مختصر التحفة الاثني عشرية/الباب الخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
شاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي
اختصره وهذبه محمود شكري الآلوسي


الباب الخامس

في الإمامة



وفيه ست تنبيهات

التنبيه الأول: اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب الإمام واجبا على العباد أو على الله تعالى. فأهل السنة على الأول، والشيعة على الثاني. [1] والفطرة شاهدة للأول إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من بينهم، وكذا الشرع أيضا إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا. وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى بل هو مناف للألوهية والربوبية كما هو مقرر في محله. [2] وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس من أمور المكلفين – من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك – واجب عليهم، فلا بد وأن يكون نصب الرئيس واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجبة عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، وهذا ظاهر. [3] وأيضا إن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن، وجر لأمر الإمامة على التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم، فمع هذا قولهم « نصب الإمامة لطف » في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما يظهر لذي عينين.

وما أجاب عنه بعض الإمامية – بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف آخر، [4] وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الأمامة، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء فقد اختفى ﷺ في الغار خوفا من الكفار [5] – ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول: الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم.

وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوب له. [6] وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذنه تعالى، فلو كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا امتراء. [7]

وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك كزكريا [8] ويحيى [9] والحسين، [10] وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم على من اختفى ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. [11] ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف الأمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات، فيلزم أن لا يكون أحد الفريقين إماما فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى. وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم! وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى وهذا بعيد عنهم ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه [12] فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها، [13] فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعله سيد الشهداء؟ وما قاله المرتضي في كتابه ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) من أنه فرق بين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله مخافة لا تكون لغيره [14] فكلام لا لب فيه لأن خوف القتل نفسه قد غلب عليه ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا. وأيضا ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، [15] وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى، [16] ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة. [17]

على أن السيد محمد الجنفوري [18] في الهند ولم يقتل ولم يخوف وأيضا قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية [19] أكثر من رمل الصحارى والحصى، فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين }

ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار [20] فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره عليه الصلاة والسلام لم يكن لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضا كان ثلاثة أيام [21] فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته [22] وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته [23] بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان [24] وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ذلك فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة.

وقد ترك الشيخ مقداد صاحب ( كنز العرفان ) من المتأخرين طريق القدماء وقال: كان الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده. ويرد عليه أن هذا الدعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضا للطف، فلا يثبت اللطف في شيء! وبه يفسد كلام الشيعة كله، لأن مبنى أدلتهم عليه، يقولون إن أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى! فليتأمل. والله سبحانه يحق الحق وهو يهدي السبيل.

التنبيه الثاني: اعلم أن قول الله تعالى { ابعث لما ملكا نقاتل في سبيل الله } وقوله تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } وقوله تعالى { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله، والعقل يحكم بذلك. وقد قال أمير المؤمنين « لابد للناس من أمير برٍ أو فاجر. يعمل في إمرته المؤمن ويستمع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر » كذا في نهج البلاغة. ولا يمكن حمله على التقية، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه رضي الله تعالى عنه قاله لما سمع قول الخوارج « لا إمارة » فلا محل للتقية في مقابلتهم، فتأمل في هذا الكلام، وتفكر في هذا المقام تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة. والله تعالى أعلم.

التنبيه الثالث: العدالة شرط الإمامة، لا العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء، خلافا للشيعة ولا سيما الإمامية والإسماعيلية قالوا: لا بد منها علما وعملا، وهو مخالف للكتاب والعترة.

أما الكتاب فقوله تعالى { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان واجب الطاعة بالوحي، ولم يكن معصوما بالإجماع. [25] وقوله تعالى { إني جاعل في الأرض خليفة } فكان قبل النبوة إماما وخليفة، [26] وصدر منه ما صدر، ويدل على ذلك قوله تعالى { فعصى آدم ربه فغوى } وقوله { ثم اجتباه ربه } والاجتباء في قوله تعالى في حق يونس { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } الاصطفاء للدعاء وعذره ورده إليه لا الاستنباء، إذ قد ثبت قبل بقوله تعالى { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبقى إلى الفلك المشحون } بخلاف ما نحن فيه، كذا قيل، فليتأمل. وأما أقوال العترة فقد أسلفنا قول الأمير « لابد للناس » الخ وأيضا روى في الكافي ما قال الأمير لأصحابه « لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ » [27] والحمل على المشورة الدنيوية يأباه الصدر كما لا يخفى. وأيضا روى صاحب الفصول عن أبي مخنف [28] أنه قال: كان الحسين يبدي الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: لو جز [29] أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي. [30] وإذا خطأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة لامتناع اجتماع النقيضين.

وأيضا في الصحيفة الكاملة [31] للسجاد « وقد ملك الشيطان عناني في سوء الظن وضعف اليقين، وإني أشكو سوء محاورته لي وطاعة نفسي له » فظاهر أنه – على الصدق والكذب – مناف للعصمة. [32]

ومن أدلتهم على العصمة أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل. بيان الملازمة أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة، فلو جاز الخطأ عليه أيضا لافتقر إلى آخر وهكذا، فيتسلسل. [33]

ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر، بل المحوج تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد وحفظ بيضة الأسلام مثلا، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة، بل الاجتهاد والعدالة كافيان. ولما لم يكن إثم على التابع إذ ذاك استوى جواز الخطأ وعدمه. سلمنا لكن التسوية ممتنعة بل تنتهى السلسلة إلى النبي. سلمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية، [34] وليس بمعصوم إجماعا فيلزم ما لزم، والجواب هو الجواب.

ومن الأدلة أيضا أنه حافظ للشريعة [35] فكيف الخطأ؟ ويجاب بالمنع، بل هو مروج، والحفظ بالعلماء لقوله تعالى { الربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } [36] وقوله تعالى { كونوا ربانيين بما كنتم تدرسون }. وأيضا إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة على ما في كشكول الكرامة للحلي [37] ففي الحضور كذلك. سلمنا، لكن الحفظ بالكتاب والسنة والإجماع، لا بنفسه، ويمتنع الخطأ في هذه الثلاثة، والآراء لا دخل لها في صلب الشريعة، فلا ضرورة في حفظها. سلمنا، ولكن ذلك منقوض بالنائب. [38] وقد يقال بأن وجود المعصوم لو كان ضروريا للأمن من الخطأ لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة، إذ الواحد لا يكفي للجميع بل هو مستحيل بداهة لانتشار المكلفين في الأقطار، والحضور مستحيل عادة، ونصب نائب لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك لا سيما في الغيبة والوقائع اليومية إذ الإطلاق ممنوع، وعلى تسليمه الإعلام إما برسول [39] ولا عصمة، أو بكتاب والتلبيس جائز. على أن الفهم إنما هو استعمال قواعد الرأي وضوابط القياس، والكل مظنة الخطأ، فلا يحصل المقصود إلا بنصب معصوم في كل قطر وهو محال.

التنبيه الرابع: الإمام لا يلزم أن يكون منصوصا من الباري تعالى، لأن نصبه واجب على العباد كما تقدم، فتعيين الرئيس مفوض إليهم، وهو الأصلح لهم. وقالت الإمامية لا بد أن يكون منصوصا من قبله تعالى، كما أن نصبه واجب عليه تعالى. [40] وهذا مخالف للعقل والنقل. أما الأول فقد مر، وأما الثاني فلقوله تعالى { وجعلناهم أئمة }، { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة }، { وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض } إلى غير ذلك، ولم يكن في احد من تلك الفرق نص بل كان برأي أهل الحد والعقد، فمعنى الجعل إلقاء اختياره في قلوب مسموعي القول فينصبوه، فإن عدل فعادل وإلا فجائز. وقد قيس طالوت بعصا الملوك فساواها فملك [41] كما لا يخفى على المتتبع فافهم، والله تعالى اعلم.

التنبيه الخامس: لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى، إذ قد خلف طالوت وداود وشمويل موجودان. نعم لا بد لأهل الحد والعقد من نصب الأفضل رياسة وسياسة لا عبادة ودراسة. والشيعة على خلاف هذا. وقد علمت ردهم إجمالا. واشترطوا ما اشترطوا لنفي الخلافة عن الثلاثة لعدم العصمة والنص، وفي الأفضلية مجال بحث. وهذه نبذة يسيرة في الرد، وسيأتي التفصيل في إثبات الخلافة إن شاء الله تعالى.

التنبيه السادس: وهذا أهم التنبيهات: اعلم أن الإمام بعد رسول الله ﷺ بلا فصل أبو بكر الصديق بإجماع أهل الإسلام، وقد تفردت الشيعة بإنكار ذلك، [42] وقالوا الإمامة كذلك لعلي رضي الله تعالى عنه، وعند أهل الحق له بعد الثلاثة، ثم لابنه الحسن رضي الله تعالى عنه، والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة لا لخوف من جند كما افترى المفترون. إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها « إنما فعلت ما فعلت إشفاقا عليكم » [43] وقد ثبت في أخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية « إن معاوية قد نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلح للأمة وقطع الفتنة. وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم » [44] فهاتان الخطبتان تدلان على أن الصلح للمصلحة لا للعجز وعدم الناصر، والثانية أيضا تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني، لأن المصالحة لأهل الكفر والردة لمخافة الفتنة لا تجوز، بل ترك قتالهم وغلبتهم هو الفتنة لقوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين له } وأيضا قد سبق ما كان يقوله الحسين في صلح الحسن، أفنسي أن الضرورات تبيح المحظورات. ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكارة لا تكون قبيحة، وأيضا الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضا لا يقدح في أحد الجانبين، فليحفظ. ثم لا يغتر بما يقوله أهل الزور على أهل السنة من أنهم يقولونه بخلافة معاوية بعد الشهيد، وحاشا وكلا بل هم يقولون بصحة خلافته بعد صلح الحسن إلا أنه غير راشد [45] والراشدون هم الخمسة، [46] بل قالوا إنه باغ. [47]

فإن قلت إذا ثبت بغيه لم لا يجوز لعنه؟ جوابه: إن أهل السنة لا يجوزون لعن مرتكب الكبيرة مطلقا، فعلى هذا لا تخصيص بالباغي لأنه مرتكب كبيرة أيضا، على أنه إذا كان باغيا بلا دليل، وأما كان بغيه بالاجتهاد ولو فاسد فلا إثم عليه فضلا عن الكبيرة ويشهد لهم قوله تعالى { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات }. والأمر بالشيء نهى عن ضده عند الإمامية، فالنهي عن اللعن واضح. نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر مثل قوله تعالى { ألا لعنة الله على الظالمين } وقوله تعالى { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } لكن هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لا على صاحبه، ولو فرض عليه يكون وجود الإيمان مانعا والمانع مقدم كما هو عند الشيعة، [48] وأيضا وجود العلة مع المانع لا يكون مقتضيا، فاللعن لا يكون مترتبا على وجود الصفة حتى يرتفع الإيمان المانع، وقوله تعالى { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنك رءوف رحيم } نص في طلب المغفرة وترك العداوة بحيث جعل على الإيمان من غير تقييد، ويشهد لهم ما تواتر عن الأمير من نهي لعن أهل الشام، قالت الشيعة والنهي لتهذيب الأخلاق وتحسين الكلام كما يدل قوله في هذا المقام « إني أكره لكم أن تكونوا سبابين »، [49] وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام فينبغي كراهته لنا وعدم محبوبيته وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة. وأيضا روي في نهج البلاغة عنه رضي الله تعالى عنه ما يدل صراحة على المقصود، وهو أنه لما سمع لعن أهل الشام خطب وقال « إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل ». [50] فإذا صحت الروايتان في كتب الإمامية حملنا الأولى على من كان يلعنهم بالوصف وهو جائز، لا مطلقا بل لمن يبلغ الشريعة كالأنبياء، إذ قد يستعمل لبيان قباحة تلك الصفات، وأما الغير في حقه مكروه، لأنه لو اعتاده لخشي في حق من ليس أهلا له، وحملت الثانية على من يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص غافلا عن منع الإيمان، فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال.

وقال بعض علماء الشيعة: البغي غير موجب للعن على قاعدتنا، لأن الباغي آثم، لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب للأمير، وأما هو فكافر عندنا بدليل حديث متفق عليه عند الفريقين أنه ﷺ قال للأمير: « حربك حربي » [51] وأنه قال لأهل العبا: « أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم » [52] وحرب الرسول كفر بلا شبهة فكذا حرب الأئمة.

قال أهل السنة هذا مجاز للتهديد والتغليط، بدليل ما حكم الأمير من بقاء إيمان أهل الشام وإخوتهم في الإسلام، على أن قوله « حرب الرسول كفر » ممنوع، إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معا قال تعالى { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وعلى قطاع الطريق كذلك قال تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء؟ [53]

هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه، ولنورد عدة آيات قرآنية وأخبار عن العترة تدل على المرام، وتوضح المقام. وتفسد أصل الشيعة، وتبطل هذه القاعدة الشنيعة. وبالله تعالى الاستعانة والتوفيق، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق.

فمن الآيات قوله تعالى { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا بعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }. [54] الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين – الحاضرين وقت النزول – بالاستخلاف والتصرف، كما جعل داود عليه السلام الوارد في حقه { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } وغيره من الأنبياء، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى بأن يروجه ويشيعه [55] كما ينبغي. ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة لأن المهدي ما كان موجودا وقت النزول، والأمير وإن كان حاضرا لكن لم يحصل له رواج كما هو حقه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) [56] مع أن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائما [57]. وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم مع عدم قصورهم تلك الأمور كما لا يخفى، وخلف الوعد ممتنع اتفاقا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالاستخلاف وأخويه [58] وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة.

وقال الملا عبد الله المشهدي في ( إظهار الحق ) بعد الفحص الشديد يحتمل أن يكون « الخليفة » بالمعنى اللغوي و « الاستخلاف » الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بنى إسرائيل { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة. جوابه: أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوي، والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان، لا على المعاني اللغوية. وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى. وأيضا كيف يصح تمسكهم بحديث « أنت مني » الخ المنضم إليه { اخلفني في قومي } وكيف التمسك بحديثهم « يا علي أنت خليفتي من بعدي » [59]؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية وتوجيهها، وأحسن الأجوبة عندهم اثنان: الأول أن « من » للبيان لا للتعبيض، و « الاستخلاف » الاستيطان. قلنا: حمل « من » الداخلة على الضمير على البيان مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة وإن قال به البعض، سلمنا لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع. وأيضا قيد « اعملوا الصالحات » وكذا « الإيمان » يكون عبثا إذ الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر. وأيضا حاشا القرآن من العبث. الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغه الجمع للتعظيم أو مع أولاده خوف. قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف، والناس شاهدة على ذلك. [60] وانظر أيها المنصف الحصيف واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينحسم فيه الإشكال في هذا المقام؛ ذكر في ( نهج البلاغة ) للمرتضى الذي هو أصح الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب لما استشار الأمير عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال، أجابه « إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه { وعد الله الذين أمنوا } وتلا الآية، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده. ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى هو أكرم لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكرهه. وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة » [61] انتهى بلفظه. فتدبر فقد ارتفع الإشكال واتضح الحال والحمد لله رب العالمين.

ومنها قوله تعالى { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما } المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول ﷺ في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد، [62] وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس جناب الرسول عليه الصلاة والسلام لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف يعرف ذلك.

وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: « يجوز أن يكون الداعي الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال، ولم ينقل لنا ». وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه، ولم ينقل لنا. فانظر وتعجب. وقال بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. [63] ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام ( إسلام ) ولمخالفته ( كفر ). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي ﷺ في حق الأمير أنه قال: إنك يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر.

ومنها قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم }. مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل الصفات وأعلى المبرات، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع، لأن ثلاث فرق قد ارتدوا في آخر عهده عليه السلام. [64] الأولى بنو مدلج قوم أسود العنسي ذى الخمار الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل على يد فيروز الديلمي، الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشي، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بنى خويلد المتنبئ، ولكنه آمن بعد أن أرسل النبي ﷺ خالدا وهرب منه إلى الشام. وقد ارتد في خلافة الصديق سبع فرق: بنو فرازة قوم عيينة بن حصن، وبنو غطفان قوم قرة بن سلمة، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر في البحرين. وارتدت فرقة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه والتحقت بالنصارى إلى الروم. وقد استأصل الصديق كل فرقة وأزعجهم واستردهم إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة. ولم يقع للأمير ذلك، بل كان متحسرا على ما هنالك، وكم قال « ابتليت بقتال أهل القبلة » كما رواه الإمامية، وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث. على أن المنكر للنص غير كافر [65] كما قال الكاشي وصاحب الكافي. [66] وانظر إلى ما قال الملا عبد الله صاحب ( إظهار الحق ) ما نصه: « فإن قيل فإن لم يكن النص الصريح ثابتا كما في باب خلافة الأمير فالإمامية كاذبون، وإن كان لزم أن يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى، أجيب أن إنكار النص الذي هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل وإن كذبوا في ذلك التنصيص رسول الله ﷺ، حاشا. أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير » ثم قال « فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي ﷺ نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها، معاذ الله، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص، وأول بعضهم كلام الرسول ﷺ تأويلا بعيدا » انتهى كلامه. وأيضا قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم « أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل » [67] وأيضا قد منع السب كما تقدم، وسب المرتد غير منهي عنه. قطعنا النظر وسلمنا أن الأمير قاتل المرتدين، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح أيضا، وإلا لزم الخلف لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول. والمقاتل هو [68] وأنصاره لا الأمير، إذ لم يدافع أحدا منهم ولا عساكره، إذ هم [69] غير موصوفين بما ذكر، فلكم « أنبئتُ بُسرا قد اطلع اليمن، وإني والله لا أظن هؤلاء القوم سيدالون منكم [70] باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم. وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل. وبأدائهم الأمانة إلى أصحابهم. وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب [71] لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم قد مللنهم وملوني وسئمتهم وسئموني، فأبدلني خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني. اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح بالماء. لوددت والله لو أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم [72]

هنالك لو دعوت أتاك منهم ** فروارس مثل أرمية [73] الحميم [74]

ويقول في خطبة أخرى: أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب. ثم قال بعد كلام: وإنى لصحبتكم قالٍ وبكم غير كثير... » [75] الخ. والنهج مملوء من أمثال هذه الكلمات، ومحشو من مثل هذه الشكايات. فانظر هل يمكن تطبيق الأوصاف القرآنية على هؤلاء الأقوام [76] وهل يجتمع النقيضان! [77] وكلام الله كاذب، أم كلام الإمام؟ [78]

وأيضا يستفاد من سياق الآية وسباقها أن فتنة المرتدين تدفع بسعي القوم الموصوفين ويتحقق صلاح الدين، إذ الآية سيقت لتسلية قلوب المؤمنين وتقويهم، ولإزالة خوفهم من المرتدين وفتنتهم، ولم تنته مقاتلات الأمير إلا إلى الضد كما لا يخفى.

هذا وبقيت آيات كثيرة وأدلة غزيرة تركناها اكتفاء بما ذكرناه، واعتمادا على أن المنصف يكفيه ما سطرناه.

وأما أقوال العترة فمنها ما أورده المرتضى في ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين من كتابه الذي كتبه إلى معاوية وهو:

« أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام، فإنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وعلى ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن آبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى. » [79]

ومنتهى ما أجاب الشيعة عن أمثال هذه أنه من مجاراة الخصم ودليل الزامي، وهو تحريف لا ينبغي لعاقل ولا يليق بفاضل، إذ فيه غفلة وإغماض عن أطراف الكلام الزائدة على قدر الإلزام، إذ يكفى فيه بيعة أهل الحل والعقد كما لا يخفى. وأيضا الدليل الإلزامي مسلم عند الخصم، ومعاوية لا يسلم ما ذكر، ويرشدك إلى ذلك كتبه إلى الأمير كما هو مذكور عند الإمامية وغيرهم، [80] فمذهبه كما يظهر منها أن كل مسلم قرشي مطلقا إذا كان قادرا على تنفيذ الأحكام وإمضاء الجهاد وحماية حوزة الإسلام وحفظ الثغور ودفع الشرور وبايعه جماعة من المسلمين من أهل العراق أو من أهل الشام أو من المدينة المنورة فهو الإمام. وإنما لم يتبع الأمير لاتهامه له بقتله عثمان [81] وحفظ أهل الجور والعصيان، وكان يعتقده قادرا على تنفيذ الأحكام وأخذ القصاص الذي هو من عمدة أمور شريعة سيد الأنام وذلك بزعمه ومقتضى فهمه. ومن أجلى البديهات أن بيعة المهاجرين والأنصار التي لم تكن خافية على معاوية قط لو حسبها معتدا بها لم يذكر في مجالسه ومكاتيبه قوادح الأمير، بل خطأ تلك البيعة أيضا بالصراحة كما هو معروف من مذهبه على ما لا يخفى على الخبير. فما ذكر في مقابلته من بيعة المهاجرين والأنصار دليل تحقيقي مركب من المقدمات الحقة فيثبت المطلوب.

ومنها ما في ( النهج ) أيضا عن الأمير « لله بلاد أبي بكر لقد قوم الأود، [82] وداوَى العلل، وأقام السنة، وخلّف البدعة، وذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعة واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي ». [83]

وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظا لمذهبه لفظ ( أبي بكر ) وأثبت بدله ( فلان ) وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر، ولهذا الإبهام اختلف الشراح فقال البعض هو أبو بكر وبعض هو عمر، ورجح الأكثر الأول وهو الأظهر فقد وصفه من الصفات بأعلى مراتبها، فناهيك به وناهيك بها. وغاية ما أجابوا أن مثل هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم بالشيخين أشد الاعتقاد، ولا يخفى على المنصف أن فيه [84] نسبة الكذب [ إلى المعصوم ] [85] لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه [86] وفي الحديث الصحيح « إذا مدح الفاسق غضب الرب »، [87] وأيضا أية ضرورة تلجئه إلى هذه التأكيدات والمبالغات؟ وكان يكفيه أن يقول: لله بلاد فلان قد جاهد الكفر والمرتدين، وشاع بسعيه الإسلام، وقام عماد المسلمين، ووضع الجزية، وبنى المساجد، ولم تقع في خلافته فتنة ولا بقي فيها معاند. ونحو ذلك. وفرق بين هذا والسلوك في هاتيك المسالك. وأيضا في هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج للباطل، وذلك محال من المعصوم، [88] بل كان الواجب عليه بيان الحال لمن بين يديه بموجب الحديث الصحيح « اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس » [89] فانظر وأنصف. وأجاب بعض الإمامية أن المراد من ( فلان ) رجل من الصحابة مات في عهد النبي ﷺ واختار هذا القول الراوندي، [90] وانظر هل يمكن لغيره ﷺ في زمنه الشريف تقويم الأود، ومداواة العلل وإقامة السنة وغيرها؟ وهل يعقل أن رجلا مات وترك الناس فيما ترك والنبي ﷺ موجود بنفسه وذاته الأنيسة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وزور جسيم. [91]

وقال البعض: غرض الإمام من هذه العبارة توبيخ عثمان والتعريض به، فإنه لم يذهب على سيرة الشيخين. وفيه: أما أولا فالتوبيخ يحصل بدون هذه الكذبات فما الحاجة إليها؟ وأما ثانيا فسيرة الشيخين إن كانت محمودة فقد ثبتت إمامتها وإلا فالتوبيخ على عثمان بتركها لا ينبغي، وأما ثالثا فهذه من خطبات الكوفة، [92] فما الموجب لعدم الصراحة بالتوبيخ: « أنا الغريق فلا أخشى من البلل ». [93]

ومنها ما نقله علي بن عيسى الإربلي الاثنا عشري [94] في كتابه ( كشف الغمة في معرفة الأئمة ) أنه « سُئل الإمام أبو جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة. فقال الراوي: أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة » [95] ومن الثابت أن مرتبة الصديقية بعد النبوة، ويشهد لها القرآن، والآيات كثيرة، منها قوله تعالى { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ولا أقل من كونها صفة مدح فوق الصالح، وإذا قال المعصوم [96] في رجل إنه صالح ارتفع عنه احتمال الجور والفسق والظلم والغضب، وإلا لزم الكذب وهو محال، فكيف يعتقد فيه غضب الإمامة وتضييع حق الأمة؟ ولعمرك المعتقد داخل في عموم هذا الدعاء، ويكفيه جزاء. وغاية ما أجابوا أنه تقية [97] وأنت تعلم أن وضع السؤال يعلم منه أن السائل شيعي، فلم التقية منه وهذا التأكيد؟ وبعضهم أنكر هذا الكلام، والنسخ شاهدة لنا وإن لم يوجد في البعض فالبعض الآخر كاف، والنسخ كثيرة والروايات في هذا الباب أكثر والله أعلم.

ولنذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل إلى المطلوب بأدنى تأمل:

الأول أن الله تعالى ذكر جماعة الصحابة الذين كانوا حاضرين حين انعقاد خلافة أبي بكر الصديق وممدين له وناصرين له في أمور الخلافة ملقبا لهم في مواضع من تنزيله قال تعالى { أولئك هم الفائزون } وقال تعالى { رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [98] وقال تعالى { حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } [99] فإجماع مثل هؤلاء الأقوام على منشأ الجور والآثام محال وإلا لزم الكذب وهو كما ترى.

الثاني أن الله تعالى وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم بقوله عز اسمه { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } فكيف يرتكبون ذلك فيلزم الخلف وهو محال.

الثالث أن الله تعالى قال في المهاجرين { أولئك هم الصادقون } بعد قوله سبحانه { للفقراء المهاجرين } الآية [100] وجميعهم قائلون بخلافة الصديق، ولو لم تكن حقة لزم الخلف في الآية وهو محال.

الرابع أن جماعة كثيرين من الصحابة قد وقع اتفاقهم على خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكل ما يكون متفقا عليه لجماعة الأمة فهو حق وخلافه باطل بما ذكره الرضى في ( نهج البلاغة ) مرويا عن الأمير في كلام له « الزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب ». [101]

الخامس أن قوما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقتلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأقاربهم ولم يراعوا حقهم نصرة لله تعالى ورسوله ﷺ وقد حضروا هذه البيعة ولم يخالفوا فلا بليق بهم ما نسب. وكيف يرضى بذلك العاقل.

السادس أن أمير المؤمنين لما سئل عن أحوال الصحابة الماضين وصفهم بلوازم الولاية وقال كما في نهج البلاغة: « كانوا إذا ذكروا الله هملت [102] أعينهم حتى تبل جباههم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب » وقال أيضا « كان أحب اللقاء إليهم لقاء الله وإنهم يتقلبون على مثل الجمر من ذكر معادهم » فالانكار من هؤلاء والإصرار على مخالفة الله والرسول ﷺ من المحالات.

السابع ما ذكر في الصحيفة الكاملة للسجاد من الدعاء لهم ومدح متابعيهم ولا احتمال للتقية في الخلوات وبين يدي رب البريات ونصه « اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون { ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو أثرهم والائتمام بهداية منارهم يدينون بدينهم على شاكلتهم [103] لم يثنهم ريب في بصيرتهم [104] ولم يختلج شك في صدورهم » إلى آخر ما قال. [105]

فالإصرار من هؤلاء الأخيار على كتمان الحق وتجويز الظلم والجور على عترة سيد الخلق ﷺ لا يقول به عاقل ولا يفوه به كامل.

الثامن ما أورده الكليني في الكافي في باب السبق إلى الإيمان [106] بروايات أبي عمرو الزبيري عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال « قلت له إن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله. قال نعم. قلت صفه لي رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يستبق بالخيل يوم الرهان ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه ولا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا تفاضل بذلك أوائل الأمة وأواخرها. ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذ لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المؤخرين، لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر علما من الأولين وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا ولو لم تكن سوابق يفضل الله بها المؤمنين لكان الآخرون بكثرة العمل متقدمين على الأولين ولكن أبى الله عز وجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها ويقدم فيها من أخّر الله أو يؤخر فيها من قدم الله. قلت: أخبرني عما ندب الله عز وجل المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان. فقال: قول الله عز وجل { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } وقوله تعالى { السابقون السابقون أولئك المقربون } وقوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } [107] فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ثم ذكر ما فضل الله به أولياءه بعضهم على بعض فقال عز من قائل { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات } الآية وقال تعالى { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } وقال تعالى { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } وقال تعالى { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } إلى آخر الحديث وقال في آخره « فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله عز وجل ». [108] فقد علم من هذا الحديث أن المهاجرين والأنصار كانوا في أعلى الدرجات من الإيمان ولم يصل غيرهم إلى ما وصلوا لقوله تعالى { أولئك المؤمنون حقا } وقوله تعالى { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } الآية. فكيف يصدر ممن كانوا كذلك الإصرار على ما لا يرضاه الله تعالى من المسالك؟

التاسع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قد مدح الشيخين ودعا لهما حسبما ثبت عند الفريقين وقد نقل شراح نهج البلاغة كتاب الأمير إلى معاوية وقد قال فيه بعد ما ذكر أبا بكر وعمر « لعمري إن مكانيهما لعظيم وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمها الله تعالى وجزاهما بأحسن ما عملا » [109] فكيف يتصور صدور مثل ذلك عن المعصوم لو كانا غاصبين ظالمين؟ معاذ الله من ذلك، ونسأله سبحانه العصمة عما يعتقده أولئك.

هذا والكتب ملأى من أمثال هذه العبارات والأدلة القطعيات. وفيما ذكر كفاية لمن حلت بقلبه الهداية. والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب الردى.

(في إبطال ما استدل به الرافضة على مذهبهم)

(الآيات القرآنية)

وههنا كلام مفيد شريف، وبحيث رائق لطيف: اعلم أن الشيعة استدلوا على إثبات إمامة الأمير بلا فصل بدلائل كثيرة وتحقق بعد الفحص والتفتيش في كتبهم أن أكثرها قائمة في غير محل النزاع، وأنها مسروقة من أهل السنة. وتحقيق ذلك أن دلائلهم في هذا المطلب ثلاثة أقسام:

الأول الآيات والأحاديث الدالة على فضائل الأمير وأهل البيت، وقد استخرجها أهل السنة في مقابلة الخوارج والنواصب الذين تجاسروا على الأمير رضي الله تعالى عنه ونسبوا إليه ما هو بريء منه، وذكروها في معرض الرد عليهم. والشيعة قد أوردوا تلك الدلائل في إثبات إمامة الأمير رضي الله تعالى عنه بلا فصل، وقصدوا بذلك الرد على أهل السنة. ولما جاء المتأخرون وقد أخذوا من أهل السنة والمعتزلة شيئا من علم الأصول والكلام وحصل لهم نوع ما من الملكة والقدرة على الخصام، غيروا الأدلة التي كانت هدفا للاعتراضات والأسئلة وأصلحوها بزعمهم بعض المقدمات وزيادة ما اشتهوه من موضوع الروايات، وما دروا أن ذلك زاد في الفساد، وأبطل لهم المقصود والمراد، ورجعوا إلى ما فروا منه، ووقعوا فيما انهزموا عنه، وأكثر دلائلهم من هذا القبيل.

الثاني الدلائل الدالة على إمامة الأمير بكونه خليفة بالحق وإماما بالإطلاق في حين من الأحيان، وقد أقامها أيضا أهل السنة في مقابلة المذكورين المنكرين لإمامته، وما يستفاد منها إلا كون الأمير مستحقا للخلافة الراشدة بلا تعيين وقت ولا تنصيص باتصال زمانها بزمان النبوة أو انفصاله عنه. ولا ينبغي لأهل السنة أن يتصدوا لرد هذه الدلائل وجوابها فإنها عين مذهبهم.

الثالث الدلائل الدالة على إمامته بلا فصل مع سلب استحقاق الإمامة عن غيره من الخلفاء الراشدين، وهذه الحقيقة مختصة بمذهب الشيعة، وهم منفردون باستخراجها، وهي مخدوشة المقدمات كلها، بحيث يكذب مقدماتها الثقلان: الكتاب والعترة. فنحن نذكر في هذه الرسالة بعضها من القسمين الأولين، ونبين القسم الأخير بالاستيعاب والاستيفتاء، وننبه فيها على منشأ الغلط وموقعه لتعلم حقيقة دلائلهم.

ولا يخفى أن مقدمات تلك الدلائل ومبادئها لا بد أن تكون مسلمة الثبوت عند أهل السنة، إذ الغرض من إقامتها إلزامهم، فعلى هذا إما أن تكون تلك الدلائل من آيات الكتاب والأحاديث المتفق عليها أو الدلائل العقلية المأخوذة من المقدمات المسلمة عند الفريقين، أو من مطاعن الخلفاء الثلاثة التي يوردونها.

وأما المطاعن فسيأتي الكلام عليها في باب مفرد.

أما الأيات فمنها قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون } تقرير استدلالهم بهذه الأية ما يقولون من أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير [110] إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع [111] وكلمة ( إنما ) مفيدة للحصر، ولفظ ( الولي ) بمعنى المتصرف في الأمور. وظاهر أن المراد ههنا التصرف العام في جميع المسلمين المساوي للإمام بقرينة ضم ولايته إلى ولاية الله ورسوله فثبتت امامته وانتفت إمامة غيره للحصر المستفاد وهو المدعى. [112]

أجاب عنه أهل السنة بوجوه: الأول النقض بأن هذا الدليل كما يدل على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كما قرر يدل كذلك على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين بذلك التقرير بعينه، فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمة الأطهار لم يكونوا أئمة. فلو كان استدلال الشيعة هذا يصح لفسد تمسكهم بهذا الدليل، إذ لا يخفى أن حاصل هذا الاستدلال بما يفيد في مقابلة أهل السنة مبني على كلمة الحصر، والحصر كما يضر أهل السنة يكون مضرا للشيعة أيضا، لأن إمامة الأئمة المتقدمين والمتأخرين كلهم تبطل به البتة. ومذهب أهل السنة وإن بطل بذلك لكن مذهب أهل الشيعة ازداد في البطلان أكثر منه، فإن لأهل السنة نقصان الأئمة الثلاثة، وللشيعة نقصان أحد عشر إماما، ولم يبق إماما سوى الأمير. ولا يمكن أن يقال الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه، لأنا نقول: إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كما لا يخفى.

وإن أجابوا عن هذا النقص بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات – يعني في وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهما – قلنا فمذهبنا أيضا هذا أن الولاية العامة محصورة فيه وقت إمامته لا قبله وهو زمن خلافة الخلفاء الثلاثة. فإن قالوا إن الأمير لو لم يكن في عهد الخلفاء الثلاثة صاحب ولاية عامة يلزمه نقص بخلاف وقت إمامة السبطين فإنه لم يكن حيا لم تصر إمامة غيره موجبة للنقص في حقه، لأن الموت دافع لجميع الأحكام الدنيوية. قلنا: هذا استدلال آخر غير ما هو بالآية، لأن مبناه على مقدمتين: الأولى أن كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر ولو في وقت من الأوقات نقص له، الثانية أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص بأى وجه وأي وقت كان. وهاتان المقدمتان أنى تفهمان من الآية؟ وتسمى هذه الصنعة في عرف المناظرة فرارا، بأن ينتقل من دليل إلى دليل آخر من غير انفصال المناقشة في مقدمات الدليل الأول فرارا أو إثباتا. سلمنا وأغمضنا عن هذا الفرار أيضا، ولكن نقول: إن هذا الاستدلال أيضا منقوض بالسبطين، فإنهما في زمن ولاية الأمير لم يكونا مستقلين بالولاية بل كانا في ولاية الآخر وأيضا منقوض بالأمير فإنه في عهد النبي ﷺ كان كذلك، فلا نقض لصاحب الولاية العامة بكونه في بعض الأوقات في ولاية الآخر، ولو كان نقصا بالغرض للحق صاحب الولاية العامة أيضا فبطل الاستدلال الذي فروا إليه بجميع المقدمات.

الجواب الثاني ذكره الشيخ إبراهيم الكردي [113] وغيره من أهل السنة أن ولاية الذين آمنوا غير مرادة في زمان الخطاب البتة بالإجماع، لأن زمن الخطاب عهد النبي ﷺ والإمامة نيابة للنبوة بعد موت النبي، فلما لم يكن زمن الخطاب مرادا لا بد أن يكون ما أريد به زمانا متأخرا عن موت النبي ﷺ، ولا حد للتأخير سواء كان أربع سنين أو بعد أربع وعشرين، فقام هذا الدليل في غير محل النزاع ولم يحصل منه مدعى الشيعة وهو كون إمامة الأمير بلا فصل. وهذا بالنظر الإجمالي، وإن نظرنا في مقدمات هذا الدليل بالتفصيل منعنا أولا إجماع المفسرين على نزولها فيما قالوا، بل اختلف علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية فروى أبو بكر النقاش [114] صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر عليه السلام أنها نزلت في المهاجرين والأنصار. وقال قائل نحن سمعنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال الإمام: هو منهم. [115] يعني أن أمير المؤمنين داخل أيضا في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم. وهذه الرواية أوفق بلفظ « الذين » وصيغ الجمع في صلات الموصول وهي: { يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }. وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر، ويؤيد هذا القول الآية السابقة الواردة في قتال المرتدين. وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم في حالة الركوع فإنما هو الثعلبي فقط وهو متفرد به [116] ولا يعد المحدثون أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة، ولقبوه بحاطب ليل، فإنه لا يميز بين الرطب واليابس، وأكثر رواياته في التفسير عن الكلبي [117] عن أبي صالح، [118] وهي ما يروى في التفسير عندهم. [119]

وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان [120] في حال الكلبي: إنه كان من أتباع عبدالله بن سبأ الذي كان يقول إن علي بن أبي طالب لم يمت وإنه يرجع إلى الدنيا. وينتهي بعض روايات الثعلبي إلى محمد بن مروان السدى الصغير وهو كان رافضيا غاليا يعلمونه من سلسلة الكذب والوضع. وأورد صاحب ( لباب التفسير ) أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هودا على رغم عبدالله بن أبي وخلافه [121] فإنه لم يتبرأ منهم ولم يترك حمايتهم وطلب الخير لهم. وهذا القول أنسب بسياق الآية فإن سياقها { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء } لأن هذه الأية بعد تلك الآية. وقال جماعة من المفسرين إنها نزلت في حق عبدالله بن سلام. [122]

ونقول ثانيا: إن لفظ « الولي » [123] تشترك فيه المعاني الكثيرة: المحب، والناصر، والصديق، والمتصرف في الأمر. ولا يمكن أن يراد من اللفظ المشترك معنى معين إلا بقرينة خارجة، والقرينة ههنا من السباق يعني ما سبق هذه الآية [124] فهو مؤيد لمعنى الناصر، لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والقرينة من السياق – يعني ما بعد هذه الآية – معينة لمعنى المحب والصديق وهو قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا } الآية المذكورة، لأن أحدا لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما، وكلمة « إنما » المفيدة للحصر تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة. وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهي قاعدة أصولية متفق عليها بين الفريقين، [125] فمفاد الآية حصر الولاية العامة لرجال معدودين داخل فيهم الأمير أيضا لأن صيغ الجمع وكلمة « الذين » من ألفاظ العموم أو مساوية لها باتفاق الإمامية كما ذكره المرتضى في ( الذريعة ) [126] وابن المطهر الحلي في ( النهاية )، فحمل الجمع على الواحد متعذر، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل ولا يصح ارتكابه بلا ضرورة.

فإن قالت الشيعة إن الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حالة الركوع لم يقع من أحد غيره [127] قلنا أين ذكرت في هذه الآية هذه القصة بحيث يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم؟ بل جملة { وهم راكعون } معطوفة على الجمل السابقة، وصلة للموصول، أي الذين هم راكعون، أو حال من ضمير يقيمون الصلاة. [128] وأيا ما كان معنى الركوع فهو الخشوع لا الركوع الاصطلاحي. فإن قالت الشيعة حمل الركوع على الخشوع حمل لفظ على غير المعنى الشرعي في كلام الشارع وهو خلاف الأصل، قلنا: لا نسلم، كيف والركوع بمعنى الخشوع مستعمل في القرآن أيضا كقوله تعالى { واركعي مع الراكعين } مع أن الركوع الاصطلاحي لم يكن بالإجماع في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع، وقوله تعالى { وخر راكعا } وظاهر أن الركوع المصطلح ليس فيه خرور وسقوط بل هو انحناء مجرد ولا يمكن الخرور مع تلك الحالة بخلاف الخشوع. [129] وقوله تعالى { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون }، ولا يخفى أن المقصود من الآمر ليس مجرد الانحناء الذي هو ركوع اصطلاحي. ولما كان الخشوع معنى مجازيا متعارفا لهذا اللفظ جاز حمله عليه بلا ضرورة أيضا كما هو مقرر في محله. [130] وأيضا نقول حمل { يؤتون الزكاة } علي تصدق بالخاتم على السائل كحمل لفظ الركوع على غير معناه الشرعي، فما هو جوابكم فيه فهو جوابنا في الركوع، بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا ومرجح لتوجيهنا حتى لا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعد إقامة الصلاة مضر لكم إذ في عرف القرآن حيثما وقعت الزكاة مقرونة بالصلاة يكون المراد منها زكاة مفروضة لا التصدق مطلقا. [131] ولو حملنا الركوع على معناه الحقيقي لكان مع ذلك حالا من ضمير « يقيمون » الصلاة أيضا وعاما لجميع المؤمنين لأنه احتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع، [132] وفي هذا التوجيه غاية اللصوق بالنهي عن موالاة اليهود الوارد بعد هذه الآية. وأيضا لو كان حالا من { يؤتون الزكاة } لما بقي صفة مدح، بل يوجب في مفهوم { يقيمون الصلاة } قصورا بينا، إذ المدح والفضيلة في صلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، لأن مبناه على السكون والوقار سواء كانت تلك الحركات قليلة أو كثيرة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تورث قصورا في معنى إقامة الصلاة البتة، ولا يجوز حمل كلام الله تعالى على التناقض والتخالف، ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في صحة الإمامة، فيتعلق حكم الإمامة بهذا القيد يلزم منه اللغو في كلام الباري تعالى كما يقال مثلا إنما يليق بالسلطنة من بينكم من له ثوب أحمر. ولو تنزلنا عن هذه كلها لقلنا: إن هذه الآية إن كانت دليلا لحصر الإمامة في الأمير تعارضها الآيات الأخر في ذلك، فيجب الاعتداد بها، كما يجب على الشيعة أيضا اعتبار تلك المعارضات في إثبات الأئمة الأطهار الآخرين، والدليل إنما يتمسك به غذ سلم عن المعارض، وتلك الآيات المعارضات هي الآيات الناصة على خلافة الخلفاء الثلاثة المحررة فيما سبق. ومن العجائب أن صاحب ( إظهار الحق ) قد أبلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح هذا الاستدلال بزعمه، وليست كلماته في هذا المقام إلا قشورا بلا لب بالمرة، فمن جملة ما قال: إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة، فالأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة أيضا بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد موضوعه متحدا ومحموله متحدا أو متعددا ومتعاطفا فيما بينهما، لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات واجبة أيضا، وتكون مودتهم ثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين المذكورين كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم يكون متعذرا لكل واحد من المكلفين فضلا عن مودتهم، وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة. فالمراد به يكون المرتضى، انتهى كلامه.

وهو كما ترى يدل على مقدار فهم مدعيه، إذ مع تسليم مقدماته أين اللزوم بين الدليل والمدعى؟ وأي استلزام له بالمطلوب؟ لأن الحاصل على تقدير تعذر مودة الكل ثبوت مودة البعض مطلقا لا معينا، فكيف يتعين أن يكون الأمير مرادا بذلك البعض؟ لأن هذا التعيين وهو المتنازع فيه لم يثبت بعد بدليل، ولا يثبت بهذه المقدمات المذكورة بالضرورة، وثبوت ذلك لا يستلزم ثبوت المتعين، فاستنتاج المتعين بدليل منتج للمطلق لا يكون إلا جهلا وحماقة ظاهرة. نعم يريدون بهذه الترهات ترويج دعاويهم عند الجهلة السفهاء، ولنناقش تلك المقدمات فنقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة جميع المؤمنين من جهة الإيمان عامة بلا قيد ولا جهة، وإنها في الحقيقة موالاة لإيمانهم دون ذواتهم، ولو أنه يباح أو يجب عداوة بعض لبعض بسبب من الأسباب لم يكن للموالاة الإيمانية مضرة أصلا لاختلاف الجهة. ونحن نحكّم الشيعة في هذه المسألة: إن أهل مذهبهم يتحابون فيما بينهم بجهة التشيع، وتلك المحبة عامة بدون قيد وجهة، ومع هذا قد يتباغضون ويعادي بعضهم بعضا للمعاملات الدنيوية، فهل تبقى موالاة التشيع بحالها أو لا؟ ولو فهموا من هذه الآية كون هذا المعنى محذورا ومحالا لأمكن لهم أن يغمضوا أعينهم عن القرآن كله، وما يقولون في هذه الآية { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله } وأمثالها؟ ولو كانت الموالاة الإيمانية لجميع المؤمنين العامة للمطيع والعاصي ثالثة لمحبة الله ولرسوله فأية استحالة عقلية تلزمها؟ نعم إنما المحذور كون أنواع الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة في الاصالة، وليس الأمر كذلك، إذ محبة الله تعالى هي أصل، ومحبة رسوله بالتبع والمحبة العامة للمؤمنين بتبع التبع، لم يبق بينها مساواة أصلا، واتحاد القضية في الموضوع والمحمول ههنا ليس متحققا، أما عدم الاتحاد في المحمول فظاهر، وأما في الموضوع فلأن ما يصدق عليه وصفه بالأصالة غير ما يصدق عليه وصفه بالتبعية بناء على أن الولاية من الأمور العامة، كما بين آنفا، بل غرضه منه ترهيب عوام أهل السنة بمحض التكلم باصطلاح أهل الميزان [133] لئلا يقدحوا في كلامه وليتحترزوا عن القدح بظن أنه منطقي، ولهذا قال هو متنبها على قبحه « أو متعددا ومتعاطفا » ولكن لم يفهم من هذا القدر أن هذه المقدمة القائلة بوجوب المولاة في صورة التعدد والعطف تكون ممنوعة، لأن العطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهة الحكم. مثاله من العقليات: إنما الموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض. ومن الشرعيات قوله تعالى { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } مع أن الدعوى على الرسول واجبة وعلى غيره مندوبة ولهذا قال الأصوليون: القرآن في النظم لا يوجب القرآن في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال في المسالك المردودة.

وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب المحبة ليس محذورا وإنما المحذور الاتحاد في الرتبة والدرجة في الأصالة والتبعية وهو غير لازم. وأيضا قد جعل محبة المؤمنين من حيث الإيمان موقوفة على معرفة كل فرد منهم بخصوصه وليست كل كثرة تمنع أن تلاحظ بعنوان الوحدة ولو كانت غير متناهية فضلا عن غيرها. مثلا إذا قلنا: كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه إما فرد وإما زوج ففي هذا الحكم وقع التوجه إلى جميع مراتب الأعداد إجمالا ولا شبهة أن مراتبها غير متناهية. وفي قولنا: كل حيوان حساس وقع الحكم على جميع أفراد الحيوان مع أن أنواعه بأسرها غير معلومة لنا فضلا عن الأوصاف والأشخاص. فلا شعور لهذا القائل بالملاحظة الإجمالية التي تكون حاصلة للصبيان والعوام ولا يفرق بين العنوان والمعنون. ولو لم يقبل هذه التقريرات ولم يضع إليها لكونها من العلم المعقول فنسأل عن المسلمات الدينية ونقول: إن ترك الموالاة من الكفار بل عداوتهم كلهم أجمعين من حيث الكفر واجبة أم لا؟ فإن اختار الشق الأول يلزمه ذلك المحذور بعينه إذ معرفة كل منهم غير حاصلة فضلا عن عداوتهم وإن آثر الشق الثاني فكيف يثبت عداوة يزيد وابن زياد وأمثالهما؟ وبماذا يجيب عن الآيات القرآنية مع أن فرقة المؤمنين يكون معرفتهم وامتيازهم من جهة الإيمان حاصلة وأنواع الكفر ليست معلومة أصلا حتى يمكن لنا أن نميز أنواع الكفار فضلا عن أشخاصهم؟ وأيضا منقوض بوجوب موالاة العلوية الداخلة في اعتقادهم ومعرفة أشخاصهم وأعدادهم مع انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها التي ليس تعذرها أقل من تعذر موالاة المؤمنين عموما.

ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من الرسول ﷺ الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال: « قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأ كم عبد الله فاقرأوه » [134] رواه الترمذي. وهكذا استفسروا منه عليه السلام عن الحري بالإمامة عن علي قال: « قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم » [135] رواه أحمد، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضرته ﷺ عند نزول الآية فلم يبطل مدلول « إنما » انتهى كلامه.

ولا يخفى على العاقل ما فيه من الضعف والخروج عن الجادة إذ محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد. نعم لو وقع النزاع فيما بينهم بعد المشاورة في تعيين ولي الأمر وبيانه ﷺ لهم لتحقق مدلول « إنما » بأن ما وفرق ما بينهما. وعلى تقدير تسليم التردد من أين لنا العلم بكونه قبل نزول الآية أو بعده، ولو كان قبل النزول فهل هو متصل أو منفصل؟ ولو كان متصلا فهل اتصاله اتفاقي أو سببي للنزول؟ وليس للاحتمالات دخل في أسباب النزول لأنه ليس بأمر عقلي فلا يمكن إثباته إلا بخبر صحيح. على أنه لم يذكر أحد من مفسري الفريقين كون التردد سببا للنزول فقد علم أنه لم يكن متصلا وهكذا الحال لو كان بعد نزول الآية. والظاهر أن الحديث الوارد ينافي كلمة « إنما » لأن جوابه ﷺ حين الاستفسار عمن يليق للخلافة فكأنه قال إن استحقاق الخلافة ثابت لكل من هؤلاء الثلاثة البررة الكرام ولكن أشار ﷺ إلى تقديم الشيخين بتقديمهما في الذكر فالسؤال والجواب منه ﷺ ينافيان كون « إنما » في الآية مفيدة حصر الخلافة في المرتضى كرم الله تعالى وجهه. وإلا فإن كانت الآية متقدمة يلزم الرسول للقرآن وإن كانت مؤخرة كون القرآن مكذوبا للرسول ﷺ ولا يمكن أن يدعى ههنا أن أحدهما ناسخ للآخر لأن كلا من الحديث والآية من باب الإخبار الذي لا يحتمل النسخ. وأيضا لا يعلم المتقدم منهما والعلم بتأخر الناسخ شرط في النسخ. فحينئذ إذا لم يمكن الجمع بينهما لا يعمل بهما معا. فإن قالوا إن الحديث من أخبار الآحاد فلا يصح التمسك به في مسألة الإمامة نقول وكذلك لا يجوز التمسك به في إثبات التردد والنزاع أيضا ومع هذا فإن التمسك بالآية موقوف على ثبوت التردد والنزاع فتمسك الشيعة بهذه الآية كان باطلا أيضا لأن التمسك بالآية التي تتوقف دلالتها على خبر الواحد لا يجوز في مسألة الإمامة أيضا. وأيضا قال ﷺ في الحديث الأول إن الاستخلاف ترك الأصلح في حق الأمة فلو كانت آية { إنما وليكم الله } دالة على الاستخلاف الذي هو ترك الأصلح لزم صدور ترك الأصلح من الله تعالى وهو محال. فالحديث الأول أيضا لتمسكهم بهذه الآية في هذا الباب.

ومنها [136] قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذه الآية: إن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما. [137]

ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها:

أما الأولى: - فكون ( إجماع المفسرين ) على ذلك ممنوعا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في نساء النبي ﷺ. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: إن قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب } الآية نزلت في نساء النبي ﷺ. [138] والظاهر من ملاحظة سياق الآية وسباقها إنما هو هذا لأن أولها { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } إلى قوله { والحكمة } [139] خطاب للأزواج المطهرات وأمر ونهي لهن، فذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى فينبغي أن يعتقد تنزهه عن تلك المخالفة. وإضافة البيوت إلى الأزواج في قوله { بيوتكن } تدل على أن المراد من { أهل البيت } في هذه الآية إنما هو الأزواج المطهرات، إذ بيته ﷺ لا يمكن أن يكون غير ما يسكن فيه أزواجه من البيوت. وقال عبد الله المشهدي الشيعي: إن كون البيوت جمعا في بيوتكن وإفراد أهل البيت يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي ﷺ ولو كن أهل البيت لوقع الكلام: اذكرن ما يتلى في بيتكن. انتهى كلامه. ولا يخفى ركاكة هذا الكلام وفساده لأن إفراد البيت في أهل البيت الذي هو اسم جنس ويجوز إطلاقه على كثير وقليل إنما هو باعتبار إضافته للنبي ﷺ فإن بيوت الأزواج المطهرات كلهن باعتبار هذه الإضافة بيت واحد وكون البيوت جمعا في { بيوتكن } باعتبار إضافتها إلى الأزواج المطهرات اللائي كن متعددات. وما قال هذا القائل بعد ذلك لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى { قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل } ثم قال بعد تمام هذه الآية { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } قال المفسرون { وأقيموا الصلاة } عطف على { أطيعوا } انتهى كلامه. فهو أرك وأسخف من كلامه السابق فإن وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي من حيث الإعراب الذي يتعلق بوظيفة النحاة يجوز بلا شبهة ولكن لا يضرنا لأن المغايرة ووقوع الأجنبي باعتبار موارد الآيات اللاحقة والسابقة تلزم فيما نحن فيه وهذا هو المنافي للبلاغة لا ذلك وما نقل عن بعض المفسرين من أن أقيموا الصلاة معطوف على أطيعوا الرسول فهو صريح الفساد إذ وقع لفظ وأطيعوا الرسول بعد أقيموا الصلاة أيضا بالعطف فلزم عطف الشيء على نفسه، إذ لا احتمال للتأكيد أصلا لوجود حرف العطف. ثم قال كلاما أشد ركاكة من الأول وذلك قوله « إن بين الآيات مغايرة إنشائية وخبرية، لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها من الأمر والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجئ فإنه ممنوع » ألا ترى أن آية التطهير ليست جملة ندائية بل النداء وقع بينهما وهو قوله سبحانه { أهل البيت } وعلى تقدير كونها ندائية كيف تكون خبرية لأن النداء من أقسام الإنشاء دون الخبر كما لا يخفى، ومع هذا أين حرف العطف في آية التطهير؟ كيف وهي تعليل للأمر بالإطاعة في قوله تعالى { وأطعن الله ورسوله } ووقوع تعليل الإنشائية بالخبرية في كل القرآن والأحاديث الشريفة وكلام البلغاء مشهور، مثل: اضرب زيدا إنه فاسق، أطعني يا غلام إنما أريد أكرمك. وإن أراد عطف { واذكرن } فما عطف عليه وهو { أطعن } و { قرن }. والأوامر الأخر السابقة كلها جمل إنشائية فلا يلزم عطف الخبر على الإنشائية. ومن هنا قلة ممارسة علمائهم لعلم العربية. وأما إيراد ضمير جمع المذكر في { عنكم } فبملاحظة لفظ الأهل، فإن العرب تستعمل صيغ التذكير في المؤنث التي يلاحظونها بلفظ التذكير إذا أرادوا التعبير عنها بتلك الملاحظة وهذه قاعدة لهم في محاوراتهم وقد جاء هذا الاستعمال في التنزيل أيضا كقوله تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام: { أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } وقوله { قال لأهله امكثوا } حكاية لخطاب موسى ﷺ لامرأته. وما روي في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن النبي ﷺ دعا هؤلاء الأربعة وأدخلهم في عباءة ودعا لهم بقوله « اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا » وقالت أم سلمة: أشركني فيهم أيضا، قال « أنت على خير وأنت على مكانك ». [140] فهو دليل صريح على أن نزولها كان في حق الأزواج فقط وقد أدخل النبي ﷺ هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم بدعائه المبارك في تلك الكرامة ولو كان نزولها في حقهم لما كانت الحاجة إلى الدعاء، ولم كان رسول الله ﷺ يفعل تحصيل الحاصل؟ ومن ثمة يجعل أم سلمة شريكة في هذا الدعاء وعلم في حقها هذا الدعاء تحصيل الحاصل؟ ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات فإنه بحكم « العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب » [141] داخل في بشارتها هذه جميع أهل البيت وكان دعاؤه ﷺ في حق هؤلاء الأربعة نظرا إلى خصوص السبب، [142] ويؤيده ما ورد في الرواية الصحيحة للإمام البيهقي من مثل هذه المعاملة بالعباس وأبنائه أيضا، ويفهم منه أنما كان غرضه ﷺ بذلك أن يدخل جميع أقاربه في لفظة « أهل البيت » الواردة في خطاب الله تعالى: أخرج البيهقي عن أبي أسيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب « يا أبا الفضل لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيك فإن لي بكم حاجة » فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال: السلام عليكم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: بخير نحمد الله. فقال لهم: تقاربوا. فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم بملاءة ثم قال « يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي استرهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه » قال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت وقالت: آمين آمين آمين. [143] وروى ابن ماجه أيضا هذا الحديث مختصرا. [144] والمحدثون الآخرون أيضا رووا هذه القصة بطرق متعددة في اعلام النبوة. وما قال عبدالله المشهدي المذكور « إن البيت بيت النبوة، ولا شك في أن أهل البيت لغة شامل الأزواج بل للخدام من الإماء اللاتي يسكن في البيت أيضا، وليس المراد هذا المعنى اللغوي الوسعة بالاتفاق، فالمراد من أهل البيت خمسة آل العبا الذين خصصهم حديث الكساء » انتهى كلامه. وفيه أن المعنى اللغوي لو كان مرادا بهذه الوسعة لا يلزم محذورا إلا ذلك العموم في العصمة الثابتة عند الشيعة بهذه الآية، ولما لم يتفق أهل السنة مع الشيعة في فهم العصمة من هذه الآية لم يتفقوا معهم في نفي هذا العموم، ولتخصيص أهل السنة العصمة بالرسول أبدلت الخمسة بالأربعة فتدبر. وأيضا عدم كون المعنى اللغوي مرادا بهذه الوسعة من أجل أن القرائن الدالة من الآيات السابقة واللاحقة معينة للمراد، وأيضا يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال، ولم يكن التحول والتبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك في الهبة والبيع والإجازة والإعتاق، وإنما يدل التخصيص فائدة أخرى ظاهرة وهي ههنا دفع مظنة عدم كون هؤلاء الأشخاص في أهل البيت نظرا إلى أن المخاطبات فيها هن الأزواج فقط. وأما الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على عدة أبحاث: أحدها كون كلمة { ليذهب عنكم الرجس } أي محل لها من الأعراب: مفعول له ليريد أو مفعول به؟ [145] الثاني معنى « أهل البيت » ما هو؟ [146] الثالث أي مراد من « الرجس » [147]. وفي هذه المباحث كلام كثير محله في كتب التفاسير.

وبعد اللتيا [148] والتي إن كان ليذهب مفعول به وأهل البيت منحصرين في هؤلاء الأربعة والمراد من الرجس مطلق الذنوب فدلالة الآية على العصمة غير مسلمة بل هي تدل على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر إني أريد أن أطهره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل. وغاية ما في الباب أنهم محفوظون من الذنوب بعد تعليق الإرادة بإذهابها، قد ثبت ذلك بالآية على أصول أهل السنة لا على أصول مذهب الشيعة، لأن وقوع مراد الله لزم إرادته تعالى عندهم: فرب أشياء يريد الله وقوعها ويمنعه الشيطان من أن يوقع ذلك! ولو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت، الآية. وأيضا لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } وقال { ليطهركم به وليذهب عنكم رجس الشيطان } وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا الاتمام أدل على عصمتهم، لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا صادقا لتظهر فيه حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم، فالتخصيصات المحتملة في لفظ التطهير وإذهاب الرجس صارت هباءً منثورا.

أما الثانية فلأن « غير المعصوم لا يكون إماما » مقدمة باطلة يكذبها الكتاب وأقوال العترة. سلمنا، ولكن ثبت من هذا الدليل صحة إمامة الأمير، أما كونه إماما بلا فصل [149] فمن أين؟ إذ يجوز أن أحدا من السبطين يكون إماما قبله ولا محذور فيه، والتمسك بالقاعدة التي لم يقل بها أحد دليل العجز، إذ المعترض لا مذهب له.

ومنها [150] قوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } فإنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مؤدتهم؟ قال: علي وفاطمة وأبناؤها. [151] فذكر الشيعة في تقديرها مقدمات فاسدة مؤيدة لمطلبهم وهي « أهل البيت واجبة المحبة، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة، فعلي واجب الإطاعة وهو معنى الإمام. وغير علي لا تجب فلا تجب إطاعته ». [152]

وأجيب عن هذا القياس الفاسد بأن المفسرين اختلفوا في المراد من هذه الآية اختلافا فاحشا، فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا، ولكن ردهما المحدثون بأن سورة الشورى بتمامها مكية، [153] ولم يكن هنالك الإمامان الحسن والحسين، وما كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها متزوجة بعلي رضي الله تعالى عنه. وقد وقع في سند هذه الرواية بعض الغلاة من الشيعة ولعله حرف ذلك. والذي رواه البخاري عن ابن عباس أن القربى من بينه وبين النبي ﷺ قرابة، وجزم قتادة [154] والسدي الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية: لا أسألكم على الدعوة والتبليغ من أجر إلا المودة لأجل قرابتي بكم. [155] وهذه الرواية أيضا في صحيح البخاري عن ابن عباس، [156] ومذكورة بالتفصيل أن قريشا لم يكن بطن من بطونهم إلا وقد كان للنبي ﷺ قرابة بهم، فيذكرهم تلك القرابة وأداء حقوقها بطلبه منهم لا أقل من ترك إيذائه وهو أدنى مراتب صلة الرحم، فالاستثناء منقطع. وقد ارتضى جمع من المفسرين المتأخرين كالإمام الرازي وغيره بهذا المعنى. [157] لأن المعنى الأول ليس مناسبا لشأن النبوة بل هو من شيمة طالب الدنيا بأن يفعل شيئا ويسأل على ذلك ثمرة لأولاده وأقاربه، ولو كان للأنبياء مثل هذه الأغراض لم يبق فرق بينهم وبين أهل الدنيا ويكون ذلك موجبا لتهمتهم فيلزم نقص الغرض من بعثتهم.

وأيضا المعنى الأول مناف لقوله تعالى { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله } وقوله تعالى { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } وقوله تعالى { وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين } وغير ذلك من الآيات. [158] وأيضا حكى الله في سورة الشعراء عن أنبيائه المذكورين فيها نفي سؤال الأجر، فلو سأل خاتم الأنبياء أجرا من الأمة تكون مرتبته دون مرتبة أولئك الأنبياء، [159] وهو خلاف الإجماع.

وثانيا لا نسلم الكبرى وهي « كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة » وكذا لا نسلم هذه المقدمة « كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة التي هي بمعنى الرئاسة العامة ». فأما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزما لوجوب الإطاعة يلزم أن يكون جميع العلويين واجبي الإطاعة، لأن شيخهم ابن بابويه ذكر في كتاب ( الاعتقادات ) أن الإمامية « أجمعوا » على وجوب محبة العلوية. وأيضا يلزم أن تكون سيدتنا فاطمة رضي الله عنها إمامة بهذا الدليل، وهو خلاف الإجماع. وأيضا يلزم كون من هؤلاء الأربعة إماما في عهد النبي ﷺ، والسبطين إمامين في زمن خلافة الأمير، وهو باطل بالاتفاق. وأما الثاني فلأن كل واجب الإطاعة لو كان صاحب الخلافة الكبرى يلزم أن يكون كل نبي في زمنه صاحب الخلافة الكبرى، وهذا أيضا باطل، لأن شموئيل عليه السلام كان نبيا واجب الإطاعة وكان طالوت صاحب الزعامة الكبرى بنص الكتاب.

وثالثا لا نسلم انحصار وجوب المحبة في الأشخاص الأربعة المذكورين، بل يجب في غيرهم أيضا. روى الحافظ أبو طاهر السلفي [160] في مشيخته عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ « حب أبي بكر وشكره على كل أمتي ». وروى ابن عساكر عنه نحوه. [161] ومن طريق آخر عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. [162] وأخرج الحافظ عن عمر بن محمد بن خضر الملا في سيرته عن النبي ﷺ قال: « إن الله تعالى فرض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما فرض عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج » [163] وروى ابن عدي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال « حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر » [164] وروى الترمذي أنه أتي بجنازة رجل إلى رسول الله ﷺ فلم يصل عليه وقال « إنه كان يبغض عثمان، فأبغضه الله ». [165] وهذه الروايات لم يسلمها الشيعة لكونها في كتب أهل السنة فيثبت وجوب محبة الخلفاء الثلاثة بقوله تعالى { يحبهم ويحبونه } فإنه نزل في حق المقاتلين لأهل الردة بالإجماع، والخلفاء الثلاثة كانوا سادة أولئك المجاهدين وقادتهم، ومن كان الله يحبه فهو واجب المحبة. على أن قياسهم بعد تسليم صحة مقدماته لا يستلزم النتيجة المذكورة جزما، لأن صغراه « أهل البيت واجبو المحبة » وكبراه « وكل واجب المحبة واجب الإطاعة » وبعد ترتيبها على الشكل الأول حصلت النتيجة هذه « أهل البيت واجبو الإطاعة » لا تلك النتيجة. وهذه النتيجة عامة، وثبوت العام لا يستلزم ثبوت الخاص بخصوصه، والنتيجة العامة المذكورة ليست مطلوبة للمستدل ولا مدعاة بل محتملة له، والمطلوبة غير حاصلة من الدليل فالتقريب غير تام. ولو فرضنا الاستلزام لا يحصل مدعاه أيضا لأن كون الأمير إماما بلا فصل غير حاصل من الدليل، والحاصل كونه إماما مطلقا وهو غير مدعاه فلا يتم تقريبه أيضا.

ومنها آية المباهلة، وطريق تمسكهم بها أن قوله تعالى { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم } الخ، لما نزل خرج النبي ﷺ من منزله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا. [166] فقد علم بذلك أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين وبأنفسنا الأمير، وإذا صار الأمير نفس الرسول. وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل، فالمراد كونه مساويا له، فمن كان مساويا لنبي الزمان فهو أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة من غيره، لأن المساوي للأفضل الأولى بالتصرف يكون مثله، فيكون إماما، إذ لا معنى للإمام إلا الأفضل الأولى بالتصرف. [167]

وفي هذا التمسك خلل بوجوه: الأول – أنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير، بل المراد نفسه ﷺ، وما قاله علماؤهم في إبطاله « إن الشخص لا يدعو نفسه » فكلام مستهجن، إذ شاع وذاع في العرف القديم والجديد أن يقال دعته نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، { فطوعت له نفسه قتل أخيه }، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي، إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء، فكان معنى { ندع أنفسنا } نحضر أنفسنا. وأيضا لو قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق { أنفسنا } فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق { أنفسكم } في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة « ندعو » ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله { تعالوا }. فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكما، كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة، ولأن العرف يعد الختن [ ابنا ] [168] من غير ريبة في ذلك. [169]

وأيضا قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في النسب والدين، كقوله تعالى { يخرجون أنفسهم من ديارهم } أي أهل دينهم، { ولا تلمزوا أنفسكم }، { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } فلما كان للأمير اتصال بالنبي ﷺ وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة بحيث قال في حقه « علي مني وأنا من علي » وهذا غير بعيد، فلا يلزم المساواة كما لا يلزم في الآيات المذكورة.

الثاني – أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم اشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به، وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع. وأيضا لو كانت الآية دليلا لإمامته لزم كون الأمير إماما في زمنه ﷺ وهو باطل بالاتفاق، وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيدا للمدعى، إذ هو غير متنازع فيه، لأن أهل السنة يثبتون أيضا إمامة الأمير في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائما في محل النزاع أيضا.

ومنها قوله تعالى { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بها: ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال « أنا المنذر وعلي الهادى » [170] ولا يخفى ضعفه لأن هذه رواية الثعلبي، ولا اعتبار لمراوياته في التفسير [171] فكيف يستدل بها على الإمامة؟ وعلى تقدير الصحة فلا دلالة لهذه الآية على إمامة الأمير ونفيها عن غيره أصلا، لأن كون رجل « هاديا » لا يستلزم أن يكون « إماما » ولا نفي الهداية عن الغير، وإن دل بمجرد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة لأهل السنة وهي بمعنى القدوة في الدين مرادة، وهو غير محل النزاع، قال الله تعالى { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } [172] وقال { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } إلى غير ذلك.

ومنها قوله تعالى { وقفوهم إنهم مسئولون } قالت الشيعة [173] في الاستدلال بها: روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أنه قال: وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية علي بن أبي طالب. [174] ولا يخفى أن نحو هذا التمسك في الحقيقة بالروايات لا بالآيات، وهذه الرواية واقعة في فردوس الديلمي [175] الجامع للأحاديث الضعيفة الواهية، ومع هذا قد وقع سندها الضعفاء والمجاهيل الكثيرون بحيث سقطت عن قابلية الاحتجاج بها، لا سيما في هذه المطالب الأصولية. ومع هذا فإن نظم الكتاب مكذب لها، لإن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل { وما كانوا يعبدون من دون الله } والكفار والمشركون يكون السؤال لهم أولا عن الشرك وعبادة غير الله تعالى لا عن ولاية علي! وأيضا نظم الكتاب يدل على أن السؤال يكون لهم بمضمون هذه الجملة الاستفهامية { ما لكم لا تناصرون } توبيخا وزجرا لا عن شيء آخر. ولهذا أجمع القراء على ترك الوقف على { مسئولون }. ولئن سلمنا صحة الرواية وفك النظم القرآني يكون المراد بالولاية المحبة، وهي لا تدل على الزعامة الكبرى التي هي محل النزاع. ولو كانت الزعامة الكبرى مرادة أيضا لم تكن هذه الرواية مفيدة للمدعى، لأن مفاد الآية وجوب اعتقاد إمامة الأمير في وقت من الأوقات وهو عين مذهب أهل السنة، وقد أورد الواحدي في تفسيره هذه الرواية وفيها المتن هكذا عن ولاية علي وأهل البيت، وظاهر أن جميع أهل البيت لم يكونوا أئمة عند الشيعة،، فتعين حمل الولاية على المحبة إذ الولاية لفظ مشترك ويتعين أحد المعنيين أو المعاني للمشترك بالقرائن الخارجية، وبالجملة إن السؤال عن محبة الأمير وإمامته قائل به أهل السنة ولا نزاع فيه بين الفريقين، وإنما النزاع في أن الأمير كان إماما بلا فصل ولم يكن أحد من الصحابة مستحقا للإمامة، ولا مساس لهذه الآية بهذا المطلب، فالتقريب غير تام.

ومنها { السابقون السابقون أولئك المقربون } قالت الشيعة: روى عن ابن عباس مرفوعا أنه قال: السابقون ثلاثة، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. [176] ولا يخفى أن هذا أيضا تمسك بالرواية، ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع، قال العقيلي: وهو شيعي متروك الحديث، [177] ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعا إذ فيه من إمارات الوضع أن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله كما يدل عليه نص الكتاب، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع كما هو المقرر عند المحدثين. [178] وأيضا انحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول فإن لكل نبي سابقا بالإيمان به لا محالة. وبعد اللتيا والتى أية ضرورة أن يكون كل سابق صاحب الزعامة الكبرى وكل مقرب إماما؟ وأيضا لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للأية صراحة، لأن الله تعالى قال في حق السابقين { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } والثلة هو الجمع الكثير [179] ولا يمكن أن يطلق على الاثنين جمع ولا على الواحد قليل أيضا، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفى أو إضافى شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل أن الآية الأخرى { السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } والقرآن يفسر بعضه بعضا. وأيضا ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن أول من آمن حقيقة خديجة رضي الله تعالى عنه، [180] فلو كان مجرد السبق بالإيمان موجبا لصحة الإمامة لزم أن تكون سيدتنا المذكورة حرية بالإمامة، وهو باطل بالإجماع. وإن قيل إن المانع كان متحققا في خديجة وهو الأنوثة قلنا كذلك في الأمير فقد كان المانع متحققا قبل وصول وقت إمامته، ولما ارتفع المانع صار إماما بالفعل، وذلك المانع هو إما وجود الخلفاء الثلاثة الذين كانوا أصلح في حق الرياسة بالنسبة إلى جنابه عند جمهور أهل السنة، أو إبقاؤه بعد الخلفاء الثلاثة وموتهم قبله عند التفضيلية فإنهم قالوا: لو كان إماما عند وفاة النبي ﷺ لم ينل أحد من الخلفاء الإمامة وماتوا في عهده وقد سبق في علم الله تعالى أن الخلفاء أربعة فلزم الترتيب على الموت. وبالجملة تمسكات الشيعة بالآيات من هذا القبيل.

(الأدلة الحديثية)

وأما الأحاديث التي تمسك بها الشيعة على هذا المدعى فهي اثنا عشر حديثا:

الأول: حديث غدير خم المذكور عندهم بشأن عظيم ويحسبونه نصا قطعيا في هذا المدعى، حاصله أن بريدة بن الحصيب الأسلمي روى أنه ﷺ لما نزل بغديرخم حين المراجعة عن حجة الوداع – وهو موضوع بين مكة والمدينة – أخذ بيد علي وخاطب جماعة المسلمين الحاضرين فقال: يا معشر المسلمين ألست أولى من انفسكم؟ قالوا بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. [181] قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذا الحديث: إن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وكونه أولى بالتصرف عين الإمامة. [182]

ولا يخفى أن أول الغلط في الاستدلال هو إنكار أهل العربية قاطبة ثبوت ورود المولى بمعنى الأولى. بل قالوا لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل في موضع ومادة أصلا فضلا عن هذه المادة بالخصوص، إلا أن أبا زيد اللغوي جوز هذا متمسكا فيه بقول أبي عبيدة [183] في تفسير { هي مولاكم } أولى بكم. [184] لكن جمهور أهل العربية خطاؤه في هذا التجويز والتمسك قائلين بأن هذا القول لو صح لزم أن يقال مكان فلان أولى منك مولى منك، وهو باطل منكر بالإجماع. وأيضا قالوا: إن تفسير أبي عبيدة بيان الحاصل لمعنى يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم، لا أن اللفظ المولى ثمة بمعنى الأولى. [185] الثاني أن المولى لو كان بمعنى الأولى أيضا لا يلزم أن تكون صلته بالتصرف، كيف تقرر الصلة ومن أية لغة؟ إذ يحتمل أن يكون المراد: أولى بالتصرف، كما في قوله تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف في جنابه المعظم. الثالث أن القرينة البعدية تدل صراحة على أن المراد من الولاية المفهومة من لفظ « المولى » أو « الأولى » المحبة، وهي قوله « اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه »، ولو كان المراد من المولى المتصرف في الأمور أو الأولى بالتصرف فقال: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن كذلك، وذكر المحبة والعداوة دليل صريح على أن المقصود إيجاب محبته والتحذير عن عداوته، لا التصرف وعدمه. وظاهر أن النبي ﷺ علم الناس ولقنهم أدنى الواجبات بل السنن والآداب بحيث يفهم المعاني المقصودة من ألفاظها الواردة في قوله الشريف كل من كان حاضرا أو غائبا بعد معرفته بلغة العرب من غير تكلف، وهذا في الحقيقة هو كمال البلاغة، وهو المقتضى لمنصب الإرشاد والهداية أيضا. ولو اكتفى في مثل هذه المقدمة العمدة بنحو هذا الكلام الذي لا يحصل المعنى المقصود أصلا بطبق القاعدة اللغوية ووفقها لثبت في حق النبي ﷺ قصور البلاغة في الكلام بل المساهمة في التبليغ والهداية وهو محال والعياذ بالله تعالى، فعلم أن مقصوده ﷺ بهذا يعني محبة علي فرض كمحبته عليه السلام، وعداوته حرام كعداوته عليه السلام، وهذا هو مذهب أهل السنة ومطابق لفهم أهل البيت في ذلك، كما أورد أبو نعيم عن الحسن المثنى ابن الحسن السبط الأكبر سألوه عن حديث « من كنت مولاه » هل هو نص على خلافة علي؟ قال لو كان النبي ﷺ أراد خلافته بذلك الحديث لقال هكذا: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا وأطيعوا. ثم قال الحسن: أقسم بالله أن الله تعالى ورسوله لو آثرا عليا لأجل هذا الأمر ولم يمتثل علي لأمر الله ورسوله به ولم يقدم على هذا الأمر لكان أعظم الناس خطأ بترك امتثال ما أمر الله ورسوله به. قال رجل: أما قول رسول الله ﷺ « من كنت مولاه فعلي مولاه؟ » قال الحسن: لا والله، إن رسول الله لو أراد الخلافة لقال واضحا وصرح بها كما صرح بالصلاة والزكاة وقال: يا أيها الناس إن عليا ولي أمركم من بعدي والقائم في الناس بأمري. [186]

وأيضا في هذا الحديث دليل صريح على اجتماع الولايتين في زمان واحد، إذ لم يقع التقييد بلفظ « بعدي » بل سوق الكلام لتسوية الولايتين في جميع الأوقات من جميع الوجوه كما هو الأظهر، وشركة الأمير للنبي ﷺ في التصرف ممتنعة فهذا أدل على أن المراد وجوب محبته، إذ لا محذور في اجتماع محبتين، بل إحداهما مستلزمة للأخرى، وفي اجتماع التصرفين محذورات كثيرة كما لا يخفى. [187] وإن قيدتموه بما يدل على إمامته في المآل دون الحال فمرحبا بالوفاق، لأن أهل السنة أيضا قائلون بذلك في حين إمامته. وأما وجه تخصيص الأمير بالذكر دون غيره فلما علمه النبي عليه السلام بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته. وكذلك فسر بعض الشيعة « الأولى » الواقع في صدر الحديث بالأولى بالتصرف، وهو باطل، والمراد الأولى في المحبة، يعني ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم في المحبة؟ لتتلائم أجزاء الكلام، ولفظ الأولى قد ورد في غير موضع بحيث لا يناسب أن يكون معناه الأولى بالتصرف أصلا كقوله تعالى { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم }، { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فإن سوق هذا الكلام لنفي نسب الأدعياء عمن يثبتونه، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال في حقه زيد بن محمد لأن نسبة النبي ﷺ إلى جميع المسلمين كالأب الشفيق بل أزيد، وأزواجه أمهات أهل الإسلام، [188] والأقرباء في النسب أحق وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد، [189] ولكن مدار النسب على القرابة في الأدعياء، وهي مفقودة في الأدعياء، وحكم ذلك في كتاب الله، ولا دخل ههنا لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود أصلا. [190]

وقد أورد بعض المدققين منهم دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا، ولا يخفى فسداه، أولم يفهموا أن بيان محبة أحد في ضمن عموم شيء وإيجاب محبته بخصوص أمر آخر فرق بينهما لا يخفى على العقلاء. مثلا لو آمن أحد بجميع أنبياء الله ورسله، ولم يتعرض لاسم محمد ﷺ بخصوصه في الذكر، لم يكن إسلامه معتبرا. وفي هذا تكون محبة الأمير بشخصية مقصودة بالوجوب، وفي الآية يكون وجوبها مفادا بوصف الإيمان الذي هو عام. ولو فرضنا اتحاد مضمون الآية والحديث لا يلزم اللغو أصلا لأن وظيفة النبي أن يؤكد مضامين القرآن لإلزام الحجة وإتمام النعمة. [191] ومن تدبر الكتاب والسنة لا يتكلم بمثل هذا الكلام. وإلا فتأكيدات النبي وتقريراته في أبواب الصلاة والزكاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك كلها تصير لغوا والعياذ بالله. وعند الشيعة أيضا دعوى التنصيص على إمامة الأمير وتأكيده ثابتة، [192] فيلزم على تقدير صحة هذا القول أن يكون ذلك كله حشوا.

وسبب هذه الخطبة الذي ذكره المؤرخون وأهل السير يدل على أن المقصود منها كان إلزام المحبة للأمير، ولأن جماعة الصحابة الذين كانوا متغيبين مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما من المشاهير بعد ما رجعوا من سفرهم من الأمير، فتكلم النبي ﷺ في حقه هكذا، وقد أورد هذه القصة محمد بن إسحق وغيره من أهل السير مفصلة.

الحديث الثاني: روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه ﷺ لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء وتركه فيهن وقد توجه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله أتخلِفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ له: « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ». [193] قالت الشيعة: إن المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثني مرتبة النبوة فثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها صحة الإمامة، وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى، فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل، وعزل النبي ﷺ ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة. [194]

والجواب عن ذلك بوجوه: الأول – أن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، [195] بل هم صرحوا بأنه للعهد في غلام زيد وأمثاله، [196] لأن تعريف الإضافة المعنوية باعتبار العهد أصل، وفيما نحن فيه قرينة موجودة وهي قوله « أتخلفني في النساء والصبيان » يعني أن هارون كما كان خليفة لموسى حين توجه هو إلى الطور كذلك صار الأمير خليفة للنبي ﷺ إذ توجه إلى غزوة تبوك، والاستخلاف المقيد بهذه الغيبة لا يكون باقيا بعد انقضائها كما لم يبق في حق هارون أيضا. ولا يمكن أن يقال انقطاع هذا الاستخلاف عزل موجب للإهانة في حق الخليفة لأن انقطاع العمل ليس بعزل، والقول بأنه عزل خلاف العرف واللغة، ولا تكون صحة الاستثناء دليلا للعموم إلا إذا كان متصلا، وههنا منقطع بالضرورة، لأن قوله « إنه لا نبي بعدي » جملة خبرية، وقد صارت تلك الجملة بتأويلها بالمفرد بدخول إن في حكم ( إلا عدم النبوة ) وظاهر أن عدم النبوة ليس من منازل هارون حتى يصح استثناؤه لأن المتصل يكون من جنس المستثنى منه وداخلا فيه والنقيض لا يكون من جنس النقيض وداخلا فيه، فثبت أن هذا المستثنى منقطع جدا، ولأن من جملة منازل هرون كونه أسن من موسى وأفصح منه لسانا وكونه شريكا معه في النبوة وكونه شقيقا له في النسب، وهذه المنازل غير ثابتة في حق الأمير بالنسبة إلى النبي ﷺ إجماعا بالضرورة، فإن جعلنا الاستثناء متصلا وحملنا المنزلة على العموم لزم الكذب في كلام المعصوم.

الثاني – أنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هرون، لان هرون كان نبيا مستقلا في التبليغ، ولو عاش بعد موسى أيضا لكان ولم تزل عنه هذه المرتبة قط، وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أن الاستدلال على خلافة الأمير من هذا الطريق لا يصح أبدا. وأيضا أن النبي ﷺ لما شبه الأمير بهارون – ومعلوم أن هارون كان خليفة في حياة موسى بعد غيبته، وصار يوشع بن نون وكالب بن يوقنا [197] خليفة له بعد موت موسى – لزم أن يكون الأمير أيضا خليفة في حياة النبي ﷺ بعد غيبته لا بعد وفاته، بل يصير غيره خليفة بعد وفاته حتى يكون التشبيه على وجه الكمال، إذ حمل التشبيه في كلام الرسول على النقصان غاية عدم الديانة والعياذ بالله. ولو تنزلنا قلنا ليس في هذا الحديث دلالة على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، غاية ما في الباب أن استحقاق الإمامة يثبت به للأمير ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب به أيضا غير تام. [198]

الحديث الثالث: رواه مرفوعا أنه قال « إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي » وهذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح [199] وهو شيعي متهم في روايته. وأيضا غير مقيد بالوقت المتصل بزمان وفاته ﷺ، ولفظ « بعدي » يحتمل الاتصال والانفصال [200] وهو مذهب أهل السنة القائلين بأن الأمير كان إماما مفترض الطاعة بعد النبي ﷺ في وقت من الأوقات.

الحديث الرابع: رواه أنس بن مالك أنه كان عند النبي ﷺ طائر قد طبخ له وأهدي إليه فقال « اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي هذا الطير » فجاءه علي. [201] وهذا الحديث قد حكم أكثر المحدثين بأنه موضوع، وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري، [202] وكذلك الذهبي في تلخيصه. [203] ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب الناس إلى الله في الأكل مع النبي ﷺ. ولا شك أن الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب يكون موجبا لتضاعف اللذة بالطعام. وإن سلمنا أن يكون المراد بأحب الناس مطلقا فإنه لا يفيد المدعى أيضا، إذ لا يلزم أن يكون أحب الخلق إلى الله صاحب الرئاسة العامة، فكأين من أولياء وأنبياء كانوا أحب الخلق إلى الله ولم يكونوا ذوي رئاسة عامة، كزكريا ويحيى وشمويل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بنص إلهي، وأيضا يحتمل أن أبا بكر لعله لم يكن في ذلك الحين حاضرا في المدينة المنورة والدعاء كان خالصا بالحاضرين دون الغائبين بدليل قوله « اللهم ائتني » لأن إحضار الغائب من مسافة بعيدة في آن قصير لا يعقل إلا طريق خرق العادة، والأنبياء لا يسألون الله خرق العادة إلا في وقت التحدي، وإلا لما احتاجوا في الحرب والقتال إلى تهيئة الأسباب الظاهرة. ويحتمل أن يراد التبعيض بذلك كما في قولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم وأفضلهم. وعلى تقدير دلالته على المدعى لا يقاوم الأخبار الصحاح الدالة على خلافة أبي بكر وعمر، مثل « اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر » [204] وغير ذلك.

الحديث الخامس: رواية جابر عن النبي ﷺ أنه قال: « أنا مدينة العلم وعلي بابها » [205] وهذا الخبر أيضا مطعون فيه، قال يحيى بن معين: لا أصل له، [206] وقال البخاري إنه منكر، وليس له وجه صحيح. [207] وقال الترمذي إنه منكر غريب. [208] وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. [209] وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه. [210] وقال النووي والذهبي والجزري إنه موضوع. [211] فالتمسك بالأحاديث الموضوعة مما لا وجه له، إذ شرط الدليل اتفاق الخصمين عليه. ومع هذا ليس مفيدا لمدعاهم إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو صاحب رئاسة عامة بلا فصل بعد النبي ﷺ، غايته أن شرطا من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه أتم، ولا يلزم من تحقيق شرط واحد وجود المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن ذلك الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه برواية أهل السنة مثل « ما صب الله شيئا في صدرى إلا وقد صببته في صدر أبي بكر » [212] ونحو « لو كان بعدي نبي لكان عمر » [213] فإذا اعتبرت روايات أهل السنة فليتعبر كلها، وإلا فلا ينبغي أن يقصد إلزامهم برواية واحدة من رواياتهم.

الحديث السادس: وهو ما رواه الإمامية مرفوعا أنه ﷺ قال « من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب ». [214] وجه التمسك بهذا الحديث أن مساواة الأمير للأنبياء في صفات قد علمت به، والأنبياء أفضل من غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل فكان علي أفضل من غيره، والأفضل متعين للإمامة دون غيره.

ولا يخفى فساد هذه المقدمات والمبادئ الواقعة في الاستدلال من وجوه:

الأول – أن هذا الحديث أورده الحلي في كتبه وقد نسبه إلى البيهقي مرة إلى البغوي أخرى وليس في تصانيفهما أثر منه. ولا يتأتى إلزام أهل السنة بالافتراء. مع أن عند أهل السنة أن الأحاديث التي تذكر في كتبهم إذا لم يصرح بصحتها لا يحتج بها.

الثاني – أن ما ذكر محض تشبيه لبعض صفات الأمير ببعض صفات أولئك الأنبياء، والتشبيه كما يكون بأدواته المتعارفة كالكاف وكأن ومثل ونحوها، وكذلك يكون بهذا الأسلوب كما تقرر في علم البيان أن من أراد أن ينظر القمر ليلة البدر فلينظر إلى وجه فلان. فهذا القسم داخل أيضا في التشبيه ولو تجاوزنا عن ذلك لكان استعارة مبناها على التشبيه، وفهم المساواة بين المشبه والمشبه به من كمال السفاهة. وقد روي في الأحاديث الصحيحة لأهل السنة تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وتشبيه أبي ذر بعيسى ولكن لما كان لأهل السنة حظ عظيم من العقل لم يحملوا ذلك التشبيه على المساواة أصلا بل أعطوا كلا مرتبته.

الثالث – أن المساواة بالأفضل في صفة لا تكون موجبة لأفضلية المساوي لأن ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل. وأيضا ليست الأفضلية موجبة للزعامة الكبرى كما مر.

الرابع – إن تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة من هذا الحديث يثبت إذا لم يكن أولئك الخلفاء مساوين للأنبياء المذكورين في الصفات المذكورة أو في مثلها ودون هذا خرط القتاد. ولو تتبعنا الأحاديث الدالة على تشبيه الشيخين بالأنبياء لبلغت مبلغا لم يثبت مثله لمعاصريهما. ولهذا ذكر المحققون من أهل التصوف أن الشيخين كانا حاملين لكمالات النبوة وكان الأمير حاملا لكمالات الولاية ومن ثمة صدر من الشيخين الأمور التي تصدر من الأنبياء من الجهاد بالكفار وترويج أحكام الشريعة وإصلاح أمور الدين بأحسن أسلوب وتدبير، وظهر من الأمير ما يتعلق بالأولياء من تعليم الطريقة والإرشاد لأحوال السالكين ومقاماتهم والتنبيه على غوائل النفس والترغيب بالزهد في الدنيا ونحوها أكثر من غيره. وقد دل على هذه التفرقة حديث رواه الشيعة في كتبهم وهو قوله ﷺ « إنك يا علي تقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله » لأن مقاتلات الشيخين كلها كانت على تنزيل القرآن فكان عهدهما من بقية زمان النبوة وزمن خلافة الأمير كان مبدأ لدورة الولاية وإليه تنتهي سلاسل جميع الفرق من أولياء الله تعالى كما تصل سلاسل الفقهاء والمجتهدين في الشريعة بالشيخين ونوابهما كعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر وأمثالهم رضي الله تعالى عنهم ويكون فقه أولئك الفقهاء رشحة من بحار علومهم. وكان معنى الإمامة التي بقيت في أولاد الإمام وجعل بعضهم بعضا وصيا له فيها هي قطبية الإرشاد ولهذا لم يرو إلزام هذا الأمر من الأئمة الأطهار على كافة الخلائق بل جعلوا بعض أصحابهم الممتازين المنتخبين مشرفين بذلك الفيض الخاص ووهبوا لكل واحد منهم هذه الكرامة العظيمة بقدر استعداده. وهذه الفرقة السفيهة قد أنزلوا تلك الإشارات كلها على الرئاسة العامة واستحقاق التصرف في أمور الملك والمال فوقعوا في ورطة الضلال، ومن أجل ما قلنا يعتقد كل الأمة الأمير وذريته الطاهرة كالشيوخ والمرشدين.

الحديث السابع: روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال « من ناصب عليا في الخلافة فهو كافر » [215]

وهذا الحديث لا أثر له بوجه في كتب أهل السنة أصلا بل نسب ابن المطهر الحلي روايته إلى الأخطب الخوارزمي. والحلي خوان في النقل، والأخطب كان من الغلاة الزيدية. ومع هذا لم يرو هذا الحديث في كتابه المؤلف في مناقب أمير المؤمنين. [216] ولو فرضنا كونه في كتابه فلا اعتبار له لكونه مخالفا للأحاديث الصحاح الموجودة في كتب الإمامية. منها قوله عليه السلام في نهج البلاغة « أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج ». [217] ولئن اعتبرنا هذا الحديث لا يتحقق مضمونه أيضا إلا إذا طلب الأمير الخلافة وانتزعها الآخر من يده. وهذا المعنى لم يقع في عهد قط، لأن الأمير لم يطلب الخلافة في زمن الخلفاء الثلاثة، كما ذكر في كتب الإمامية أن الرسول ﷺ كان وصى الأمير بالسكوت ما لم يجد أعوانا فسكت الأمير في عهد الخلفاء الثلاثة لأجل هذه الوصية! وحين صار طالبا لها لم يقصد أحد – من أم المؤمنين والزبير وطلحة – نزع الخلافة من يده أصلا، بل إنما سأل هؤلاء الأمير تنفيذ حكم القصاص على قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه ثم انجر الأمر إلى القتال كما تشهد بذلك كتب السير [218] وخطب الأمير رضي الله تعالى عنه. سلمنا، ولكن المراد من " الكافر " كفران النعمة، إذ خلافة أمير المؤمنين كانت نعمة في زمنها يدل عليه لفظ « الخلافة » إذ هي بالإجماع مشروطة بالتصرف في الأرض، وذلك لم يكن للأمير في زمن الخلفاء الثلاثة ولهذا لم يقع في الحديث لفظ الإمامة. سلمنا، ولكن الله تعالى قال في كتابه لمنكر خلافة الخلفاء الثلاثة في آية الاستخلاف كافر أيضا كقوله تعالى { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } والمعنى أن من أنكر خلافة أولئك المستخلفين بعد استماع هذه الآية الكريمة والعلم باستخلافهم الصادر من الله تعالى فأولئك هم الكاملون في الفسق، والكامل فيه هو الكافر كما لا يخفى. مع أن روايات الأخطب الزيدي عند أهل السنة كلها ضعيفة وكثير منها موضوعة فكيف يحتج بها؟ [219]

الحديث الثامن: رواه الشيعة أن الرسول ﷺ قال: « كنت أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين: فجزء أنا، وجزء علي بن أبي طالب ». [220]

وهذا الحديث موضوع قطعا بإجماع أهل السنة، وفي إسناده محمد بن خلف المروزي [221] قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك ولم يختلف أحد في كذبه. ويروي من طريق آخر وفيه جعفر بن أحمد [222] وكان رافضيا غاليا كذابا وضاعا، وكان أكثر ما يضع في مدح الصحابة وسبهم.

وعلى تقدير صحته معارض بالأخبار الأخر نحو قوله « أول من خلق الله نوري » [223] وقوله « أنا من نور الله وكل شيء من نوري » [224] فإنه إن كان الأمير من نوره فلا وجه للتخصيص وإن كان مستقلا مثله فيلزم التكذيب. ومع هذا فقد ثبت اشتراك الخلفاء الثلاثة معه ﷺ في عالم الأرواح بالرواية الأخرى التي هي أحسن من تلك الرواية إذ ليس في إسنادها متهمون بالكذب والوضع. وهي ما روى الشافعي بإسناده إلى النبي ﷺ أنه قال: « كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألف عام فلما خلق أسكننا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى نقلني إلى صلب عبدالله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي طالب » [225] ويؤيد هذه الرواية حديث « الأرواح جنود مجندة: ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » [226]

وبعد اللتيا والتي لا يدل حديثهم على المدعي أصلا لأن اشتراك الأمير في نور النبي لا يكون مستلزما لوجوب إمامته بلا فصل وأية ملازمة بينهما فليبينوها بحيث لا يتوجه إليه المنع ودونه خرط القتاد. ولا بحث لنا في قرب النسب وإلا لكان العباس أولى بالإمامة لكونه عم النبي والعم أقرب من ابن العم عرفا وشرعا. فإن قالوا إن العباس لحرمانه من اتحاد النور لم يحصل له لياقة للإمامة لأن نور عبد المطلب انقسم في عبد الله وأبي طالب ولم يصب أبناؤه الآخرون، قلنا: إن كان مدار التقدم في الإمامة على قوة النور وكثرته فالحسنان أحق بالإمامة من الأمير للقوة والكثرة معا. أما القوة فلأن النور لما انقسم وصلت حصة الرسول إلى جنابه فانشعب من تلك الحصة السبطان الكريمان بخلاف الأمير فإنه كان شريكا في أصل النور لا في حصة النبي ﷺ وحصة النبي ﷺ من النور كانت أقوى من حصة غيره. وأما الكثرة فلأن الحسنين كانا جامعين لنوري النبي ﷺ والأمير معا والاثنان أكثر من الواحد قطعا.

الحديث التاسع: رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال يوم خيبر « لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه » [227]

وهذا الحديث أصح وأقوى من غيره، ولكن مدعى الشيعة غير حاصل منه إذ لا ملازمة بين كونه محبا لله ورسوله ومحبوبا لهما وبين كونه إماما بلا فصل أصلا، على أنه لايلزم من إثباتهما له نفيا عن غيره، كيف وقد قال الله تعالى في حق أبي بكر ورفقائه { يحبهم ويحبونه } وقال في حق أهل بدر { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله، وقال في شأن أهل مسجد قبا { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين } وقال النبي ﷺ لمعاذ « يا معاذ إني أحبك ». [228] ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: « عائشة » قيل: ومن الرجال؟ قال: « أبوها ». [229] وإنما نص على المحبية والمحبوبية في حق الأمير مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله « يفتح الله على يديه » وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد « إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » [230] فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون « يفتح الله على يديه » وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم.

الحديث العاشر: « رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار » [231]

وهذا الحديث يقبله أيضا أهل السنة، ولكن لا مساس له بمدعى الشيعة وهو الإمامة بلا فصل، وقد جاء في حق عمار بن ياسر « الحق مع عمار حيث دار » [232] وفي حق عمر أيضا « الحق بعدي مع عمر حيث كان » [233] بل في هذين الحديثين إخبار بملازمة الحق لعمر ولعمار، بخلاف الحديث عن الأمير فإنه دعاء في حقه، والفرق بين الإخبار والدعاء غير خاف، خصوصا على ما قرره الشيعة من أن استجابة دعاء النبي لازمة عندهم، فقد روى ابن بابويه القمي أن رسول الله ﷺ دعا ربه أن يجمع أصحابه على محبة علي فلم يكن ذلك. وزاد في حق عمر لفظ « بعدي » ليكون دليلا على صحة إمامته وإمامة من رآه عمر إماما. وعلى مذاق الشيعة يكون هذا الحديث دليلا على عصمته، لكن مذهب أهل السنة لا يكون غير النبي معصوما. وقد تمسك بعض ظرفاء أهل السنة بحديث علي المذكور على صحة أبي بكر وعمر وعثمان، لأن عليا كان معهم وبايعهم وتابعهم وصلى معهم في الجمع والجماعات ونصحهم في أمور تتعلق برئاستهم، فيصح قياس المساواة ههنا: الحق مع علي، وعلي مع أبي بكر وعمر، فالحق معهما، لأن مقارن المقارن مقارن. وهذه المقدمة الأجنبية التي هي مدار صحة النتيجة في هذا القياس صادقة لا محالة، وهذا القياس لروايات الشيعة، فإنه ثبت في ( نهج البلاغة ) أن عمر بن الخطاب لما أراد أن يخرج إلى دفع فتنة نهاوند استشار علي ابن أبي طالب فقال له الأمير: « إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أوعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث ما طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده. قال الله تعالى { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا }. ومكان القيم من الإسلام مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع أبدا. والعرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا، واستدر الرحى بالعرب » إلى آخر خطبته المذكورة في نهج البلاغة. [234]

فعلم بالصراحة أن الأمير كان معينا وناصرا وناصحا أمينا لعمر بن الخطاب، ولو كان بينهما نفاق والعياذ بالله لأشار عليه بالذهاب إلى العجم، وإذا اشتغل عمر وأهل عسكره بالقتال تصرف الأمير بالحجاز التي كانت دار الإسلام واتبعه الناس طوعا أو كرها. وأيضا قد علم أن الأمير عد نفسه في زمرة أبي بكر وعمر حيث أدخل نفسه فيهم وقال « نحن على موعد من الله ».

وأيضا قد ذكر في ( نهج البلاغة ) أن الأمير قال لعمر بن الخطاب حين استشاره في غزوة الروم « إنك متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم [235] وتنكب لا تكن للمسلمين كأنفة [236] دون أقصى بلادهم، وليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فأرسل إليهم رجلا مجربا [237] واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذلك ما تحمد، وإن تكن الآخرى كنت ردءا [238] للناس ومثابا للمسلمين » [239]

والعجب من الشيعة كيف يتركون مثل هذه الروايات الثابتة في أصح الكتب عندهم كأنهم لو يروها ولم يسمعوها، ويذعنون بالمخالفة فيما بينهم بما شاع عندهم من الروايات الموضوعة والمفتريات، ثم يتخبطون إذ يرون هذه الروايات الصحيحة، فقد يقولون إن هذه كلها – من متابعة الأمير ومبايعته للشيخين – كانت لمحض قلة الأعوان والأنصار، ثم يفحمون فيما قالوا بروايات ثقاتهم الدالة صراحة على قوة الأمير وغلبة أعوانه وكثرة انصاره، كما روى أبان بن عياش [240] عن سليم [241] بن قيس الهلالي وغيره أن عمر قال لعلي: والله لئن لم تبايع أبا بكر لنقتلنك. قال له علي: لولا عهد عهده إلى خليلي لست أخونه لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا. [242]

فهذه الرواية تدل بالصراحة على أن سكوت الأمير كان بسبب أمر سمعه من النبي ﷺ وهو أن الخلافة حق أبي بكر بلا فصل ثم حق عمر، وههنا البرهان العقلي الموافق لأصول الشيعة قائم على أن العهد المذكور كان هذا، لأن الإمامة لو كانت حق الأمير وكان النبي أوصاه بترك المنازعة للشيخين مع كثرة الأعوان والأنصار المستفادة من هذه الرواية صراحة للزم أن النبي أوصاه بتعطيل أمر الله ونحوها، معاذ الله من ذلك. كيف وقد قال الله تعالى { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } في زمان كان الواجب أن يقاتل مسلم واحد عشرة كفار، فجاهد النبي وكلف الناس بالجهاد بهذه التأكيدات مع كثرة المشقة والصعوبة، وفي زمان تم فيه الدين وكملت النعمة يأمر [243] مثل هذا الذي هو أسد الله بالجبن والخوف وترك التبليغ لأحكام الله ويجوز الفتن والفساد وتحريف كتاب الله وتبديل دينه { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } حاشاه ثم حاشاه، أولئك مبرأون مما يقولون، وشأن النبوة والرسالة مناف لهذه الوصية أشد منافاة.

وقد يقول الشيعة إن ترك الأمير للمنازعة وإظهاره الموافقة والمناصحة مع الخلفاء الثلاثة كان لمحض الاقتداء بأفعال الله تعالى وهي إمهال الجاني والتأني في المؤاخذة، وقد استخرج هذا التوجيه ابن طاوس سبط أبي جعفر الطوسي، وقد ارتضى به الآخرون من إخوانه غاية ارتضاء، مع أنه تأويل باطل، لأن الاقتداء بأفعال الله تعالى فيما يخالف الشرع غير جائز للناس فضلا عن أن يكون واجبا، إذ الباري تعالى قد ينصر الكفرة في بعض الأحيان ويخذل المسلمين ويميت الصالحين ويحيى الفساق ويرزقهم بغير حساب ويقدر الرزق على الصلحاء وغير ذلك على ما علِمه من المصالح والحكم، ولا يجوز لأحد من العباد نصرة الكافر وقتل المسلم بغير حق وإعانة الفاسق على فسقه وخذلان الصالح، بل لابد للعباد من الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، وهذا هو شأن العبودية أن يتلقى بالقبول حكم الله، ويعمل بالجد على وفقه، لا أنه يقتدى بأفعال المالك. وأما ما قيل « تخلقوا بأخلاق الله » [244] فبابه المكارم دون الأحكام، وإلا فمن لم يصل ولم يؤت الزكاة ولم يحج البيت مع الاستطاعة اقتداء بالله تعالى فهل يعذر في الدنيا والآخرة؟ ومن قال إن التأني وترك العجلة محمود فليس مطلقا، بل التأخير والتأني في الأمور الحسنة غير محمود البتة، لأن المالك إذا أمر رسله وعباده بتعجيل أمر فإن لم يسارعوا إلى أمره يكونوا عصاة لا محالة كما قال الله تعالى { وإن منكم لمن ليبطئن } وقال تعالى في مدح عباده المتعجلين في امتثال أوامره { أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } ولهذا صار المثل المشهور « لا حاجة إلى الاستخارة في أمر الخير » و « خير الخير ما كان عاجله ». والإمام الذي له منصب هداية الخلق وإرشاد الضالين كيف يجوز له التاني إذ يفوت منه فيه واجبات كثيرة، وأيضا يكون للتأني حد، وهل يمضى أحد في التأني خمسة وعشرين عاما؟ ولو قال: إن تأني الأمير كان بأمر الله تعالى قلا يلزم ترك الواجبات، قلنا: فقد علم أن إمامة الأمير لم تكن متحققة في ذا الزمن، وإلا فنصبه للإمامة ثم أمره بالتأني وترك لوازم الإمامة متناقضان فيما بينهما، ويشبه ذلك أن السلطان قلد أحدا القضاء وأمره بالاختفاء مدة ذلك قائلا له: لا تظهر قضاءك في تلك المدة، وامتنع أن تقام قضية بحضورك، ولا تتكلم بين المتخاصمين. فهذا يدل صريحا على أن السلطان يعده القضاء، لا أنه نصبه بالفعل للقضاء. ولو حملنا على الظاهر يلزمه التناقض الصريح وتفويت الغرض من نصب القاضي، بل هو محض السفاهة. ولا يخفى قبحه، والله تعالى منزه عن ذلك. وأيضا إذا كان الأمير مأمورا من الله بالتأني وإخفاء الإمامة وترك دعواها يكون المكلفون في ترك متابعته وإطاعة الأمر معذورين، فلو خالفوا ونصبوا غيره لحفظ دينهم ودنياهم وتمشية مهماتهم في هذه المدة؛ لا يكون للعقاب والعتاب عليهم محل أصلا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

الحديث الحادي عشر: رواه أبو سعيد الخدري أنه قال: قال النبي ﷺ لعلي « إنك تقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ». [245]

ولا يخفى أن هذا الحديث لا مساس له بمدعاهم، إذ مفاده: إنك تقاتل في حين من الأحيان على تأويل القرآن. وهذا هو مذهب أهل السنة أن الأمير في مقاتلاته حين قاتل كان على الحق ومصيبا لا ريب فيه، ومخالفوه كانوا على الخطأ ولو بالاجتهاد. ولا دلالة في هذا الحديث على أن الأمير إمام بلا فصل، إذ لا ملازمة بين المقاتلة على تأويل القرآن والإمامة بلا فصل بوجه من الوجوه، فإيراد هذا الحديث في مقابلة أهل السنة غاية الجهل، بل لو استدل به على مذهب أهل السنة لأمكن، لأنه يفهم منه بالصراحة أن الأمير قد يكون إماما في عصر يقاتل فيه على تأويل القرآن ووقت قتاله معلوم متى كان، وهو من دلائل أهل السنة على أن الحق كان في جانب الأمير وكان مقاتلوه على الخطأ حيث لم يفهموا معنى القرآن وأخطأوا في اجتهادهم. وإنكار تاويل القرآن ليس بكفر إجماعا، [246] وإن أنكر أحد معنى القرآن الظاهر بسوء فهمه ففي كفره تأمل، فضلا عن أن ينكر المعنى الخفي الذي هو التأويل. [247] وعقيدة الشيعة أن محاربيه كفرة [248] كما ذكر في ( تجريد العقائد ) للطوسي. ولا وجه لكفرهم على أصول الشيعة أيضا.

الحديث الثاني عشر: رواه زيد بن أرقم عن النبي ﷺ أنه قال: « إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي » [249]

وهذا الحديث أيضا كالأحاديث السابقة لا مساس له بمدعاهم، وإذ لا يلزم أن يكون المتمسك صاحب الزعامة الكبرى. سلمنا، ولكن قد صح الحديث أيضا « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنوجذ ». [250] سلمنا، ولكن العترة في لغة العرب هم الأقارب، فلو دل الحديث على الإمامة لزم أن يكون جميع أقاربه ﷺ أئمة واجبي الإطاعة وهو باطل. وأيضا قال ﷺ « واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد »، [251] « وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل » [252] خصوصا قوله « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » البالغ درجة الشهرة والتواتر المعنوي، فلزم من هذه الأحاديث أن يكون أولئك الأشخاص أئمة وأن يدل هذا الحديث على إمامة العترة، فكيف يصح الحديث المروي عن الأمير بالتواتر عند الشيعة « إنما الشورى للمهاجرين والأنصار » [253] وكذلك لا يدل حديث « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق » [254] إلا على أن الفلاح والهداية منوطان بمحبتهم ومربوطان باتباعهم والتخلف عن محبتهم وأتباعهم موجب الهلاك. وهذا المعنى بفضل الله تعالى مختص بأهل السنة، لأنهم هم المتمسكون بحبل وداد جميع أهل البيت، كالإيمان بكتاب الله كله لا يتركون حرفا منه، وبالأنبياء أجمعين بحيث لا يفرقون بين أحد من رسله وأنبيائه، ولا يخصمون بعضهم بالمحبة دون بعض، لأن الإيمان ببعض الكتاب بحكم { تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } وببعض الأنبياء بدليل { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } الآية كفر غليظ، بخلاف الشيعة لأنهم ما من فرقة منهم إلا وهي لا تحب جميع أهل البيت، بل يحبون طائفة ويبغضون أخرى.

ولبعض الشيعة ههنا تقرير عجيب حيث قال: تشبيه أهل البيت في هذا الحديث يقتضى أن محبة أهل البيت واتباعهم كلهم غير ضروري في النجاة، لأن أحدا لو تمكن من زاوية من السفينة تحصل له النجاة من الغرق بلا شبهة، بل كذلك الدوران في السفينة بأن لا يجلس في مكان واحد، فالشيعة إذا كانوا متمسكين ببعض أهل البيت ومتبعين لهم يكونون ناجين بلا شبهة فقد اندفع طعن أهل السنة عليهم بإنكارهم لبعض أهل البيت.

وأجاب عنه أهل السنة بوجهين: الأول بطريق النقض بأن الإمامية لابد لهم أن لا يعتقدوا على هذا التقرير أن الزيدية والكيسانية والناوسية والأفطحية وأمثالهم من فرق الشيعة ضالون هالكون في الآخرة، بل ينبغي أن يعتقدوا فلاحهم ونجاتهم، لأن كلا من هذه الفرق وأمثالهم آخذون زاوية من هذه السفينة الوسيعة ومتخذون فيها مكانهم، والزاوية الواحدة من تلك السفينة كافية للنجاة عن الغرق، بل التعيين بالأئمة الاثني عشر صار مخدوشا على هذا التقرير، إذ الكفاية بزاوية واحدة من السفينة في النجاة من الغرق مفروضة، ومعنى الإمام هو هذا أن اتباعه يكون موجبا للنجاة في الآخرة، ففسد مذهب الاثني عشرية بل الإمامية كلهم فلا يصح لكل فرقة من فرق الشيعة ذلك بل لا بد لهم أن يعلموا جميع المذاهب حقا وصوابا، مع أن بين مذاهبهم كثير من التناقض والتضاد الواقع، والحكم في كلا الجانبين المتناقضين بكونهما حقا في غير الاجتهادات قول باجتماع النقيضين وهو بديهي الاستحالة.

الثاني بطريق الحل: بأن التمكن في زاوية من زوايا السفينة إنما ينجي من الغرق لو لم يخرق في زاوية أخرى منها، وإلا فيحصل الغرق قطعا. وما من فرقة من فرق الشيعة متمكنين في زاوية من هذه السفينة إلا وهم يخرقون في زاوية أخرى منها. نعم أهل السنة وإن كانوا يدورون في كل الزوايا المختلفة ويسيرون فيها، لكنهم لم يخرقوها في زاوية منها ليدخلوا من ذلك الطرف موج البحر فيغرقها. والحمد لله.

(الدلائل العقلية)

وأما الدلائل العقلية للشيعة فهي كثيرة جدا ولنذكر قاعدة يمكن الحل بها لكل دلائلهم فنقول: إن الدليل على هذا المدعى لا يخلو عن ثلاثة أقسام: لأنه إما جميع مقدماته عقلية، أو جميعها نقلية، أو بعضها عقلية وبعضها نقلية، وهذا الاصطلاح غير الاصطلاح المشهور في الكلام، فإن الدليل العقلي يطلق فيه على ما كان مركبا من العقليات الصرفة، والدليل النقلي يطلق على ما كانت إحدى مقدماته موقوفة على النقل. وهذه الأقسام الثلاثة من الدليل لابد أن تكون مأخوذة من شرائط الإمامة أو من توابعها أو من طريق تعينها. وأصل هذه الدلائل كلها هي مباحث الإمامة، ومباحثها فرع لمباحث النبوة، لأن الإمامة نيابة للنبوة، ومباحث النبوة فرع الإلهيات، لأن النبوة والرسالة من الله تعالى. فإذا فسدت أصول الشيعة ومقرراتهم في هذه المباحث الثلاثة بمخالفة الكتاب والعترة والعقل السليم صارت دلائلهم كأنها أخذت تحت المنع في ثلاث مراتب.

ولنبين هذا الاجمال بمثال واضح: مثلا مقدماتهم المأخوذة في الدلائل الكثيرة عندهم « الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه » أصله « أن نصب الإمام واجب على الله تعالى » وأصل هذا الأصل إن بعث النبي واجب على الله » ولما أبطلنا مذهبهم في هذه المباحث بشهادة العدول – الكتاب، والعترة، والعقل السليم – لم يبق شبهة ولا شك في بطلانه. [255]

ولنذكر بعضا من دلائلهم العقلية، وإن كان يستغنى عن ذكرها بما ذكرنا. فنقول:

الأول من دلائلهم أنهم قالوا: « إن الأمام يجب أن يكون معصوما، وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوما، فكان هو إماما لا غيره »، [256] وهو المدعى.

ولا يخفى أن تقرير الاستدلال ناقص لا يفيد المدعى، لأن الدعوى مركبة من ثبوت الإمامة للأمير وسلبها عن غيره. والدليل المذكور لا يلزم منه إلا سلب مفهوم كل أحد غير الأمير من الصحابة عن ذات متصفة بالإمامة فقط، وهو غير مطلوب، فالاستدلال الصحيح بعكس ترتيب هذا القياس المذكور، وضم قياس آخر إليه من الشكل الأول فيفيد مجموعهما المدعى، وهو هكذا: « لم يكن أحد غير الأمير من الصحابة معصوما، وكل إمام يجب أن يكون معصوما » على الضرب الثاني من الشكل الثاني، ونتيجة هذا القياس سالبة كلية وهي « لم يكن أحد غير الأمير منهم إماما » فيحصل منه سلب الإمامة عن غير الأمير من الصحابة. والقياس الآخر « إن الأمير كان معصوما، وكل معصوم يكون إماما، فالأمير يكون إماما » فيلزم منه ثبوت إمامته، فمجموع هذين القياسين تثبت به الدعوى وهو المطلوب. [257]

ويجاب عن الأول بمنع الكبرى أعني « كل إمام يجب أن يكون معصوما » وبمنع استثناء الأمير منهم في الصغرى، وإسنادهما أقوال الأمير الآتية، وبهذا المعنى يرد المنع على الصغرى التي جعلها المستدل كبرى قياسه، وإلا فهي مسلمة بالضرورة فلا يصح منعها، ويجاب عن الثاني بمنع الصغرى وسنده سند منع الاستثناء، وبفوات بعض الشروط من كلية كبراه لأن المعصوم عام فإن الأنبياء والملائكة وفاطمة معصومون وليسوا بأئمة بالمعنى المتنازع فيه، فحمل « الإمام » على جميع أفراده لا يمكن، وعلى بعض أفراده يجعل القضية جزئية وهي لا تصلح لكبروية الشكل الأول لاشتراط كليتها، فافهم.

وقال المؤلف: [258] وفي هذا الدليل تكون الصغرى والكبرى ممنوعتين، أما الصغرى فلأن الأمير نص بقوله « إنما الشورى للمهاجرين والأنصار » إلخ على أن الشورى لهم فقط، وبديهي أن الجماعة الذين جعلهم المهاجرون والأنصار خلفاء لم يكونوا معصومين، فعلم قطعا أن العصمة ليست بشرط في الإمامة أصلا. وأيضا لما سمع الأمير ما قال الخوارج « لا إمرة » قال « لابد للناس من أمير بر أو فاجر » كذا في ( نهج اليلاغة ).

سلمنا.، ولكن العلم بأنه معصوم لا يمكن حصوله لغير النبي، لأن أسباب العلم كلها ثلاثة أشياء: الحواس السليمة، والعقل، وخبر الصادق. ولا سبيل لأحد منها إلى تحصيله. أما الأول فظاهر إذ العصمة هي الملكة النفسانية المانعة من صدور الذنوب والقبائح غير المحسوسة، وأما الثاني فلأن العقل أيضا لا يدرك تلك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالأفعال أحد بخصوصه وآثاره خصوصا نيات القلب ومكنونات الضمائر – من العقائد الفاسدة والحسد والبغض والعجب والرياء وغيرها من ذمائم الأخلاق – لا يمكن أولا حصوله، ولو سلمنا أنه حاصل ولكن يجوز حصول ما هو حاضر من جميع الأفعال والآثار الحسنة الباقية فإنها يمكن العلم بها، وأما ما مضى وما سيأتي من تلك الأفعال والآثار فلا سبيل لأحد إلا الله إلى العلم بها، لأن أحوال بنى آدم كثيرا ما تتغير آنًا فآنا بمكر الشيطان وإغواء النفس وقرناء السوء فيصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا. أما سمعت قصة برصيصاء الراهب [259] وبلعم بن باعورا [260] وهي كافية للعبرة في هذا الباب، والدعاء المأثور « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك » [261] دواء شاف لداء الشبهة والشك في هذا الامر. ولو فرضنا أنها علمت، ولكن كيف تدرك حقيقة العصمة التي هي امتناع صدور الذنب؟ غاية الأمر فيه أنا نعلم عدم الصدور منه وهي مرتبة المحفوظية، ولا يجزئ هذا القدر من العلم في إدراك العصمة ما لم يوجد العلم بالامتناع. واما الثالث فلأن خبر الصادق قسمان: إما متواتر، وإما خبر الله ورسوله. وظاهر أن المتواتر لا دخل له ههنا لأن المتواتر يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم الضروري، [262] فلا يكون في غير المحسوسات – مثل ما نحن فيه – مفيدا وإلا يكن خبر الفلاسفة بقدم العالم مفيدا للعلم الضروري وهو باطل بالإجماع، وخبر الله ورسوله لا يكون موجبا للعلم في هذا الباب على أصول الشيعة: أما أولا فلأن البداء في الإخبار جائز عندهم، فيجوز أن يخبر في وقت بعصمة رجل ثم بفسقه في وقت آخر، وأحد الخبرين وصل إلينا دون الآخر، وبجوز البداء في الإرادة أيضا بإجماع الشيعة [263] فيحتمل أن تتعلق الإرادة في وقت بعصمة رجل وفي وقت آخر بفسقه، فارتفع الاطمئنان بأن هذا الرجل يبقى على عصمته إلى آخر العمر. وأما ثانيا: فلأن وصول خبر الله ورسوله إلى المكلفين إما بواسطة معصوم أو بواسطة تواتر، ففي الشق الأول يلزم الدور الصريح، وفي الشق الثاني يلزم خلاف الواقع، لأن كل تواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، [264] كتواتر المسح على الخف، وغسل الرجلين في الوضوء، وإلى المرافق، وأمة هي أربى من أمة في كلمات القرآن، [265] وصيغة التحيات في قعدة الصلاة، [266] وأمثال ذلك. فلا بد من أن يعين تواتر خاص. وذلك أيضا غير مفيد، إذ حصول العلم القطعي من التواتر يكون بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ فقط، ولما كذب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع الاعتماد عن اقسامه كلها.

ولا يمكن أن تجزي هذه الوجوه في عصمة الأنبياء لأن ثبوتها بأخبارهم الصادقة، وقد ثبت صدقهم في كل ما ادعوا بظهور المعجزات الباهرة، فلا يقاس عليهم من عداهم من العباد ولو إماما فإنه أيضا تابع والتابع دون المتبوع لا محالة، فلا يستقيم بها النقض على ما قاله السائل لاختلاف المادة، مع أنه سند منع بصورة الاستدلال للاهتمام لا غير فافهم.

وأما كون الكبرى ممنوعة؛ فلأن الأمير قال لأصحابه: « لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنني لست بفوق أن اخطئ، ولا آمن من ذلك في فِعلي » كذا في ( نهج البلاغة ) وظاهر أن هذا القول لا يصدر من المعصوم، خصوصا إذا كانت واقعة في آخر الكلام « إلا أن يلقي الله في نفسي [267] ما هو أملك به مني » [268] فإنه دليل صريح على عدم العصمة. لأن المعصوم يملكه الله نفسه كما ورد في الحديث « إنه كان أملكهم لأربه ». [269] وأيضا مروي في دعاء الأمير « اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي » كذا أورده الرضى في ( نهج البلاغة ). [270]

الدليل الثاني: [271] أن الإمام لا بد من أن لا يرتكب الكفر قط، لقوله تعالى { لا ينال عهدي الظالمين } والكافر ظالم لقوله تعالى { والكافرون هو الظالمون } ولقوله تعالى { إن الشرك لظلم عظيم } وغير الأمير من الصحابة كلهم كانوا عبدوا الأصنام في الجاهلية فيكون هو إماما دون غيره. [272]

ولا يذهب على العارف أن هذا الدليل – مع كونه ناقصا مثل ما مر – فاسدة بالمرة، فلا بد أن يغير بوجه آخر صحيح. وذلك أن يقال: لم يكن أحد من الصحابة غير الأمير مؤمنا من بدء التكليف، وكل إمام يجب أن يكون مؤمنا كذلك. والقياس الآخر: إن الأمير كان مؤمنا كذلك، وكل من يكون مؤمنا كذلك فهو إمام، ويجاب عن الأول بمنع الكبرى، وسنده الإجماع على عدم الاشتراط في الإمامة بهذا الشرط، وعن الثاني بالنقض لأنه يلزم منه أن يكون كل من هو كذلك من آحاد الأمة إماما، ولا أقل من لزوم إمامة نحو عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ا، لا يقال اشتراط العصمة يدفعه لأنا نقول إن ذلك الاشتراط بعد تسليمه لا يعتبر في هذا الدليل فالتعدد باطل، بل الثاني يصير حشوا محضا أولا فالانتقاض ضروري لا مرد له.

وقال المؤلف: وأجيب بأن هذا الشرط لم يذكره في بحث الإمامة أحد من أهل السنة والشيعة، ولكن خرط الشيعة هذا الشرط حين عمدوا إلى نفي الخلافة عن الخلفاء الثلاثة، ولهذا لم يذكر في آية ولا حديث، بل من أسلم بعد كفره مائة سنة ومن كان مسلما من سبعين بطنا متساويان في الدين والإسلام، ولم يعتبر هذا الشرط فإنه لغو وحشو، والتمسك بآية { لا ينال عهدي الظالمين } ههنا ليس إلا من المغالطة، إذ مفاد الاية أن الرياسة الشرعية لا تنال الظالم، [273] لأن العدالة في جميع المناصب الشرعية – من الإمامة الكبرى والقضاء والاحتساب والإمارة وغيرها – شرط لتحقيق فائدة ذلك المنصب، ونصب الظالم في أي رياسة موجب لفسادها، فبين الكفر والظلم والإمامة منافاة، ولا يجتمع التنافيان في وقت واحد في ذات أصلا، وهذا هو مذهب جميع أهل السنة أن الإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة مسلما عادلا، لا أنه لم يكن قبل الإمامة كافرا وظالما، ومن كفر أو ظلم ثم تاب عنه من بعد ذلك وأصلح فلا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم أصلا في لغة وعرف وشرع، إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفي غيره مجاز، ولا تكون المجاز أيضا مطرودا بل حيث يكون متعارفا ينبغي أن يطلق هنالك، كما تقرر في محله أن المجاز لا يطرد وإلا لجاز « نخلة » لطويل غير الإنسان، و « صبي » لشيخ، وهي سفسطة قبيحة، [274] كذا النائم للمستيقظ والفقير للغني والجائع للشبعان والحي للميت وبالعكس. وقد روى الزاهدي في حديث طويل أن أبا بكر قال للنبي ﷺ بمحضر من المهاجرين والأنصار « وعيشك يا رسول الله، إني لم أسجد للصنم قط، فنزل جبريل وقال: صدق أبو بكر » وكذلك ذكر أهل السير والتواريخ في أحوال أبي بكر أنه لم يسجد لصنم قط، فصحت إمامته بملاحظة هذا الشرط أيضا وصارت إجماعا والحمد لله.

الدليل الثالث: أن الإمام لابد أن يكون منصوصا عليه، ولا يوجد نص في غير الأمير، فغيره لا يكون إماما بل هو الإمام. [275]

والجواب بعد أن نذكر ما اسلفنا في تصحيح الدليل الأول من عكس الترتيب وضم قياس آخر معه أن المقدمتين ممنوعتان: أما منع الصغرى فلما مر من قول الأمير: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اختاروا رجلا وسموه إماما كان لله رضًا. وأما منع الكبرى فلأنه لو وجد النص في علي، فإما في القرآن أو الحديث فقد مر الأمران جميعا. ولأنه لو وجد النص لكان متواترا إذ لا عبرة للآحاد في الأصول، ولا أقل من أن يعرفه أهل بيته، وهم قد أنكروه، [276] ولأنه لو وجد النص في الإمام لوجد في كل الأئمة، وقد اختلف أولاد كل إمام بعد موته في دعوى الإمامة، [277] ولأنه لو وجد النص لما وقع الاختلاف بينهم، ولأنه لو وجد النص فإما أن يبلغه النبي ﷺ إلى عدد التواتر أو لا، وعلى الأول إما أن يكتموه عند الحاجة إلى إظهاره أو يظهروه، ولا سبيل إلى الثاني بالإجماع، والأول يرفع الأمان عن التواتر ويستلزم كذب المتواترات، وإن لم يبلغه النبي ﷺ إلى عدد التواتر لم تلزم الحجة فيه على المكلفين فتنتفي فائدة النص، بل يلزم ترك التبليغ في حق النبي وهو محال.

الدليل الرابع: أن الأمير كان متظلما ومتشكيا من الخلفاء الثلاثة دائما في حياته، وبين أنه مظلوم ومقهور، وما ذاك إلا لغصب الإمامة منه فتكون الإمامة حقه دون غيره، إذ الأمير صادق بالإجماع. [278]

وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور بتمامه، فإن كبراه مطوية وهي « وكل من كان كذلك فهو إمام » فيلوم من بعد تسليمه أن يكون كل من أوذوا وظلموا حقيقة أئمة، وهذا خلف، واعتبار القيود الأخر يبطل التعدد ويجعله حشوا.

وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك الروايات، لأن أهل السنة لم يثبت عندهم إلا روايات الموافقة والمناصحة والثناء بالجميل ودعاء الخير فيما بينهم والمعاونة والإمداد ونحوها. وأكثر روايات الإمامية في هذا الباب موافقة لروايات كما تقدم نقله عن الأمير في نهج البلاغة في قصة عمر، ومن ثنائه عليهم بالخير في حياتهم وبعد موتهم، وارتضائه بأعمالهم وشهادته لهم بالنجاة والفوز. وروايات أهل السنة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها هنا رواية واحدة رواها الحافظ أبو سعيد ابن السمعان [279] في ( كتاب الموافقة ) وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه لما قبض أبو بكر الصديق وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله ﷺ، فجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول « اليوم انقطعت خلافة النبوة » فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال « رحمك الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول قومه إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم لرسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم الإسلام، وأمنهم على أصحابه، وأحبهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. جزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدّقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال عز وجل { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون } فالذي جاء بالصدق محمد ﷺ، وصدق أبو بكر. وأسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة ثاني الاثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله عز وجل. أحسنت الخلافة حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله ﷺ في أصحابه إذ كنت خليفته حقا ولم تنازع ولم تقذع برغم المنافقين وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين قمت بالأمر حين فشلوا ونظفت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا وكنت أخفضهم صوتا وأعلاهم قوة وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكبرهم رأيا وأشجعهم وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا. كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوه وحفظت ما أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت عنهم فأبصروا. كنت على الكافرين عذابا واصبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وخصبا، فطرت والله بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تفلل حجتك ولم نضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله ﷺ أمن الناس عليه في صحبتك وذات بلدك. وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم حتى بلغت والله بهم السبيل وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام والمسلمون وظهر أمر الله ووكره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون ». [280]

وهذه خطبة واحدة من الأمير في مدح أبي بكر، ولو أحصينا جميع خطب الأمير وكلماته في فضائل أبي بكر وعمر ومدحهما المروية في كتب أهل السنة بالطرق الصحيحة لبلغت مفردا كنهج البلاغة بل أطول منه.

فإن قلت إن روايات الشيعة في باب تظلم الأمير وشكايته إن كانت كلها موضوعة من رؤسائهم فإن مما يستبعده العقل أن جمعا كثيرا اجتمعوا على الافتراء على الأمير فلا بد من منشأ للغلط فذلك المنشأ ما هو؟ قلت: إن رواتهم كما كذبوا على الأئمة كانوا يكذبونهم كما ورد ذلك عنهم فيما تقدم، وكذبوا عليهم أيضا في المطاعن على الصحابة. وغاية ما في الباب أن مكذبات تلك الروايات وصلت إلى الشيعة أيضا بطرقهم الأخر ومكذبات روايات المطاعن على الصحابة ما وصلت من طرق الشيعة إليهم أو وصلت ولم يفهموا منها التكذيب الصريح لتلك الروايات كما نقل من الصحيفة الكاملة ونهج البلاغة. ولما اجتمعت فرق الشيعة على بغض الصحابة واعتقاد السوء في حقهم لم يرووا ما يكذب تلك الروايات ولم يظهروه بل قصدوا تأييد كذب أوائلهم حيث صار هذا التأييد أهم المطلوب عندهم فمن ثمة صار هذا الكذب إجماعيا لهؤلاء الفرق وأما الأكاذيب الأخر التي في العقائد الإلهية فرواها بعضهم وكذبها بعضهم.

الدليل الخامس: أن الأمير ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه كقلع باب خيبر [281] وحمل الصخرة العظيمة ومحاربة الجن ورد الشمس بعد غروبها [282] فكان في دعواه صادقا فكان إماما. [283]

وهذا الطريق في تقرير الكلام مأخوذ من استدلال أهل السنة في إثبات نبوته ﷺ ولكن بينهما مشابهة في صورة الكلام دون صحة المقدمات فإنها ممنوعة منعا ظاهرا. أما أولا فلأن ذكر المعجزة في إثبات الإمامة إنما هو خطأ محض فكيف يسلم؟ إذ المعجزة لإثبات النبوة دون الإمامة وغيرها من المناصب الشرعية كالقضاء والإفتاء والاجتهاد وسلطنة الناحية وإمارة العسكر والوزارة وأمثالها. ووجهه أن بعثة النبي ﷺ لما كانت من قبل الله تعالى بلا واسطة لم يمكن إثبات نبوته بدون تصديق الله تعالى بخلق المعجزة على يده حين التحدي بخلاف هذه المناصب فإنها تثبت بقول النبي أو بتفويضها إلى الأمة. وأيضا دلالة المعجزة منحصرة في حق الأنبياء عليهم السلام فلو استدل أحد من غيرهم بها لم يكن استدلاله معتبرا في الشرع. ولما كانت الإمامة متعينة بتعيين النبي أو باختيار أهل الحل والعقد لم يجز أن تكون المعجزة دليلا عليها. على أن روايات الإمامية مكذوبة لقول من يقول بادعاء الأمير للإمامة في خلافة الخلفاء الثلاثة وكذلك ما يقولون من وجوب التقية ومن أن الرسول أوصى الأمير بالسكوت كما تقدم. وظهور خوارق العادات والكرامات من الأمير مسلم الثبوت ولكن ليس ذلك مخصوصا فيه لصدور مثل ذلك من الخلفاء الثلاثة والصحابة الآخرين وصلحاء الأمة أيضا. [284] على أن قلعة لباب خيبر وقع في زمن النبي ﷺ وإظهار المعجزة قبل الدعوى غير محتاج إليه ولا تثبت به الدعوى. ومحاربة الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة بل هي مروية بمحض رواية الشيعة هكذا: إن النبي ﷺ لما خرج إلى غزوة بني المصطلق أخبره جبريل في أثناء الطريق بأن الجن اجتمعت في البئر الفلانية وتريد أن تكيد لعسكركم فأرسل النبي الأمير عليهم فقتلهم! [285] فلو صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات النبي ﷺ. وكذا رفع الصخرة العظيمة ليس موجودا في كتب أهل السنة، بل ذكر في كتب الشيعة أن الأمير لما توجه إلى صفين عطش يوما أصحابه في أثناء المرور بفقد الماء فأمر الأمير بأن يحفروا موضعا قرب صومعة راهب فظهرت في أثناء الحفر صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها فأخبروا بها الأمير فنزل فرفعها من هنالك ورماها إلى مسافة بعيدة وظهرت تلك الصخرة عين الماء فشرب أهل العسكر فلما شاهد راهب تلك الصومعة هذا الأمر أسلم وقال: نحن وجدنا في الكتب القديمة أن رجلا كذا وكذا ينزل قرب هذا الدير ويرفع هذه الصخرة ويكون على الدين الحق. [286] وبالجملة إن ثبتت هذه الكرامة تكون كسائر كراماته رضي الله تعالى عنه، وليست دعوى الإمامة مذكورة هنا، ولم تقع هذه القصة في مقابلة أهل الشام أيضا. وأما رد الشمس فأكثر محدثي أهل السنة كالطحاوي وغيره صححوه وعدوه من معجزات النبي بلا شبهة إذ أرجع الشمس بعد غروبها ليحصل وقت صلاة العصر للأمير بدعاء النبي ﷺ، ولتكون صلاته أداء. [287] وأين كانت في ذلك دعوى الإمامة؟ ومن كان حينئذ منكرا ومقابلا له! [288]

الدليل السادس أن الشيعة قالوا: ما روى أحد من الموافق والمخالف ما يوجب الطعن والقدح في الأمير، بخلاف الخلفاء الثلاثة فإن الموافق والمخالف رويا القوادح الكثيرة في حقهم بحيث يسلب استحقاق الإمامة عنهم، فالأمير الذي هو سالم عن قوادح الإمامة يكون متعينا لها.

ولا يخفى أن هذا الدليل – على ما بيناه في تصحيح دلائلهم سابقا – ليس على ما ينبغي من طريق القياس الذي يستدل به على المطلوب، فإن ما ذكره المدعي ههنا إنما هو بيان لإثبات الصغرى في كلا القياسين اللذين يستدل بمجموعهما على المطلوب، وهما هذا: أن كلا من الخلفاء الثلاثة دون الأمير مقدوح فيه ومطعون عليه بما يسلب عنهم استحقاق الإمامة، وكل من كان كذلك فليس إماما، والأمير سالم من ذلك، وكل من كان كذلك فهو إمام، لأن كلا من الموافق والمخالف روى في حقهم ولم يروا في حقه القوادح الموجبة لسلب استحقاق الإمامة.

ويجاب بأنا لا نسلم السلامة من القوادح ولا الطعن بها في حقه وحقهم مطلقا، ولا رواية الموافق تلك القوادح أيضا، ولا سلب ما روى المخالف الاستحقاق عنهم، ولا كونها حقه، وكل ذلك ممنوع منعا ظاهرا، لأن الخلفاء الثلاثة كما روى المخالفون [289] ( وهم الشيعة وإخوانهم، لا الموافقون الذين هم أهل السنة وأمثالهم ) القوادح الباطلة في حقهم، كذلك رواها في حق الأمير مخالفوه من الخوارج وغيرهم، دون من يوافقونه من أهل السنة والشيعة، فلا سلامة ولا قدح من كل وجه، ولا ضير بالقوادح الباطلة من المخالف في الجانبين، فقد تبين أن حالة كحالهم مطلقا. وأما كبرى القياسين فالأولى منقوضة بالأنبياء عليهم السلام لأنهم قد قدح فيهم وطعن عليهم المبطلون، وكل ما يمنع تحقق العالم يمنع تحصل الخاص بالضرورة. والأخرى بمن سلم منها باتفاق الفريقين كابن عباس وأبي ذر وعمار وأمثالهم، وإذا دريت هذا فانظر أن الذين قالوا بإمامة الخلفاء الثلاثة وهم أهل السنة والمعتزلة لم يرووا من قوادحهم قط، بل قرر الشيعة بسبب بغضهم وعنادهم للخلفاء الثلاثة بعض الأشياء بطريق المطاعن والقوادح، ليست تلك الأشياء في الحقيقة محلا لطعن وقدح أصلا كما سيأتي في المطاعن، ولو كانت محلا لها لكانت على الأنبياء والأئمة أيضا مطاعن، بل من يطالع كتب الشيعة بالتأمل يجدها مملوءة بالمطاعن في الأنبياء والأئمة، وما قالوا من أن أحدا من الموافق والمخالف لم يرو ما يقدح في حق الأمير فخبط آخر، لأنهم إن أرادوا بالمخالف أهل السنة فلا يجدي لهم نفعا، فإن أهل السنة لما كانوا معتقدين بصحة إمامته لم يرووا قوادحه، وإن أرادوا به الخوارج وأمثالهم فكذب صريح فإنهم قد سودوا الدفاتر الطويلة والزبر الكثيرة في هذا الباب. [290] ومن جملة من ذكر المطاعن الأمير عبد الحميد المغربي الناصبي في كتابه، وقد دفع كثيرا منها ابن حزم من علماء أهل السنة في كتابه ( الفصل ) [291] والشريف من علماء الشيعة في ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) وأعرضنا عن ذكر تلك المطاعن والجواب عنها، لأن ذكرها مما لا يليق بنا في هذا الكتاب.

تتمة لبحث الإمامة

اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير رضي الله تعالى عنه إماما بلا فصل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها. وقد تبين بأوضح البيان إبطال أهل السنة عليهم هذا القدر المشترك، واتضح حق الاتضاح مخالفة هؤلاء الفرق كلهم في ذلك القدر بجميع وجوهه لنصوص الكتاب المجيد وأقوال العترة الطاهرة. وأما بعد هذا القدر المشترك فلهم اختلاف كثير فيما بينهم بحيث أن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضا آخرين ويشنعون عليهم، وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة فلا حاجة بذكر الاختلافات في هذا الكتاب الذي ألف لما بين أهل السنة والشيعة خاصة. [292]

(كثرة اختلاف الشيعة)

ولنذكر قليلا من أقوالهم في شروط الإمامة ومعناها وتعيين الأئمة وعددهم تنبيها على أن كثرة الاختلاف في شيء دليل على كذبه، لينقلب عليهم طعنهم الوارد منهم على أهل السنة باختلاف الفروع، لأن اختلافهم في الأصول، وظاهر أن أديان الأنبياء السابقين كانت مختلفة في الفروع فقط ومتفقة في الأصول كما قال الله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } الآية. فالدين الذي تكون أصوله مختلفا فيها هو أعجب الأديان بل هو باطل كملة الكفر، إذ هو حينئذ لا يشبه بدين من أديان الأنبياء الماضيين فضلا عن دين الإسلام.

ثم لا يخفى ان معنى الإمامة عند الغلاة [293] محض الحكومة وإجراء الأحكام والأوامر والنواهي وشأن من شؤون الألوهية، وعند غيرهم معناها نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا. والزيدية قاطبة لا يشترطون العصمة في الإمامة، ولا يحسبون النص في حقه ضروريا أيضا، بل الأفضلية عندهم لازمة أيضا، وإنما معنى الإمامة عندهم الخروج بالسيف، ويعتقدون الإظهار من عمدة شرائط الإمامة. والإسماعيلية – إلا النزارية – يشترطون العصمة، [294] وأما النزارية فهم لا يثبتونها بل يقولون إن الإمام غير مكلف بالفروع، ويجوز له كل ما أراد من السوء والفحشاء كاللواطة والزنا وشرب الخمر ونحوها. [295] ونقل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التهذيب [296] عن شيخه الملقب بالمفيد أنه قال: إن أبا الحسين الهاروني كان أولا شيعيا قائلا بالإمامة ثم لما التبس عليه أمر التشيع بسبب كثرة اختلاف الإمامية ووجد أخبارهم متناقضة متعارضة بغاية الكثرة والشدة رجع عنه وصار شافعيا، ومن كانوا استفادوا وتلمذوا منه في مدة عمره هذه اتبعوه في الرجوع وتبرأوا من المذهب. [297] والحق أن من تأمل في هذا المذهب تأملا صادقا وعثر على أخبار أصحابه واختلاف أقوالهم كا ينبغي فقد علم باليقين أن سبيل النجاة في هذا المذهب مسدود وطريق الخلاص من مضيق التعارض فيه مفقود، فبالضرورة يتركه ويرجع إلى المذاهب الأخرى إن كان من أهل الحق. وتفصيل ذلك أن الشيعة لهم روايات كثيرة متعارضة عن أئمتهم، بحيث يررون عن كل إمام كلاما مخالفا للإمام الآخر ومخالفا لكتاب الله وسنة رسوله، واحتمال النسخ هنا منتف البتة، إذ ناسخ كلام النبي لا يكون إلا نبيا آخر، ولا يجوز للإمام أن ينسخ أحكاما إلهية أو سنن النبي، وإلا فالإمام لا يكون إماما، إذ الظاهر أن الإمام نائب لا مخالف له ولا نبي مستقل. وأيضا لو قلنا بالنسخ لقلنا بالضرورة إن الإمام المتأخر ناسخ لكلام الإمام المتقدم، فصار مدار العمل على روايات الإمام المتأخر مع أن هؤلاء الفرقة قد أجمعوا في كثير من المواضع على العمل بروايات المتقدم. [298] وأيضا يمتنع النسخ في الأحكام المؤبدة أيضا وإلا يلزم تكذيب المعصوم، مع أن اختلاف رواياتهم قد وقع في الأحكام المؤبدة أيضا، فزال احتمال النسخ بالكلية، ووجوه ترجيح أحد الخبرين على الأخر لتوثيق رواتهم مطلقا مسدودة، لأن عدة كتب في مذهبهم قرروها كالوحي المنزل من السماء [299] وما أتى به أحد يحسبه الآخر من تراب الأرض، فلو وثقناها كلها بزعم علمائهم لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، وإذا قلنا ما قال بعض الإخباريين في حق بعضهم وشرعنا في الطعن والجرح عليهم بناء على قولهم يصيرون كلهم مطعونين ومجروحين فلم يظهر سبيل للترجيح أصلا، فبالضرورة لزم تساقط رواياتهم، وانجر الأمر إلى تعطيل الاحكام.

وهذه كلها في روايات فرقة واحدة منهم كالاثني عشرية مثلا، إذ كل عالم منهم يروي مخالفا لرواية الآخر. مثلا جمع منهم رووا بأسانيد صحيحة أن المذي لا ينقض الوضوء، [300] وجمع أخرون رووا كذلك أنه ينقض الوضوء. [301] وجماعة روت أن سجدة السهو لا تجب في الصلاة، وجماعة روت أنها تجب فيها، [302] والأئمة أيضا سجدوا للسهو. [303] وبعضهم يروون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، [304] وبعضهم يروون أنه لا ينقضه [305] وجمع يروون أن المصلي إن لعب عبث بلحيته أو بأعضائه الأخر لا تفسد صلاته، [306] وجمع يرون أن المصلي أن يلعب بخصيتيه وذكره تجز صلاته. [307] وهذه الأحوال توجد في جميع أخبارهم كما يشهد بذلك كتاب الفقيه.

ومن تصدى من علمائهم للجمع بين الروايات فقد أتى بأعمال عجيبة، وقد قدموا في هذا الأمر شيخ طائفتهم صاحب التهذيب [308] وغاية سعيه هو الحمل على التقية، [309] وقد حمل في بعض المواضع على التقية شيئا ليس ذلك مذهب أحد من المخالفين أو كان مذهبا ضعيفا بأن المخالفين لم يذهبوا إليه إلا أحد أو اثنان اختاروه، وظاهر أن الأئمة العظام لم يكونوا جبانين خائفين بهذا القدر حتى يبطلوا عباداتهم بتوهم أنه لعل أحدا اختار هذا المذهب ويكون حاضرا في هذا الوقت، معاذ الله من سوء الاعتقاد في جناب الأئمة! وفي بعض المواضع حمل جملة من الخبر على التقية وترك مدلول الجملة الثانية منه الذي هو مخالف لمذهب أهل السنة على حاله. ولو كانت التقية فلا معنى في اختيار التقية في جملة غير مخالفة والإظهار في جملة أخرى هي مخالفة لمذهب أهل السنة. فهل هم يعتقدون أن الأئمة كانوا – معاذ الله – براء من العقل والفهم؟ مثاله خبر علي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ أمره بغسل الوجه مرتين وبتخليل أصابع الرجلين حين غسلهما، [310] مع أن غسل الوجه مرتين مذهب الشيعة لا مذهب أهل السنة [311] فإنهم قد أجمعوا على كون التثليث مسنونا فلزم الجمع بين الإظهار والتقية! [312] وقد ارتكب في بعض المحال تأويلات ركيكة بحيث أسقط كلام الإمام عن علو مرتبة البلاغة. فمن تأويلهم لكلام السجاد الوارد عنه في دعائه أنه قال « إلهي عصيت وظلمت وتوانيت » وهذا الدعاء عن الأئمة الآخرين أيضا في كتبهم الصحيحة، وعلى كل من تقديري الصدق والكذب هو مناف للعصمة، وليس المحل محل التقية إذ حالة المناجاة لا تسعها وهم يقولون إن مراد الأئمة أن شيعتنا عصوا وظلموا وتوانوا ولكن رضينا بهم شيعة ورضوا بنا أئمة فحالنا حالهم وحالهم حالنا! سبحان الله، لو ثبت هذا الاتحاد في الأحوال بين الشيعة والأئمة كيف سرى عصيان الشيعة وظلمهم وتوانيهم في نفوس الأئمة ولم تسر طاعة الأئمة وعدلهم وعباداتهم في ذوات الشيعة؟ فحينئذ يلزم أن تغلب أحوال الشيعة على أحوال الأئمة وهي صارت مغلوبة، بل يلزم في ذوات الأئمة على هذا التقدير اجتماع أمور متناقضة كالفسق والصلاح والعصمة والمعصية والظلم والعدل، ولا يمكن أن تحمل أحوال الشيعة في حق الأئمة بالمجاز فإنه يمتنع في مثل هذه الأدعية التي يكون الحقيقة فيا من الكلام مقصودة كما هو الأظهر معاذ الله من سوء الاعتقاد! ولم يوجد قط في محاورة العرب والعجم نظير لنحو هذه التأويلات أصلا. وما يلزم – باعتبار علم الإعراب – من ركاكة الألفاظ ههنا غير خاف كحمل ضمير المتكلم الواحد على جمع الغائب وصيغة المتكلم على الغيبة. وباعتبار فن البلاغة من قباحة المعاني كإضافة المتكلم فعل الغير إلى نفسه من غير علاقة صارفة إلى المجاز من السببية والأمرية والمحلية والحالية وغير ذلك مما ذكر في موضعه، ومع ذلك ينسبون مثل هذا الكلام الفاسد إلى من بلغ الدرجة العليا من البلاغة. وما الذي يحمل الأئمة على أن ينسبوا ظلم شيعتهم وعصيانهم إلى أنفسهم فيلوثوا أذيالهم الطاهرة بتلك النسبة حتى جعلوا لمنكري عصمتهم سندا قويا وأضلوا جمعا كثيرا من الأمة بتلك الكلمات التي لم تكن ضرورية لهم حاشاهم ثم حاشاهم. وأيضا الأظهر والأجلى أن المسائل الفروعية قد وقعت فيها اختلافات القرون الأولى ولأهل السنة أيضا اختلافات فيما بينهم ولا يحسبونها في الفروع نقصانا للمختلفين فيها ولا يطاعنون ولا يعاتب فيها بعضهم بعضا. وكان كل واحد منهم في الزمن الأول يناظر ويحاجج في الفروع ويظهر مذهبه فيها ويقيم الدلائل عليه ويستنبط ويجتهد بلا مخافة ويضعف دلائل مخالفه جهرا. فأي شيء كان حاملا للأئمة على التقية في مسائل الفروع؟ ولقد ناظر الأمير في زمن الخليفة الثاني والثالث مناظرات كثيرة في بيع أمهات الأولاد وتمتع الحج ومسائل أخر حتى انجر الأمر من الجانبين إلى العنف ولم يتنفس أحد منهم ولا سيما الخليفة الثاني فإنه كان بزعم الشيعة في هذا الباب أكثر انقيادا [313] بحيث إذا ذكر أحد دليلا من الكتاب أو السنة بين يديه اعترف حتى ألزمته امرأة من نساء العوام في المغالاة بالمهر وهو صار معترفا وقائلا « كل الناس أفقه من عمر حتى المخدَّرات [314] في الحجال » [315] وعد الشيعة هذه القصة في مطاعنه فالأمير لم يكن ليستعمل التقية في المسائل الفروعية ويترك إظهار الحكم المنزل من الله الذي كان واجبا عليه إظهاره في ذلك الحين. وأيضا إن الأئمة المتأخرين كالسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا رضي الله تعالى عنهم كانوا قدوة أهل السنة وأسوة لهم، وعلماؤهم كالزهري وأبي حنيفة ومالك أخذوا العلم منهم. وقد روى محدثو أهل السنة عنهم في كل فن لا سيما في التفسير أحاديث كثيرة فأي حاجة لهؤلاء الكرام أن يرتكبوا التقية مخافة هؤلاء الناس؟ وهذا الكلام وقع في البين ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول:

(اختلاف الإمامية في أئمتهم)

اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة ولكنهم مختلفون في مقدارهم فقال بعضهم خمسة [316] وبعضهم سبعة [317] وبعضهم ثمانية وبعضهم اثنا عشر [318] وبعضهم ثلاثة عشر [319] وقالت الغلاة الأئمة آلهة أولهم محمد رسول الله ﷺ إلى الحسين ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد وهو الإله الأصغر وخاتم الآلهة ثم من بعده نوابه وهم من صلح من أولاد جعفر. [320] وذهبت فرقة منهم إلى أن الإمام في هذه الأمة اثنان: محمد ﷺ وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ممن كان لائقا لهذا الأمر من أولاد علي فهم نوابهما. [321] وقالت الحلولية: إن الإمام من يحل فيه الإله وجرى بينهم اختلاف فقال الكيسانية: إن الإمام بعد النبي ﷺ علي ثم محمد بن الحنفية. [322] وقالت المختارية منهم: إن الإمام بعد علي الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنفية. [323] وكل فرقة من فرق الشيعة ينقلون عن إمامهم المزعوم أخبارا وروايات في أحكام الشريعة ويدعون تواترها: فالفرقة الأولى من الكيسانية تقول: إن محمد بن الحنيفة ادعى الإمامة بعد موت أبيه وقد نص أبوه على إمامته. والفرقة الثانية أعني المختارية يقولون: إن ادعاء محمد بن علي [324] للإمامة قد وقع بعد شهادة الإمام الحسين، ولكن رجع في الآخر عن تلك الدعوى وأقر بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وروى الراوندي في ( معجزات السجاد ) [325] عن الحسين بن أبي العلاء وأبي المعزي حميد بن المثنى جميعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فقال: يا علي ألست تقر أني إمام عليك؟ فقال: يا عم لو علمت ذلك ما خالفتك وإن طاعتي عليك وعلى الخلق مفروضة، يا عم أما علمت أن أبي وصى؟ وتشاجرا ساعة فقال علي بن الحسين: بمن ترضى حتى يكون حكما بيننا؟ فقال محمد: بمن شئت. فقال: ترضى أن يكون بيننا الحجر الأسود؟ فقال: سبحان الله! أدعوك إلى الناس وتدعوني إلى حجر لا يتكلم؟ فقال علي: بلى يتكلم، أما علمت أنه يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد على من أتاه بالموافاة، فندنو أنا وأنت فندعو الله عز وجل أن ينطقه سبحانه لنا أينا حجة الله على خلقه فانطلقا ووقفا عند مقام إبراهيم ودنيا من الحجر الأسود وقد كان محمد بن الحنفية قال: لئن لم يجبك إلى ما دعوتني إليه إنك إذن لمن الظالمين فقال علي لمحمد: تقدم يا عم إليه فإنك أسن مني. فقال محمد للحجر: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة كل مؤمن إن كنت تعلم أني حجة الله على علي بن الحسين إلا ما نطقت بالحق فلم يجبه ثم قال محمد لعلي: تقدم فاسأله فتقدم علي فتكلم بكلام خفي ثم قال: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة أمير المؤمنين علي وبحرمة الحسن والحسين وفاطمة بنت محمد إن كنت تعلم أني حجة الله على عمي إلا ما نطقت بذلك وتثبت له حتى يرجع عن رأيه. فقال الحجر بلسان عربي مبين: يا محمد بن علي اسمع وأطع لعلي بن الحسين لأنه حجة الله عليك وعلى جميع خلقه، فقال ابن الحنفية عند ذلك: سمعت وأطعت وسلمت. [326]

والكيسانية يصدقون هذه الدعوى ولكنهم ينكرون شهادة الحجر بل يقولون بوقوع الشهادة على العكس. فإن الحجر شهد بدعاء محمد بن الحنفية واعترف علي بن الحسين بإمامته ويؤيدون ذلك بسكوت علي بن الحسين عن الإمامة بعد هذه الواقعة وشروع محمد ابن الحنفية بإرسال رسائله وكتبه إلى المختار وشيعة الكوفة الذين كانوا مشتغلين بقتال المروانية وكانوا يرسلون الهدايا والتحف والخمس إلى محمد بن علي لا إلى علي بن الحسين وما دعاهم علي بن الحسين إلى نفسه [327] وذكر القاضي نور الله التستري في ( مجالس المؤمنين ) أن محمد بن الحنفية لما مات اعتقد شيعته بإمامة ابنه أبي هاشم، وكان عظيم القدر، والشيعة متبعين له وأوصى محمد بن الحنفية بإمامته، فقد علم صريحا أن محمد بن الحنفية لم يرجع عن اعتقاده حتى فوض الإمامة إلى أولاده [328] وأيضا نقل القاضي كتاب محمد بن الحنفية الذي كان أرسله إلى المختار وشيعته الكوفة بهذه العبارة: أيها المختار اذهب أنت من مكة إلى الكوفة وقل لشيعتنا اخرجوا واطلبوا ثأر الإمام الحسين، وخذ البيعة من أهل الكوفة. قالوا إن أكثر أهل الكوفة قد تولوا عن سليمان بعد إظهار المختار كتاب محمد ابن الحنفية، فقال سليمان لشيعته: إن خرجتم من قبل محمد بن الحنفية فلا بأس به، ولكن إمامي علي بن الحسين. [329] انتهى كلامه. ويدل بالصراحة ما نقله القاضي من الكتاب وقوله « تولوا عن سليمان » على أن محمد بن الحنفية لم يكن رجع عن اعتقاده. وأيضا نقل القاضي [330] عن أبي المؤيد الخوارزمي الزيدي أن المختار أرسل إلى محمد بن الحنفية رءوس أمراء الشام مع كتاب الفتح وثلاثين ألف دينار إلى الإمام علي بن الحسين، وقد صلى هو ركعتين شكرا على هذه الموهبة، وأمر أن يعلقوا رءوس أهل الشام، وقد منعه ابن الزبير من التعليق وأمر بدفنها فدفنوها. [331] انتهى كلامه.

فقد تبين أن المختار كان معتقدا بإمامة محمد بن علي، ولا يحمل اعتقاده على التقية إذ لا ضرورة له عليها. وينبغي أن يستمع الآن كلام القاضي نور الله الآخر، ويفهم منه المدعى، فإنه نقل في أحوال المختار عن العلامة الحلي انه قال لا كلام للشيعة في حسن عقيدته، [332] غاية الأمر أنهم كانوا يعترضون على بعض أعماله ويذكرونه بالسوء فاطلع الإمام الباقر على ذلك فمنع الشيعة من التعرض للمختار وقال: « إنه قتل قتلتنا، وأرسل نقودا كثيرة » [333] فلا بد للعاقل أن يتأمل ههنا إذ يعلم من هذا الكلام أن إنكار إمامة إمام الوقت [334] لا يكون سببا للسب والشتم في حق ذلك المنكر. [335] بل يلاحظ محبته لأهل بيت الرسول، وجهاده أعداء الله، وإذلال الكفرة والانتقام منهم [336] وإعلاء كلمة الله تنجيه وتوجب فلاحه، وما يصدر منه من الشنائع يجب علينا أن نستره ونستغفر الله له. وهذا هو مذهب أهل السنة في حق من ينكر إمامة إمام وقته ولكنه متصف بهذه الصفات المذكورة.

وقالت ( الزيدية ): إن الإمام بعد الإمام الحسين زيد بن علي، ولا يقولون بإمامة علي بن الحسين لأن الخروج بالسيف شرط للإمامة عندهم، والسكوت والتقية منافيان لها ويررون أن زيد بن علي نقل عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين نصوصا وبشارات في حق إمامته، وكان زيد بن علي منكرا لجميع معتقدات الإمامية كما روى الزيدية والإمامية معا إنكاره. [337]

و ( الباقرية ) يعتقدون أن الإمام الباقر مهدي موعود، وحي لا يموت.

وكذلك ( الناووسية ) في حق الإمام الصادق، ويروون نصا صريحا بزعمهم عن الصادق وهو قوله « لو رأيتم رأسي تدهده – أي تدحرج – عليكم من هذا الجبل فلا تصدقوا، فإن صاحبكم صاحب السنين ».

وروى ( المهدوية ) من الإسماعيلية في حق إسماعيل بن جعفر نصه بالتواتر أن هذا الأمر في الأكبر، ما لم تكن به عاهة. ويكذبون الإمام الكاظم في دعوى الإمامة ويذكرونه بالسوء فإنه أنكر النص المتواتر بزعمهم كأبي بكر في حق علي.

وقالت ( القرامطة ) صار محمد إماما بعد أبيه إسماعيل.

و ( الأفطحية ) يعتقدون أن عبدالله بن جعفر إمام بلا فصل بعد أبيه لكونه شقيقا لإسماعيل، ولما مات إسماعيل بحضور أبيه وكان النص في حقه بعد موت أبيه أصاب ذلك الشقيق مضمون ذلك النص ميراثا لا غيره من بني العلات، [338] وكانت أم إسماعيل وعبد الله فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فهذان الأخوان كانا سيدين حسينين من الطرفين.

وقالت ( الموسوية ) إن الإمام بعد الصادق موسى الكاظم.

وقالت ( الممطورية ) هو حي لا يموت وهو القائم المنتظر، ويروون عن الأمير نصا متواترا في هذا المدعى أنه قال « سابعهم قائمهم! ». و ( الاثنا عشرية ) معتقدون الإمامية إلى الإمام العسكري بالاتفاق. ثم اختلفوا فقالت ( الجعفرية ) بإمامة جغفر بن علي، ويقولون: إن الإمام العسكري لم يخلف أبنا، بدليل أن تركته قد ورثها أخوه جعفر كما ثبت بالإجماع، ولو كان له ولد لم يصب جعفر ميراثه. وقيل كان للإمام العسكري ولد صغير مات في زمن أبيه. وروى الكليني عن زرارة أبن أعين عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال لا بد للغلام من غيبة. قلت: ولم؟ قال: يخاف! قلت: وما يخاف؟ فأومأ بيده إلى بطنه. [339] وفهم بعض الاثني عشرية معنى الإشارة « أن الناس كانوا يشكون في ولادته: سيقول بعض منهم سقط حمله، وبعض يقولون لم يكن حمل أيضا » [340] ولكن لا يخفى على العاقل أن إشارة الإمام إلى بطنه في جواب « ما يخاف؟ » تأبى هذا المعنى صريحا، لأن الجنين لا يكون له خوف، ولو وجد الخوف لا يندفع باختلاف الناس. [341]

هذا بالجملة، إنما المقصود من بيان اختلاف فرقتهم وادعاء كل منهم التواتر على مزعوماتهم هو أن يستدل بذلك على كذبهم وافترائهم؛ إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم أيضا لم يقع الاختلاف قط بينهم، ولم ينازع محمد بن الحنفية السجاد ولم يحكما الحجر الأسود! ولم يقع تنازع بين زيد بن علي والإمام الباقر، وبين جعفر بن علي وبين محمد المهدي، فإن أهل البيت أدرى بما فيه. ومن هذا ينبغي للعاقل أن يتفطن لكذب جميع فرقهم، فإن هذه كلها افتراءات لهم قرروا – على وفق مصلحة الوقت – إماما بزعمهم وأخذوا يدعون إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل وسقطوا في ورطة الضلال { إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون }.

هامش

  1. قال الطوسي: « الإمام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض ». كشف المراد في شرح صحيح الاعتقاد: ص 367. وقال المجلسي: « إن وجود الإمام لطف باتفاق جميع العقلاء، وأنه لا بد أن يكون معصوما... ». بحار الأنوار: 51/213.
  2. قال الآلوسي الجد في نهج السلامة إلى مباحث الإمامة: « إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تسارعوا إلى نصب الإمام حتى قدموه على تجهيزه ودفنه عليه الصلاة والسلام، وتبعهم عليه سائر الأمة في كل زمان، عقيب موت السلطان... » وقال « إن نصب الإمام دفع ضرر عام مظنون، وكل ضرر عام مظنون يجب على العباد دفعه إن قدروا عليه إجماعا، ولا يخفى أن بعض هذه الأوجه لا يثبت أكثر من الوجوب ».
  3. روى ابن بابويه القمي في باب أن الإمامة عهد من الله تعالى عن علي بن فضال قال: « سأل إسماعيل بن عمار أبا الحسن الأول عليه السلام فقال له: فرض الله على الإمام أن يوصي قبل أن يخرج من الدنيا ويعهد؟، فقال: نعم، قال فريضة من الله؟ فقال نعم ». الإمامة والتبصرة: ص 37.
  4. وإليه ذهب ابن المطهر الحلي في كتابه الألفين: ص 21.
  5. وهذا ما قاله الطوسي: « أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم. ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر. قلنا: وكذلك الإمام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلو عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي... ». كتاب الغيبة: ص 14.
  6. في ص 62 من طبعة إيران سنة 1287 وعنوان الباب « باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم » وكتاب الكافي للكليني عند هذه الطائفة بمنزلة صحيح البخاري عند المسلمين.
  7. وفي بخاريهم الذى يسمونه الكافي للكليني (1/279 ) ص 68 باب مستقل عنوانه « باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئا ولا يفعلونه إلا بعهد من الله وأمر لا يتجاوزونه ».
  8. قال ابن كثير عن زكريا: اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا أو قتلا؟ على روايتين... منها قول وهب بن منبه إنه هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ فأوحى الله إليه: لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنين، وروي عنه ابن منبه أيضا أنه قال: إن الذي انصدعت له الأرض هو أشعيا، فأما زكريا فمات موتا. قصص الأنبياء: ص 549.
  9. قال ابن كثير: ذكروا في مقتل يحيى عليه السلام أسبابا أشهرها: « أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق، كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسه منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها فيقال: إنها هلكت من فورها وساعتها ». قصص الأنبياء: ص 551.
  10. وفي الحديث: « قال رسول الله ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام ». المسند: 2/148؛ الطبراني، المعجم الكبير: 3/36؛ وصححه في صحيح الجامع 3181.
  11. روى ابن بابويه عن عيسى الخشاب قال: « قلت للحسين بن علي عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا ولكن صاحب هذا الأمر الطريد الشريد الموتور بأبيه المكنى بعمه يضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر ». كمال الدين: ص 318؛ المجلسي بحار الأنوار: 51/133.
  12. صاحب الزمان وقد يسمونه صاحب الدار هو الصبي الذي زعموا أنه إمامهم الثاني عشر ودخل السرداب صبيا في مدينة سر من رأى ومنذ أكثر من ألف سنة يدعون بأن يعجل الله فرجه ويرمزون لهذا الدعاء بهذين الحرفين (ع. ج) أو (عج)، منتظرين خروجه من السرداب وبيده السيف فيذبح البشر جميعا وفي مقدمتهم المسلمين أهل السنة والجماعة ويمحقهم محقا وليس في الشيعة شاعر إلا له قصيدة في صاحب الزمان ساكن السرداب والدعاء بأن يعجل الله فرجه وحتى البهاء العاملي صاحب الكشكول وخلاصة الحساب له قصيدة يغني فيها على ألحان هذه الموسيقى ولهم في بلدة قم رئيس يزعمون أنه آية الله وهو يمثل خدمة صاحب الزمان ويجمع الصدقات باسمه لا لأن الإمام يحتاج إلى ما في أيدى الناس بل لأن الناس يحتاجون أن تقبل صدقاتهم منه! وقد أراد مندوب جريدة الأخبار المصرية أن يجتمع به فسافر إليه ولقي في ذلك أعظم المشقات، ومع ذلك لم يتوصل إلى رؤية صاحب هذا المقام الرفيع لأن خادم صاحب السرداب يجب أن يكون هو الآخر في سرداب!.
  13. أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: « قال رسول الله ﷺ: المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يملك سبع سنين ». سنن أبي داود، كتاب المهدي: 4/107، رقم 4285؛ وحسنه في صحيح الجامع 6736.
  14. تنزيه الأنبياء: ص 181.
  15. يعتقد الإمامية أن إمامهم الثاني عشر ما زال منذ اختفاءه منذ أكثر من مائتي وألف عام حيا يرزق، قال الكفعمي: « يستحب زيارة المهدي في كل زمان ومكان والدعاء بتعجيل فرجه ( صلوات الله عليه ) عند زيارته، وتتأكد زيارته في السرداب بسر من رأى... ». البلد الأمين: ص 309.
  16. في رواية نعيم بن حماد عن الزهري أنه قال: « يخرج المهدي من مكة ». الفتن: 1/351. وعند الإمامية أكثر من رواية في ذلك منها ما رواه محمد بن جمهور عن أبي جعفر أنه قال: « يخرج القائم بمكة »..
  17. ينظر السنن الواردة في الفتن: 5/1092؛ وما أورده نعيم بن حماد، الفتن: 1/365.
  18. ذكره القنوجي في أبجد العلوم: 3/221.
  19. أسسها إسماعيل الصفوي في إيران ( 1600 – 1620م )، الذي أظهر عقيدة الإمامية في إيران، وقتل كل من يعارضها من العلماء والعامة، قال الشوكاني: « كاد أن يدعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره »، وقال قطب الدين الحنفي الشوكاني: « قتل ألف ألف نفس بحيث لا يعهد في الجاهلية ولا في الإسلام ولا في الأمم السابقة من قتل من النفوس ما قتل الشاه إسماعيل، وقتل من أعاظم العلماء بحيث لم يبق من أهل العلم أحد في بلاد العجم وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم وكان شديد الرفض »، مات سنة 931ه/ 1620م. البدر الطالع: 1/271؛ أعيان الشيعة: 3/321.
  20. إشارة إلى ما قاله المرتضى لتبرير اختفاء الإمام الغائب المزعوم في السرداب تأسيا باختفاء النبي ﷺ في الغار. تنزيه الأنبياء: ص 184
  21. قال الطوسي: « أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد، واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تعالى تلك المدة مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم. ومتى قالوا: إنما اختفى بعدما دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر. قلنا: وكذلك الإمام لم يستتر إلا وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته، ودلوا عليه، ثم لما خاف عليه أبوه الحسن بن علي... ». كتاب الغيبة: ص 15.
  22. « أسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم ». لسان العرب: مادة أسر: 4/19.
  23. حاشية الشيء. اللسان: مادة طرر: 4/50.
  24. قاشان، تبعد عن قم اثنا عشر فرسخا
  25. قال ابن المطهر الحلي: « ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمدا وسهوا، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم كحال النبي... ». نهج الحق: ص 164. وقال الميلاني: « إن كل الأدلة تدل على أنهم [ أي الأئمة ] معصومون من الخطأ والنسيان ». العصمة: ص 38.
  26. في رواية طويلة عن الرضا أنه قال: « إن الله عز وجل قال في كتابه: { إني جاعل في الأرض خليفة } والخليفة المجعول فيها آدم عليه السلام ». عيون أخبار الرضا: 2/10. وقال ابن أبي الحديد: « إن الإنسان يستحق أن يسمى خليفة الله في أرضه وهو المعنى من قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة } ». شرح نهج البلاغة: 18/352.
  27. الكافي: 8/358؛ نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 11/101.
  28. أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي الكوفي الأخباري، عده الطوسي من رجال علي ومن أصحاب الحسن والحسين رضي الله عنهم ا ( فهرست الطوسي: ص 381 )، ولكن الحلي ومحققي الإمامية قالوا إن الراجح أن الطوسي يعني أباه يحيى ( الخلاصة: ص 136 ).
  29. في كتب الإمامية ( حزَّ ).
  30. الأربلي، كشف الغمة عن معرفة الأئمة: 2/35.
  31. قال عنها الطهراني: « الصحيفة السجادية الأولى المنتهى سندها إلى الإمام زين العابدين المعبر عنها ( أخت القرآن ) و ( إنجيل أهل البيت ) و ( زبور آل محمد )... وهي من المتواترات عند الأصحاب... ». الذريعة: 15/18.
  32. السجاد هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
  33. قال نصير الدين الطوسي: « وامتناع التسلسل يوجب عصمته، ولأنّه حافظ للشرع، لوجوب الإنكار عليه لو أقدم على المعصية فيضاد أمر الطاعة، ويفوت الغرض من نصبه، ولانحطاط درجته عن أقل العوام ». كشف المراد في شرح صحيح الاعتقاد: ص 264.
  34. ويسمى عند الإمامية المرجع الديني أو آية الله أو الحجة، وهو بمثابة الحكومة أو الحاكم، فقد جاء: « اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين أو للنبي أو وصي نبي ». الكافي: 7/406؛ من لا يحضره الفقيه: 3/5. قال الشوشتري: « فإن المأذون من قبلهما [ النبي أو الوصي ] ينطبق عليه عنوان الوصي ولو عناية كوكيل الوصي، فيكون المجتهد ممن عهد إليه هذا المنصب، وظاهر الرواية المتقدمة نفي الولاية العرضية عن غير النبي والإمام عليهما السلام لا نفي الولاية الطولية الحاصلة بالأذن ». منتهى الدراية: 8/409.
  35. قال المجلسي: « فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول، فسدوا على نحو ما بينّا، وغُيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين ». بحار الأنوار: 23/19.
  36. قال القرطبي: « الربانيون وأحدهم رباني منسوب إلى الرب والرباني الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور ». الجامع لأحكام القرآن: 4/122. وقال المجلسي: « الربانيون الذين علت درجتهم في العلم والأحبار العلماء الكبار { بما استحفظوا } أي بما استودعوا من كتاب الله وبما أمروا بحفظ ذلك والقيام به وترك تضييه ». بحار الأنوار: 13/202.
  37. جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي الحلي ( ت 726 ). الذريعة: 18/73.
  38. المرجع الديني
  39. أي رسول الإمام
  40. قال ابن المطهر الحلي: « يجب أن يكون الإمام منصوصا عليه من قبل الله تعالى ليعلم استحالة ذلك منه، وذلك هو المعصوم ولا يحسن من الحكيم توليته غير المعصوم ». الألفين: ص 83، وقال الطبرسي: « إن الإمام لا بد أن يكون معصوما منصوصا عليه ». أعلام الورى: ص 206.
  41. قال ابن كثير: « قيل: كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعيَّنه للملك عليهم ». قصص الأنبياء: ص 482.
  42. قال ابن المطهر الحلي: « ذهبت الإمامية كافة إلى أن الإمام بعد رسول الله ﷺ هو علي بن أبي طالب عليه السلام، وقالت السنة إنه أبو بكر بن أبي قحافة ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، وخالفوا المعقول والنقول... »!!. نهج الحق: ص 171 وانظر منهاج السنة النبوية.
  43. ابن شهر آشوب المازندراني، مناقب آل أبي طالب: 4/35.
  44. الإربلي، كشف الغمة: 1/571؛ وعنه المجلسي، بحار الأنوار: 44/64. وأخرج المرتضى رواية قريبة في تنزيه الأنبياء: ص 171.
  45. ومعاوية نفسه رضي الله عنه يرى بدء خلافته من يوم مبايعة الحسن رضي الله عنه له بالخلافة، ومع ذلك فإنه في عشرين سنة تقدمت على ذلك مدة الخلافة الصديق والفاروق وذي النورين إلى عام الجماعة كان الحاكم المثالي في العدل والحكمة والسيرة الصالحة، ثم كان كذلك في عشرين سنة أخرى تولى فيها جميع أمور المسلمين عادلا مجاهدا فاتحا صالحا. روى الإمام الحافظ الثقة أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الأثرم المتوفى بعد سنة 270 وكان من أعلام المسلمين قال: حدثنا محمد بن حواش عن أبي هريرة المكتب قال: كنا عند سليمان بن مهران الأعمش ( المتوفى سنة 148 في خلافة أبي جعفر المنصور ) فذكر عمر ابن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله. وذكر أبو إسحاق السبيعي معاوية فقال: « لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم كان المهدي ».
  46. قال ابن تيمية: « ومنهم من يقول: بل معاوية مجتهد مخطئ، وخطأ المجتهد مغفور، ومنهم من يقول بل المصيب أحدهما لا بعينه، ومن الفقهاء من يقول كلاهما كان مجتهدا، لكن علي كان مجتهدا مصيبا، ومعاوية كان مجتهدا مخطئا، والمصيب له أجران والمخطئ له أجر، ومنهم من يقول: بل كلاهما مجتهد مصيب، بناء على قولهم كل مجتهد مصيب، وهو قول الأشعري، وكثير من أصحابه وطائفة من أصحاب أحمد وغيره ». منهاج السنة النبوية: 4/392.
  47. بل قال الشيعة أكثر من ذلك، والمؤلف يخاطب الشيعة بعقليتهم ليعود بعد ذلك فينقض كل ما تظاهر به لهم. أما المنصفون من أعلام أمة محمد ﷺ فيقولون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 3: 185 ): « لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيرا من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده. وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. وقد روى أبو بكر الأثرم – ورواه ابن بطة من طريقه – عن محمد بن عمر بن جبلة عن محمد بن مروان عن يونس بن عبيد البصري عن قتادة بن دعامة السدوسي أحد أعلام الإسلام في البصرة أنه قال: « لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي ».
  48. ينظر: محسن الطباطبائي، حقائق الأصول: 1/191؛ والخميني في تهذيب الأصول: 1/227.
  49. نهج البلاغة
  50. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 7/297.
  51. ابن بابويه، الأمالي: ص 97؛ الطوسي، الأمالي: ص 364. قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: « وما ذكره في الحديث من قوله حربك حربي لم يذكر له إسنادا فلا يقوم به حجة فكيف وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث »..
  52. أخرجه الترمذي في كتاب الفضائل، باب فضل فاطمة رضي الله عنها: 5/699، رقم 3870 وقال عنه: « حديث غريب وإنما نعرفه من هذا الوجه، وصبيح مولى أم سلمة غير معروف »؛ وأخرجه أحمد في المسند: 2/442، رقم 9696؛ والطبراني في المعجم الكبير: 3/40، رقم 2620؛ قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم، مجمع الزوائد: 9/169؛ والحديث قال عنه ابن الجوزي: وهذا حديث لا يصح، العلل المتناهية: 1/268؛ وهو في ضعيف الترمذي: ص 813. وأخرجه من الإمامية: عماد الدين الطبري، بشارة المصطفى: ص 61؛ ابن طاوس، الطرائف: 1/132؛ المجلسي، بحار الأنوار: 24/261؛ العاملي، الوسائل: 24/261؛
  53. بل حكم الشيعة بأنهم عصاة لم يخرجوا عن الإسلام. ينظر الراوندي، فقه القرآن: 1/367؛ الكراكجي، كنز الفوائد: 1/158.
  54. ذهب الإمامية إلى أنها نزلت بشأن الأئمة، فعن عبد الله بن سنان قال: « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن قوله عز وجل... الآية، قال نزلت في علي بن أبي طالب والأئمة من ولده عليهم السلام و( ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي ) قال: عني به ظهور القائم ». كنز الدقائق: 9/335؛ تفسير الصافي: 3/443؛ البحراني، البرهان: 4/145؛ وروى الكليني عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية، فقال: « إنهم الأئمة عليهم السلام ». الكافي: 1/193.
  55. من الشيوع والعموم
  56. تنزيه الأنبياء: ص 135.
  57. المؤلف يتكلم بلغة الدين يخاطبهم من الشيعة كما تقدم التنبيه على ذلك ليتمكن من نقض مزاعمهم وإبطالها.
  58. وهما أن يمكن الله لهم دينهم الذى ارتضى لهم، أن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
  59. ليست في كتب أهل السنة، بل من روايات الإمامية: ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 4/179؛ المجلسي، بحار الأنوار: 18/178.
  60. قال الآلوسي الجد: « أقامها بعض أهل السنة دليلا على الشيعة في اعتقادهم عدم صحة خلافة الخلفاء الثلاثة، ولم يستدل بها على صحة خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه... إن الله تعالى وعد فيها جمعا من المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت نزولها بما وعد من الاستخلاف، وما معه ووعده سبحانه الحق، ولم يقع إلا في عهد الثلاثة، والإمام المهدي لم يكن موجودا حين النزول قطعا بالإجماع، فلا يمكن حمل الآية على وعده بذلك، والأمير كرم الله تعالى وجهه وإن كان موجودا إذ ذاك لكن لم يرج الدين المرضي، كما هو حقه في زمانه رضي الله تعالى عنه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ حالا بزعمهم مما كان في عهد الكفار، كما صرح بذلك المرتضى في ( تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام )، بل كل كتب الشيعة تصرح بأن الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم ويظهرون دين المخالفين تقية، ولم يكن الأمن الكامل حاصلا في زمانه رضي الله تعالى عنه، فقد كان أهل الشام ومصر والمغرب ينكرون أصل إمامته ولا يقبلون أحكامه، وهم كفرة بزعم الشيعة... فإن حمل لفظ الجمع على واحد خلاف أصولهم، إذ أقل الجمع عندهم ثلاثة أفرد، وأما الأئمة الآخرون الذين ولدوا بعد، فلا احتمال لإرادتهم من الآية إذ ليسوا بموجودين حال نزولها، ولم يحصل لهم التسلط في الأرض، ولم يقع رواج دينهم المرتضى لهم، وما كانوا آمنين بل كانوا خائفين من أعداء الدين متقين منهم، كما أجمع الشيعة، فلزم أن الخلفاء الثلاثة هم مصداق الآية فتكون خلافتهم حقة، وهو المطلوب ». روح المعاني: 18/205.
  61. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 9/99.
  62. ردا على الإمامية الذين قالوا: « والصحيح أن المراد بالداعي هو النبي صلى الله عليه وآله، لأنه دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال أقوام ذوي نجدة وشدة، مثل أهل خيبر والطائف ومؤتة... ». مجمع البيان: 5/115؛ كنز الدقائق: 12/286.
  63. يعني من قاتل علي بن أبي طالب في خلافته، وخاصة أهل صفين كما نقل عن الإمامية، وبذلك صرح المازندراني في المناقب: 3/164؛ وقال أيضا: « المعني به أمير المؤمنين عليه السلام في قتال الخوارج ». متشابه القرآن: 2/68.
  64. لذا قال القمي في تفسير هذه الآية: « هو مخاطبة لأصحاب رسول الله ﷺ، الذين غصبوا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم، وارتدوا عن دين الله، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه... ». تفسير القمي: 1/170؛ وأخرجها أيضا الصافي في تفسيره: 2/42.
  65. أي عند الشيعة. والمؤلف يخاطبهم في هذا الكتاب باسلوبهم وعقليتهم وأدلتهم وبالمسلمات عندهم.
  66. إشارة إلى رواية الكليني عن زرارة عن أبي عبد الله أنه قال: « لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا ». الكافي: 2/388. وينظر ما قاله أغا العراقي في نهاية الأفكار: 3/190.
  67. نهج البلاغة
  68. أي الخليفة الأول
  69. أي عساكر الأمير
  70. أي سيعطيهم الله الغلبة عليكم
  71. « القعب: قدح من خشب مقعر ». لسان العرب: مادة قعب، 1/683.
  72. « حي مشهور بالشجاعة ». شرح نهج البلاغة: 1/341.
  73. لأرمية: « جمع رمي وهو السحاب، والحميم ها هنا وقتا الصيف، وإنما خص الشاعر هنا سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفوا ». شرح نهج البلاغة: 1/342
  74. تاريخ دمشق: 10/361؛ نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 3/75؛ البداية والنهاية: 8/12.
  75. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 10/67.
  76. فمن هذه صفاته لا يدخل تحت قوله تعالى: { يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله حق جهاده ولا يخافون لومة لائم } فأين هم من الجهار؟ وهذه المعاناة ليست خاصة بعلي، ففي رواية أخرجها الطوسي عن أبي حمزة الثمالي قال: « قال أبو عبد الله عليه السلام لطائفة من شيعته: وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي! ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وأمهاتكم ولو قام القائم ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك ولأقام في كثير منكم حد النفاق ». تهذيب الأحكام: 6/172.
  77. يعني الأوصاف الواردة في الأية { فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين …}
  78. أي ذم أمير المؤمنين شيعته وجنده، والوصف القرآني الوارد في الآية.
  79. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 12/3؛ تاريخ دمشق: 59/128.
  80. من ذلك ما نقله المجلسي من كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنهم ا أنه قال: « فقد آن لك أن تجيب ما فيه صلاحنا وألفة بيننا... ». بحار الأنوار: 32/538.
  81. أي وجودهم في نطاق حكمه دون أن يقام عليهم الحد الشرعي.
  82. الأوَد: هو العوج. شرح نهج البلاغة: 6/102.
  83. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 12/223. وقال ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة: « وفلان المكنى عمر بن الخطاب، وفي النسخة التي بخط الرضي أبي الحسن جامع ( نهج البلاغة ) وتحت فلان عمر »
  84. أي في هذا التعليل البارج من الشيعة.
  85. زيادة من نهج السلام
  86. أي إلا عن اعتقاد بصدق ما يقوله.
  87. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس: 3/230؛ وهو في السلسلة الضعيفة: 3/1399.
  88. نذكر القارئ بان المؤلف يجاري القوم بما فيه إلزام لهم مما يعتقدونه ويسلمون بصحته.
  89. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 10/210؛ والطبراني، المعجم الكبير: 19/418؛ وهو في ضعيف الجامع: 1/104.
  90. قال عنه الذهبي: « الملحد عدو الله... كان يلازم الرافضة والملاحدة »، مات سنة 245ه. وفيات الأعيان: 1/94؛ سير أعلام النبلاء: 14/59.
  91. أي لا يمكن أن يصح هذا لأحد والنبي ﷺ حي.
  92. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 12/5.
  93. بيت للمتنبي: وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ ** أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ
  94. من صناديد متعصبي الشيعة في القرن السابع الهجري، له ترجمة في روضات الجنات ص 386 الطبعة الثانية.
  95. كشف الغمة عن معرفة الأئمة: 2/148. وأخرجه من أهل السنة أبو نعيم، حلية الأولياء: 3/185؛ وعزاه ابن حجر الهيثمي إلى الدارقطني كما في الصواعق المحرقة: ص 79.
  96. أي في اعتقاد الخصم.
  97. قال ذلك نور الله الشوشتري في الصوارم المهرقة: ص 236.
  98. روى الكليني عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله قال في تفسير هذه الآية: « فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين فوضع كل قوم على قدر درجتهم ومنازلهم ». الكافي، باب السبق إلى الإيمان: 2/41؛ تفسير العياشي: 2/105.
  99. وفي الكافي عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله في قوله تعالى: { حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } يعني الأمير، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان: الأول والثاني والثالث ». الكافي: 1/426. ويعني بهم الخلفاء الثلاثة، وأخرج الرواية أيضا الحويزي في تفسيره: نور الثقلين: 5/22.
  100. من سورة الحشر: { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون }
  101. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 8/112.
  102. في المطبوع ونهج السلامة ( همت )، والتصحيح من نهج البلاغة.
  103. في الصحيفة السجادية: ( ومضوا على شاكلتهم ).
  104. في المطبوع: ( يتهم ريب في قصدهم ).
  105. الصحيفة السجادية: ص 40.
  106. ص 164 طبعة إيران سنة 1278.
  107. ومن رضي الله عنه لا يسخط عليه إلا عدو لله.
  108. الكافي: 2/ 33 – 34؛ تفسير العياشي: 2/105.
  109. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 15/76.
  110. دعوى الإجماع باطلة. وقد روى ابن جرير الطبري ( 6: 186 ) عن ابن أسحاق عن والده اسحاق بن يسار أنها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه لبراءته من حلف بنى قينقاع لما حاربوا النبي ﷺ فمشى عبادة إلى النبي ﷺ وخلع بنى قينقاع وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم وولايتهم، ففيه نزلت الآية لأنه قال: أتولى الله ورسوله والذين أمنوا.
  111. قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: « وأما قوله { وهم راكعون } فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله { ويؤتون الزكاة } أى في حال ركوعهم، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أهل الفتوى. وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب أن هذه الأية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه ( وبعد أن أستعرض روايات من يروى ذلك قال: ) وليس يصح شئ منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم نقل عن الطبري أن عبد الملك سأل أبا جعفر عليه السلام عن هذه الأية: من الذين آمنوا؟ قال أبو جعفر: الذين آمنوا. قلنا: بلغتا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا. فإذا كان محمد الباقر وهو حفيد علي بن أبي طالب يقول هذا، فمن الفضول التزيد عليه لشهوة تحميل الآية ما لا تحتمله من تجريح خلافة المسلمين، وإيذاء علي بن أبي طالب في إخوانه الذين عاش ومات على محبتهم وولايتهم.
  112. هذا مع اختلاف قليل كلام ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 172. وهو يلخص احتجاج الإمامية بهذه الآية، ينظر تفسير الطبرسي المسمى مجمع البيان: 2/209؛ والبرهان للبحراني: 2/315.
  113. إبراهيم بن حيدر بن أحمد الكردي الشافعي، له مؤلفات عديدة، توفي سنة 1151ه. معجم المؤلفين: 1/27
  114. اشتهر بالقراءة والتفسير رغم ضعفه في الحديث. ميزان الاعتدال: 6/115؛ طبقات المفسرين: ص 94.
  115. السيوطي، الدر المنثور: 3/106. وأخرج الطبري وأبو نعيم عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله: « { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } قال: أصحاب محمد ﷺ، قلت يقولون: علي؟ قال: علي منهم ». تفسير الطبري: 6/288؛ حلية الأولياء: 3/185.
  116. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة ( مقدمة أصول التفسير ) ص 39 طبع المطبعة السلفية عند تنبيه على تفسير الرافضة هذه الآية بأن المراد بها علي بن أبي طالب: « ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة ». فالقصة إذن مكذوبة على كتاب الله من أصلها بإجماع أهل العلم، وليست هذه بأول دسائسهم ولا بأخرها.
  117. في المطبوع ( الكليني )، والصحيح أنه أبو النضر محمد بن السائب الكلبي، تركه معظم المحدثين، مات سنة 147ه. ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال: 6/114؛ ابن حجر، تهذيب التهذيب: 9/157.
  118. وكلاهما من صناديد التشيع. قال النسائي عن أبي صالح: ليس بثقة، وقال عنه ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير. ميزان الاعتدال: 2/3؛ تهذيب التهذيب: 1/364
  119. تفسير الثعالبي: 1/471، وقد نقل مفسرو الإمامية هذه الرواية عن الثعالبي: مجمع البيان: 2/209؛ جوامع الجامع: 1/337..
  120. وفيات الأعيان: 4/310.
  121. تفسير الطبري: 6/287؛ السيوطي، الدر المنثور: 3/98.
  122. الدر المنثور: 3/105.
  123. قال ابن منظور: « الولي هو الناصر، وقيل هو المتولي لأمور العالم المتصرف فيها... ». لسان العرب: مادة ولي، 16/406.
  124. أي قوله تعالى: { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم }.
  125. أوردها صاحب المحصول: 1/448 من أهل السنة وأوردها من الإمامية المرتضى في الذريعة في أصول الشيعة: 1/307؛ والمقتول الثاني في تمهيد القواعد: ص 216.
  126. الذريعة في أصول الشيعة: 1/305.
  127. بل ولم يقع منه أيضا بإجماع أهل العلم.
  128. قال الآلوسي الجد: « { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } بدل من الموصل الأول [ أي الذين آمنوا ] أو صفة له باعتبار مجرى الأسماء؛ لأن الموصول إلى وصف المعارف بالجمل والوصف لا يوصف إلا بتأويل ». روح المعاني: 6/167.
  129. قال النووي: الركوع في اللغة الانحناء، وقال الماوردي هو الخشوع. المجموع: 3/396.
  130. قال ابن العربي: « لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع ههنا السجود، فإن السجود هو الميل والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدخل على الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد بهيئته، ثم جاء هذا على تسمية أحدهما بالآخر فسمى السجود ركوعا ». الجامع لأحكام القرآن: 15/182.
  131. قرر ذلك الطبرسي بقوله: « وهذا حكم جميع ما ورد في القرآن مجملا ». مجمع البيان: 1/190..
  132. قال الطبرسي: « إن الخطاب لليهود، ولم يكن في صلاتهم ركوع ». مجمع البيان: 1/190.
  133. أي علم المنطق
  134. ضعيف الترمذي: 1/798.
  135. الحديث موضوع حسب ابن الجوزي في العلل المتناهية: 1/253.
  136. أي من الاستدلالات القرآنية في مغالطات الشيعة.
  137. كذا ادعى ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 173.
  138. ابن عساكر، تاريخ دمشق: 69/150؛ السيوطي، الدر المنثور: 6/602.
  139. من سورة الأحزاب: { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا }
  140. والحديث موضوع حسب ابن الجوزي في العلل المتناهية: 1/253.
  141. وهو مذهب جمهور المفسرين، ينظر البرهان في علوم القرآن: 1/32؛ السيوطي، الإتقان: 1/89.
  142. قال ابن تيمية: « وهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهى، ويدل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن، ويدل على أن قوله: { ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } عمّ غير أزواجه كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، لأنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خصوا بكونهم من أهل البيت من أزواجه، فلهذا خصهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء، كما أن مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده ﷺ أيضا أسس على التقى وهو أكمل في ذلك... ». منهاج السنة النبوية: 4/23 – 24.
  143. أخرجه الطبراني، المعجم الكبير: 19/263. قال عنه الهيثمي: « وإسناده حسن ».
  144. سنن ابن ماجه: 2/1222.
  145. قال الآلوسي الجد: « واختلف في لام ليذهب فقيل زائدة وما بعدها في موضع المفعول به ليريد فكأنه قيل يريد الله إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم وقيل للتعليل ثم اختلف هؤلاء فقيل المفعول محذوف أي إنما يريد الله أمركم ونهيكم ليذهب أو إنما يريد منكم ما يريد ليذهب أو نحو ذلك ». روح المعاني: 13/ 21 – 22.
  146. قال الآلوسي الجد: « وأل في البيت للعهد، وقيل عوض عن المضاف إليه أي بيت النبي، والظاهر أن المراد به بيت الطين والخشب لا بيت القرابة والنسب وهو بيت السكنى لا المسجد النبوي كما قيل، وحينئذ فالمراد بأهله نساؤه المطهرات للقرائن الدالة على ذلك من الآيات السابقة واللاحقة مع أنه عليه الصلاة والسلام ليس له بيت يسكنه سوى سكناهن ». روح المعاني: 12/19.
  147. قال ابن حيان: « الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص، فاذهب الله جميع ذلك على أهل البيت ». البحر المحيط: 8/478.
  148. قال ابن منظور: « وبعد اللتيا: هذا مما يعبر به عن الدواهي ». لسان العرب: مادة نقر، 5/228.
  149. بأن يكون فاصل قبل ولايته
  150. أى من الاستدلالات القرآنية في مغالطات الشيعة.
  151. قال مجيد الخليفة: وهذا الحديث لا يصح من حيث السند لوجود ثلاثة من الضعفاء فيه، فحرب بن الحسن الأزدي، ضعفه الأزدي كما في لسان الميزان: 2/184، وقيس بن الربيع قال عنه النسائي: « متروك الحديث » كما في الضعفاء والمتروكين: ص 88؛ ونقل ابن الجوزي عن يحيى قوله: « ليس بشيء، فقد كان يتشيع وكان كثير الخطأ في الحديث »، الضعفاء والمتروكين: 3/19؛ أما حسن بن حسين الأشقر، فإنه أسوؤهم حالا، فقد اتهمه ابن عدي، وقال الذهبي: « هو رافضي » كما في المغني في الضعفاء: 1/170. ولذلك قال ابن تيمية: « إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهم المرجوع إليهم في هذا.. ». منهاج السنة النبوية: 7/99، وحكم عليه بالضعف والوهن في سنده أيضا الحافظ ابن حجر عندما قال: « وإسناده ضعيف وهو ساقط لمخالفته الحديث الصحيح... »، ويعني حديث ابن عباس رضي الله عنهم ا الذي سيورده الآلوسي بعد قليل. فتح الباري: 8/564.
  152. كذا قال ابن المطهر الحلي في مناج الكرامة
  153. تفسير ابن كثير: 4/106.
  154. تفسير ابن كثير: 4/79؛ الدر المنثور: 7/248.
  155. تفسير ابن كثير: 4/79؛ الدر المنثور: 7/248.
  156. صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قوله تعالى: ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ): 4/1819.
  157. قال الرازي: « معنى الآية أني لا أسألكم على الدعوة والتبليغ إلا المودة والمحبة لأجل قربتي بكم ». التفسير الكبير: 14/167.
  158. فالأنبياء لا يرجون الأجز من الخلق بل من الخالق.
  159. قال ابن بابويه: « إن الله تعالى جعل أجر نبيه ﷺ على أداء الرسالة وإرشاد البرية مودة أهل البيت عليهم السلام... ». ثم أورد قوله تعالى: ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ). شرح اعتقادات الصدوق: ص 118.
  160. توفي سنة 576. تذكرة الحفاظ: 4/1298؛ طبقات الحفاظ: ص 469.
  161. الحديث فيه عمر بن إبراهيم بن خالد الكردي الهاشمي مولاهم، قال عنه الدارقطني: « كذاب خبيث »، وقال الذهبي عن هذا الحديث: « منكر جدا ». ميزان الاعتدال: 5/217؛ انظر تاريخ بغداد: 11/202؛ لسان الميزان: 4/280.
  162. في سنده عمر بن إبراهيم السابق ذكره
  163. ضعيف الجامع 2679
  164. ضعيف الجامع: رقم 2680.
  165. سنن الترمذي: 5/360، رقم 3709، وقال عنه: « هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ومحمد بن زياد صاحب ميمون بن مهران ضعيف في الحديث جدا ». ووضعه في ضعيف الجامع: رقم 2073.
  166. بهذا اللفظ أورده ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 215. لكن المشهور ما أخرجه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: « خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ». صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضائل أهل البيت: 3/1649، رقم 2081.. والخروج كان لللمباهلة كما صرحت رواية الترمذي. ينظر عارضة الأحوذي على صحيح الترمذي 8/279.
  167. ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 215.
  168. زيادة من السيوف المشرقة
  169. قال ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: « { وأنفسنا وأنفسكم } أي رجالنا ورجالكم، أي الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والرجال الذين هم من جنسكم، أو المراد التجانس في القرابة فقط، لأنه قال: أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم، فذكر الأولاد وذكر النساء والرجال، فعلم انه أراد الأقربين إلينا من الذكور والإناث من الأولاد والعصبة، ولهذا دعا الحسن والحسين من الأبناء، ودعا فاطمة من النساء، ودعا عليا من رجاله، ولم يكن عنده أحد أقرب إليه نسبا من هؤلاء، وهم الذين أدار عليهم الكساء، والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه... ». منهاج السنة النبوية: 7/125.
  170. الحديث من رواية الحسن بن الحسين العرني الكوفي، وهو من رؤساء الشيعة، قال الدارقطني: « منكر الحديث » كما في ميزان الاعتدال: 2/231؛ لسان الميزان: 2/199. وقال ابن الجوزي عن الحديث: « هو من موضوعات الرافضة ». زاد المسير: 4/307.
  171. تقدم أن الثعلبي حاطب ليل. وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في ص 15 من رده على البكري على طائفة من المفسرين الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف والغث والسمين وذكر أسماءهم وأولهم الثعلبي ثم قال: « فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم. ولا لهم خبرة بالمروي المنقول، ولا لهم خبرة بالرواة النقلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف، ولا يميزون بينهما، لكن منهم من يروي الجميع ويجعل العهدة عل الناقل كالثعلبي الخ »
  172. قال القرطبي: « أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات ومعنى بأمرنا أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي فكأنه قال يهتدون بكتابنا ». الجامع لأحكام القرآن: 11/305
  173. ابن المطهر الحلي، نهج الحق: ص 181.
  174. ليس في كتب الحديث المعتبرة
  175. ليس فيه بل ربما ادعى ذلك الشيعة.
  176. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 11/93، رقم 11152، وأخرجه العقيلي في كتابه الضعفاء في ترجمة حسين بن حسن الأشقر: 1/249. وقال عنه: « وهذا لا أصل له ». والحديث فيه الأشقر الذي ضعفه الجمهور، نقل ابن عدي عن السعدي أنه قال: « غالٍ من الشاتمين » أي للصحابة: الكامل في ضعفاء الرجال: 2/361؛ وقال ابن الجوزي: « كذاب »، ديوان الضعفاء والمتروكين: 1/221؛ وقال الذهبي: « رافضي »، المغني في الضعفاء: 1/170.
  177. الضعفاء الكبير: 1/249.
  178. السيوطي، تدريب الراوي: 1/277.
  179. قال الآلوسي الجد: « والثلة في المشهور الجماعة كثرت أو قلت ». روح المعاني: 27/134. وفسر الطوسي الثلة بالجماعة في التبيان: 9/490.
  180. كما قال ابن إسحاق وغيره. ابن هشام، السيرة النبوية: 2/77؛ ابن حجر، الإصابة: 7/600. وعند الإمامية أيضا فقال ابن طاوس: « كان أول من آمنت خديجة بنت خويلد فواسته بمالها ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ابن سبع سنين... ». الطرائف: 1/275، وقال الأربلي: « وكان علي أول من آمن من الناس بعد خديجة... ». كشف الغمة: 1/177.
  181. والحديث بهذا اللفظ ضعيف جدا كما حقق ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد: 7/17؛ والعجلوني في كشف الخفاء: 2/361؛ والكناني في مصباح الزجاجة: 1/19. وقال ابن تيمية: « حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي ﷺ انه قال من كنت مولاه فعلى مولاه، وأما الزيادة وهي قوله: اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه... الخ، فلا ريب انه كذب ». منهاج السنة النبوية: 7/319..
  182. ابن المطهر الحلي، نهج الحق: ص 173.
  183. معمر بن المثنى التميمي، توفي سنة 211ه. تاريخ بغداد: 13/252؛ تذكرة الحفاظ: 1/371؛ تهذيب التهذيب: 10/221.
  184. ابن الجوزي، زاد المسير: 8/167.
  185. قال القرطبي: « أي النار تملك أمرهم ». الجامع لأحكام القرآن: 17/248.
  186. أخرجه البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق... الاعتقاد: ص 355؛ وأخرجه من الطريق نفسه ابن عساكر، تاريخ دمشق: 13/69
  187. أي لا إمام آخر في حياة النبي غيره ﷺ.
  188. سورة الأحزاب: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم }
  189. قال ابن الجوزي في تقرير هذا: « قوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم }: أي أحق فله أن يحكم فيهم بما يشاء، قال ابن عباس: إذا دعاهم إلى شئ ودعتهم أنفسهم إلى شئ كانت طاعته أولى من طاعة أنفسهم، وهذا صحيح فإن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم والرسول يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم ». زاد المسير: 6/352.
  190. في الحديث المتفق عليه: « أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعليَّ قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته »
  191. ينظر منهاج السنة النبوية: 7/52 وما بعدها.
  192. روى ابن بابويه عن موسى الكاظم أنه سأله سائل في مجلس المأمون فقال: « أليست إمامة علي عليه السلام من قبل الله عز وجل نقل ذلك عن رسول الله ﷺ من نقل الفرض مثل الظهر أربع ركعات وفي مائتي درهم خمسة دراهم والحج إلى مكة فقال موسى الكاظم: بلى... ». عيون أخبار الرضا: 2/194.
  193. متفق عليه
  194. الميلاني، نفحات الأزهار: 17/263 وما بعدها.
  195. كذا قرر الطوسي في عدة الأصول: ص 51
  196. شرح ابن عقيل: 1/178.
  197. خليفة يوشع بن نون. تفسير الطبري: 2/596.
  198. ممن رد على الإمامية في احتجاجهم بهذا الحديث ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/78 وما بعدها. وابن تيمية في منهاج السنة النبوية: 5/34 وما بعدها.
  199. قال السعدي: « مفترٍ »، وقال أحمد: « منكر الحديث »، الكامل في ضعفاء الرجال: 1/427؛ الضعفاء والمتروكين: 1/64؛ تهذيب التهذيب: 5/122.
  200. قال المباركفوري: « واستدلالهم به عن هذا باطل، فإن مداره عن صحة زيادة لفظ بعدي، وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج، والأمر ليس كذلك، فإنها قد تفرد بها جعفر بن سليمان، وهو شيعي، بل هو غال في التشيع، قال في تهذيب التهذيب قال الدوري: كان جعفر إذا ذكر معاوية شتمه وإذا ذكر عليا قعد يبكي.. ». تحفة الأحوذي: 10/146
  201. أخرجه الطبراني في الأوسط والكبير وأبو يعلى في مسنده: 7/105، رقم 4052؛ وأخرجه ابن عدي في ترجمة حماد بن يحيى بن المختار الكوفي، الكامل في ضعفاء الرجال: 2/251، وقال عنه: « هو ليس بمعروف ». والحديث موضوع كما حكم عليه ابن الجوزي في العلل المتناهية: 1/229، ونقل ابن كثير عن الذهبي: « لا والله ما صح شيء من ذلك وأنه جمع طرق الحديث في جزء أورد فيه بضعا وتسعين نفسا من اللذين أوردوه، وقال: جميعها باطلة ومظلمة ». البداية والنهاية: 11/355؛ وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: ص 1134.
  202. شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن علي الدمشقي الشافعي، كان إماما في القراءات، وصفه ابن حجر بالحفظ والإتقان، توفي سنة 833ه. ذيل تذكرة الحفاظ: ص 376؛ طبقات الحفاظ: ص 549.
  203. التلخيص: 4/102.
  204. أخرجه الترمذي من حديث حذيفة، السنن، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر: 5/609، رقم 3662؛ وابن ماجة، السنن، كتاب المقدمة، باب فضل أبي بكر: 1/37، رقم 98؛ أحمد، المسند: 5/382؛ الحاكم، المستدرك: 3/80؛ وصححه في صحيح الجامع: رقم 1142.
  205. قال العجلوني في هذا الحديث: « قال الترمذي: منكر، وقال البخاري: إنه كذب لا أصل له، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات »، وقال أبو زرعة: « كم من خلق افتضحوا فيه »، وقال أبو حاتم ويحيى بن سعد: « لا أصل له... »، وقال ابن دقيق العيد: « لم يثبتوه، وقيل إنه باطل... ». كشف الخفاء: 1/236. ووضعه السيوطي في اللآلئ المصنوعة: 1/329؛ الزركشي، التذكرة: ص 163؛ والألبانى؛ ضعيف الجامع: 1/1322.
  206. كشف الخفاء: 1/236.
  207. كشف الخفاء: 1/236.
  208. سنن الترمذي: 5/637.
  209. قال: « والحديث لا أصل له ». الموضوعات: 1/355.
  210. كشف الخفاء: 1/236.
  211. ترتيب الموضوعات: ص 286.
  212. ليس في كتب الحديث المعتمدة، وأورده ابن القيم في المنار المنيف تحت عنوان: « ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى أهل السنة في فضائل الصديق رضي الله عنه »
  213. أخرجه الترمذي عن عقبة بن عامر في كتاب المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب: 5/619، رقم 3686؛ وأحمد في المسند: 4/154؛ الطبراني في الكبير: 17/298؛ الحاكم في المستدرك: 3/92، رقم 4495؛ وحسنه في صحيح الجامع، رقم 5284.
  214. ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 2/429؛ ابن المطهر الحلي في نهج الحق: 237. وعزاه الأول إلى مسند أحمد، والثاني إلى وسنن البيهقي، وليس فيهما.
  215. ليس في كتب أهل السنة، ورواه من الإمامية: ابن بابويه، الأمالي: 673؛ ابن طاوس، الطرائف: 1/23؛ ابن البطريق، العمدة: ص 91؛ ابن المطهر الحلي، كشف اليقين: ص 293.
  216. ليس في كتاب المناقب للخوارزمي كما ادعى الحلي.
  217. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 7/121.
  218. انظر ( العواصم من القواصم )
  219. لو كانت فيه كما ادعى الحلي.
  220. أورده ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 2/430؛ الحلي، نهج الحق: ص 212؛ المجلسي، بحار الأنوار: 35/24. وعزاه الحلي إلى مسند الإمام أحمد وليس فيه أو في كتب الحديث المعتبرة عند أهل السنة، لكن رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق: 42/62، من رواية الحسن بن علي بن صالح أبو سعيد العدوي البصري الملقب بالذئب ( ت 319ه ). قال الدارقطني عنه: « متروك »، وقال ابن عدي: « يضع الحديث ». انظر ميزان الاعتدال: 2/258؛ لسان الميزان: 2/229. وحكم عليه بالوضع ابن الجوزي في الموضوعات: 1/340؛ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة: 1/320؛ والشوكاني في الفوائد المجموعة: ص 1078.
  221. كذبه يحيى بن معين والدارقطني، وذكر ابن الجوزي حديثا يرويه في فضائل علي: « أنا وهارون ويحيى وعلي من طينة واحدة ». ميزان الاعتدال: 6/154؛ لسان الميزان: 5/157؛ الكشف الحثيث: 225.
  222. جعفر بن أحمد بن علي بيان بن زيد، أبو الفضل الغافقي الماسح المصري المعروف بابن أبي العلاء ( ت 299ه )، قال ابن يونس: « كان رافضيا كذابا يضع الحديث في سب أصحاب رسول الله ﷺ »، وقال ابن عدي: « كان يحدث بأحاديث موضوعة نتهمه بوضعها ». الكامل في ضعفاء الرجال: 3/156؛ ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكين: 1/170؛ ميزان الاعتدال: 2/126؛ لسان الميزان: 2/108.
  223. هو في كتب الإمامية، ابن أبي جمهور، عوالي اللآلئ: 4/99؛ وعنه المجلسي، بحار الأنوار: 1/97.
  224. ليس والذي سبقه في كتب الحديث المعتبرة عند أهل السنة.
  225. رواه أحمد بن عبد الله الطبري ( ت 694ه ) في كتابه الرياض النضرة: 1/248 نقلا عن الشافعي.
  226. متفق عليه.
  227. متفق على صحته
  228. رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
  229. متفق عليه
  230. متفق عليه.
  231. أخرجه الترمذي من حديث علي في المناقب، باب مناقب علي رضي الله عنه: 5/633، رقم 3714 وقال عنه: « غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه »؛ والحاكم في المستدرك: 3/134، رقم 4629. وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع في العلل المتناهية: 1/410؛ والألبانى في ضعيف الترمذي: 1/767.
  232. أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان: 2/419؛ والعقيلي، الضعفاء الكبير: 4/236؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 43/476. من طريق مبشر بن الفضيل، قال العقيلي عنه: « مجهول ».
  233. أخرجه العقيلي عن ابن عباس في الضعفاء الكبير 3/482؛ والحكيم الترمذي، نوادر الأصول: 2/21؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 44/126؛ قال الذهبي: « الحديث من رواية القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبيه، وحديثه منكر ». ميزان الاعتدال: 5/463. قال ابن حجر: « وأخرجه الحميدي من طريق أخرى وفي إسناده عطاء عن ابن عباس، قال علي بن المديني: هو عندي عطاء بن يسار، وليس له أصل من حديث عطاء بن أبي رباح ولا عطاء بن يسار، وأخاف أن يكون عطاء الخرساني لأنه يرسل كثيرا عن ابن عباس. قال ابن حجر: أخاف أن يكون كذبا مختلقا ». لسان الميزان: 4/467. ولذا حكم عليه العجلوني بالوضع في كشف الخفاء: 1/436؛ والألبانى في ضعيف الجامع: رقم 2785.
  234. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 9/95.
  235. في المطبوع فتكسر والتصحيح من النهج
  236. في النهج: (كهف). قال ابن أبي الحديد: « ويروى كأنفة: أي جهة عاصمة ». شرح نهج البلاغة: 8/297.
  237. في النهج: رجلا محربا، قال ابن أبي الحديد: أي صاحب حروب.
  238. عونا. شرح نهج البلاغة: 8/297.
  239. نهج البلاغة ( بشرحه): 8/296. وذكر ابن أبي الحديد أن هذه غزاة فلسطين التي فتح فيها بيت المقدس، وأن عمر بن الخطاب كان قد استخلف عليا عند سفره لاستلام مفاتيح بيت المقدس. شرح نهج البلاغة: 8/298. وينظر تاريخ الطبري: 2/449
  240. أبان بن أبي عياش فيروز وقيل دينار البصري، مولى أنس بن مالك، قال أحمد بن حنبل: لا يكتب عنه كان منكر الحديث ترك الناس حديثه، وقال يحيى بن معين: هو متروك ليس حديثه بشيء، وقال النسائي والرازي والدارقطني هو متروك. ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكين: 1/19؛ الكامل في ضعفاء الرجال: 1/381؛ ميزان الاعتدال: 1/124. وهو الراوي الوحيد لكتاب سليم بن قيس الهلالي عند الإمامية. رجال الغضائري: 1/16؛ الحلي، الخلاصة: ص 207.
  241. في المطبوع سليمان
  242. كتاب سليم بن قيس: ص 937. وفي رواية أخرجها الكليني عن الهيثم بن التيهان: « أن أمير المؤمنين خطب الناس بالمدينة فقال:... ولولا عهد عهده إلي النبي الأمي ﷺ لأوردت المخالفين خليج المنية ولأرسلت عليهم شابيب صواعق الموت... ». الكافي: 8/31؛ المجلسي، بحار الأنوار: 28/242.
  243. أي كيف يأمر الرسول ﷺ عليا رضي الله عنه.
  244. بحار الأنوار: 58/130.
  245. تقدم تخريجه
  246. قال الآلوسي الجد في التكفير: « وألفاظ الأحاديث الظاهرة في تكفير بعض أهل البدع والأهواء من لم يكفرهم الجمهور كالقدرية والخوارج والرافضة عرضة للتأويل، فلا تعارض الأدلة القاطعة بخلافها، وقد ورد مثلها في غير الكفرة من عصاة المسلمين كالمرائين، مع القطع بعدم كفرهم إجماعا على طريق التغليظ، وكفر دون كفر وإشراك دون إشراك ». نهج السلامة: 11/أ. وقال الآشتياني من الإمامية: « إنه لا يحكم بكفر غير المستلزم بما ثبت عن النبي ﷺ ولو في الضروريات... وإن كان ظاهر بعض الأخبار الجحود للكفر مطلقا لكنه محمول على الإهمال بقرينة الأخبار سيما في الكتاب ». بحر الفوائد: 1/284.
  247. قال ابن تيمية: « التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر الله تعالى به من الجنة من الأكل والشرب... ». مجموع الفتاوى: 5/36.
  248. قال الطوسي: « إن من حارب أمير المؤمنين عندنا كافر ». بحار الأنوار: 8/368.
  249. أخرجه مسلم
  250. أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
  251. الترمذي وصحيح الجامع: رقم 1144
  252. أحمد والترمذي وابن ماجة. صحيح الجامع: رقم 895.
  253. تقدم
  254. ضعفه ابن كثير في تفسيره وابن حجر في ذخيرة الحفاظ، ووضعه الألبانى في ضعيف الجامع: 1/1974.
  255. قال الآلوسي الجد: « واختلف في أن مباحثها هل هي من الفقه، أو من الكلام؟ فذهبت الشيعة والخوارج إلى الثاني وذهب أهل السنة والجماعة إلى الأول، لما انهم يقولون أن النصب إنما يجب على العباد، أي عند عدم النص من الله تعالى ورسوله ﷺ على التولية لمعين، وعند عدم العهد والوصية من السابق لغيره المعين، وإنما ذكروها في الكلام مع أنها ليست من مباحثه عندهم لما تعلق بالإمامة من التعصبات وفاسد الاعتقادات ». نهج السلامة: 13/أ.
  256. قال الطوسي: « ويدل على إمامته أيضا أنه معصوم وغيره غير معصوم بإجماع المسلمين ». رسائل الطوسي: ص 106.
  257. على قول الإمامية، المفيد، النكت الاعتقادية: ص 39؛ ابن المطهر الحلي، نهج الحق: ص 171.
  258. عبد العزيز الدهلوي مؤلف الأصل.
  259. تفسير ابن كثير: 4/342.
  260. تفسير الطبري: 9/120؛ تفسير ابن كثير: 2/266.
  261. الترمذي وأحمد، صحيح الجامع: رقم 4801.
  262. الجويني، البرهان: 1/159؛ الشوكاني، إرشاد الفحول: 1/88.
  263. روى الكليني عن الفضيل عن أبي عبد الله أنه قال: « لله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء ». الكافي 1/149.
  264. كذا قرر السلطان في حاشيته: ص 322.
  265. تقدم الكلام على هذه المسائل.
  266. إشارة إلى نفي الشيعة لصيغة التحيات رغم تواترها عند أهل السنة، فروى ابن بابويه عن الصادق أنه قال: « أفسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين، بقوله ( تبارك اسمك وتعالى جدك ) وهذا شيء قالته الجن بجهالة، فحكاه الله عنها، وبقوله ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) يعني في التشهد الأول، وأما الثاني بعد الشهادتين فلا بأس به... ». من لا يحضره الفقيه: 1/401.
  267. في النهج: ( إلا أن يكفي الله من نفسي ).
  268. نهج البلاغة: ( بشرح ابن أبي الحديد ): 11/101.
  269. متفق عليه.
  270. نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي الحديد ): 6/176.
  271. من أدلتهم العقلية.
  272. هذا ادعاء الإمامية، قال الحسن الديلمي: « ومن فضائله عليه السلام أنه نشأ وربي في الإيمان ولم يدنس بدنس الجاهلية بخلاف غيره من سائر الصحابة ». إرشاد القلوب: 2/229.
  273. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/108.
  274. السفسطة: « تمويه بحجة باطل بقضية أو قضايا فاسدة تقود إلى الباطل ». الإحكام لابن حزم: 1/37.
  275. الحلي في نهج الحق: ص 171.
  276. تقدم هذا عن الحسن المثنى
  277. وفرق الشيعة قد اختلفت كثيرا في أئمتها، فكل فرقة تدعي أن إمامها الحق وغيره باطل.
  278. بحار الأنوار: 28/372.
  279. أعلام النبلاء: 18/55؛ طبقات الحفاظ: ص 430؛ شذرات الذهب: 3/273.
  280. ابن عساكر، تاريخ دمشق: 30/438 – 440.
  281. تاريخ الطبري: 2/137؛ ورواها الخطيب البغدادي عن جابر بن عبد الله: « أن عليا حمل باب خيبر يوم افتتحها، وأنهم جربوه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا ». تاريخ بغداد: 11/327؛ قال الذهبي: « هذا حديث منكر ». ميزان الاعتدال: 5/139؛ قال السخاوي: « وطرقه كلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء ». كشف الخفاء: 1/438.
  282. في الكشف الحثيث لإبراهيم بن محمد الطرابلسي: 1/44 قال: « أحمد بن داود روى حديثا في رد الشمس لعلي رضي الله عنه من حديث أسماء بنت عميس قال ابن الجوزي: أحمد بن داود ليس بشيء قال الدارقطني: متروك الحديث كذاب وقال ابن حبان كان يضع الحديث ». وقال العجلوني في كشف الخفاء: 1/516 « حديث رد الشمس لعلي رضي الله عنه قال الإمام أحمد لا أصل له أما ابن الجوزي فأورده في الموضوعات » وأوردها من الإمامية المازندراني، مناقب آل أبي طالب: 2/143؛ القطب الراوندي، الخرائج والجرائح: 1/224؛ النوري، مستدرك الوسائل: 3/350؛ المجلسي، بحار الأنوار: 83/317.
  283. هذه الخوارق المنسوبة إلى أمير المؤمنين قد نبه حفاظ الحديث على ضعفها ووضعها منهم السخاوي في المقاصد وملا علي القاري في موضوعاته لذلك لا يصح الاستدلال بها. وأمير المؤمنين أهل لكل كرامة ولكن صحة الروايات ضرورية لقبول الأخبار.
  284. قال الطحاوي: ( ونؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن الثقات من رواياتهم ) وقال ابن أبي العز شارحا: « فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، وكذلك الكرمة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي، وجماعها الأمر الخارق للعادة ». شرح العقيدة الطحاوية: ص 424.
  285. من رواية طويلة أوردها المفيد ونسبها لابن عباس في الإرشاد: 1/339؛ ونقلها عنه المازندراني في مناقب آل أبي طالب: 2/87؛ والمجلسي في بحار الأنوار: 63/86.
  286. أوردها الإمامية: ابن رستم الطبري، المسترشد: ص 201؛ المازندراني، مناقب آل أبي طالب: 2/291؛ القطب الراوندي، الخرائج والجرائح: 1/220 البحراني، مدينة المعاجز: 1/485.
  287. إشارة إلى ما أخرجه الطبراني من حديث أسماء بن عميس قالت: « كان رسول الله ﷺ يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصلِ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله e: اللهم إن عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس، فقالت أسماء فرأيتها طلعت بعدما غربت ». المعجم الكبير 24/151؛ وقد ضعفه العلماء وحكم عليه ابن الجوزي والقاري بالوضع ( المصنوع: ص 265 ) فقال ابن الجوزي: « هذا حديث موضوع بلا شك... ثم قال ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح الفائدة فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء ». الموضوعات: 1/356 – 357. يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: « قال رسول الله ﷺ إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس ». المسند: 2/325. وصححه ابن حجر في فتح الباري: 6/221. وينظر منهاج السنة النبوية: 8/165
  288. الظاهر في مسألة رد الشمس أن الشيعة سمعوا من علماء أهل السنة احتجاجهم بأن ذلك في زمن النبي ﷺ يعد من المعجزات المحمدية، فتمادوا بعد ذلك في اختراع أن الشمس ردت لعلي مرتين. ولما كان الإمام ابن حزم يناظر الرهبان الاسبانيين في صحة الأناجيل احتجوا عليه بأن الشيعة يطعنون في صحة القرآن، فروى في كتابه ( الفصل في الملل والنحل ) ج 2 ص 78 طبعة 1321 أنه قال لهم: « إن الروافض ليسوا من المسلمين، وأقلهم غلوا يقولون إن الشمس ردت على علي بن أبي طالب مرتين، فقوم هذا أقل مراتبهم في الكذب، أيستشفع منهم كذب يأتون به؟! »
  289. المخالفون عند الإمامية كل من خالف عقيدتهم في الاعتقاد بالأئمة الاثني عشر وبالأخص أهل السنة. قال ابن بابويه: « لا يصح إيمان المخالفين بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب... ولا يكون الإيمان صحيحا من مؤمن إلا من آمن بالمهدي القائم عليه السلام والأئمة عليهم السلام »، وقال الطوسي: « إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار ». تهذيب الأحكام: 1/335.
  290. ولا سيما في مراثيهم لقتلى النهروان. والخوارج كانوا أصحاب علي وجنده في صفين والجمل.
  291. الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/2 وبعدها.
  292. منها اختلافهم في عدد الأئمة أو تحديد المهدي. السيوف المشرقة
  293. نبه المامقاني في غير موضع من كتابه ( تنقيح المقال في أحوال الرجال ) وهو أعظم كتب الشيعة في الحرج والتعديل على أن الذين كان قدماء الشيعة بأنهم من غلاة الشيعة ويجرحون رواياتهم بسبب ذلك صاروا يعدون الآن عند الشيعة المتأخرين بأنهم غير غلاة، لأن ما كان يسميه قدماء الشيعة غلوا في التشيع هو الآن من أصول العقيدة الإمامية، والشيعة في العصور المتأخرة كلهم على عقيدة الغلو، وليس لهم عقيدة غيرها: لذلك ذهب المامقاني إلى ضرورة العدول عن جرح روايات الذين كانوا يعدون غلاة، وأفتى بوجوب تعديلهم، لأن التشيع نفسه تطور وصار أهله الآن كلهم على مذهب الغلاة القدماء.
  294. مقالات الإسلاميين: ص27؛ الفرق بين الفرق: ص47؛ الملل والنحل: 1/168
  295. الفرق بين الفرق: ص265؛ الملل والنحل: 1/167؛ فضائح الباطنية: ص16.
  296. كتاب ( التهذيب ) أحد الكتب الأربعة التى عليها مدار مذهب الشيعة. وهذه العبارة بشأن أبي الحسين الهاروني في خطبة كتاب التهذيب مع الإسهاب في الاعتراف بأن الشيعة أشد الفرق اختلافا في مسالئلهم وأحكامهم وأن ذلك دليل على فساد الأصل.
  297. تهذيب الأحكام: 1/2.
  298. أمثلة في الباب السادس.
  299. روى الصفار عن حمران بن أعين قال: « قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك بلغني أن الله تبارك وتعالى قد ناجى عليا عليه السلام قال: أجل قد كان بينهما بالطائف نزل بينهما جبريل ». بصائر الدرجات: ص 291؛ المفيد، الاختصاص: ص 278. وينظر ص 160 من هذا الكتاب.
  300. روى الإمامية عن بريد بن معاوية أنه قال: « سألت أحدهما [ الباقر أو الصادق ] عليه السلام عن المذي فقال: لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق ». الكافي: 3/39؛ الاستبصار: 1/91
  301. روي عن محمد بن إسماعيل قال: « سألت أبا الحسن [ الرضا ] عليه السلام عن المذي؟ فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه ». ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 1/65؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 1/18.
  302. رووا عن أبي بصير عن أبي عبد الله [ الصادق ] عليه السلام: « قال إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك وأنت جالس ثم سلم بعدها ». الكليني، الكافي: 3/355؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/195.
  303. عن محمد بن علي الحلبي قال: « سمعت أبا عبد الله [ الصادق ] يقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ». الكليني، الكافي: 3/356؛ ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه: 1/342؛ الطوسي، تهذيب الأحكام: 2/196.
  304. أخرج الطوسي عن زرعة بن سماعة قال: « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن نشد الشعر هل ينقض الوضوء أو ظلم الرجل صاحبه أو الكذب؟ فقال: نعم إلا أن يكون شعرا يصدق فيه أو يكون يسيرا من الشعر، الأبيات الثلاثة والأربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء ». الاستبصار: 1/87؛ وسائل الشيعة: 1/269.
  305. روى ابن بابويه وغيره عن معاوية بن ميسرة قال: « سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إنشاد الشعر هل ينقض الوضوء؟ قال: لا ». من لا يحضره الفقيه: 1/63؛ وأخرجه الكليني، الكافي: 1/16؛ الطوسي الاستبصار: 1/86.
  306. روى الطوسي عن مسلمة بن عطا قال: « قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي شيء يقطع الصلاة؟ قال: عبث المصلي بلحيته ». تهذيب الأحكام: 2/378؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة: 7/262.
  307. تقدمت
  308. هو محمد بن حسن الطوسي المتوفي سنة 381، وتقدم أن ( التهذيب ) أحد الكتب الأربعة التى عليها مدار مذهبهم، وهو نفسه مؤلف كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) أراد أن يكون في الفقه للشيعة ككتاب ( من لا يحضره الطبيب ) في الطب لمحمد بن زكريا الرازي.
  309. في كتابه ما يقارب الخمسمائة رواية عن أئمة أهل البيت فسرها بالتقية، أي نحو خمس روايات الكتاب،
  310. أخرج الطوسي عن علي رضي الله عنه قال: « جلست أتوضأ فأقبل رسول الله ﷺ حين ابتدأت بالوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن ثم غسلت ثلاثا، فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار ». الاستبصار: 1/65؛ العاملي، وسائل الشيعة: 1/421.
  311. ثبت الوضوء بمرة ومرتين وثلاث في كتب الحديث.
  312. الكيدري، إصباح الشيعة: ص 30؛ العاملي، الدورس الشرعية: 1/90.
  313. كما أورد ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 277 ويأتي الرد.
  314. قال ابن الأثير: « الخدر: ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية خدرت فيه مخدرة ». النهاية: 2/13.
  315. من روايات الإمامية كما في نهج الحق. ضعفها الهيثمي في مجمع الزوائد: 4/284؛ وقال عنها البيهقي هي رواية منقطعة: 7/244.
  316. وهم الذمية. الفرق بين الفرق: ص238؛ التبصير في الدين: ص 129؛ الملل والنحل: 1/176؛ المواقف: ص 673.
  317. هم فرقة السبعية من الإسماعيلية. اعتقادات فرق المسلمين: ص80؛ تلبيس إبليس: ص125؛ منهاج السنة النبوية: 3/481.
  318. غالبية الشيعة اليوم.
  319. ويسمون الجعفرية، فهم يجعلون بعد الحسن العسكري أخاه جعفرا.
  320. مقالات الإسلاميين: ص 14؛ الفرق بين الفرق: ص 242.
  321. يشبه قول الزيدية. الملل والنحل: 1/29.
  322. مقلات الإسلاميين: ص 19؛ اعتقادات فرق المسلمين: ص 62؛ الفرق بين الفرق: ص
  323. اعتقادات فرق المسلمين: ص 62؛ الملل والنحل: 1/147.
  324. هو ابن الحنفية إمام الكيسانية.
  325. فصل من كتابه الخرائج والجرائح: 1/255.
  326. هذه الخرافة من مخترعات الخفاف الزندجي الأعور وزميله أبي المعزي وقد أرادا باختراعها أن يكذبا على التاريخ وعلى آل بيت الرسول صلى الله عليهم بأن هناك وصية بإمامة قبل زمن شيطان الطاق، والحقيقة هي أن آل بيت رسول الله ﷺ لم يدعوا ذلك ولم يعرفوه، ولكن شيطان الطاق اخترعه لهم. فقد نقل المامقاني في تنقيح المقال ( ج 1 ص 470 ) أن إمامهم الكشي نقل في ترجمة شيطان الطاق محمد بن علي أن هذا الشيطان قال: « كنت عند أبي عبد الله ( يعني جعفرا الصادق ) فدخل زيد بن علي ( الإمام الذى يرجع إليه مذهب الزيدية في اليمن وهو عم جعفر الصادق ) فقال الإمام زيد لشيطان الطاق: يا محمد بن علي إماما مفترض الطاعة معروفا بعينه؟ قال شيطان الطاق قلت: نعم، أبوك أحدهم. قال له زيد: ويحك، وما منعه أن يقول لي؟ فوالله لقد كان يؤتي بالطعام الحار فيقعدني على فخده ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق علي من حر الطعام ولا يشفق على من حر النار؟ قال شيطان الطاق: قلت كره أن يقول لك فتكفر فيجب عليك من الله الوعيد ولا يكون له فيك شفاعة، فتركك مرجئا لله فيه المسالة، وله فيك الشفاعة » وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة التى صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو صفوة آل محمد، كما اتهم ابنه الإمام زيدا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه. ولو أن غير الكشي من صناديد الشيعة روى هذا الخبر لشككنا في صحته، ولكن الشيعة هم الذين يروونه، ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم. وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذى روى عنه الحافظ أنه قال في كتابه عن الإمامة إن الله لم يقل { ثاني اثنين إذ هما في الغار } انظر ( الفصل ) لابن حزم 4: 181.
  327. وبهذا الخبر الثاني تعارض ما تقوله الكيسانية مع الذى تقوله الاثنا عشرية فسقطا جميعا. والخبران مخترعان من رواة كذبة لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا.
  328. محمد بن الحنفية كان أعقل وأتقى لله من أن يدخل نفسه في هذه الفتن التى صرح هو بانها تخالف الشرع عند ما دعاه ابن مطيع في المدينة إلى أقل من ذلك ( انظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ) ج 8 ص 233.
  329. ينظر المجلسي في بحار الأنوار: 45/359.
  330. نور الله التستري.
  331. ينظر بحار الأنوار: 45/386.
  332. الخلاصة: ص 169.
  333. عن أبي عبد الله أنه قال: « لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوج أراملنا، وقسم فينا المال على العسرة ». رجال الكشي: ص 125؛ رجال ابن أبي داود: ص 513.
  334. هو عند الإمامية الإمام المعصوم حاضرا كان أم غائبا.
  335. والواقع أن إمامة الوقت لم تكن اخترعت بعد، والإمام الباقر وأبوه علي زين العابدين عاشا وماتا وهما لا يعرفان أنفسهما أنهما إماما الوقت، وكل ما يعرفانه أنهما من بيت النبوة وأن الإمامة تستمد من بيعة المسلمين لمن بايعونه، بل إن جدهما أمير المؤمنين عليا نفسه لما بويع يوم الخميس 24 ذي الحجة سنة 35 ( كما ورد في تاريخ الطبري ج 6 ص 157 ) ارتقى في يوم الجمعة 25 منه أعواد منبر رسول الله ﷺ وقال: « أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد حق إلا أن أمرتم. وقد افترقنا في الأمس على أمر ( أي على البيعة له ) فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد. » فهو يعلن على رءوس الأشهاد في مسجد رسول الله ﷺ وعلى منبره وبعد البيعة له أنه لا يستمد الخلافة من حق يدعيه ولا من شئ سبق، بل يستمدها من البيعة إذا أرتضها الأمة، وإلا فإنه – كإخوانه الثلاثة الذين سبقوه – أرفع من أن يجعلها أكبر همه وغرض نفسه. هذا هو الذي وقع، وهذه الحقائق صدرت من فم علي بن أبي طالب نفسه، ومن سنة 35 إلى اليوم الذى تحاور فيه الإمام زيد بن علي بن الحسين مع شيطان الطاق لم يخطر على بال أحد من آل البيت رضي الله عنهم لا علي، ولا الحسن، ولا الحسين، ولا علي بن الحسين، ولا محمد بن الباقر، ولا غيرهم – أن هناك إمامة لآل البيت كما اخترعها شيطان الطاق فأساء بذلك إلى الإسلام وإلى آل البيت، وإلى أمة محمد جميعا، فالله حسبه.
  336. المؤلف يستعمل أسلوب الشيعة ويتكلم بلغتهم لإلزامهم وإقامة الحجة عليهم.
  337. رووا أن شيطان الطاق قال: « إن زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مختفٍ قال فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال فقلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه، قال فقال لي: فإني أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال قلت: لا أفعل جعلت فداك قال فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله عز وجل في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجة فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي علي فيلقمني اللقمة ويبرد لي اللقمة الحرة حتى تبرد من شفقته عليّ، ولم يشفق عليّ من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني... ». الكافي: 1/174؛ الاحتجاج: ص 376. وهذا يعارض رواية الحجر الأسود لأنه ينفي الإمامة عن علي بن الحسين أيضا وبعد خروجه
  338. « بنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى ». لسان العرب: مادة علل، 11/470.
  339. الكافي: 1/342.
  340. ينظر كلام ابن طاوس في جمال الأسبوع: ص 520.
  341. أخرج ابن بابويه أن النبي ﷺ قال: « لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل ». علل الشرائع: 1/243.


مختصر التحفة الاثني عشرية
المقدمة

الباب الأول: في ذكر فرق الشيعة وبيان أحوالهم وكيفية حدوثهم وتعداد مكائدهم | فرق الشيعة - الشيعة المخلصون - الشيعة التفضيلية - الشيعة السبية - الشيعة الغلاة | فرق الشيعة الغلاة: السبئية - المفضلية - السريغية - البزيعية - السبئية - المغيرية - الجناحية - البيانية - المنصورية - الغمامية - الأموية - التفويضية - الخطابية - المعمرية - الغرابية - الذبابية - الذمية - الاثنينية - الخمسية - النصيرية - الإسحاقية - العلبائية - الرزامية - المقنعية | فرق الشيعة الإمامية: الحسنية - النفسية - الحكمية - السالمية - الشيطانية - الزرارية - البدائية، المفوضة، اليونسية - الباقرية - الحاصرية - الناووسية - العمارية - المباركية - الباطنية - القرامطة - الشمطية - الميمونية - الخلفية - البرقعية - الجنابية - السبعية - المهدوية - الأفطحية - المفضلية - الممطورية - الموسوية - الرجعية - الإسحاقية - الأحمدية - الاثنا عشرية - الجعفرية - الشيخية أو الأحمدية - الرشتية الكشفية - البابية - القرتية | مكائد الرافضة

الباب الثاني: في بيان أقسام أخبار الشيعة وأحوال رجال أسانيدهم وطبقات أسلافهم وما يتبع ذلك | في ذكر أقسام أخبارهم | الأدلة عند الشيعة | في ذكر أحوال رجالهم وطبقاتهم | ادعاء كل فرق الشيعة أنهم على مذهب أهل البيت | اختلاف أهل السنة

الباب الثالث: في الإلهيات

الباب الرابع: في النبوة

الباب الخامس: في الإمامة | في إبطال ما استدل به الرافضة على مذهبهم | الآيات القرآنية | الأدلة الحديثية | الدلائل العقلية | تتمة لبحث الإمامة | كثرة اختلاف الشيعة | اختلاف الإمامية في أئمتهم

الباب السادس: في بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة

الباب السابع: في الأحكام الفقهية

الباب الثامن: مطاعنهم في الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة المكرمين وحضرة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين | المطاعن الأولى في حق الصديق الأجل | المطاعن الثانية في حق الفاروق رضي الله عنه | المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين | المطاعن الرابعة: في حق أم المؤمنين عائشة | مطاعنهم في الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم | وقعة الجمل | وقعة صفين

الباب التاسع: في ذكر ما اختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام | في ذكر بعض خرافاتهم | القول بالتقية | الأنبياء وولاية علي | في مشابهتهم لليهود والنصارى | مشابهتهم لليهود | مشابهتهم للنصارى - خاتمة