا كان من مأكول اللحم وقعت الذكاة، وكافة أصحابه على خلاف ذلك، وسواء عندهم كان الظفر والسن منفصلين من الإنسان أو لا.

قلت، وهذا خاص في المقدور على ذكاته فإن الذكاة في المقدور عليه ربما وقعت بألسن الكلب المعلم وبأسنان سائر الجوارح المعلمة وبأظفارها ومخالبها. وسرعان الناس هم الذين تقدموا في السير بين أيدي الأصحاب.

ويشبه أن يكون إكفاء القدور لأن الذي فيها لم يكن دارت عليه سهام القسمة بعد.

وقوله أوابد كأوابد الوحش فالأوابد هي التي قد توحشت ونفرت، يقال أبد الرجل وبودا إذا توحش وتخلى، ويقال هذه أبدة من الأوابد إذا كانت نادرة في بابها لا نظير لها في حسنها.

وفيه بيان أن المقدور عليه من الدواب الانسية إذا توحش فامتنع صار حكمه في الذكاة حكم الوحشي غير المقدور عليه.

1613- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن مُرِّي بن قَطَري عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله أرأيت ان أحدُنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشِقة العصا، قال أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله.

قال الشيخ: المروة حجارة بيض، قال الأصمعي وهي التي يقدح منها النار. وإنما تجزي الذكاة من الحجر بما كان له حد يقطع.

وقوله أمرر الدم أي أسِله وأجره، يقال مريت الدم من عيني أمريه مريا ومريت الناقة إذا حلبتها وهي مرية، والمري الناقة ذات الدر وهي إذا وضعت أخذوا حُوارها فأكلوه ثم راموها على جلده بعد أن يحشوه بتبن أو مشاقة ونحوها فيبقى لبنها وتدر عليه زمانا طويلا.

وأصحاب الحديث يروونه أمر الدم مشددة الراء وهو خطأ والصواب ساكنة الميم خفيفة الراء.

4/15-16م ومن باب ذبيحة المتردية

1614- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا من اللَّبَة أو الحلق قال: فقال رسول الله ﷺ: لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك.

قال الشيخ: هذا في ذكاة غير المقدور عليه فأما المقدور عليه فلا يذكيه إلا قطع المذابح لا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم وضعفوا هذا الحديث لأن راويه مجهول وأبو العشراء الدارمي لا يدرى من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة.

واختلفوا فيما توحش من الأوانس فقال أكثر العلماء إذا جرحته الرمية فسال الدم فهو ذكي وإن لم يصب مذابحه.

وقال مالك لا يكون هذا ذكاة حتى تقطع المذابح، قال وحكم الأنعام لا يتحول بالتوحش.

5/16-17م ومن باب المبالغة في الذبح

1615- قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى وأبي هريرة قالا نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في حديثه وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تُفْرى الأوداج ثم تترك حتى تموت.

قال الشيخ: إنما سمى هذا شريطة الشيطان من أجل أن الشيطان هو الذي يحملهم على ذلك ويحسن هذا الفعل عندهم. وأخذت الشريطة من الشرط وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد دون ذبحه والإتيان بالقطع على حلقه.

6/17-18م ومن باب ذكاة الجنين

1616- قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال أخبرنا ابن المبارك ( ح ) وحدثنا مسدد، قال: حدثنا هشيم عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال كلوه إن شئتم، وقال مسدد قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله، قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه.

قال الشيخ: فيه بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه وإن لم يحدث للجنين ذكاة. وتأوله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى أن الجنين تذكى كما تذكى أمه فكأنه قال ذكاة الجنين كذكاة أمه أي فذكوه على معنى قول الشاعر:

فعيناك عيناها وجيدك جيدها

أي كأن عينيك عيناها في الشبه وجيدك جيدها. وهذه القصة تبطل هذا التأويل وتدحضه لأن قوله فإن ذكاته ذكاة أمه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية فثبت أنه على معنى النيابة عنها.

وذهب أكثر العلماء إلى أن ذكاة الشاة ذكاة لجنينها، إلا أن بعضهم اشترط فيها الاشعار.

وقال أبو حنيفة لا يحل أكل الأجنة إلا ما خرج من بطون الأمهات حية فذبحت. قال ابن المنذر لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأمصار أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه غير ما روي، عن أبي حنيفة. قال ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه.

7/18-19م ومن باب أكل اللحم لا يدرى أذكر اسم الله عليه أم لا

1617- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد ( ح ) وحدثنا القعنبي عن مالك ( ح ) وحدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا سليمان بن حبان ومحاضر المعنى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ولم يذكرا عن حماد ومالك عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها فقال رسول الله ﷺ: سموا الله وكلوا.

قال الشيخ: فيه دليل على أن التسمية غير واجبة عند الذبح لأن البهيمة أصلها على التحريم حتى يتيقن وقوع الذكاة فهي لا تستباح بالأمر المشكوك فيه فلو كانت التسمية من شرط الذكاة لم يجز أن يحمل الأمر فيها على حسن الظن بهم فيستباح أكلها كما لو عرض الشك في نفس الذبح فلم يعلم هل وقعت الذكاة أم لا لم يجز أن تؤكل.

واختلفوا فيمن ترك التسمية على الذبح عامدا أو ساهيا، فقال الشافعي التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامدا أو ساهيا، وهو قول مالك وأحمد.

وقال الثوري وأهل الرأي وإسحاق إن تركها ساهيا حلت وإن تركها عامدا لم تحل.

وقال أبو ثور وداود كل من ترك التسمية عامدا كان أو ساهيا فذبيحته لا تحل ومثله عن ابن سيرين والشعبي.

8/19-20م ومن باب في العتيرة

1618- قال أبو داود: حدثنا مسدد ( ح ) وحدثنا نصر بن علي عن بشر بن المفضل المعنى، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: قال بيشة نادى رجل رسول الله ﷺ إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال: اذبحوا لله في أي شهر كان وبَّروا الله وأطعموا قال إنا كنا نُفرع فَزَعا في الجاهلية فما تأمرنا، قال في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل قال نصر استحمل للحجيج ذبحته فتصدقت بلحمه، قال خالد احسبه قال على ابن السبيل فإن ذلك خير، قال خالد قلت لأبي قلابة كم السائمة قال مائة.

قال الشيخ: العتيرة النسيكة التي تعتر أي تذبح وكانوا يذبحونها في شهر رجب ويسمونها الرجبية، والفرَع أول ما تلده الناقة وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم في الجاهلية وهو الفرع مفتوحة الراء ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك.

1619- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا سفيان عن الزهري عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: لا فرع ولا عتيرة.

قال الشيخ: وقال ابن سيرين من بين أهل العلم تذبح العتيرة في شهر رجب وكان روى فيها شيئا. وقوله استحمل معناه قوي على الحمل.

29 - ومن باب العقيقة

1620- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن حبيبة بنت ميسرة عن أم كرز الكعبية قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة.

قال الشيخ: وفسره أبو عبيد قريبا من هذا لأن حقيقة ذلك التكافؤ في السن يريد شاتين مسنتين تجوزان في الضحايا بأن لا تكون إحداهما مسنة والأخرى غير مسنة.

والعقيقة سنة في المولود لا يجوز تركها وهوقول أكثرهم، إلا أنهم اختلفوا في التسوية بين الغلام والجارية فيها، فقال أحمد بن حنبل والشافعي واسحاق بظاهر ماجاء في الحديث من أن في الغلام شاتين وفي الجارية شاة.

وكان الحسن وقتادة لايريان عن الجارية عقيقة.

وقال مالك الغلام والجارية شاة واحدة سواء، وقال أصحاب الرأي إن شاء عتق وإن شاءال يعتق.

1621- قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كُرْز قالت سمعت النبي ﷺ يقول: أقروا الطير على مَكِناتها، قالت وسمعته يقول عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكرانا كن أم إناثا.

قال الشيخ: قوله مكناتها قال أبو الزناد الكلابي لا نعرف للطير مكنات وإنما هي وُكُنات وهي موضع عش الطائر.

وقال أبو عبيد وتفسير المكنات على غير هذا التفسير يقول لا تزجروا الطير ولا تلتفتوا إليها أقروها على مواضعها التي جعلها الله لها من أنها لا تضر ولا تنفع وكلاهما له وجه.

وقال الشافعي كانت العرب تولع بالعيافة وزجر الطير فكان العربي إذا خرج من بيته غاديا في بعض حاجته نظر هل يرى طيرا يطير فيزجر سنوحه أو يردعه فإذا لم ير ذلك عمد إلى الطير الواقع على الشجر فحركه ليطير ثم ينظر أي جهة يأخذ فيزجره، فقال لهم النبي ﷺ: اقروا الطير على أمكنتها لا تطيروها ولا تزجروها.

وقيل قوله أقروا الطير على مكناتها فيه كالدلالة على كراهة صيد الطير بالليل.

1622- قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن رسول الله ﷺ قال: كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويُدَمَّى.

قال الشيخ: قال أحمد هذا في الشفاعة يريد أنه ان لم يعق عنه فمات طفلا لم يشفع في والديه.

وقوله رهينة بإثبات الهاء معناه مرهون فعيلبمعنى مفعول والهاء تقع في هذا للمبالغة يقال فلان كريمة قومه أي محل العقدة الكريمة عندهم وهذا عقيلة المتاع أي ثمرته.

وقيل قوله الغلام مرهون بعقيقته أي بأذى شعره واستدل بقوله فأميطوا عنه الأذى والأذى إنما هو مما علق به من دم الرحم.

وفيه من السنة حلق رأس المولود في اليوم السابع، وقوله يدمى اختلف في تدميته بدم العقيقة، فكان قتادة يقول به ويفسره فيقول إذا ذبحت العقيقة يؤخذ منها صوفة واستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق.

وقال الحسن يطلى بدم العقيقة رأسه وكره أكثر أهل العلم لطخ رأسه بدم العقيقة وقالوا أنه من كان من عمل الجاهلية كرهه الزهري ومالك وأحمد وإسحاق، وتكلموا في رواية هذا الحديث من طريق همام عن قتادة، فقالوا قوله يدمى غلط وإنما هو يسمى هكذا رواه شعبة عن قتادة وكذلك رواية سلام بن أبي مطيع عن قتادة، وكذلك رواه أشعث عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى. واستحب غير واحد من العلماء أن لا يسمى الصبي قبل سابعه. وكان الحسن ومالك يستحبان ذلك.

1623- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى.

قال الشيخ: معنى إماطة الأذى حلق الرأس وإزالة ما عليه من الشعر وإذا أمر بإماطة ما خف من الأذى وهو الشعر الذي على رأسه فكيف يجوز أن يأمرهم بلطخه وتدميته مع غلظ الأذى في الدم وتنجيس الرأس به. وهذا يدلك على أن من رواه ويسمى أصح وأولى.

1624- قال أبو داود: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه أراه عن جده قال سئل النبي ﷺ عن العقيقة فقال لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم وقال من ولد له فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة، وسئل عن الفَرع قال: والفرع حق وإن تتركوه حتى يكون بكرا شُغْزُبا ابن مخاض او ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبَره وتَكفأ إناءك وتُولِّه ناقتك.

قال الشيخ: قوله لا يحب الله العقوق ليس فيه توهين لأمرالعقيقة ولا إسقاط لوجوبها وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه فليسمها النسيكة أو الذبيحة.

واختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم العقيقة، فقال بعضهم العقيقة اسم الشعر يحلق فسميت الشاة عقيقة على المجاز إذ كانت إنما تذبح بسبب حلاق الشعر. وقال بعضهم بل العقيقة هي الشاة نفسها، وسميت عقيقة لأنها تعق مذابحها أي تشق وتقطع، يقال عق البرق في السحاب والعق إذا تشقق فتشظى له شظايا في وجه السحاب، قالوا ومن هذا عقوق الولد أباه وهو قطيعته وجفوته.

وقوله حتى يكون بكرا شغزبا هكذا رواه أبو داود وهو غلط والصواب حتى يكون بكرا زُخْرُبّا وهو الغليظ، كذا رواه أبو عبيد وغيره.

ويشبه أن يكون حرف الزاي قد أبدل بالسين لقرب مخارجهما وأبدل الخاء غينا لقرب مخرجهما فصار سغربا فصحفه بعض الرواة فقال شغزبا.

وقوله وتكفأ إناءك يريد بالإناء المحلب الذي تحلب فيه الناقة، يقول إذا ذبحت حُوارها انقطع مادة اللبن فتترك الإناء مكفأ ولا يحلب فيه.

وقوله توله ناقتك أي تفجعها بولدها وأصله من الوله وهو ذهاب العقل من فقدان إلف ؛ وأنشد ابن الأعرابي:

وكنا خليطي في الجمال فأصبحت... جمالي تُوالي وُلها من جِمالك

30 كتاب الصيد

1/21-22م ومن باب اتخاذ الكلب الصيد

1625- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من اتخذ كلبا إلا كلبَ ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط.

قال الشيخ: كان ابن عمر لا يذكر في هذا الحديث كلب الزرع وقيل له إن أبا هريرة ذكر كلب الزرع فقال إن لأبي هريرة زرعا فتأوله بعض من لم يوفق للصواب على غير وجهه، وذهب إلى أنه قصد بهذا القول إنكاره والتهمة له من أجل حاجته إلى الكلب لحراسة زرعه وليس الأمر كما قال، وإنما أراد ابن عمر تصديق أبي هريرة وتوكيد قوله وجعل حاجته إلى ذلك شاهدا له على علمه ومعرفته به لأن من صدقت حاجته إلى شيء كثرت مسألته عنه ودام طلبه له حتى يدركه ويحكمه، وقد رواه عبد الله بن مغفل المزنى وسفيان بن أبي وهب عن النبي ﷺ فذكرا فيه الزرع كما ذكره أبو هريرة.

1626- قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ: لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم.

قال الشيخ: معناه أنه كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق حتى يأتي عليه كله فلا يبقي منه باقية لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة. يقول إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن كلهن فاقتلوا شرارهن وهي السود البهم وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة. ويقال إن السود منها شرارها وعُقُرها.

وقال أحمد وإسحاق لا يحل صيد الكلب الأسود.

هامش

  1. [التحريم: 1]
  2. [التحريم: 3]
  3. كذا في الأصل، والحديث المذكور في الباب يتعلق بأكل الضب وليس بشرب اللبن.
  4. [المرسلات: 25]
  5. [الأنعام: 121 ]


معالم السنن - الجزء الرابع للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الرابع/1 | معالم السنن/الجزء الرابع/2 | معالم السنن/الجزء الرابع/3 | معالم السنن/الجزء الرابع/4 | معالم السنن/الجزء الرابع/5 | معالم السنن/الجزء الرابع/6 | معالم السنن/الجزء الرابع/7 | معالم السنن/الجزء الرابع/8 | معالم السنن/الجزء الرابع/9 | معالم السنن/الجزء الرابع/10 | معالم السنن/الجزء الرابع/11 | معالم السنن/الجزء الرابع/12 | معالم السنن/الجزء الرابع/13 | معالم السنن/الجزء الرابع/14 | معالم السنن/الجزء الرابع/15 | معالم السنن/الجزء الرابع/16 | معالم السنن/الجزء الرابع/17