معالم السنن/الجزء الرابع/17

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معالم السنن للإمام الخطابي

 

19/28-29م ومن باب قتال اللصوص

1685- قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد.

قال الشيخ: قد طب الله سبحانه في غير آية من كتابه إلى التعرض للشهادة وإذا سمى رسول الله ﷺ هذا شهيدا، فقد دل ذلك على أن من دافع عن ماله أو عن أهله أو دينه إذا أربد على شيء منها فأتي القتل عليه كان مأجورا فيه نائلا به منازل الشهداء.

وقد كره ذلك قوم زعموا أن الواجب عليه أن يستسلم ولا يقاتل عن نفسه وذهبوا في ذلك إلى أحاديث رويت في ترك القتال في الفتن وفي الخروج على الأئمة، وليس هذا من ذلك في شيء، إنما جاء هذا في قتال اللصوص وقطاع الطريق، وأهل البغي والساعين في الأرض بالفساد ومن دخل في معناهم من أهل العيث والافساد.

32 كتاب القتن

1686- قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي حدثنا أبو المغيرة حدثني عبد الله بن سالم حدثني العلاء بن عتبة عن عمير بن هانىء العنسي قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول كنا قعودا عند رسول الله ﷺ فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل يا رسول الله وما فتنة الأحلاس، قال هي هرَب وحرَب، ثم فتنة السراء دخنُها من تحت قدمَي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كَوَرِك على ضِلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة وذكر الحديث.

قال الشيخ: قوله فتنة الاحلاس إنما أضيفت الفتنة إلى الاحلاس لدوامها وطول لبثها يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه هو حلس بيته، لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع.

وقد يحتمل أن تكون هذه الفتنة إنما شبهت بالاحلاس لسواد لونها وظلمتها، والحرب ذهاب المال والأهل، يقال حرب الرجل فهو حريب إذا سلب أهله وماله. والدخن الدخان يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه.

وقوله كورك على ضلع مثل، ومعناه الأمرالذي لا يثبت ولا يستقيم، وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله، وإنما يقال في باب الملامة والموافقة إذا وصفوا هو ككف في ساعد وكساعد في ذراع أو نحو ذلك يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به والدهيماء تصغير الدهماء وصغرها على مذهب المذمة لها والله أعلم.

1687- قال أبو داود: حدثنا مسدد وحدثنا قتيبة بن سعيد دخل حديث أحدهما في الآخر قالا: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن سُبيع بن خالد قال أتيت الكوفة فدخلت مسجدا فإذا صدْع من الرجال إذا رأيته كأنه من رجال أهل الحجاز، قال قلت من هذا قال فتجهمني القوم، وقالوا ما تعرف هذا، هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ، فقال حذيفة إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر، فقلت يا رسول الله أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله أيكون بعده شر كما كان قبله، قال نعم قلت، ثم ماذا قال هدنة على دخن، قال قلت يا رسول الله ثم ماذا قال إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة.

قال الشيخ: وروى أبو داود في غير هذه الرواية أنه قال هدنة على دخن وجماعة على اقذاء، الصدع من الرجال مفتوحة الدال هو الشاب المعتدل القناة ومن الوعول الفتي. وقوله هدنة على دخن معناه صلح على بقايا من الضغن، وذلك أن الدخان أثر من النار دال على بقية منها.

وقوله جماعة على اقذاء يؤكد ذلك وقد جاء تفسيره في الحديث قال: قلت يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي، قال لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه.

وأخبرني إسماعيل بن راشد عن إسحاق بن إبراهيم عن بعض رجاله أو عن نفسه قال قلت لأعرابي كيف بينك وبين قومك فأنشدني:

وبين قومي ورجالها أحن... إذا التقوا تحاملوا على ضغن

  • تحامل النبت علي وعس الدمن *

والجذل أصل الشجرة إذا قطع أغصانها، ومنه قول القائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك.

وكان قتادة يتأول هذا الحديث فيجعله على الردة في زمن أبي بكر رضي الله عنه.

1688- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: حدثنا حماد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ إن الله زوى لي الأرض أو قال إن ربي زوى لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض واني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامَّة ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وذكر حديثا فيه طول.

قوله زوى لي الأرض معناه قبضها وجمعها، ويقال انزوى الشيء إذا انقبض وتجمع وقوله ما زوي لي منها يتوهم بعض الناس أن حرف من ههنا معناه التبعيض فيقول كيف اشترط في أول الكلام الاستيعاب ورد آخره إلى التبعيض، وليس ذلك على ما يقدرونه ؛ وإنما معناه التفصيل للجملة المتقدمة والتفصيل لا يناقض الجملة ولا يبطل شيئا منها لكنه يأتي عليها شيئا شيئا ويستوفيها جزءا حزءا، والمعنى أن الأرض زويت جملتها له مرة واحدة فرآها ثم يفتح له جزء جزء منها حتى يأتي عليها كلها فيكون هذا معنى التبعيض فيها، والكنزان هما الذهب والفضة.

وقوله لا يهلكها بسنة عامة فإن السنة القحط والجدب، وإنما جرت الدعوة بأن لا تعمهم السنة كافة فيهلكوا عن آخرهم، فأما أن يجدب قوم ويخصب آخرون فإنه خارج عما جرت به الدعوة، وقد رأينا الجدب في كثير من البلدان وكان عام الرمادة في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووقع الغلاء بالبصرة أيام زياد ووقع ببغداد في عصرنا الغلاء فهلك خلق كثير من الجوع، إلا أن ذلك لم يكن على سبيل العموم والاستيعاب لكافة الأمة فلم يكن في شيء منها خلف الخبر.

1689- قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يُقم لهم سبعين عاما، قال قلت مما بقي أومما مضى قال مما مضى.

قال الشيخ: قوله تدور رحى الإسلام دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس قال الشاعر يصف حربا:

فدارت رحانا واستدارت رحاهم …سراة النهار ما تولى المناكب

وقال زهير:

فتعرككم عرك الرحى بثفالها... وتلقح كشافا ثم تنتج فتيتم

وقال صعصعة جد الفرزدق أتيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه حين رفع يده عن رحى الجمل يريد حرب الجمل.

وقوله وإن يقم لهم دينهم يريد بالدين ههنا الملك، قال زهير:

لئن حللت بجوٍ في بني أسد... في دين عمرو وحالت بيننا فدك

يريد ملك عمرو. ولايته.

قلت ويشبه أن يكون أريد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس رضي الله عنه وكان ما بين أن استقر الأمر لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيهم نحوا من سبعين سنة.

1690- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قيل يا رسول الله أيُّمَ هو قال القتل.

قال الشيخ: قوله يتقارب الزمان معناه قصر زمان الأعمار وقلة البركة فيها. وقيل هو دنو زمان الساعة، وقيل هو قصر مدة الأيام والليالي على ما روي أن الزمان يتقارب حتى تكون السنة كالشهر ؛ والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة، والهرج أصله القتال، يقال رأيتهم يتهارجون أي يتقاتلون، وقوله أيم هو يريد ما هو، وأصله أيما هو فخفف الياء وحذف الألف كما قيل أيش ترى في أي شيء ترى.

1691- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني عن المشعَّث بن طريف عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ يا أبا ذر قلت لبيك وسعديك، وذكر الحديث قال فيه كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف، قلت الله ورسوله أعلم أو قال ماخار الله لي ورسوله قال عليك بالصبر أو قال تصبر، ثم قال لي يا أبا ذر قلت لبيك وسعديك، قال كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم قلت ما خار الله لي ورسوله، قال عليك بمن أنت منه قال قلت يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي، قال شاركت القوم إذن، قلت فما تأمرني قال تلزم بيتك، قلت فإن دخل على بيتي، قال فإن خشيت أن يبهَرَك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه.

قال أبو داود لم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد.

قال الشيخ: البيت ههنا القبر والوصيف الخادم يريد أن الناس يشغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبرا لميت ويدفنه إلا أن يعطي وصيفا أو قيمته والله أعلم.

وقد يكون معناه أن مواضع القبور تضيق عنهم فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف، وقوله يبهرك شعاع السيف معناه يغلبك ضوءه وبريقه والباهر المضيء الشديد الاضاءة قال الشاعر:

بيضاء مثل القمر الباهر

وقد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش وذلك أن النبي ﷺ سمى القبر بيتا فدل على أنه حرز كالبيوت.

1692- قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج بن محمد حدثنا الليث بن سعد حدثني معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه عن المقداد بن الأسود قال ايْمُ الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها.

قال الشيخ: واها كلمة معناها التلهف وقد يوضع أيضا موضع الإعجاب بالشيء فإذا قلت ويها كان معناها الإغراء.

1693- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسلمة عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن.

قال الشيخ: شعف الجبال أعاليها، وفيه الحث على العزلة أيام الفتن.

1/6م ومن باب تعظيم دم المؤمن

1694- قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا محمد بن شعيب عن خالد بن دهقان عن هانىء بن كلثوم، قال سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت أنه سمعه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال من قتل مؤمنا فاعتبط قتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.

قال خالد وحدثنا عبد الله بن أبي زكريا عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما فإذا أصاب دما حراما بلَّح.

قال الشيخ: قوله فاعتبط قتله يريد أنه قتله ظلما لا عن قصاص، يقال عبطت الناقة واعتبطتها إذا نحرتها من غير داء أو آفة تكون بها ومات فلان عبطة إذا مات شابا واحتضر قبل أوان الشيب والهرم قال أمية بن أبي الصلت:

من لم يمت عبطة يمت هرما

وقوله معنقا يريد خفيف الظهر يعنق في مشيه سير المخف ؛ والعنق ضرب من السير وسيع يقال أعنق الرجل في سيره فهو معنق، ورجل معنق وهو من نعوت المبالغة، وبلح معناه أعيا وانقطع، ويقال بلح عليَّ الغريم إذا قام عليك فلم يعطك حقك وبلحت الركية إذا انقطع ماؤها.

33 كتاب المهدي

11/6م ومن باب في المهدي

1695- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر عن زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول المهدي من عترتي من ولد فاطمة.

قال الشيخ: العترة ولد الرجل لصلبه، وقد يكون العترة الأقرباء وبني العمومة، ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه يوم السقيفة نحن عترة رسول الله ﷺ.

1696- قال أبو داود: حدثنا سهل بن تمام بن بزيع حدثنا عمران القطان عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف.

قال الشيخ: الجلاء هو انحسار الشعر عن مقدم الرأس، ويقال رجل أجلن وهوأبلغ في النعت من الأملح قال العجاج:

مع الجلا ولائح القتير

1697- قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحب له عن أم سلمة في قصة المهدي قال ويعمل في الناس بسنة نبيهم ويُلقي الإسلام بجِرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون.

قال الشيخ: الجران مقدم العنق وأصلمفي البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض فيقال القى البعير جرانه، وإنما يفعل ذلك إذا طال مقامه في مناخه فضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره فلم يكن فتنة ولا هيج وجرت أحكامه على العدل والاستقامة.

34 كتاب الملاحم

1/9م ومن باب في قتال الترك

1698- قال أبو داود: حدثنا قتيبة وابن السرح وغيرهما قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رواية، وقال ابن السرح عن النبي ﷺ لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار العيون ذُلْف الأنُف كأن وجوههم المَجَان المطرَّقة.

قال الشيخ: قوله ذلف يقال أنف أذلف إذا كان فيه غلظ وانبطاح وأنوف ذلف.

والمجان جمع المجن وهو الترس، والمطرقة التي قد عوليت بطراق وهو الجلد الذي يغشاه. وشبه وجوههم في عرضها ونتو وجناتها بالترسة قد البست الأطرقة.

1699- قال أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا بشير بن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ في حديث قتال الترك قال تسوقونهم ثلاث مرات ويُصطلمون في الثالثة.

قال الشيخ: الاصطلام الاستئصال وأصله من الصلم وهو القطع.

2/10م ومن باب في ذكر البصرة

1700- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبدالصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثنا سعيد بن جُمهان حدثنا مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ قال ينزل أناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها ويكون من أمصار المهاجرين فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء حتى ينزلوا على شط النهر، وذكر الحديث.

قال الشيخ: الغائط البطن المطمئن من الأرض، والبصرة الحجارة الرخوة وبها سميت البصرة وبنو قنطوراء هم الترك، يقال إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات الله عليه ولدت له أولادا جاء من نسلهم الترك.

3/11م ومن باب ذكر الحبشة

1701- قال أبو داود: حدثنا القاسم بن أحمد حدثنا أبو عامر عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة.

قال الشيخ: ذو السويقتين هما تصغير الساق والساق مؤنث فلذلك ادخل في تصغيرها التاء وعامة الحبشة في سوقهم دقة وحموشة.

4/14م ومن باب ذكر الدجال

1702- قال أبو داود: حدثنا حيْوة بن شريح حدثنا بقية حدثني بَحير هو بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن عمرو بن الأسود عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت أنه حدثهم أن النبي ﷺ قال: إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا. إن المسيح الدجال قصير افحج جعد أعور مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء.

قال الشيخ: الأفحج الذي إذا مشى باعد بين رجليه. والجحراء الذي قد انخسفت فبقى مكانها غائرا كالجحر. يقول إن عينه سادة لمكانها مطموسة أي ممسوحة ليست بناتئة ولا منخسفة.

1703- قال أبو داود: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام بن يحيى أظنه عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر عيسى صلوات الله عليه ونزوله وقال إذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصَّرتين كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام.

قال الشيخ: الممصر من الثياب الملون بالصفرة وليست صفرته بالمشبعة. وقوله ويقتل الخنزير فيه دليل على وجوب قتل الخنازير وبيان أن أعيانها نجسة وذلك أن عيسى صلوات الله عليه إنما يقتل الخنزير في حكم شريعة نبينا محمد ﷺ لأن نزوله إنما يكون في آخر الزمان وشريعة الإسلام باقية.

وقوله ويضع الجزية معناه أنه يضعها عن النصارى وأهل الكتاب ويحملهم على الإسلام ولا يقبل منهم غير دين الحق فذلك معنى وضعها والله أعلم.

5/15م ومن باب في خبر الجساسة

1704- قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا عبد الصمد حدثني أبي قال سمعت حسين المعلم حدثنا عبد الله بن بريدة حدثنا عامر بن شراحيل الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر إن تميما الداري حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجُذام قلعت بهم الموج شهرا في البحر فأرفؤوا إلى جزيرة حين تغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلَب كثيرة الشعر قالوا ويلكِ ما أنت قالت أنا الجساسة انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق وساق الحديث.

قال الشيخ: قوله أرفؤوا إلى جزيرة معناه أنهم قربوا السفينة إليها يقال ارفأت السفينة إذا قربتها من الساحل وهذا مرفأ السفن، وأقرب السفينة يريد بها القوارب وهن سفن صغار تكون مع السفن البحرية كالجنائب لها تتخذ لحوائجهم واحدها قارب، وأما الأقرب فإنه جمع على غير قياس، والجساسة يقال إنها تجسس الأخبار للدجال وبه سميت جساسة، والأهلب الكثير الهلب والشعر.

6/16م باب خبر ابن الصائد

1705- قال أبو داود: حدثنا أبو عاصم خُشيش بن أصرم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ مرّ بابن صياد في نفر من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يلعب مع الغلمان عند أُطُم بني مَغالة وهو غلام فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال أتشهد أني رسول الله فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، ثم قال ابن صياد للنبي ﷺ أتشهد أني رسول الله، فقال رسول الله ﷺ آمنت بالله ورسله، ثم قال له النبي ﷺ ما يأتيك قال يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي ﷺ خُلط عليك الأمر، ثم قال رسول الله ﷺ إني قد خبأت لك خبيئةً وخبأ له {يوم تأتي السماء بدخان مبين} [1] قال ابن صياد هو الدُّخ فقال رسول الله ﷺ اخس فلن تعدو قدرك، فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه فقال ﷺ إن يكن فلن تسلط عليه، يَعني الدجال وإن لا يكن هو فلا خير في قتله.

قال الشيخ: الأُطم بناء من الحجارة مرفوع كالقصر وآطام المدينة حصونها والدخ الدخان، وقال الشاعر:

عند رواق البيت يغشى الدخا

وقد اختلف الناس في ابن صياد اختلافا شديدا وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول، وقد يسأل عن هذا فيقال كيف يقار رسول الله ﷺ رجلا يدعي النبوة كاذبا ويتركه بالمدينة يساكنه في داره ويجاوره فيها وما معنى ذلك وما وجه امتحانه إياه بما خبأه له من أنه الدخان. وقوله بعد ذلك اخس فلن تعدو قدرك.

والذي عندي أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله ﷺ اليهود وحلفائهم وذلك أنه بعد مقدمه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على أن لا يهاجوا وأن يتركوا على أمرهم، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم وكان يبلغ رسول الله ﷺ خبره وما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب فامتحنه بذلك ليزور به أمره ويخبر شأنه فلما كلمه علم أنه مبطل وأنه من جملة السحرة أو الكهنة أو ممن يأتيه رؤى من الجن أو يتعاهده شيطان فيلقي على لسانه بعض ما يتكلم به فلما سمع منه قول الدخ زبره فقال اخس فلن تعدو قدرك. يريد أن ذلك شيء اطلع عليه الشيطان فألقاه إليه وأجراه على لسانه وليس ذلك من قبل الوحي السماوي إذا لم يكن له قدر الأنبياء الذين علم الغيب ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم فيصيبون بنور قلوبهم، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطىء في بعض، وذلك معنى قوله يأتيني صادق وكاذب فقال له عند ذلك قد خلط عليك، والجملة أنه كان فتنة قد امتحن الله به عباده المؤمنين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيى على بينة، وقد امتحن قوم موسى عليه السلام في زمانه بالعجل فافتتن به قوم وهلكوا ونجا من هداه الله وعصمه منهم.

وقد اختلفت الروايات في أمره وما كان من شأنه بعد كبره فروي أنه قد تاب عن ذلك القول ثم أنه مات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم اشهدوا.

وروي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال شتمت ابن صياد فقال ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول لا يدخل الدجال مكة وقد حججت معك وقال لا يولد له وقد ولد لي ؛ وكان ابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما فيما روي عنهما يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه، فقيل لجابر إنه اسلم فقال وإن أسلم، فقيل أنه دخل مكة وكان بالمدينة قال وإن دخل.

وقد روي عن جابر أنه قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة.

قلت وهذا خلاف رواية من روى أنه مات بالمدينة والله أعلم.

7/17م ومن باب الأمر والنهي

1706- قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسرائيل حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر.

قال الشيخ: إنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان مترددا بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف والله أعلم.

1707- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ وذكر بني إسرائيل وتلا قوله {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} [2] إلى قوله فاسقون، ثم قال {كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنهه على الحق أطرا}.

قال الشيخ: قوله لتأطرنه معناه لتردنه عن الجور، وأصل الأطر العطف أو الثني ومنه تأطر العصي وهو تثنيه، قال عمر بن أبي ربيعة:

خرجت تأطر في الثياب كأنها... أيم تسيب علا كثيبا أهيلا

1708- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري أخبرني من سمع النبي ﷺ وقال سليمان أخبرني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: لن يهلك الناس حتى يَعذِروا أو يعذروا من أنفسهم.

قال الشيخ: فسره أبو عبيد في كتابه، وحكي، عن أبي عبيدة أنه قال معنى يعذروا أي تكثر ذنوبهم وعيوبهم، قال وفيه لغتان، يقال أعذر الرجل إعذارا إذا صار ذا عيب وفساد، قال وكان بعضهم يقول عذر يعذر بمعناه ولم يعرفه الأصمعي، قال أبو عبيد وقد يكون يعذروا بفتح الياء بمعنى يكون لمن بعدهم العذر في ذلك، والله أعلم.

[3]

هامش

  1. [الدخان: 10]
  2. [المائدة: 78 ]
  3. هنا في نسخة الأحمدية: آخر الكتاب والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وأصحابه، وسلام على عباد الله الصالحين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتبه عفيف بن المبارك بن الحسين بن محمود الوراق رحمهم الله وهنا في النسخة الطرطوشية: كتبه جميعه أبو بكر محمد بن الوليد ببغداد في المدرسية النظامية في شهر رمضان من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة والله وليه وحافظه. اهـ.

هامش



معالم السنن - الجزء الرابع للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الرابع/1 | معالم السنن/الجزء الرابع/2 | معالم السنن/الجزء الرابع/3 | معالم السنن/الجزء الرابع/4 | معالم السنن/الجزء الرابع/5 | معالم السنن/الجزء الرابع/6 | معالم السنن/الجزء الرابع/7 | معالم السنن/الجزء الرابع/8 | معالم السنن/الجزء الرابع/9 | معالم السنن/الجزء الرابع/10 | معالم السنن/الجزء الرابع/11 | معالم السنن/الجزء الرابع/12 | معالم السنن/الجزء الرابع/13 | معالم السنن/الجزء الرابع/14 | معالم السنن/الجزء الرابع/15 | معالم السنن/الجزء الرابع/16 | معالم السنن/الجزء الرابع/17