مختصر التحفة الاثني عشرية/الباب الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
شاه عبد العزيز غلام حكيم الدهلوي
اختصره وهذبه محمود شكري الآلوسي


الباب الثالث

في الإلهيات


وفيها مطالب

الأول [1] أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بالاتفاق، ولكنه قد وقع الاختلاف في أن هذا الوجوب الوجوب هل هو عقلي أو شرعي، فذهب الإمامية إلى الأول قائلين ما معناه: إنه فرض على كل مكلف بحكم العقل مع قطع النظر عن حكم الله تعالى، وذلك بأن يحكم العقل على كل مكلف أن يتفكر في صفات الله تعالى ويعرفه بتلك الصفات وجوبا. وذهب إلى الثاني أهل السنة قائلين: إن الوجوب شرعي، بمعنى أن النظر في المقدمة غير واجب بدون حكم الله تعالى، وليس للعقل حكم في امر من أمور الدين. [2]

ومذهب الإمامية مخالف أيضا للكتاب والعترة: أما مخالفته للكتاب فلأنه قال: سبحانه { إن الحكم إلا لله } وقال { ألا له الحكم } وقال { لا معقب لحكمه } وقال تعالى { يفعل ما يشاء } و { يحكم ما يريد } وقال تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }. إذ لو كان أمرا واجبا بحكم العقل لوقع العذاب بترك ذلك الواجب قبل بعثة الرسل، واللازم باطل فكذا الملزوم. وأما مخالفته للعترة فلأنه قد روى الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: « ليس لله على خلقه أن يعرفوه، ولا للخلق على الله تعالى أن يعرفهم ». [3] فلو كانت المعرفة واجبة بحكم العقل لكانت معرفته تعالى واجبة على الخلق قبل تعريفه جل شأنه وهو خلاف قول الصادق.

واعلم أن تحقيق هذه المسالة وبيان الاختلاف الواقع فيها يتوقف على تحقيق مسألة الحسن والقبح والاختلاف الواقع فيها، فلا بد حينئذ من بيان ذلك.

فكل من الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: أحدهما كمال الشيء كالعلم ونقصانه الجهل.

وثانيهما ملائمة الطبع كالعدل والعطاء ومنافرته كالظلم والمنع ويقال لهما بهذا المعنى مصلحة ومفسدة.

وثالثهما استحقاق المدح والثواب والذم والعقاب عاجلا وأجلا. ولا نزاع لأحد في كونهما عقليين بالمعنيين الأولين، وإنما النزاع في كونهما عقليين أو شرعيين بالمعنى الثالث فقط، فقالت الأشاعرة إن الحسن والقبح بهذا المعنى لا غير، بمعنى أن الشرع ما لم يرد بأن هذا الفعل حسن أي مستحق فاعله للمدح والثواب، وذلك الفعل قبيح مستبدا فاعله للذم والعقاب عاجلا أو أجلا، لا يوصفان بالحسن والقبح، إذ يحكم العقل مستبدا على الأفعال بهما بهذا المعنى في خطاب الله، لعدم كون الجهة المحسنة والمقبحة في أفعال العباد عندهم مطلقا، لا لذاتها ولا لصفاتها ولا لاعتبارات فيها، بل كل ما أمر به الشارع فهو حسن وكل ما نهى عنه فهو قبيح، حتى لو انعكس الحكم لانعكس الحال كما في النسخ من الوجوب إلى الحرمة، فليس للعقل حكم في حسن الفعال وقبحها، وفي كون الفعل سببا للثواب والعقاب، بل إنما الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، فالأمر والنهي أمارة موجبة للحُسن والقبح لا غير، وتمسكوا على ذلك بوجوه:

الأول أن الأفعال كلها سواء ليس شيء منها في نفسه يقتضي مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه، لأن اقتضاءها لما ذكر إما أن يكون لذواتها، أو لصفاتها، أو لاعتبارات فيها انفرادا واجتماعا، تعينا أو إطلاقا. فهذه ثمانية احتمالات حاضرة كلها باطلة: أما بطلان الأول فلأن فعلا واحدا قد يتصف بالحسن والقبح معا باعتبارين كلطم اليتيم ظلما أو تأديبا والقتل حدا أو سفكا. فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل فقط – كما هو المفروض في هذا الاحتمال – فإن كانت الذات مقتضية لهما معا لزم صدور الأثرين المتضادين من مؤثر واحد واجتماع النقيضين، أو لأحدهما مطلقا لزم تخلف المعلول عن العلة الموجبة في الآخر، وبالاطلاق تخلفهما جميعا ورجحان بلا مرجح في الاقتضاء، واللوازم كلها باطلة. وأما بطلان الثاني فلأنه إن كانت تلك الصفات لازمة للذات لزم اجتماع النقيضين مطلقا، والصدور والتخلف إن كانت العلة الموجبة لهما صفة واحدة فهو ظاهر، وإن كانت من العرض المفارق فلأن عروضها إما لذات الفعل أو لصفة أخرى لها، ولا سبيل إلى الثاني لبطلان الشبه، وكذا إلى الأول لبطلان قيام العرض بالعرض، أو لمجموعهما فينقل الكلام إلى عروض تلك الصفة الآخرى، فحينئذ يلزم هاهنا ما يلزم ثمة. [4] وأما بطلان الثالث فلأن الاعتبارات أمر عدمي ولا يكفي في العلّية وجود المنشأ، والحسن والقبح بالمعنى فيه من الوجوديات، ولا يكون علة الوجودي اللاوجودي، مع أن تضاف إليه تلك الإعتبارات أفعال أيضا فحسنها وقبحها إن كان بالمعنى المتنازع فيه لزم الدور والتسلسل، [5] أو بمعنى غيره فلا يلزم سراية الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه باعتباره في المضاف للتباين. وأما بطلان الاحتمالات الباقية فظاهر، إذ فساد أجزاء المجموع كلها يستلزم فساده وفساد المعينات طرأ فساد المطلق ولا محالة بالضرورة. فقد تبين من هذا البيان أن الأفعال في نفسها لا اقتضاء لها ما ذكر مطلقا [6] وإنما صارت كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها، [7] كما أن الأعيان كانت في العدم فاختصاصها وتشخصاتها في الوجود بانحاء الحقائق والعوارض لا لذواتها ولا لعوارضها ولا لاعتبارات فيها بل لجاعلها وإرادته الأزلية المرجحة فقط، على أن تعلق الثواب والعقاب بالأفعال أمر مجهول غير معقول المعنى.

الثاني: أن الثواب والعقاب ليسا بواجبين على الله تعالى، بل هما تفضل ورحمة وعدل وحكمة، فلو كانت الأفعال تقتضي الحسن والقبح لذاتها أو لجهة واتعبار فيها لكانا واجبين وقد بين بطلان اللازم.

الثالث: أن العبد غير مستبد في إيجاد فعله، بل أفعاله مخلوقة لله تعالى كما بينت، فلا يحكم العقل بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليها.

الرابع: أنه لو كان حسن الفعل وقبحه عقليين للزم تعذيب تارك الواجب ومرتكب الحرام سواء ورد به الشرع أم لا، واللازم باطل لقوله تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [8] ولقوله تعالى { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا } وكذا عدم الحجة للناس على الله تعالى، وكذا لزم عدم بقاء العذر قبل بعث الأنبياء، ولزم اللغو أيضا في سؤال الرب والملائكة عبادة الكفار في الآخرة تبكيتا وإفحاما عن مجئ الرسل. واللوازم كلها باطلة بقوله تعالى { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }، [9] { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين }، { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا } الآية، { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير } الآية، { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى } الآية. على أن قوله تعالى { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } بعد قوله { يا معشر الجن والإنس } الآية يدل بالصراحة على أن أهل القرى قبل إرسال الرسل يكونون غافلين وإهلاكهم تعذيبا يكون ظلما، فلو كان حسن الأفعال وقبحها عقليين وكان النظر في معرفته واجبا عقلا لما صح ذلك القول أصلا كما لا يخفى. ولا يمكن تعميم الرسل في هذه الآية حتى يشمل العقل أيضا بالضرورة. ألا ترى أن التلاوة والقصة لآيات الله لا يصح إسنادها إلى العقل أصلا ومع هذا فإن « الرسول » في اللغة هو المبلغ لكلام أو كتاب من أحد إلى آخر، وفي الشرع هو إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق ليدعوهم إليه بشريعة مجددة، وهما معناه الحقيقي – اللغوي والمفهوم الشرعي – ولم يثبت أصلا استعماله في العقل لا لغة ولا شرعا حتى يقال بعموم المجاز، وإنما هو اختراع بعض المتكلمين من المعتزلة لتأييد مذهبهم. وأيضا كان العقل للكفار حاصلا في الدنيا، فكيف يصح اعتذارهم بعدم إرسال الرسل في الآخرة.

فثبت بهذه الوجوه أن الحسن والقبح ليسا إلا شرعيين، ولا يستقبل العقل في إدراكهما بدون الشرع قطعا. قالت المعتزلة ومن تبعهم: إن الحسن والقبح عقليان بمعنى أن الأفعال في نفسها – مع قطع النظر عن الشرع – فيها جهة حسن أو قبح تقتضي مدح فاعله وثوابه أو ذمه وعقابه، لكن تلك الجهة قد تدرك بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، وقد تدرك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع مثلا، وقد لا يدركها العقل بنفسه – لا بالضرورة – بالنظر إلا إذا ورد الشرع به، فإذن يعلم أن فيها جهة محسنة أو مقبحة كما في صوم اليوم الآخر من رمضان وصوم يوم العيد، فإدراك الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بالأمر والنهي، وأما انكشافهما بالقسمين الأولين فهو محض حكم العقل بدون توقفه على الشرع. ثم اختلفوا بينهم فقال المتقدمون منهم: إن حسن الأفعال وقبحها لذواتها فقط، وقال بعض المتأخرين منهم: إنما لصفة زائدة على الذات دونها، وبعضهم قالوا: إن جهة القبح في القبيح مقتضية لقبحه دون الحسن، إذ لا حاجة إلى صفة توجب الحسن بل يكفيه انتفاء صفة موجبة للقبح، وقال الجبائي وأتباعه: ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية بل لاعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب أو الظلم. وقال بعض أتباع المعتزلة إنهما للمطلق الأعم، واستدلوا على ذلك بوجوه:

( الأول ) أن حسن مثل العدل والإحسان وقبح مثل الظلم والكفران مما اتفق عليه العقلاء حتى الكفار كالبراهمة والدهرية وغيرهما حتى أنهم يستقبحون ذبح الحيوانات بأنه إيلام، فلولا أنه ذاتي للفعل بحيث يعلم بالعقل لما كان كذلك. [10] وأجيب عنه بأن هذا غير متنازع فيه، لأنه من قسم الحسن والقبح اللذين هما بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته وهو ليس بمتنازع فيه، والمتنازع فيه هو بمعنى تعلق الثواب والمدح والعقاب والذم وهو غير لازم من الدليل، فالتقريب غير تام.

( الثاني ) أن من تساوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب بحيث لا مرجح بينهما ولا علم باستقرار الشرع على تحسين الصدق وتقبيح الكذب فإنه يؤثر الصدق قطعا بلا تردد وتوقف، فلولا أن حسنه مركوز في عقله لما اختاره كذلك. وكذا إنقاذ من أشرف على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع ولا غرض ولو مدحا وثناء كالمجنون والصبي وليس ثمة من يراه. والجواب عنه بأن إيثار الصدق فيه لتقرر كونه ملائما في النفوس لغرضه العامة ومصلحة العالم وكون الكذب عكس ذلك، ولا يلزم من فرض التساوي تحققه، فإيثاره الصدق لملائمته تلك المصلحة لا لكونه حسنا في نفسه، فلو فرضنا الاستواء من كل وجه فإيثار الصدق قطعا ممنوع، وإنما القطع بذلك عند الفرض والتقدير بتوهم أنه قطع عند وقوع المقدر المفروض، والفرق بينهما بين. وأما إنقاذ الهالك فلرقة الجنسية المجبولة في الطبيعة، فكأنه يتصور تلك الحالة لنفسه فيجره استحسان ذلك الفعل من غيره في حق نفسه إلى استحسانه من نفسه في حق غيره، وبالجملة لا نسلم أن إيثار الصدق عند من لم يعلم استقرار الشرائع على حسنها إنما هو لحسنهما عند الله تعالى على ما هو المتنازع فيه بل لأمر آخر.

( الثالث ) أنه لو كانا شرعيين لكانت الصلاة والزنا متساويين في نفس الأمر قبل بعثة الرسول فجعل أحدهما واجبا والآخر حراما ليس أولى من العكس، بل ترجيح من غير مرجح ومناف لحكمه الآمر وهو حكيم قطعا. والجواب عنه بأن الأفعال قد بين سابقا تساويها في نفس الأمر بعدم الاقتضاء قبل ورود الشرع بدليل واضح، فبطلان اللازم ممنوع، ثم جعل بعضها واجب وبعضها حرام لحكم ومصالح من الآمر الحكيم، فالأولوية ترجع إلى تلك الحكم والمصالح بعد ورود الشرع بالوجوب، لا للأفعال مطلقا من عدم اقتضائها تلك الأولوية، والإرادة الأزلية مرجحة بعض الأفعال ببعض الصفات وبعضها ببعض، كما أنها مرجحة لتخصيص الأعيان بالحقائق والعوارض المخصوصة من غير اقتضاء ذواتها لها، وإنما يلزم المنافاة لحكمة الآمر الحكيم إذا لم يكن في ذلك التخصيص مراعاة للمصلحة والحكمة وهو باطل بالاتفاق، فالترجيح بعير مرجح، والمنافاة للحكمة ممنوع أيضا لما ذكرنا.

( الرابع ) أنه لو كانا شرعيين لكان إرسال الرسل بلاء وفتنة لا رحمة، لأنهم كانوا قبل ذلك في رفاهية لعدم صحة المؤاخذة بشئ مما يستلذه الإنسان، ثم بعد مجئ الرسل صاروا ببعض تلك الأفاعيل في عذاب أبدي، فأية فائدة في إرسال الرسل إلا التضييق وعذاب عبادة فصار بلاء، هذا خُلف، لأنه رحمة يمن الله به على عباده في كثير من مواضع تنزيله. والجواب عنه أولا بالنقض بأنه لو تم دليلكم فكانا عقليين لكان العقل أيضا بلاء وقتنة لا نعمة ورحمة ولو باعتبار بعض الأفعال كالشرك وكفران النعمة، لأن المجنون والصبي في رفاهية لعدم صحة مؤاخذتهم بشئ مما يفعلونه، ثم بعد حصول العقل لهم يصيرون في عذاب أبدي ببعض تلك الأفاعيل، فأية فائدة في إعطائهم إلا الإهلاك والتعذيب، فصار العقل بلاء على الإنسان، هذا خلف، لأن الله تعالى يمن بإعطائه على عباده في تنزيله حيث قال { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } و { قل هو الذي أنشاكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } و { علم الإنسان ما لم يعلم } [11] وغيرها من الآيات، فما هو جوابكم عن هذا فهو جوابنا عن ذلك. ثانيا بالمعارضة بأنه لو لم يكونا شرعيين لكان إرسال الرسل عبثا باعتبار بعض الأفعال الذي هو أعظم قدرا وأشد خطرا، وكان الأنبياء يدعون الناس أولا إلى فعله وتركه لأن العقل يكون مستبدا في إدراك حسن بعض الأفعال كالإيمان وقبح بعضها كالكفر بالضرورة أو بالنظر على هذا التقدير لا محالة، والعاقل يمكنه العمل بما يقتضيه عقله بل يجب فلا فائدة معتدا بها في إرسال الرسل إلا في بعض الأفعال التعبدية. وثالثا بمنع بطلان اللازم كون إرسال الرسل بلاء وفتنة وهو باعتبار مشاق التكاليف لا ينافي كونه رحمة من وجه آخر باعتبار تهذيب النفس وإصلاح المعاد والمعاش بما قال الله تعالى { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } لأن تلك الكلمات وهي الخصال الثلاثون المحمودة المذكورة في سورة براءة والمؤمنين والأحزاب مع كونها رحمة وقع البلاء بها وبما قال الله تعالى { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } أي بالنعم والنقم { لعلهم يرجعون } إذ لو كان المنافاة بين البلاء والحسن لما صح ابتلاؤهم بالحسنات. ورابعا بمنع الملازمة لأن ما ذكر من صيرورة بعض العباد بعذاب أبدي بعد مجئ الرسل إنما هو لتركهم اتباعهم دون الإرسال وهو شرط لتحقيق نفس الترك لا موجب له، وإذا وجد الترك صار نقمة وبلاء عليهم لا الإرسال، إذ لا يلزم أن يتصف الإرسال بصفة مشروطة بل هو باق على صفة الرحمة التي هي محط امتنانه تعالى به على عباده، ومع هذا يرد عليهم قوله تعالى لنبيه ﷺ { وكذلك أوحينا إليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } يعني قبل الوحي، ولو كان الأفعال وقبحها بالمعنى المتنازع فيه مدركا بالعقل قبل ورود الشرع لكان الرسول أحق وأولى بإدراكه، وما كان يصح نفي درايته عنه بالعقل قبل الوحي لأنه أعقل الناس، إذ الإيمان بمعنى الشرائع وهي مستلزمة للحسن والقبح المتنازع فيه بحيث لا يوجدان بذلك إلا معها بالضرورة، ونفي دراية الملزوم مستلزمة لنفي دراية اللازم المساوي، فقد تبين للمنصف مما ذكرنا فساد شبهاتهم التي اتخذوها دلائل، وأن الحسن والقبح بذلك المعنى ليسا إلا شرعيين وهو المطلوب.

ولما ثبت كون الأفعال وقبحها شرعيا وكان شكر المنعم من جملة تلك الأفعال ولا يمكن شكره إلا بمعرفته ولا تحصل المعرفة إلا بالنظر صار في معرفة المنعم واجبا شرعيا عند من قال بشرعية الحسن والقبح وهو الحق أو عقليا عند من قال بعقلية الحسن والقبح.

واعلم أن علماء الأصول اختلفوا في أول ما يجب على المكلف. فقال الإمام الأشعري: هي معرفة الله تعالى إذ يتفرع وجوب الواجبات وحرمة المنهيات. وقال المعتزلة والأستاذ منا: هو النظر فيها إذ هي موقوفة عليه، ومقدمة الواجب المطلق أيضا واجبة، وقيل هي الجزء الأول من النظر أي الحركة من المطالب إلى المبادئ. وقال إمام الحرمين والقاضي أبو بكر وابن فورك: هو المقصد إلى النظر لتوقف الأفعال الاختيارية وأجزائها على القصد، والنظر فعل اختياري.

ثم اعلم أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا عند الأشاعرة لقوله تعالى { فانظروا إلى آثار رحمة الله } و { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ولقوله ﷺ « تفكروا في آلاء الله » [12] والأمر هاهنا للوجوب لقوله ﷺ حين نزلت آية { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } الآية: « ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها » فإنه ﷺ أوعد بترك الفكر في دلائل معرفة الله تعالى، ولا وعيد على ترك غير الواجب. وأيضا أن معرفة الله تعالى واجبة إجماعا، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب أيضا كوجوبه. وعند المعتزلة واجب عقلا لأن شكر المنعم واجب عقلا عندهم وهو موقوف على معرفة الله المنعم، ومقدمة الواجب المطلق واجبة أيضا هذا بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفا.

واحتجت المعتزلة على كونه واجبا عقلا بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم منه إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة، إذ يجوز للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزة وغيرها مما تتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه: لا أنظر ما لم يجب النظر علي، ولا يجب النظر على ما لم يثبت الشرع عندي، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به، ولا يثبت الشرع على الآخر وهو دور محال، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على دفعه، وهو معنى إفحامه. وأجيب عنه أولا بالنقض بأن ما ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معا، فما هو جوابكم فهو جوابنا. [13] وبيان الاشتراك أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى أنظار دقيقة من أن المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصح للمكلف أن يقول حيئذ أيضا: لا أنظر أصلا ما لم يجب على النظر، ولا يجب ما لم أنظر فيلزم الدور المحذور. لا يقال قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن يضع النبي للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكليف وتفيده العلم بذلك ضرورة، لأنا نقول: كونه فطري القياس مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار باطل قطعا، ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر ولكن لا يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه ولا يستمع به ولا يأثم بترك النظر والاستماع، إذ لم يثبت بعد وجوب شيء أصلا فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة وهو المراد بالإفحام. وثانيا بالحل بأن قوله « لا يجب النظر على ما لم يثبت الشرع عندى » إنما يصح إذا كان الوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع ولكنه لا يتوقف، كذلك العلم بالوجوب متوقف على نفس الوجوب، لأن العلم بثبوت شيء فرع لثبوته في نفسه فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلا مركبا لا علما، فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور، وأن لا يجب شيء على الكافر أيضا، فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب بل تقول: الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الآمر، والشرع ثابت في نفس الأمر علم مكلف ثبوته ونظر فيه أولا، وكذلك الوجوب، ولا يلزم من هذا تكليف الغافل لأن الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به، فإن قال المكلف: وما أعرف الوجوب في نفس الأمر، وما لم أعرفه لم أنظر، قلنا: ماذا تريد بالوجوب؟ فإن قال: أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثما وفعله ثوابا، قلنا له: فقد ثبت الشرع حيث قلت بالثواب والإثم فبطل قولك ما أعرف الوجوب بقولك، فاندفع الإفحام. وإن قال: أردت به ما يكون ترك ما أتصف به قبيحا لا يستحسنه العقلاء، ويترتب عليه المفسدة، قلنا له: فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته، فبطل قولك « لم أنظر ما لم أعرف الوجوب » واندفع الإفحام. وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح العقليين لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه بل بالمعنى المتفق عليه كما لا يخفى، وإذا عرفت ما حققنا عرفت أن ما قال الأشاعرة هو الحق. [14]

ثم اعلم أن الماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الأعتزال في هاتين المسألتين، وكذا الروافض مقتفون على آثارهم في ذلك، ولكن الفرق بين الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقليا حكما من الله تعالى في العبد، بل يصير موجبا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو الله تعالى فقط، والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ليس هناك حكم أصلا فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف المعتزلة والإمامية خذلهم الله تعالى، فإن كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى، فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت كما فصلت في الشريعة.

الثاني منها [15] أن الله تعالى حي بالحياة وعالم بالعلم وقادر بالقدرة، وعلى هذا القياس صفته ثابتة له كما تطلق الأسماء على الذات. وقال الإمامية كلهم: ليس لله تعالى صفات أصلا، ولكن تطلق على ذاته تعالى الأسماء المشتقة من تلك الصفات فيجوز أن يقال إن الله تعالى حي وسميع وبصير وقدير وقوي ونحو ذلك، ويمتنع أن يقال أن له حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا ونحوها، وأنت خبير أن عقيدتهم هذه مع كونها خلاف المعقول لأن إطلاق المشتق على ذات لا يصح بدون قيام مبدئه بها، إذ الضارب إنما يطلق على ذات قام الضرب بها، وبدون قيامه لا يحمل المشتق ولا يطلق مخالفة للثقلين أيضا [16] أما الكتاب فيثبت في آياته الكثيرة هذه الصفات له تعالى كقوله تعالى { ولا يحيطون بشئ من علمه } وقوله تعالى { أنزله بعلمه } وقوله تعالى { وسعت كل شيء رحمة وعلما } وقوله تعالى { يريدن أن يبدلوا كلام الله } - وأما العترة فلما ذكر في نهج البلاغة في خطب الأمير في أكثر المواضع من هذه الصفات مثل « عزت قدرته، ووسع سمعه الأصوات » [17] وعن الأئمة الآخرين مروي بالتواتر إثبات هذه الصفات له تعالى.

الثالث منها صفاته تعالى الذاتية قديمة لم يزل موصوفا بها، قال زرارة بن أعين وبكير ابن أعين وسليمان ومحمد بن مسلم الذين هم كانوا قدوة الإمامية ورواة أخبارهم: إن الله تعالى لم يكن عالما في الأزل ولا سميعا ولا بصيرا حتى خلق لنفسه علما وسمعا وبصرا كما خلقها لبعض المخلوقات فصار عالما وسميعا وبصيرا. ومخالفة هذه العقيدة لكتاب الله أظهر من الشمس، فإنه وقع في كثير من مواضعه { وكان الله عليما حكيما } و { عزيزا حكيما } و { سميعا بصيرا } ونحوها.

وأما مخالفتها للعترة الطاهرة فلما رواه الكليني عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: كان الله ولم يكن شيء غيره ولم يزل عالما. [18]

وروى الكليني وجمع آخرون من الإمامية عليهم السلام أنهم كانوا يقولون: إن الله سبحانه لم يزل عالما سميعا بصيرا. [19]

ومع هذا يرد عليهم أن يكون الله محلا للحوادث وهو باطل بالضرورة.

الرابع منها أن الله تعالى قادر على كل شيء، خالف الشيخ أبو جعفر الطوسي والشريف المرتضى وجمع كثير من الإمامية في ذلك، فإنهم قالوا إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد. [20] ويكذبهم قوله تعالى { والله على كل شيء قدير } وهو كاف لتكذيبهم.

الخامس منها أن الله تعالى عالم بكل شيء قبل وجوده، وهذا هو معنى التقدير، يعنى أن كل شيء في علمه مقدر وكل شيء عنده بمقدار، بأن يكون كذا وكذا ويوجد في وقته على وقفه. قالت الشيطانية – وهم أتباع شيطان الطاق -: إنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها، وجماعة من الاثني عشرية من متقدميهم ومتأخريهم منهم المقداد [21] صاحب ( كنز العرفان ) قالوا: إن الله لا يعرف الجزئيات قبل وقوعها. وهذه العقيدة مخالفة للقرآن، قال تعالى { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } وقال { والله بكل شيء عليم } وقال { قد أحاط بكل شيء علما } وقال { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } وقال { إنا كل شيء خلقناه } وقال { جعل الله الكعبة البيت الحرام – إلى قوله – ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } يعني أن الله جعل الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد شعائره ليجلب إليكم مصالحكم ويدفع عنكم مضاركم، وتلك المصالح معلومة له قبل وقوعها. وقال { ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين } وأخبر بوقعة الروم وفارس قبل وقوعها بقوله: { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } وقد أخبر الله رسوله بالوقائع الجزئية الماضية والآتية والحاضرة في زمن الوحي وأخبارا كثيرة في التنزيل، ومن يطلع عليها لا يشك فيها أصلا، وفيه كثير من الإخبار بأحوال الجنة والنار ومكالمتهم كقوله تعالى { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار – إلى قوله – ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } وقد وصل بالتواتر عن النبي ﷺ وأهل البيت أنهم أخبروا بالوقائع والفتن الأتية، وظاهر أن علمهم كان مأخوذا من وحي الله وإلهامه.

وما يتمسك هؤلاء القائلون من القرآن المجيد بالآيات الدالة على حدوث علم الله عند حدوث الأشياء كقوله { ويعلم الصابرين } وأمثال ذلك، أو الدالة على الأختيار كقوله { وليبلوكم فيما آتكم } { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ففاسد، إذ المراد من هذا العلم كشف حالهم وتمييزها في الخارج لا المعنى الحقيقى.

وأما المخالفة للعترة فلما روى أهل السنة والشيعة عن أمير المؤمنين أنه قال « والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما فلم يزدد بكونها علما، علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها » [22] وروى على ابن إبراهيم [23] القمي من الاثني عشرية عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته هل يكون شيء اليوم لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله بالأمس؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق. [24] إلى غير ذلك من صحاح الأخبار.

السادس منها أن القرآن المجيد هو كلام الله ولم يتطرق إليه تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان قط ولم يكن لهذه الأمور إليه من سبيل أبدا. وقالت الاثنا عشرية ما هو موجود اليوم في أيدي المسلمين محرف ومبدل ومزاد فيه ومحذوف منه، وقد تقدم في ذلك وقد خالفوا في عقيدتهم هذه قول الله تعالى { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } وقال تعالى { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وكل ما يكون الله حافظا له كيف يمكن تبديله وتغييره؟ أيضا تبليغ القرآن كما كان ينزل كان واجبا على النبي ﷺ لقوله تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ومعلوم باليقين أن من كان أسلم في عهده عليه السلام اشتغل أولا بتعلم القرآن ثم بتعليمه حتى حفظه في عهده ألوف من الرجال، ثم من بعد ذلك المسلمون في جميع البلاد والقرى مشغولون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار في الصلاة وخارجها لعلمهم بأنها أعظم القربات، ويعلمونه للأطفال قبل تعليم كل شيء، فإذا كان كذلك فكيف يتصور في القرآن تغيير وتبديل لا يشعر به المشتغلون فيه! أما مخالفة هذه العقيدة للعترة ففي كل روايات الإمامية مذكور أن أئمة أهل البيت كلهم يقرأون هذا القرآن ويتمسكون بعامه وخاصه ويوردونه استشهادا ويفسرونه، والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن، [25] ويعلمونه أولادهم وخدامهم وأهلهم ويأمرونهم بتلاوته في الصلاة، ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها. [26]

السابع: منها أن الله تعالى مريد وإرادته أزلية، وما أراد وجوده في الأزل وجعله معينا في وقته فيما لا يزال لا يمكن التقدم والتأخر فيه أبدا، فكل شيء يوجد البتة في وقته بوفق تلك الإرادة، ويعتقد الإمامية أن إرادته تعالى حادثة. وأيضا يقولون إن إرادته ليست عامة لجميع الكائنات، فإن كثيرا من الموجودات يوجد بلا إرادته كالشرور والمعاصي والفسوق والكفر ونحوها، [27] وهذه العقيدة يردها آيات كثيرة من الكتاب، منها قوله تعالى { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } أي فلو أراد إيمانهم لزم التناقض، وقوله { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا } الآية. وقوله { إن كان الله يريد أن يغويكم } وقوله { إنما يريد الله أن يعذبهم في الدنيا } وقوله { وإذا أردنا أن نهلك قرية } الآية وقوله { من يشإ الله يضلله } وقوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } [28] وغيرها من الآيات. وكذلك يكذب هذه العقيدة أقوال العترة أيضا: روى الكليني عن محمد بن أبي نصر [29] قال: قلت لأبي الحسن الرضا إن بعض أصحابنا يقول بالجبر وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب « بسم الله الرحمن الرحيم. قال علي بن الحسين قال الله تعالى بمشيئتي كنت أنت » [30] إلى آخر الحديث. وروى الكليني عن سليمان بن خالد عن أبي عبدالله عليه السلام: إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله، ثم تلا قوله تعالى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [31] وروى الكليني وصاحب المحاسن [32] عن علي إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد العبد. [33] وروى الكليني عن الفتح بن يزيد الجرجاني [34] عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا تغلب إرادة الله سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم.

وأيضا روى الكليني عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام ما ينص على أن الله تعالى يريد ضلالة بعض عباده إرداة حتم، وروى عن ثابت عن سعيد مثل ذلك. ولهذا الأصل فروع كثيرة: منها ما يقول الإمامية قاطبة أن الباري لا يأمر إلا بما يريده [35] ولا ينهى إلا عما لا يريده.

وهذا أيضا مخالف للثقلين: أما الكتاب فقوله تعالى { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } فعلم أن إرادة خروج هذه الجماعة لم تكن له تعالى لأن الكراهة ضد الإرادة وهم كانوا مأمورين بالخروج بلا شبهة وإلا فلا وجه للملامة والعتاب عليهم، [36] وقوله تعالى { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة } وقد كانوا مأمورين بالإيمان. [37] ويوجد في القرآن ما يدل على عدم مشيئته تعالى بإيمان الكفار من الآيات قدر مائة أو أزيد، ومع ذلك كانوا مأمورين بالإيمان. وأما العترة فقد تواتر عنهم بروايات الشيعة ما يضاد ذلك بحيث لا مجال فيه للتأويل ولا للإنكار، فمن ذلك ما روى البرقي في المحاسن والكليني في الكافي عن على بن إبراهيم وقد سبق نقله قريبا.

ومنها ما رواه الكليني عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنه قال: إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته. [38]

ومنها ما رواه الكليني وغيره عن عبدالله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال: أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس بالسجود لآدم وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل ولو لم يشأ لم يأكل. [39]

ومن تلك الفروع قول الإمامية، إنه لا يقع بعض مراد الله تعالى ويقع مرادات الشيطان وغيره من الكفار، وأهل السنة يقولون: لا تتحرك ذرة إلا بإذن الله ولا تتقدم إرادة أحد مخالفة لإرادة الله تعالى، ولا يقع مراد غيره بدون إرادته أصلا بل ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن { وما تشائون إلا أن يشاء الله }. ومذهب الإمامية مأخوذ من زندقة المجوس، فإنهم قائلون بالاثنين أحدهما خالق الشرور ويسمونه أهرمن والآخر خالق الخيرات ويسمونه يزدان، ويسندون إليهما توزيعًا وقائع العالم، وقد يعتقدون أن أحدهما غالب على الآخر مغلوب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنها ما يقول هؤلاء المذكورون أن الله تعالى يريد شيئا يعلم أنه لا يقع. وهذا الاعتقاد الشنيع مستلزم للسفه في حضرته تعالى عما يقول الظالمون. ومنها ما يقولون: إن الله تعالى يريد أن يهدي بعض عباده ويضله الشيطان وأعوانه من أشرار بنى آدم، ولا تتقدم إرادة الله بإزاء أولئك الملاعين! ويكذبهم في هذا نص القرآن { من يهد الله فما له من مضل }. ومن أقوال العترة رواية الكليني عن ثابت بن سعيد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: يا ثابت ما لكم والناس، كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، والله لو أن أهل السماوات وأهل الأرض اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلاله ما استطاعوا أن يهدوه، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هدايته ما استطاعوا أن يضلوه. [40]

الثامن: منها ان الله تعالى لن يرضى بكفر أحد من عباده وضلالته، لقوله تعالى { ولا يرضى لعباده الكفر } قال الاثنا عشرية: يرضى الله عن ضلالة غير الشيعة، وكان الأئمة راضين بضلالة غيرهم أيضا. وروى صاحب ( المحاسن ) عن الإمام موسى الكاظم أنه قال لأصحابه: لا تعلموا هذا الخلق أصول دينهم وارضوا لهم بما رضي الله لهم من الضلال! [41] ولو صحت هذه الرواية لكانت لأهل السنة بشارة عظيمة حاصلة في أيديهم، فإنهم يعيشون بحسب ما رضي الله والحمد لله على ذلك وثبت لهم رضوان الله تعالى الذي هو غاية المنى لأهل الدين بشهادة الأئمة. أما علماء الشيعة، فلا بد لهم أن يكذبوا هذه الرواية لأنها مخالفة لأدلتهم القطعية وأصولهم الشرعية، إذ هي مناقضة لغرض الإمامة لوجوب الأصلح واللطف وهادمة لأساس بنيان قاعدتهم المقررة أن الله تعالى لا يريد الشرور والقبائح والكفر والمعاصي إذ الرضا فرع الإرادة وأخص منها، فنفيها نفيه.

التاسع: منها أن الله تعالى لا يجب عليه شيء كما هو مذهب أهل السنة، خلافا للشيعة فإنهم قاطبة متفقة كلمتهم بوجوب كثير من الأشياء عليه تعالى بحكم عقولهم، [42] وليس هذا بملائم لمرتبة الربوبية والألوهية أصلا، وأية قدرة للعبد أن يوجب على مالكه الحقيقي شيئا، فكل ما أعطى فهو من فضله ورحمته وكل ما منع فهو من عدله وحكمته وهو المحمود في كل أفعاله، قال في نهج البلاغة: ومن خطبة له خطبها بصفين « أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، وجعل لكم على من الحق مثل الذي عليكم، والحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه خالصا على أحد إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصا لله تعالى سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه. ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا وتوسعا بما هو على المزيد أهله » انتهى بلفظه. قال جميع الإمامية بوجوب التكليف عليه تعالى، [43] يعني يجب عليه تعالى أن يكلف المكلفين بأن يأمرهم وينهاهم وأن يقرر لهم واجبات ومحرمات وأن يخبرهم بذلك بواسطة الرسل. ولا يقتضي العقل أصلا أن يكلف الكافر بالإيمان والفاجر بالطاعة وترك العصيان، لأنه تعالى لا فائدة له في هذا التكليف أصلا، بل هو منزه عن الفوائد والأغراض وغني عن العالمين، وهو في حق العبد محض الخسران والضرر وموجب لهلاكه الأبدي، والله سبحانه يعلم عاقبة الأمر لكل أحد هل يقبل أولا وهل يمتثل أم لا، فإلقاء العبد في معرض التلف والهلاك عامدا من غير أن يعود إليه نفع ليس مقتضى العقل أصلا، نعم لا يفعل عاقل أمرا يضر غيره وهو لا ينفع به خصوصا في حق الدين. [44]

وأيضا لو وجب التكليف لكان لابد أن برسل في كل قرية وبلدة الرسل متواليا، ولم يقع زمن الفترة، ولم يخل قطر وناحية عن رسول، لأن العقل لا يكفي في معرفة التكاليف بالإجماع، والحاجة للرسول ماسة بالضرورة. [45]

وأيضا كان على الله تعالى أن ينصب بعد موت النبي إماما غالبا غير خائف، ويؤيده بالآيات والمعجزات حتى يبلغ الأحكام بلا خوف وهيبة، ولم يدع المكلفين غافلين عن أحكام الشرع ويدعون سكان شواهق الجبال، ولم يفوض إمامه بأيدي جماعة لم يكن لهم قدرة على إظهار الأحكام الشرعية! بل هم أيضا كانوا يمضون بالتقية في لباس غيرهم من الكفرة والظلمة!

وأيضا يعتقدون أن ( اللطف واجب على الله تعالى ) ويبينون معنى اللطف أنه هو ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا يؤدي إلى الإلجاء. وهذا أيضا باطل لأن اللطف لو كان واجبا لم يكن لعاص أن تتيسر أسباب عصيانه، واجتمع لكل موجبات طاعاته، وشاهده محسوس في العالم أن أكثر الأغنياء والموسرين يظلمون ويعصون ويبغون في الأرض بكثرة أموالهم وقوة عساكرهم، وأكثر الفقراء يبغون بسبب أفلاسهم ويحرمون من العبادات. وكثير من أصحاب العلم لا يحصل لهم معلم يعلمهم ولا تتأبى لهم الفراغة ولا تتيسر لهم القوة، وكثير من أصحاب الشهوات والمفسدين يصل إليهم من كل جانب أسباب فسقهم بلا كلفة وقصور، فلو كان اللطف واجبا لكان الأمر منعكسا. ومخالفة هذه العقيدة للكتاب والعترة والعقل السليم أجلى من النهار: أما الكتاب فقوله تعالى { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين }، و{ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون }، { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } والآيات الدالة على الاستدراج ومكر الله تعالى والإبعاد عن الإيمان والطاعة مثل { فكره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين }، { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون }، { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } وأمثال ذلك أزيد من أن يحصى. وأما العترة فقد سبق ما في الكليني عن الصادق قال: إذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتى سوداء، الحديث المتقدم.

وأيضا يعتقدون ( وجوب الأصلح عليه تعالى )، وهذا باطل بمثل ما مضى. [46] وأيضا لو كان الأصلح واجبا لم يسلط الشيطان على بني آدم الذي هو عدو قوي من غير جنسهم وهم لا يرونه حتى يحترزوا منه ويدفعوه عن أنفسهم وهو يراهم ويتمكن من وسوستهم وقادر على إضلالهم بالإغواء ويصيبهم تصرفه في قلوبهم فضلا عن الأعضاء الأخر، فإنه يجري منهم مجرى الدم. نعم خلق الشيطان ثم إلقاء العداوة بينه وبين الإنسان ثم إبقاؤه وإنظاره القدرة على إغواء بني آدم بالتصرف كل منهم يقلع أصل الأصلح ومارنه. وأيضا كان الأصلح في حق بني إسرائيل أن السامري لم يكن يرى جبريل ولم يعلم أصلا خاصة ما مس حافر فرسه، وإذ رآه وعلم خاصته فهو لم يكن يقدر على قبضه من ذلك التراب، وإذ أخذه فقد كان ضاع منه. ولما وقع هذا كله خلافا لذلك فأين بقي الأصلح؟ وأيضا كان الأصلح في حق الكافر المسكين المبتلى بالفقر والأحزان والآلام والأمراض أن لا يخلق أصلا، وإن خلق مات صغيرا ليخلص من العذاب الأبدي الأخروي. وكان الأصلح في حق أصحاب الرسول ﷺ وأمته أن ينص على خلافة أبي بكر صريحا لا على خلافة الأمير حتى يعملوا بوفقه ولا يذهبوا إلى خلافه. وأيضا يقول الله تعالى في كتابه { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } فلو كانت الهداية إلى الإيمان واجبة عليه تعالى لم يمن بها على عباده، إذ لا منة في أداء الواجب.

ويعتقدون أيضا أن ( الأعواض واجبة عليه تعالى ) يعني إذا أصاب الله عبدا بألم أو نقصان في ماله وبدنه وجب عليه تعالى أن يعطيه نفعا يستحقه ذلك العبد. [47] وعقيدتهم هذه بعد دراية ما بين العبد والرب من علاقة المالكية والمملوكية باطلة. إذ العوض يجب إذا تصرف في ملك المالك، ولا ملك في العالم لغيره تعالى. ونعيم الجنة في الحقيقة محض تفضل منه، لأن العبد لو صرف جميع عمره في الطاعة والعبادة لا يمكن أن يؤدي شكر نعمة واحدة من نعمة الخفية الدقيقة فضلا عن أن يستحق عليه عوضا به. فإن كل ما يفعله الإنسان لا يكافئ نعمة الوجود وحدها، فكيف يكون حال ما يقتضي غيره من النعم الكثيرة: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }. ولذلك قال ﷺ: « ما أحد يدخل الجنة بعمله إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت؟ قال: ولا أنا ». [48] وقد صح عند الشيعة ثبوت هذا المعنى بالتواتر من أحاديث الأئمة. روى ابن بابويه القمي في ( الأمالي ) من طريق صحيح عن علي بن الحسين أنه كان يدعو بهذا الدعاء « إلهي وعزتك وجلالك لو أني منذ أبدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك لكل شعرة في طرفة عين سرمد الأبد بتحميد الخلائق وشكرهم أجمعين لكنت مقصرا في بلوغ شكر أخفى نعمة من نعمك. ولو أني كربت معاول حديد الدنيا بأنيابي وحرثت أرضها بأشفار عيني وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات والأرض دما وصديدا لكان ذلك قليلا من كثير من وفاء حقك علي، ولو أنك إلهي عذبنتي بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين وعظمت للنار خلقي وجسمي وملأت جهنم مني حتى لا يكون في النار معذب غيري ولا يكون لجهنم حطب سواي لكان هذا لك علي قليلا من كثير ما استوجبت من عقوبتك ». [49] وفي ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين قال « لا يأمن خير هذه الأمة من عذاب الله ». [50]

العاشر منها: كل ما يصدر من الإنسان أو الجنة أو الشياطين أو غيرهم من المخلوقات من خير وشر وكفر وإيمان وطاعة ومعصية وحسن وقبح كلها من خلق الله تعالى بإيجاده وليس للعبد قدرة على خلقه. نعم له كسبه والعمل به، وبهذا الكسب والعمل سيجزى إن شرا فشر وإن خيرا فخير. هذا هو مذهب أهل السنة.

وقال الإمامية: إن العبد يخلق أفعاله ولا دخل لله تعالى في أقوالهم وأفعالهم الإرادية، بل في جميع أفعال الطيور والبهائم والوحوش وسائر الحيوانات التي تفعل بالإرادة. [51] وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة.

أما الكتاب فقوله تعالى { والله يخلقكم وما تعلمون } وقوله { خالق كل شيء لا إله إلا هو } وقوله { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله } وقوله { ألم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن } وغيرها من الآيات.

وأما العترة فقد روت الإمامية بأجمعهم عن الأئمة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ ذكر تلك الروايات شارح العدة وغيره. [52] ومع هذا يعتقدون أن هذه المسألة كذلك بزعمهم مخالفين للأئمة صريحا، ولا تمسك لهم في ذلك إلا بعده شبهات اتخذوها ملجأ باتباع المعتزلة، قالوا لو كان الله تعالى خالقا لأفعال عباده يلزم بطلان أمر الثواب والعقاب والجزاء كلها، لأنهم لا يكون لهم دخل في أفعالهم، وتعذيب من لا دخل له في فعله ظلم صريح.

وأجاب أهل السنة بمنع الملائمة، وذلك أنهم قالوا إنا نثبت أمر الثواب والعقاب والجزاء على أصول الشيعة وعلى وفق رواياتهم عن الأئمة، مع كونه تعالى خالقا لأفعال عبداه بطريقين: ( الأول ) أن جزاء أفعال كل واحد مطابق لعلمه وتقديره تعالى في حق كل واحد، مثلا ثبت في علم الله أن أفعالهم وأعمالهم لو أحالها وفوض عملها إليهم يطيع فلان ويعصي فلان، يعني يخلق في المطيع طاعته والعاصي معصيته والكافر كفره والمؤمن إيمانه، وقد قام شاهد هذا التقرير والعلم في العباد أيضا وذلك ميلهم وهوى أنفسهم، فميل المؤمنين إلى الإيمان وميل الكافرين إلى الكفر وميل أهل الطاعة إليها وميل أهل الفسق إليه؛ كل يرجح في قلبه ما له ميل إليه ويخلقه الله تعالى على يده. فجزاء الخير والشر بناء على علمه تعالى في إيجادهم لو فرض إليهم، فهم وإن لم يكونوا خالقين لأفعالهم حقيقة ولكن لا شبه في خلقهم تقديرا، فلو جعل الكافر قادرا على خلق أفعاله لخلق الكفر. وكذا لو كان المؤمن يعطى القدرة على هذا الأمر لخلق الإيمان. وعلى هذا القياس في جميع الأفعال والأقوال. [53] والجزاء المبني على علمه في حق كل ليس ظلما عند الشيعة لأن جزاء أطفال المشركين بهذه الوتيرة عندهم بلا تفاوت. روى ابن بابويه عن عبد الملك بن سنان قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن أطفال المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. [54] وروى عن وهب بن وهب [55] عن [ جعفر بن محمد [56] ] عن أبيه عن أبي عبدالله أيضا أنه قال: أولاد الكفار في النار. [57] فإذا لم يكن عذاب الصبي غير المكلف لكونه كافرا وعاصيا في علم الله تعالى من غير أن يوجد فيه شاهد هذا العلم من ميل النفس وهواها ظلما، لم يكن ظلما تعذيب المكلف على فعله الذي يوجده ويخلقه بوفق إرادته وهوى نفسه لأجل أنه يفعل هذا الفعل ويخلقه لو قدر عليه. [58] وهذا الوجه مصرح به ومبين في روايات الأئمة في كتب الشيعة: روى الكليني وابن بابويه وآخرون منهم عن الأئمة أن الله خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده شقيا لعلمه بما كانوا يعملون. [59] ليتأمل في لفظ « كانوا » فإنه يفيد صريحا معنى الفرض والتقدير. وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي بصير أنه قال: كنت بين يدي أبي عبدالله عليه السلام جالسا فسأله سائل فقال: جعلت فداك با ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم بالعذاب على عملهم في علمه؟ فقال أبو عبدالله: أيها السائل، علم الله عز وجل لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل المحبة القوة على طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم بسبق علمه فيهم ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم من علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه لأن علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو سره. [60] وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام أن قال: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه فمن خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله وإن خلقه شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله. [61] ولو كان الجزاء على خلق عمله من عنده الواقع موافقا لهوى العبد ظلما يلزم أن يكون خلق نفسه وقواه مع تسليط الشيطان عليه ومنع الألطاف وإطاقة القبول في حقه ظلما أيضا. وقد وقع صريحا في الروايات المذكورة هذه الجمل: ووهب له قوة المعصية ومنع عنه إطاقة القبول ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم. وقد ورد أيضا في الروايات السابقة عن أبي عبد الله أنه قال: إذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكنة سوداء الحديث المتقدم. وظاهر أن العبد يكون على هذا مضطرا وملجئا بفعل المعصية لعدم قدرته على الطاعة والعبادة بهذه المعاملة التي عامل الله بها في حق عبده.

( الطريق الثاني ) أن الجزاء ليس على العمل حتى يكون دخل العبد ضرورة، بل على ميل قلبه وهو نفسه الذي يقارن كل عمل من الخير والشر، ولهذا رفع عن العباد السهو والنسيان والخطأ والإلزام، مع أن صدور سوء الفعل يكون من العبد في هذه الحالات أيضا، ولكن لما لم يكن قلبه وهوى نفسه بذلك الفعل يعفى عنه ذلك الصدور ولهذا يجزي على نية الخير والشر وإن لم يعمل ففي الكافي للكليبي عن السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله ﷺ « نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله ». [62] ووجه كونها خيرا وشرا إنما هو مدار الجزاء عليها. وفيه أيضا عن أبي بصير عن أبي عبدالله قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب لو عمله، ولهذا جعل الرياء والسمعة محبطين لثواب العمل كما ذكره مفصلا في باب الرياء في الكافي. [63] من ذلك ما روى عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله: كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله. [64] وأيضا قد ورد في الحديث المتفق عليه [65] أن الندامة هي التوبة. [66] فقد علم أن مدار تأثير العمل على ميل القلب وهوى النفس ولما ذهبت شهوة العمل في حالة الندامة ذهب أثرها أيضا ولو بعد مدة وزمان طويل. وفي الكافي عن أبي جعفر عليه السلام قال: كفى بالندم توبة. [67] وأيضا عن أبي عبد الله قال: إن الرجل ليذنب فيدخله الله به الجنة. قلت: يدخله الله بالذنب الجنة؟ قال: إنه يذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه الله ويدخله الجنة. [68] وإذا كان مدار الجزاء على النية وميل النفس واستحسان القلب فإن خلق الله أفعالا على وفق إرادة العبد وميله وهوى نفسه وجازى العبد على ذلك فلم يكن ظلما. نعم يتصور الظلم لو كان خلق أفعال العبد ابتداء من دون تخلل إرادته وميله كأفعال الجمادات من نحو إحراق النار وقتل السم وقطع السيف وكسر الحجر، وإذا كانت أفعال العباد تابعة لإرادتهم وأهواء أنفسهم كان لهم دخل في تلك الأعمال فوجدوا منها حظا فذاقوا جزاءها بحسب ذلك، وهذا هو معنى الكسب والاختيار عند التحقيق. [69] هذا وإذا قيل إن ذلك الميل وهوى النفس من خلقه وإيجاده إذ ظاهر أن العبد لا قدرة له على إيجاده والله سبحانه إذا خلق الميل والهوى فلم يؤاخذ العبد على ذلك ويجازيه؟ فجوابه أن هذه الشبهة مع اعتقاد أن العباد خالقون لأفعالهم أيضا واردة على الشيعة، لأن الدواعي الواردة على جميع الأسباب والمبادئ لصدور الفعل من القدرة والقوة والحواس والجوارح بل وجود العبد الذي هو أصل الأصول للأفعال كلها مخلوقة لله تعالى بالبداهة والإجماع ولا دخل فيها للعبد أصلا. وتحقيق المقام أن الاختيار لما قارن الفعل وتوسط معه صار ذلك الفعل اختياريا وخارجا من حريم الاضطرار وموردا للمدح والذم ومحلا للثواب والعقاب وكون الاختيار باختياره ليس ضروريا بل هو محال للزوم التسلل إذ ليس لأحد في المشاهدة قدرة على خلق الاختيار أصلا في غيره وصعب على العقل فهم هذا المعنى بالقياس لفقدان النظر الجزئي، ولكنه إذا خلى نفسه حتى يبعد عن شوائب الأوهام ومأخوذية المألوفات ويحصل له الصفوة بعد ذلك يجزم بأن مدار كون العقل اختياريا على وجود الاختيار لا على إيجاد الفعل ولا على إيجاد الاختيار. مثلا لو أراد عبدُ أحدٍ أن يأبق، وأبلغه الآخر إلى مقصده بعد ما أطلع على إرادة قلبه وميله بإظهاره أو بوجه آخر، يكون هذا الإباق منسوبا إلى ذلك العبد عند العقل البتة، وإن كانت مباشرة الفعل حاصلة من الغير ومبنى قلب العبد حاضر له من نفسه.

فإذن ظهر لك أن ليس الفرق في اعتقاد أهل السنة والشيعة بذلك إلا هذا القدر: إن أهل السنة يعتقدون أن اختيار العبد محفوف من كلا الجانبين بفعل الله تعالى: من الجانب الفوقاني بخلق الاختيار والإرادة والهوى وميل النفس، ومن الجانب التحتاني بخلق الفعل. والشيعة يعتقدون أن اختياره من الجانب الفوقاني بفعل الله تعالى لا من الجانب التحتاني وهو خلق الفعل فإنهم يقولون إن خلق الفعل وظيفة العبد. وعلى العاقل هنا أن يتأمل، فإن الجانب الفوقاني للاختيار إذا كان في يد الغير لزم الجبر ونشأ الإشكال في أمر الجزاء والثواب والعقاب، فترك البديهة العقلية التي هي قاضية باستحالة صدور الإيجاد من الممكن عن اليد مجانا ثم الانغماس في الدجل الشيطاني أي لطف يكون له؟ [70] وقد نقل سابقا برواية صاحب المحاسن وهو البرقي [71] وبرواية الكليني عن أبي الحسن الكاظم أنه قال لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد. وقد روي عن رئيس فقهاء أهل السنة أبي حنيفة الكوفي أنه قال: قلت لأبي جعفر بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله هل فوض الله الأمر إلى العباد؟ فقال: الله أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد. فقلت: هل أجبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك. فقلت: كيف ذلك؟ فقال: بين بين، لا جبر ولا تفويض ولا إكراه ولا تسليط. [72] وضع أهل السنة بناء مذهبهم على هذه الرواية في مسألة خلق الأفعال، حيث يعتقدون نفي الخلق عن العباد ولا خلق إلا لله، ويثبتون الكسب لهم مطابقا لإرشاد الإمام الصادق. وهذه الرواية بعينها في كتب الإمامية، فقد روى محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبدالله أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكن بين أمرين. [73] وروى الكليني أيضا عن إبراهيم عن أبي عبدالله مثل ذلك. [74] أيضا عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه. [75] وأولَ علماء الشيعة هذه الروايات المذكورة الموافقة لأهل السنة صريخا فقالوا المراد من أمر بين أمرين خلق القوة والقدرة والتمكين على الفعل لا الدخل في إيجاد الفعل. ولا يفهمون أن سؤال السائل عما إذا كان، وأين يذهبون بجواب الإمام مجردا وأي عاقل سأل عن تفويض خلق القوة والقدرة على العمل فإنه بديهي البطلان، وإنما البحث والنزاع إن كان ففي خلق الفعل فجواب الإمام يجعلونه لغوا مهملا بتوجيههم هذا معاذ الله من ذلك. ومع هذا لا يجدي هذا التوجيه نفعا لأن هذا التفويض يوجد في نفيه أيضا علة البحث والاعتراض، ومع قطع النظر عن ذلك فإن أهل السنة في أيديهم روايات صريحة مستخرجة من كتب الشيعة تحسم مادة التأويل. منها الرواية التي أوردها صاحب ( الفصول ) من الإمامية فيه وصححها عن إبراهيم بن عياش أنه قال: سأل رجل الرضا أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك. قال: فيقدرون على الفعل كما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. [76] فقد نفى الإمام القدرة صريحا في هذا الحديث الصحيح. ومنها ما في ( نثر الدرر ): سأل الفضل بن سهل بن موسى الرضا في مجلس المأمون فقال: يا أبا الحسن، الخلق يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب. قال فمطلقون؟ قال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه. [77] وإذ اتضح مخالفة علمائهم في عقيدتهم للأئمة فاستمع ما لقبهم به الأئمة من الألقاب السيئة، فقد روى محمد بن بابويه في كتاب التوحيد عن أبي عبدالله أنه قال: القدرية مجوس هذه الأمة أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه. وفيهم نزلت هذه الآية { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر }. [78] وروى الكليني عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: شاء وأراد وقدر وقضى؟ قال: نعم. قلت: وأحب؟ قال: لا. [79]

الحادي عشر منها: أن العبد ليس له اتصال مكاني وقرب جسماني بالله تعالى ممكنا وما يتصور في حقه من القرب فإنما هو بالدرجة والمنزلة عنده تعالى ورضوانه عنه فقط. وهذا هو مذهب أهل السنة. وقد ثبت في الأخبار الصحيحة المروية عن العترة الطاهرة بروايات الشيعة أن الأئمة قد نفوا عن الله تعالى المكان والاتصال والأين وغيرها. وقال أكثر فرق الإمامية بالقرب المكاني والصوري، ويحملون المعراج على الملاقاة المتعارفة الجسمانية. روى ابن بابويه في كتاب ( المعراج ) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في تفسير قوله تعالى { ثم دنى فتدلى } أدنى الله عز وجل نبيه ﷺ فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ فيه فراش يتلألأ من ذهب فأراه صورة فقيل: يا محمد أتعرف هذه الصورة؟ قال: نعم هذه صورة علي بن أبي طالب. [80]

الثاني عشر منها: أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلا وسيراه المؤمنون بعيون رءوسهم جزما ويتشرفون في الجنة بهذه النعمة بحسب مراتبهم، [81] والكافرون والمنافقون محرومون منها. وهذا هو مذهب أهل السنة. وتمسكهم على هذا المطلب بالنقل والعقل: أما النقل فقوله تعالى حكاية عن موسى { رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } ووجه الاستدلال به أمران: الأول أن سؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها لأن العاقل – فضلا عن النبي – لا يطلب المحال ولو بتكليف الغير، ولا مجال للقول بجهل موسى عليه السلام بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله تعالى لا يصلح من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة. ولا ريب في نبوة موسى وأنه كبار الأنبياء وأولي العزم. وأيضا أن يقال إنما سأل موسى الرؤية بتكليف القوم حيث قالوا { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وقالوا { أرنا الله جهرة } ولتبكيتهم إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب عليه أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم لما قالوا { اجعل لنا إلها } الآية. وأيضا لو كان سألها بتكليفهم لقال « رب أرهم ينظروا إليك ». والثاني أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه والمعلق على الممكن ممكن لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. وأيضا ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: « إنكم سترون ربكم عيانا يوم القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون » [82] وهذه الرؤية متعدية إلى مفعول واحد فهي من رأي العين لا من رأي القلب. ووجه الاستدلال به أن الرؤية لو كانت محالا لما بشر النبي بها المؤمنين لأن بشارته متحتمة الوقوع والمحال لا يمكن وقوعه، والتشبيه المذكور في الحديث تشبيه الرأي بالرأي [83] في الحالتين دون المرئي بالمرئي. وقوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }. والنظر المتعدي بإلى هو بمعنى الرؤية و « إلى » ههنا حرف جر لا اسم مفرد، وليس النظر متعديا إليه بنفسه فإن النظر يكون حينئذ بمعنى الانتظار وهو غم ونقمة كما قيل « الانتظار موت أحمر » [84] لا نغمة ومسرة، وقد سبقت الآية في بشارة المؤمنين بنعيم الجنة وسرورها، والانتظار يوجب الغم ولا يناسب سياق الآية. وأما العقل فهو أنا نرى الأعراض – كالألوان والأضواء وغيرهما – والجواهر – كالطول والعرض – في الجسم فلا بد له من علة مشتركة بينهما بل من شيء مشترك بينهما يكون المتعلق الأول للرؤية وذلك الأمر إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان، والأخيران عدميان لا يصلحان لتعلق الرؤية بهما فلم يبق إلا الوجود وهو مشترك بين الواجب والممكنات فيجوز رؤيته عقلا، والمراد بالوجود مفهوم مطلق الوجود الحقيقي وما به الموجودية. وبالجملة إن المعتمد في مسألة الرؤية إجماع الأمة – قبل حدوث المبتدعين – على وقوعها، وهو مستلزم لجوازها، وعلى كون الآية الكريمة محمولة على الظاهر المتبادر منها.

وقد أنكر الرؤية جميع فرق الشيعة – إلا المجسمة منهم – وقالوا يستحيل رؤيته تعالى. وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة. [85] أما الكتاب فقوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } وقوله تعالى في الكفار { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فعلم أن المؤمنين لا يكون لهم حجاب عن ربهم، وقوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } فقد علم أن المؤمنين والصلحاء هؤلاء سيكون لهم نظر وكلام من الله تعالى، إلى غير ذلك من الآيات. الثاني أن متمسك هؤلاء المنكرين في نفي الرؤية ليس إلا الاستبعاد وقياس الغائب على الشاهد واشتباه العاديات بالبديهيات، وغاية سوء الأدب ممن يؤول آيات الكتاب بمجرد استبعاد عقله الناقص، ويصرفها عن الظاهر ولا يتفكر ولا يتأمل في معانيها. وفي آية { لاتدركه الأبصار } [86] نفي للإدراك الذي هو بمعنى الإحاطة لا نفي الرؤية. ولا يستلزم نفيه نفيها، لأن الإدراك والرؤية متباينان في الحقيقة. وبملاحظة إسناده إلى الأبصار بوجه أخص منها فإنه إبصار وانكشاف المرئي التام بالبصر. والإدراك في اللغة الإحاطة بدليل قوله تعالى { حتى إذا أدركه الغرق } وقوله { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ونفي أحد المتباينين لا يستلزم نفي الآخر، وكذا نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. وأما ما يرادف العلم فهو المصطلح لا غير، لأن الإدراك بمعنى العلم والإحساس ليس في اللغة أصلا، ولا شك أن الإحاطة نقص له تعالى فنفيها مدح، والرؤية ليست كذلك. فعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى لا تحاط ذاته المقدسة بحاسة البصر. ولو فرضنا كون الإدراك بمعنى الرؤية لكان نفيها في الآية بناء على العادة. وظاهر أن رؤيته تعالى بحيث كل ما أراد فيراه، ولا يمكن لأحد أن يراه ما لم يره الله ذاته تعالى، وقد وقع في كلامه تعالى نفي العادة بالإطلاق كقوله تعالى { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } وبالإجماع يجوز رؤية الجن والشياطين بطريق خرق العادة، ولهذا استعظم واستبعد سؤال الكفار رؤية الملائكة مع أنهم يراهم الأنبياء والصلحاء والمؤمنون. وأيضا ليس النفي في الآية عاما في الأوقات، فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه، مع أن النفي لا يوجب الامتناع.

أما العترة فقد روى ابن بابويه عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله فقلت: أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم. [87] إلى غير ذلك من الأخبار.

هامش

  1. قال ابن تيمية عن الإمامية: « وأما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة، ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر، والمعتزلة في الجملة أعقل وأصدق وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة » منهاج السنة النبوية.
  2. قال ابن أبي العز في بيان عقيدة أهل السنة: « ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين ». شرح العقيدة الطحاوية
  3. الكافي: 1/164.
  4. قال ابن تيمية: « إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام، بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر، ويقولون إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك بالله وينهى عن عبادته وحده ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى، والأحكام التي توصف بها الأحكام مجرد نسبة وإضافة فقط، وليس المعروف في نفسه معروفا عندهم ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم بل إذا قال يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فحقيقة ذلك عندهم أنه يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم بل الأمر والنهي والتحليل والتحريم ليس في نفس الأمر عندهم لا معروف ولا منكر ولا طيب ولا خبيث إلا أن يعبر عن ذلك بما يلائم الطباع وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر، فهذا القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء ». مجموع الفتاوى: 8/433.
  5. قال الجرجاني: « التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية، وأقسامه أربعة: لأنه لا يخفي إما أن يكون في الآحاد المجتمعة في الوجود، أو لم يكن فيها كالتسلسل في الحوادث، والأول إما أن يكون فيها ترتيب أو لا والثاني كالتسلسل في النفوس الناطقة، والأول إما أن يكون ذلك الترتيب طبيعيا كالتسلسل في العلل والمعلولات والصفات والموصوفات أو وضعيا كالتسلسل في الأجسام والمستحيل عند الحكم الأخير دون الأولين ». التعريفات: ص 80.
  6. أي لا تقتضي مدح فاعلها أو ذمه مطلقا.
  7. قال ابن تيمية: « إن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع ». مجموع الفتاوى: 8/436.
  8. قال القرطبي: « أي لم نترك الخلق سدى بل أرسلنا الرسل، وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر ». الجامع لأحكام القرآن: 10/231.
  9. قال البغوي: « وفي هذه الآية دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسول... ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ». تفسير البغوي: 1/500 – 501.
  10. قال ابن حزم: « القول الصحيح هو أن العقل الصحيح يعرف بصحته ضرورة أن الله تعالى حاكم على كل ما دونه وأنه تعالى غير محكوم عليه وأن كل ما سواه تعالى فمخلوق له عز وجل ». الفصل: 3/60.
  11. قال ابن كثير في تفسيرها: « أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في اللسان وتارة يكون في الكتابة بالبنان... ». تفسير ابن كثير: 4/529.
  12. المعجم الأوسط وحسنه في صحيح الجامع: 2975.
  13. قال ابن تيمية: « وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب والسنة، مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله بخطابه، فكان فيما جاء به الرسول من الأدلة العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين والآخرين ». منهاج السنة النبوية: 2/110.
  14. قال ابن تيمية: « فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال ». مجموع الفتاوى: 8/194.
  15. أي من مطالب الإلهيات.
  16. أي كتاب الله وما عليه أهل بيت رسوله.
  17. نهج البلاغة
  18. الكافي: 1/107.
  19. عن الباقر كما في الكافي: 1/86؛ وروي عن الرضا كما في عيون أخباره: 2/121.
  20. لأن أفعال العباد عند الإمامية هي من خلق الإنسان، كما ذكر ذلك شيخهم المفيد بقوله: أفعال العباد غير مخلوقة لله. شرح عقائد الصدوق: ص 27.
  21. ابن عبدالله السيوري من القرن التاسع مترجم في روضات الجنات.
  22. الكافي: 1/135؛ ابن بابويه، التوحيد: ص 41؛ المجلسي، بحار الأنوار: 57/164.
  23. ابن هاشم. له ترجمة في تنقيح المقال.
  24. الكافي: 1/148؛ المجلسي، بحار الأنوار: 4/89.
  25. تفسير العسكري الذي ألفه ابن بابويه
  26. الاعتقادات: ص 58.
  27. ابن بابويه في الاعتقادادت: ص 9؛ الكراكجي: كنز الفوائد: 1/112.
  28. « الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات ». شرح العقيدة الطحاوية: ص 56.
  29. في المطبوع ( بصير )
  30. الكافي: 1/159؛ عيون أخبار الرضا: 1/144.
  31. الكافي: 1/166؛ تفسير العياشي: 1/376.
  32. هو البرقي
  33. الكافي: 1/150؛ المحاسن: 1/244.
  34. له ترجمة في تنقيح المقال وكتبهم الأخرى في الرجال.
  35. المفيد، شرح عقائد الصدوق: ص 37.
  36. قال القرطبي: « إن الله تعالى قد أمر جميعهم بالجهاد ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا ». بعبارة أخرى أن الله تعالى أمرهم شرعا بالخروج ولكنه منعهم قدرا وهو خالق لكل ذلك. الجامع لأحكام القرآن: 4/219.
  37. قال الطحاوي في بيان عقيدة أهل السنة: « وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ». شرح العقيدة الطحاوية: ص 86.
  38. الكافي: 1/106؛ ابن بابويه، التوحيد: ص 100.
  39. الكافي: 1/150.
  40. الكافي: 1/165.
  41. المحاسن: 2/308.
  42. قال ابن المطهر الحلي: « الحق أن وجوب معرفة الله تعالى مستفاد من العقل وإن كان السمع قد دل عليه »، نهج الحق: ص 51.
  43. ابن المطهر الحلي في نهج الحق: ص 381.
  44. قال ابن القيم: « وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناهٍ، كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرّمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله، فإن محبته لفعله تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبة ذلك منهم لا تستلزم وقوعه وكراهته منهم لا تمنع وقوعه، ففرق بين فعله سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله، فإن فعل عباده يقع مع كراهته وبغضه له ويختلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله سبحانه فهذا نوع وذاك نوع، فتدبر هذا الموضع الذي هو مزلة أقدام الأولين والآخرين إلا من عصمه الله تعالى بعصمته وهداه إلى صراطه المستقيم ». بدائع الفوائد: ص 391.
  45. قال الآلوسي: « ولأنه لو وجب عقلا بالنسبة إلى من يعلم الله بأنه مؤمن دون الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن، فإن التكليف قبيح لأنه إضرار له، لأنه إلزام أفعال شاقة لا يترتب عليه نفع في الدنيا ويستحق عليه عذاب شديد في الآخرة لا انقطاع له ». السيوف المشرقة
  46. قال المجلسي مقررا عقيدة الإمامية: « إن العقل يحكم بأن اللطف على الله واجب... ». بحار الأنوار: 51/215.
  47. قال ابن المطهر الحلي: « ذهبت الإمامية أن الألم الذي يفعله الله تعالى بالعبد أما يكون على وجه الانتقام والعقوبة ولا عوض فيه، فإما أن يكون على وجه الابتداء، وإنما يحسن من الله تعالى بشرطين: أحدهما أن يشتمل على مصلحة ما للمتألم أو لغيره وهو نوع من اللطف... والثاني أن يكون في مقابلته عوض للمتألم يزيد على الألم، وإلا لزم الظلم والجور من الله سبحانه على عبيده، لأن إيلام الحيوان وتعذيبه على غير ذنب ولا لفائدة تصل إليه ظلم وجور وهو على الله محال ». نهج الحق: ص 137.
  48. متفق عليه
  49. ابن بابويه، الأمالي: ص 299؛ المجلسي، بحار الأنوار: 94/90.
  50. في النهج: « لا تأمنن على خير هذه الأمة عذاب الله... ». نهج البلاغة ( بشرح ابن أبي حديد ): 19/314.
  51. قال ابن المطهر الحلي: « اتفقت الإمامية والمعتزلة: إنا فاعلون، وادعوا الضرورة في ذلك » وقوله إنا فاعلون أي خالقون لأفعالنا. نهج الحق: ص 101.
  52. العدة: 2/499.
  53. قال ابن تيمية: « قال أكثر المثبتين للقدر إن أفعال العباد مخلوقة لله وهي فعل العبد، وإذا قيل هي فعل الله فالمراد أنها مفعولة له لا أنها هي الفعل الذي هو مسمى المصدر، وهؤلاء هم الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق وهم أكثر الأئمة... ». منهاج السنة النبوية: 3/149.
  54. من لا يحضره الفقيه: 3/491.
  55. وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، أبو البختري، ربيب الصادق، وروايته عنه قال النجاشي: « كان كذابا وله أحاديث مع الرشيد في الكذب »، قال الحافظ ابن حجر: « سكن بغداد وولي قضاء عسكر المهدي ثم قضاء المدينة ثم ولي حرسها وصلاتها وكان جوادا ممدحا لكنه متهم في الحديث، قال يحيى بن معين: كان يكذب عدو الله ». رجال النجاشي: 2/391؛ لسان الميزان: 6/231.
  56. سقطت من الأصل
  57. من لا يحضره الفقيه: 3/491.
  58. قال ابن تيمية: « وأما أولاد المشركين فأصح الأجوبة فيهم: جواب رسول الله ﷺ كما في الصحيحين: ما من مولود إلا يولد على الفطرة الحديث قيل: يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار ويروى أنهم يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة، فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار، ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار... ». مجموع الفتاوى: 4/312.
  59. الكافي: 6/13؛ ابن بابويه، التوحيد: ص 358.
  60. الكافي: 1/153؛ ابن بابويه، التوحيد: 354؛ المجلسي، بحار الأنوار: 5/156.
  61. الكافي: 1/152؛ ابن بابويه، التوحيد: 357؛ البرقي، المحاسن: ص 280.
  62. الكافي: 2/84؛ ابن بابويه، علل الشرائع: 2/524.
  63. الكافي: 2/293
  64. الكافي: 2/293؛ البرقي، المحاسن: ص 121.
  65. يعني ما بين أهل السنة والإمامية
  66. أخرج الإمام أحمد: كفارة الذنب الندامة ». المسند: 1/289؛ وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: 5/199. قال الهيثمي: « وفيه يحيى بن عمرو بن مالك النكري وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات ». مجمع الزوائد: 10/215.
  67. في المطبوع ( الندم ) والتصحيح من الكافي: 2/426؛ ابن بابويه، الخصال: 1/16.
  68. الكافي: 2/426؛ الديلمي، إرشاد القلوب: 1/180.
  69. قال ابن تيمية: « والفعل هو الكسب لا يعقل شيئان في المحل أحدهما فعل والآخر كسب ». منهاج السنة النبوية: 3/210.
  70. في العبارة غموض، ولعل فيها تحريفا عن الطبعة الهندية.
  71. هو أحمد بن محمد بن خالد المتوفى سنة 274. له ترجمة في روضات الجنات ص 13 - 14 من الطبعة الثانية، وفي هدية الأحباب ص 105.
  72. الكافي: 1/160 ولم يصرح فيها أن السائل أبو حنيفة.
  73. الكافي: 1/160.
  74. الكافي: 1/159؛ الاحتجاج: 2/198.
  75. الكافي: 1/159؛ عيون أخبار الرضا: 1/144.
  76. عيون أخبار الرضا: 1/142.
  77. ابن طاوس، الطرائف: 2/331؛ الأربلي، كشف الغمة: 2/307؛ المجلسي، بحار الأنوار: 5/59.
  78. التوحيد: ص 382؛ البحراني، تفسير البرهان: 5/261.
  79. الكافي: 1/150.
  80. الحسيني، تأويل الآيات الظاهرة: ص 605؛ المجلسي، بحار الأنوار: 18/302.
  81. قال ابن تيمية: « أما إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، فهو قول سلف الأمة وأئمتها وجماهير المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرها، وقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي ﷺ عند علماء الحديث وجمهور القائلين بالرؤية يقولون يرى عيانا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل ». منهاج السنة النبوية: 3/341.
  82. متفق عليه
  83. أي الرؤية
  84. قال الميداني: « قولهم موت أحمر: أي شديد ». مجمع الأمثال: 1/199.
  85. قالوا: « نعتقد نحن الشيعة بأن الله تعالى لا يمكن أن يرى بالعين لا في الدنيا ولا في الآخرة ». العقائد الإسلامية: 2/133.
  86. قال ابن تيمية: « ولفظ الإدراك له عموم وخصوص أو اشتراك لفظي فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية، فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره ». دقائق التفسير: 2/126. ولينظر زاد المسير: 3/98؛ وروح المعاني: 7/245.
  87. ابن بابويه، التوحيد: ص 117؛ المجلسي، بحار الأنوار: 4/44.


مختصر التحفة الاثني عشرية
المقدمة

الباب الأول: في ذكر فرق الشيعة وبيان أحوالهم وكيفية حدوثهم وتعداد مكائدهم | فرق الشيعة - الشيعة المخلصون - الشيعة التفضيلية - الشيعة السبية - الشيعة الغلاة | فرق الشيعة الغلاة: السبئية - المفضلية - السريغية - البزيعية - السبئية - المغيرية - الجناحية - البيانية - المنصورية - الغمامية - الأموية - التفويضية - الخطابية - المعمرية - الغرابية - الذبابية - الذمية - الاثنينية - الخمسية - النصيرية - الإسحاقية - العلبائية - الرزامية - المقنعية | فرق الشيعة الإمامية: الحسنية - النفسية - الحكمية - السالمية - الشيطانية - الزرارية - البدائية، المفوضة، اليونسية - الباقرية - الحاصرية - الناووسية - العمارية - المباركية - الباطنية - القرامطة - الشمطية - الميمونية - الخلفية - البرقعية - الجنابية - السبعية - المهدوية - الأفطحية - المفضلية - الممطورية - الموسوية - الرجعية - الإسحاقية - الأحمدية - الاثنا عشرية - الجعفرية - الشيخية أو الأحمدية - الرشتية الكشفية - البابية - القرتية | مكائد الرافضة

الباب الثاني: في بيان أقسام أخبار الشيعة وأحوال رجال أسانيدهم وطبقات أسلافهم وما يتبع ذلك | في ذكر أقسام أخبارهم | الأدلة عند الشيعة | في ذكر أحوال رجالهم وطبقاتهم | ادعاء كل فرق الشيعة أنهم على مذهب أهل البيت | اختلاف أهل السنة

الباب الثالث: في الإلهيات

الباب الرابع: في النبوة

الباب الخامس: في الإمامة | في إبطال ما استدل به الرافضة على مذهبهم | الآيات القرآنية | الأدلة الحديثية | الدلائل العقلية | تتمة لبحث الإمامة | كثرة اختلاف الشيعة | اختلاف الإمامية في أئمتهم

الباب السادس: في بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة

الباب السابع: في الأحكام الفقهية

الباب الثامن: مطاعنهم في الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة المكرمين وحضرة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين | المطاعن الأولى في حق الصديق الأجل | المطاعن الثانية في حق الفاروق رضي الله عنه | المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين | المطاعن الرابعة: في حق أم المؤمنين عائشة | مطاعنهم في الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم | وقعة الجمل | وقعة صفين

الباب التاسع: في ذكر ما اختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام | في ذكر بعض خرافاتهم | القول بالتقية | الأنبياء وولاية علي | في مشابهتهم لليهود والنصارى | مشابهتهم لليهود | مشابهتهم للنصارى - خاتمة