معالم السنن/الجزء الرابع/4

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معالم السنن للإمام الخطابي

 

17 كتاب العتق

1257- قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو بدر حدثني أبو عتبة حدثني سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم.

قال الشيخ: في هذا حجة لمن رأى بيع المكاتب جائزا لأنه إذا كان عبدا فهو مملوك وإذا كان باقيا على أصل الملك لم يحدث لغيره فيه ملك كان غيرممنوع من بيعه، واحتج من أجاز بيعه بأنه لا خلاف أن أحكامه أحكام المماليك في شهاداته وجناياته والجناية عليه وفي ميراثه وحدوده وسهمه إن حضر القتال. وممن ذهب إلى إجازة بيعه إبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وهو قول مالك بن أنس على نوع من الشرط فيه، وكان الشافعي يقول به في القديم ثم رجع أن بيعه غير جائز وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعى يكره بيع المكاتب قبل عجزه للخدمة، وقال لا بأس أن يباع للعتق.

قلت كل ما أجاز بيعه فإنما أجازه على إثبات الكتابة له فيقوم المشتري مقام الذي كاتبه فيه أن يؤدي إليه عتق.

فأما بيعه على أن يبطل كتابته وهو ماض فيها مؤد ما يجب عليه من نجومه فلا أعلم أحدا ذهب إليه إلا أن يعجز المكاتب عن اداء نجومه فيجوز عندئذ بيعه لأنه قد عاد رقيقا كما كان قبل الكتابة.

وفي قوله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم دليل على أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي نجومه بكمالها لم يكن محكوما بعتقه وإن ترك وفاء لأنه إذا مات وهو عبد لم يصر حرا بعد الموت ويأخذ المال سيده ويكون أولاده رقيقا له.

وقد روي هذا القول عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل.

واستدل بعضهم في ذلك بأن تلف المبيع قبل القبض يبطل حكم العقد والمكاتب مبيع تلف قبل أن يقبض فيملك نفسه ونزول يد السيد عنه.

وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا إذا ترك المكاتب وفاء بما بقي عليه من الكتابة عتق، وإن ترك زيادة كانت لولده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال مالك نحوا من ذلك.

وفيه دليل على أن ليس للمكاتب أن يكاتب عبده لأنه عبد وأداء الكتابة توجب الحرية والحرية توجب الولاء، وليس المكاتب ممن يثبت له الولاء لأن الولاء بمنزلة النسب، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه، وفي قوله الآخر يجوز له أن يكاتبه لأنه من باب المكاسب وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.

1258- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب لأم سلمة، قال سمعت أم سلمة تقول: قال لها رسول الله ﷺ إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه.

قال الشيخ: وهذا كالدلالة على أنه إذا مات وترك الوفاء بكتابته كان حرا.

وقد يتأول أيضا على أنه أراد به الاحتياط في أمره لأنه بعرض أن يعتق في كل ساعة بأن يعجل نجومه إذا كان واجدا لها والله أعلم.

1/2م ومن باب بيع المكاتب إذا فسخت المكاتبة

1259- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وحدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قالا: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ ابتاعي فأعتقى فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ فقال ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط شرط الله أحق وأوثق.

قال الشيخ: في خبر بريرة دليل على أن بيع المكاتب جائز وذلك لأن رسول الله ﷺ قد أذن لعائشة في ابتياعها وهي إنما جاءتها للأداء ولتستعين بها في ذلك، ولا دلالة في الحديث على أنها كانت قد عجزت عن أداء نجومها.

وتأول الخبر من منع من بيع المكاتب على أن بريرة قد رضيت أن تباع وأن بيعها للعتق كان فسخا للكتابة ولم يكن بيعها بيع مكاتبة.

وزعم بعضهم أنهم إنما باعوا نجوم كتابتها واستدل على ذلك بقول عائشة رضي الله عنها فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، وهذا لا يدل على جواز بيع نجوم الكتابة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن. ونجوم الكتابة غير مقبوضة وهي كالسلم لا يجوز بيعه، وإنما معنى قضاء الكتابة هو الثمن الذي يعطيهم على البيع عوضا عن الرقبة.

والدليل عليه قوله ﷺ ابتاعي فأعتقي فدل أن الأمر قد استقر على البيع الذي هو العقد على الرقبة.

وقوله إنما الولاء لمن أعتق دليل على أنه لا ولاء لغير معتق وإن من أسلم على يدي رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق. وكلمة إنما تعمل في الإيجاب والسلب جميعا.

وقد توهم بعض الناس أن في قوله ابتاعي فأعتقي خلفا لما اشترطوه على عائشة ورد الحديث من أجل ذلك، وقال إن رسول الله ﷺ لا يأمر بغرور الإنسان.

أخبرني أبو رجاء الغنوي حدثني أبي عن يحيى بن أكثم أنه كان يقول ذلك في هذا الحديث.

قلت وليس في الحديث شيء مما يشبه معنى الغرور والخلف وإنما فيه أن القوم كانوا قد رغبوا في بيعها فأجازه رسول الله ﷺ وأذن لعائشة في امضائه وكانوا جاهلين بحكم الدين في أن الولاء لا يكون إلا لمعتق وطمعوا أن يكون الولاء لهم بلا عتق، فلما عقدوا البيع وزال ملكهم عنها ثبت ملك رقبتها لعائشة فأعتقتها وصار الولاء لها لأن الولاء من حقوق العتق وتوابعه فلما تنازعوه قام رسول الله ﷺ فبين أن الولاء في قضية الشريعة إنما هو لمن أعتق وأن من شرط شرطا لا يوافق حكم كتاب الله عز وجل فهو باطل.

وقد روى من طريق عروة بن هشام في هذه القصة زيادة لم يتابع عليها ولم يذكرها أبو داود وهي أنه قال اشترطي لهم الولاء، وهذه اللفظة يقال إنها غير محفوظة ولو صحت تأولت على معنى أن لا تبالي بما يقولون ولا تعبئي بقولهم فإن الولاء لا يكون إلا لمعتق وليس ذلك على أن يشترطه لهم قولا ويكون خلفا لموعود شرط وإنما هو على المعنى الذي ذكرته من أنهم يحلّون، وقولهم ذلك لا يلتفت إليه إذا كان لغوا من الكلام خلفا من القول.

وكان المزني يتأوله فيقول قوله اشترطي لهم الولاء معناه اشترطي عليهم الولاء كما قال سبحانه {أولئك لهم اللعنة} [1] بمعنى عليهم اللعنة.

وقوله ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله يريد أنها ليست من حكم كتاب الله تعالى وعلى موجب قضاياه ولم يرد أنها ليست في كتاب الله مذكورا، ولكن الكتاب قد أمر بطاعة الرسول ﷺ واعلم أن سنته بيان له، وقد جعل الرسول ﷺ الولاء لمن أعتق فكان ذلك منصرفا إلى الكتاب ومضافا إليه على هذا المعنى والله أعلم.

وقد استدل الشافعي من هذا الحديث على أن بيع الرقبة بشرط العتق جائز وموضع هذا الدليل ليس بالبين في صريح لفظ الحديث وإنما هو مستنبط من حكمه، وذلك أن القوم لا يشترطون الولاء إلا وقد تقدمه شرط العتق فثبت أن هذا الشرط على هذا المعنى في العقد والله أعلم.

وفي قوله ﷺ من رواية الليث عن ابن شهاب عن عروة ابتاعي وأعتقي بيان هذا المعنى، وقد روي أيضا صريحا من طريق الأسود.

حدثناه إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الضبي حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة رضي الله عنها أرادت أن تشتري بريرة تعتقها فاشترطوا ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الثمن.

1260- قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، قالت وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة ملاَحة وذكرت القصة في تزوج رسول الله ﷺ إياها.

قال الشيخ: قوله ملاحة، يقال جارية مليحة وملاحة وفعالة يجيء في النعوت بمعنى التوكيد، فإذا شدد كان أبلغ في التوكيد كقوله سبحانه {ومكروا مكرا كبارا} [2]. وقال الشماخ:

يا ظبية عطلا حسانة الجيد

2/3م ومن باب العتق على شرط

1261- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال كنت مملوكا لأم سلمة فقالت اعتقك واشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت فقال إن لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت فأعتقتنى واشترطت عليَّ.

قال الشيخ: هذا وعد عبر عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق لأنه شرط لا يلاقي ملكا ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا بإجازة أو ما في معناها.

وقد اختلفوا في هذا فكان ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا، وسئل أحمد بن حنبل عنه، فقال يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له قيل له تشترى بالدراهم قال نعم.

3/4م ومن باب من أعتق نصيبا له من مملوك

1262- قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام قال وحدثنا محمد بن كثير المعنى أنبأنا همام عن قتادة، عن أبي المليح، قال أبو الوليد عن أبيه أن رجلا أعتق شقصا من غلام فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ليس لله شريك، زاد ابن كثير في حديثه فأجاز النبي ﷺ عتقه.

قال الشيخ: فيه دليل على أن المملوك يعتق كله إذا أعتق الشقص منه ولا يتوقف على عتق الشريك الآخر وأداء القيمة ولا على الاستسعاء، ألا تراه يقول فأجاز النبي ﷺ عتقه وقال ليس لله شريك فنفى أن يقارّ الملك العتق وأن يجتمعا في شخص واحد، وهذا إذا كان المعتق موسرا فإذا كان معسرا فإن الحكم بخلاف ذلك على ما ورد بيانه في السنة وسيجيء ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة وسفيان الثوري والشافعي في أظهر قوليه إلى أن العتق إذا وقع من أحد الشريكين في شقصه وكان موسرا سرى في كله وعتق العبد ثم غرم المعتق لشريكه قيمة نصفه ويكون الولاء كله للمعتق.

وقال مالك بن أنس نصيب الشريك لا يعتق حتى يقوم العبد على المعتق ويؤمر بأداء حصته من القيمة إليه فإذا أداها عتق العبد كله، وهو أحد قولي الشافعي القديم وهذا القول مبني على النظر للشريك والقول الأول مبني على النظر للعبد.

ويحكى عن الشافعي فيه قول ثالث وهو أن يكون العتق موقوفا على الأداء وهذا مبني على النظر للشريك والعبد معا.

وقال أبو حنيفة إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر فشريكه الذي لم يعتق بالخيار إن شاء أعتق كما أعتق وكان الولاء بينهما نصفين، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته ورجع شريكه بما ضمن على العبد فاستسعاه فيه فإذا أداه عتق وكان الولاء كله للمعتق. وخالفه أصحابه وقالوا بمثل قول الثوري وسائر أهل العلم.

1263- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن رجلا أعتق شقصا من غلام فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه.

قال الشيخ: وهذا يبين لك أن العتق قد كمل له بإعتاق الشريك الأول نصيبه منه فلولا أنه قد استهلكه لم يكن لقوله وغرمه بقية ثمنه معنى لأن الغرم إنما يقع في الشيء المستهلك.

1264- قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ من أعتق شقصا في مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه.

قال الشيخ: هذا الكلام لا يثبته أكثر أهل النقل مسندا عن النبي ﷺ ويزعمون أنه من كلام قتادة.

وأخبرني الحسن بن يحيى عن ابن المنذر فقال هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من متن الحديث.

قال وحدثنا علي بن الحسين حدثنا المقري حدثنا همام عن عمارة عن النضر بن أنس عن رجل، عن أبي هريرة أن رجلا أعتق شريكا له في مملوك فغرمه النبي ﷺ بقية ثمنه.

وكان قتادة يقول إن لم يكن له مال استسعى قال ابن المنذر وقد أخبر همام ان ذكر السعاية من قول قتادة، قال وألحق سعيد بن أبي عروبة الذي ميزه همام من قول قتادة فجعله متصلا بالحديث.

قلت وقد تأول بعض الناس فقال معنى السعاية أن يُستسعى العبد لسيده أي يستخدم ولذلك قال غير مشقوق عليه أي لا يحمل فوق ما يلزمه من الخدمة بقدر ما فيه من الرق لا يطالب باكثر منه.

1265- قال أبو داود: حدثنا على بن عبد الله حدثنا محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال من أعتق شِقصا أو شقيصا له في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عدل ثم استُسعي لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه.

قال أبو داود ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكرا فيه السعاية. ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية. وقال محمد بن إسماعيل ورواه شعبة عن قتادة فلم يذكر السعاية.

قال الشيخ: اضطراب سعيد بن أبي عروبة في السعاية مرة يذكرها ومرة لا يذكرها فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده وإنما هو من كلام قتادة وتفسيره على ما ذكره همام وبينه.

ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه وقد ذكره أبو داود في هذا الباب الذي يليه.

4/6م ومن باب من رأى من لم يكن له مال لم يستسع

1266- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال من أعتق شقصا له في مملوك أقيم عليه قيمة العدل فأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق.

قال الشيخ: قوله وإلا فقد عتق عليه ما عتق يدل على أنه لا عاقبة وراء ذلك، وفيه سقوط السعاية وهو أثبت شيء روي من الحديث في هذا الباب.

قال أبو داود قال أيوب وروي هذا الحديث عن نافع فقال كان نافع ربما قال فقد عتق منه ما عتق وربما لم يقله.

1267- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن عمروعن سالم عن أبيه يبلغ به النبي ﷺ إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه فان كان موسرا يقوم عليه قيمة لا وَكس ولا شطط ثم يعتق.

قال الشيخ في قوله ثم يعتق حجة لمن ذهب إلى أن العتق لا يقع بنفس الكلام ولكنه بعد التقويم والأداء، وهو قول مالك بن أنس وربيعة بن عبد الرحمن.

1268- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن خالد، عن أبي بشر العنبري، عن أبي التَّلِب عن أبيه أن رجلا أعتق نصيبا له في مملوك فلم يضمنه النبي ﷺ.

قال الشيخ: هذا غير مخالف للأحاديث المتقدمة وذلك لأنه إذا كان معسرا لم يضمن وبقي الشقص مملوكا كما كان.

5/7م ومن باب من ملك ذا رحم محرم

1269- قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة فيما يحسب حماد قال: قال رسول الله ﷺ من ملك ذا رحم محرم فهو حر.

قال أبو داود لم يحدث هذا الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه.

1270- قال أبو داود: قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد والحسن مثله. قال أبو داود وشعبة احفظ من حماد بن سلمة.

قال الشيخ: قلت الذي أراد أبو داود من هذا أن الحديث ليس بمرفوع أو ليس بمتصل إنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ.

وقد اختلف الناس في هذا فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وهو قول الحسن وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزبير والحكم وحماد وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان وأحمد وإسحاق.

وقال مالك بن أنس يعتق عليه الولد والوالد والإخوة ولا يعتق عليه غيرهم.

وقال الشافعي لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته.

وأما ذوو المحارم من الرضاعة فإنهم لا يعتقون في قول أكثر أهل العلم، وكان شريك بن عبد الله القاضي يعتقهم.

وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه واحتجوا بقوله لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه قالوا وإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ولصاحب الملك التصرف، وحديث سمرة غير ثابت.

6/8م ومن باب في أمهات الأولاد

1270- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قيس عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه فلما كان عمر رضي الله عنه نهانا فانتهينا.

قال الشيخ: ذكر أبو داود في صدر هذا الباب حديثا ليس إسناده بذاك.

1271-، قال: حدثنا النفيلي عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن خطاب بن صالح مولى الأنصار عن أمه عن سلامة بنت معقِل امرأة من قيس عيلان أن عمها قدم بها المدينة في الجاهلية فباعها من الحُبَاب بن عمرو فولدت له عبد الرحمن بن الحباب.

قال الشيخ:، يَعني ثم هلك فأرادوا بيعها فأمرهم النبي ﷺ بإعتاقها وعوضهم منها غلاما.

وذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع أم الولد فاسد وإنما روي الخلاف عن علي رضي الله عنه فقط.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنها تعتق في نصيب ولدها.

وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين أنه قال لأبي معشر إني اتهمكم في كثير مما تروون عن علي رضي الله عنه لأني قال لي عبيدة بعث إليّ عليّ وإلى شريح يقول إني أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون،، يَعني في أم الولد حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات صاحباي، قال فقتل علي رضي الله عنه قبل أن يكون للناس جماعة حدثونا بذلك عن علي بن عبد العزيز، عن أبي النعمان عن حماد.

قلت واختلاف الصحابة إذا ختم بالاتفاق وانقرض العصر عليه صار إجماعا وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال نحن لا نورث ما تركنا صدقة.

وقد خلف ﷺ أم ولده مارية فلو كانت مالا لبيعت وصار ثمنها صدقة.

وقد نهى ﷺ عن التفريق بين الأولاد والأمهات وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن، ووحدنا حكم الأولاد وحكم أمهاتهم في الحرية والرق، وإذا كان ولدها من سيدها حرا دل على حرية الأم.

وقال بعض أهل العلم ويحتمل أن يكون هذا الفعل منهم في زمن النبي ﷺ وهو لا يشعر بذلك لأنه أمر يقع نادرا، وليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق التي يتداولها الأملاك فيكثر بيعهن وشراؤهن فلا يخفى الأمر على العامة والخاصة في ذلك.

وقد يحتمل أن يكون ذلك مباحا في العصر الأول ثم نهى النبي ﷺ عن ذلك قبل خروجه من الدنيا ولم يعلم به أبو بكر رضي الله عنه لأن ذلك لم يحدث في أيامه لقصر مدتها ولاشتغاله بأمور الدين ومحاربة أهل الردة واستصلاح أهل الدعوة ثم بقي الأمر على ذلك في عصر عمر رضي الله عنه مدة من الزمان، ثم نهى عنه عمر حين بلغه ذلك عن رسول الله ﷺ فانتهوا عنه والله أعلم.

7/9م ومن باب في بيع المدبر

1272- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء وإسماعيل بن أبي خالد عن سلمة بن كُهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق غلاما له عن دُبُر منه لم يكن له غيره فأمره النبي ﷺ فبيع بسبعمائة أو تسعمائة.

قال الشيخ: قد اختلف مذاهب الناس في بيع المدبر واختلف أقاويلهم في تأويل هذا الحديث، فأجاز الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه بيع المدبر على الأحوال كلها، وروي ذلك عن مجاهد وطاوس.

وكان الحسن يرى بيعه إذا احتاج صاحبه إليه، وكان مالك يجيز بيع الورثة إذا كان على الميت دين يحيط برقبته ولا يكون للميت مال غيره.

وكان الليث بن سعد يكره بيع المدبر ويجيز بيعه إذا أعتقه الذي ابتاعه. وكان ابن سيرين يقول لا يباع إلا من نفسه.

ومنع من بيع المدبر سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والزهري وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإليه ذهب سفيان والأوزاعي.

وتأول بعض أهل العلم الحديث في بيع المدبر على التدبير المعلق، قال وهو أن يقول لمملوكه إن مت من مرضي هذا فأنت حر، قال وإذا كان كذلك جاز بيعه، قال وأما إذا قال أنت حر بموتي أو بعد موتي فقد صار المملوك مدبرا على الإطلاق ولا يجوز بيعه.

قلت ليس في الحديث بيان ما ذكره من تعليق التدبير، وإنما جاء الحديث ببيع المدبر. واسم التدبير إذا أطلق كان على هذا المعنى لا على غيره.

وقد باعه رسول الله ﷺ فكان ظاهره جواز بيع المدبر ؛ والمدبر هو من أعتق عن دبر.

ولم يختلفوا في أن عتق المدبر من الثلث فكان سبيله سبيل الوصايا وللموصي أن يعود فيما أوصى به وإن كان سبيله سبيل العتق بالصفة فهو أولى بالجواز ما لم يوجد الصفة المعلق بها العتق والله أعلم.

هامش

  1. [الرعد: 25 ]
  2. [نوح: 22]


معالم السنن - الجزء الرابع للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الرابع/1 | معالم السنن/الجزء الرابع/2 | معالم السنن/الجزء الرابع/3 | معالم السنن/الجزء الرابع/4 | معالم السنن/الجزء الرابع/5 | معالم السنن/الجزء الرابع/6 | معالم السنن/الجزء الرابع/7 | معالم السنن/الجزء الرابع/8 | معالم السنن/الجزء الرابع/9 | معالم السنن/الجزء الرابع/10 | معالم السنن/الجزء الرابع/11 | معالم السنن/الجزء الرابع/12 | معالم السنن/الجزء الرابع/13 | معالم السنن/الجزء الرابع/14 | معالم السنن/الجزء الرابع/15 | معالم السنن/الجزء الرابع/16 | معالم السنن/الجزء الرابع/17