كتاب الأم/كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى/باب في الدين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم
باب في الدين
الشافعي


باب في الدين


[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا كان على الرجل دين، وكان عنده وديعة غير معلومة بعينها فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول ما ترك الرجل فهو بين الغرماء وأصحاب الوديعة بالحصص وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول ليس لصاحب الوديعة شيء لا أن يعرف وديعته بعينها فتكون له خاصة وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى هي دين في ماله ما لم يقل قبل الموت قد هلكت، ألا ترى أنه لم يعلم لها سبيل ذهبت فيه، وكذلك كل مال أصله أمانة وبه يأخذ.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا كان عند الرجل وديعة بعينها، وكانت عليه ديون فالوديعة لرب الوديعة لا تدخل عليه الغرماء فيها، ولو كانت بغير عينها مثل دنانير ودراهم وما لا يعرف بعينه حاص رب الوديعة الغرماء إلا أن يقول المستودع الميت قبل أن يموت قد هلكت الوديعة فيكون القول قولك؛ لأنه أمين، وإذا أقر الرجل في مرضه الذي مات فيه بدين وعليه دين بشهود في صحته وليس له وفاء فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول يبدأ بالدين المعروف الذي في صحته فإن فضل عنهم شيء كان للذين أقر لهم في المرض بالحصص، ألا ترى أنه حين مرض أنه ليس يملك من ماله شيئا ولا تجوز وصيته فيه لما عليه من الدين فكذلك إقراره له وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول هو مصدق فيما أقر به والذي أقر له في الصحة، والمرض سواء.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا كانت على الرجل ديون معروفة من بيوع، أو جنايات، أو شيء استهلكه، أو شيء أقر به وهذا كله في الصحة، ثم مرض فأقر بحق لإنسان فذلك كله سواء ويتحاصون معا لا يقدم واحد على الآخر ولا يجوز أن يقال فيه إلا هذا والله تعالى أعلم، أو أن يقول رجل إذا مرض فإقراره باطل كإقرار المحجور عليه فأما أن يزعم أن إقراره يلزمه، ثم لا يحاص به غرماؤه فهذا تحكم، وذلك أن يبدأ بدين الصحة وإقرار الصحة فإن كان عليه دين في المرض ببينة حاص وإن لم يكن ببينة لم يحاص، وإذا فرع الرجل أهل دين الصحة ودين المرض بالبينة لم تجز له وصية ولم يورث حتى يأخذ هذا حقه فهذا دين مرة يبدأ على المواريث، والوصايا وغير دين إذا صار لا يحاص به.

وإذا استدانت المرأة وزوجها غائب فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول أفرض لها على زوجها نفقة مثلها في غيبته، ثم رجع عن ذلك فقال لا شيء لها وهي متطوعة فيما أنفقت والدين عليها خاصة، وكان ابن أبي ليلى لا يفرض لها نفقة إلا فيما يستقبل، وكذلك بلغنا عن شريح وبهذا يأخذ.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا غاب الرجل عن امرأته فلم ينفق عليها فرضت عليه النفقة لما مضى منذ ترك النفقة عليها إلى أن أنفق ولا يجوز أن يكون لو كان حاضرا ألزمناه نفقتها وبعنا لها في ماله، ثم يغيب عنها، أو يمنعها النفقة ولا نجعل لها عليه دينا؛ لأن الظلم إذا يقطع الحق الثابت والظلم لا يقطع حقا والذي يزعم أنه يفرض عليه نفقتها في الغيبة يزعم أنه لا يقضي على غائب إلا زوجها فإنه يفرض عليه نفقتها وهو غائب فيخرجها من ماله فيدفعها إليها فيجعلها، أوكد من حقوق الناس مرة في هذا، ثم يطرحها بغيبته إن لم تقم عليه وهو لا يطرح حقا بترك صاحبه القيام عليه ويعجب من قول أصحابنا في الحيازة ويقول الحق جديد والترك غير خروج من الحق، ثم يجعل الحيازة في النفقة. أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال أخبرنا مسلم بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم بأن يأخذوهم بأن ينفقوا، أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا.

[قال الشافعي]: رحمه الله وهم يزعمون أنهم لا يخالفون الواحد من أصحاب النبي ﷺ وقد خالفوا حكم عمر ويزعمون أنهم لا يقبلون من أحد ترك القياس، وقد تركوه وقالوا فيه قولا متناقضا.

وإذا كان لرجل على رجل مال وله عليه مثله فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول هو قصاص وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول لا يكون قصاصا إلا أن يتراضيا به فإن كان لأحدهما على صاحبه مال مخالف لذلك لم يكن ذلك قصاصا في قولهما جميعا.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا كان لرجل على رجل مال وله عليه مثله لا يختلفان في وزن ولا عدد، وكانا حالين معا فهو قصاص فإن كانا مختلفين لم يكن قصاص إلا بتراض ولم يكن التراضي جائزا إلا بما تحل به البيوع.

وإذا أقر وارث بدين وفي نصيبه وفاء بذلك الدين فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول يستوفي الغريم من ذلك الوارث المقر جميع ماله من نصيبه؛ لأنه لا ميراث له حتى يقضي الدين وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول إنما يدخل عليه من الدين بقدر نصيبه من الميراث فإن كان هو وأخ له دخل عليه النصف وإن كانوا ثلاثة دخل عليه الثلث والشاهد عنده منهم وحده بمنزلة المقر وإن كانا اثنين جازت شهادتهما في جميع الميراث في قولهما جميعا إذا كانا عدلين فإن لم يكونا عدلين كان ذلك في أنصبائهما على ما فسرنا من قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى.

[قال الشافعي]: رضي الله تعالى عنه إذا مات الرجل وترك ابنين غير عدلين فأقر أحدهما على أبيه بدين فقد قال بعض أصحابنا للغريم المقر له أن يأخذ من المقر مثل الذي كان يصيبه مما في يديه لو أقر به الآخر، وذلك النصف من دينه مما في يديه وقال غيرهم يأخذ جميع ماله من هذا فمتى أقر له الآخر رجع المأخوذ من يديه على الوارث معه فيقاسمه حتى يكونا في الميراث سواء.

وإذا كتب الرجل بقرض في ذكر حق، ثم أقام بينة أن أصله كان مضاربة فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول آخذه به وإقراره على نفسه بالقرض أصدق من دعواه وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول أبطله عنه وأجعله عليه مضاربة وهو فيه أمين.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا أقر الرجل أن للرجل عليه ألف درهم سلفا، ثم جاء بالبينة أنها مقارضة سئل الذي له السلف فإن قال نعم هي مقارضة أردت أن يكون له ضامنا أبطلنا عنه السلف وجعلناها مقارضة وإن لم يقر بهذا رب المال وادعاه المشهود له أحلفناه فإن حلف كانت له عليه دينا، وكان إقراره على نفسه أولى من شهود شهدوا له بأمر قد يمكن أن يكونوا صدقوا فيه ويكون أصلها مقارضة تعدى فيها فضمن، أو يكونوا كذبوا.

وإذا أقام الرجل على الرجل البينة بمال في ذكر حق من شيء جائز فأقام الذي عليه الدين البينة أنه من ربا وأنه قد أقر أنه قد كتب ذكر حق من شيء جائز فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا أقبل منه المخرج ويلزمه المال بإقراره أنه ثمن شيء جائز وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقبل منه البينة على ذلك ويرده إلى رأس المال.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا أقام الرجل على الرجل البينة بألف درهم فأقام الذي عليه الألف البينة أنها من ربا فإن شهدت البينة على أصل بيع ربا سئل الذي له الألف هل كان ما قالوا من البيع فإن قالوا لم يكن بينه وبينه بيع ربا قط ولا له حق عليه من وجه من الوجوه إلا هذه الألف وهي من بيع صحيح قبلت البينة عليه وأبطلت الربا كائنا ما كان ورددته إلا رأس ماله وإن امتنع من أن يقر بها أحلفته له فإن حلف لزمت الغريم الألف وهي في مثل معنى المسألة قبلها؛ لأنه قد يمكن أن يكون أربى عليه في الألف ويكون له ألف غيرها.

وإذا أقر الرجل بمال في ذكر حق من بيع، ثم قال بعد ذلك لم أقبض المبيع وتشهد عليه بينة بقبضه فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول المال له لازم ولا ألتفت إلى قوله، وكان ابن أبي ليلى يقول لا يلزمه شيء من المال حتى يأتي الطالب بالبينة أنه قد قبض المتاع الذي به عليه ذكر الحق وقال أبو يوسف رحمه الله أسأل الذي له الحق أبعت هذا؟ فإن قال نعم قلت فأقم البينة على أنك قد وفيته متاعه فإن قال الطالب لم أبعه شيئا لزمه المال.

[قال الشافعي]: رحمه الله: وإذا جاء بذكر حق وبينة على رجل أن عليه ألف درهم من ثمن متاع، أو ما كان فقال الذي عليه البينة إنه باعني هذا المتاع ولم أقبضه كلفت الذي له الحق بينة أنه قد قبضه، أو أقر بقبضه فإن لم يأت بها أحلفت الذي عليه الحق ما قبضت المتاع الذي هذه الألف ثمنه، ثم أبرأته من هذه الألف، وذلك أن الرجل يشتري من الرجل الشيء فيجب عليه ثمنه بتسليم البائع ما اشترى منه ويسقط عنه الثمن بهلاك الشيء قبل أن يقبضه ولا يلزمه أن يكون دافعا للثمن إلا بأن يدفع السلعة إليه، ولو كان الذي له الألف أتى بذكر حق وبشاهدين يشهدان أن عليه ألف درهم من ثمن متاع اشتراه منه، ثم قال المشهود عليه لم أقبضه سئل المشهود له بالألف فإن قال هذه الألف من ثمن متاع بعته إياه وقبضه كلف البينة على أنه قبضه، وكان الجواب فيها كالجواب في المسألة قبلها وإن قال قد أقر لي بالألف فخذه لي بإقراره أخذته له به وأحلفته على دعوى المشهود عليه.

وإذا ادعى الرجل على الرجل ألف درهم وجاء عليه بالبينة فشهد أحد شاهديه بالألف وشهد الآخر بألفين فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا شهادة لهما؛ لأنهما قد اختلفا، وكان ابن أبي ليلى يجيز من ذلك ألف درهم ويقضي بها للطالب وبه يأخذ، ولو شهد أحدهما بألف وشهد الآخر بألف وخمسمائة كانت الألف جائزة في قولهما جميعا وإنما أجاز هذا أبو حنيفة؛ لأنه كان يقول قد سمى الشاهدان جميعا ألفا وقال الآخر خمسمائة فصارت هذه مفصولة من الألف.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا ادعى الرجل على الرجل ألف درهم وجاء عليه بشاهدين شهد له أحدهما بألف، والآخر بألفين سألتهما فإن زعما أنهما شهدا بها عليه بإقراره، أو زعم الذي شهد بألف أنه شك في الألفين وأثبت الألف فقد ثبت عليه الألف بشاهدين إن أراد أخذها بلا يمين وإن أراد الألف الأخرى التي له عليها شاهد واحد أخذها بيمين مع شاهد وإن كانا اختلفا فقال الذي شهد بالألفين شهدت بهما عليه من ثمن عبد قبضه وقال الذي شهد عليه بألف شهدت بها عليه من ثمن ثياب قبضها فقد بينا أن أصل الحقين مختلف فلا يأخذ إلا بيمين مع كل واحد منهما فإن أحب حلف معهما وإن أحب حلف مع أحدهما وترك الآخر إذا ادعى ما قالا.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وسواء ألفين، أو ألفا وخمسمائة.

وإذا شهد الرجل على شهادة رجل وشهد آخر على شهادة نفسه في دين، أو شراء، أو بيع فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا تجوز شهادة شاهد على شهادة شاهد ولا يقبل عليه إلا شاهدان، وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول أقبل شهادة شاهد على شهادة شاهد، وكذلك بلغنا عن شريح وإبراهيم.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين لم أقبل على كل شاهد إلا شهادة شاهدين معا [قال الربيع]: من قبل أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهد لم يحكم بها الحاكم إلا بشاهد آخر فلما شهدا على شهادة الشاهد الآخر كانا إنما جرا إلى أنفسهما إجازة شهادتهما الأولى التي أبطلها الحاكم فلم نجز إلا شهادة شاهدين على كل شاهد.

وإذا شهد الشهود على دار أنها لفلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول إن شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثا غير هؤلاء جازت الشهادة وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول لا تجوز شهادتهم إذا قالوا لا نعلم له وارثا غير هؤلاء حتى يثبتوا ذلك فيقولوا لا وارث له غيرهم. وإذا وارث غيرهم ببينة أدخله معهم في الميراث ولم تبطل شهادة الأولين في قولهما.

[قال الشافعي]: رضي الله عنه وإذا شهد الشهود أن هذه الدار دار فلان مات وتركها ميراثا لا يعلمون له وارثا إلا فلان وفلان قبل القاضي شهادتهم فإن كان الشاهدان من أهل المعرفة الباطنة به قضي لهما بالميراث وإن جاء ورثة غيرهم أدخلتهم عليهم، وكذلك لو جاء أهل وصية، أو دين فإن كانوا من غير أهل المعرفة الباطنة بالميت احتاط القاضي فسأل أهل المعرفة فقال هل تعلمون له وارثا غيرهم؟ فإن قالوا نعم قد بلغنا فإنا لا نقسم الميراث حتى نعلم كم هم فنقسمه عليهم فإن تطاول أن يثبت ذلك دعا القاضي الوارث بكفيل بالمال ودفعه إليه ولم يجبره إن لم يأت بكفيل، ولو قال الشهود لا وارث له غيرهم قبلته على معنى لا نعلم، ولو قالوا ذلك على الإحاطة لم يكن هذا صوابا منهم ولم يكن فيه ما رد شهادتهم؛ لأن الشهادة على البت تؤول إلى العلم.

، وإذا شهد الشهود على زنا قديم، أو سرقة قديمة فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول يدرأ الحد في ذلك ويقضي بالمال وينظر في المهر لأنه قد وطئ فإذا لم يقم الحد بالوطء فلا بد من مهر، وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب أنه قال أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرة ذلك فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول أقبل شهادتهم وأمضي الحد فأما السكران فإن أتى به وهو غير سكران فلا حد عليه وإن كان أخذ وهو سكران فلم يرتفع إلى الوالي حتى ذهب السكر عنه إلا أنه في يدي الشرط، أو عامل الوالي فإنه يحد.

[قال الشافعي]: رحمه الله: وإذا شهد الشهود على حد لله، أو للناس، أو حد فيه شيء لله عز وجل وللناس مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر وأثبتوا الشهادة على المشهود عليه أنها بعد بلوغه في حال يعقل فيها أقيم عليه الحد ذلك الحد إلا أن يحدث بعده توبة فيلزمه ما للناس ويسقط عنه ما لله قياسا على قول الله عز وجل في المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} الآية. فما كان من حد لله تاب صاحبه من قبل أن يقدر عليه سقط عنه والتوبة مما كان ذنبا بالكلام مثل القذف وما أشبهه الكلام بالرجوع عن ذلك والنزوع عنه والتوبة مما كان ذنبا بالفعل مثل الزنا وما أشبهه فبترك الفعل مدة يختبر فيها حتى يكون ذلك معروفا وإنما يخرج من الشيء بترك الذي دخل به فيه [قال الربيع]: للشافعي فيها قول آخر أنه يقام عليه الحد وإن تاب؛ لأن الذي جاء إلى النبي ﷺ فأقر بالحد لم يأته إن شاء الله تعالى إلا تائبا، وقد أمر النبي ﷺ برجمه وليس طرح الحدود التي لله عز وجل إلا في المحاربين خاصة فأما ما كان للآدميين فإنهم إن كانوا قتلوا فأولياء الدم مخيرون في قتلهم، أو أخذ الدية، أو أن يعفوا وإن كانوا أخذوا المال أخذ منهم.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا شهد الشهود عند القاضي بشهادة فادعى المشهود عليه أنهم شهدوا بزور وقال أنا أجرحهم وأقيم البينة أنهم استؤجروا وأنهم قوم فساق فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا أقبل الجرح على مثل هذا وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقبله فأما غير ذلك من محدود في قذف، أو شريك، أو عبد فهما يقبلان في هذا الجرح جميعا وحفظي عن أبي يوسف أنه قال بعد يقبل الجرح إذا شهد من أعرفه وأثق به.

[قال الشافعي]: رضي الله عنه وإذا شهد الشهود على الرجل بشهادة فعدلوا انبغى للقاضي أن يسميهم وما شهدوا به على المشهود عليه ويمكنه من جرحهم فإن جاء بجرحتهم قبلها وإن لم يأت بها أمضى عليه الحق ويقبل في جرحتهم أن يكونوا له مهاجرين في الحال التي شهدوا فيها عليه وإن كانوا عدولا ويقبل جرحتهم بما تجرح به الشهود من الفسق وغيره وينبغي أن يقف الشهود على جرحتهم ولا يقبل منهم الجرحة إلا بأن يبينوا ما يجرحون به مما يراه هو جرحا فإن من الشهود من يجرح بالتأويل وبالأمر الذي لا جرح في مثله فلا يقبل حتى يثبتوا ما يراه هو جرحا كان الجارح من شاء أن يكون في فقه، أو فضل.

وإذا شهد الوصي للوارث الكبير على الميت بدين، أو صدقة في دار، أو هبة، أو شراء فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول لا يجوز ذلك، وكان ابن أبي ليلى يقول هو جائز وبه يأخذ.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا مات الرجل فأوصى إلى رجل فشهد الوصي لمن لا يلي أمره من وارث كبير رشيد، أو أجنبي، أو وارث يليه غير الوصي فشهادته جائزة وليس فيها شيء ترد له، وكذلك إذا شهد لمن لا يلي أمره على أجنبي، وإذا شهد الوصي على غير الميت للوارث الكبير بشيء له خاصة فشهادته جائزة في قولهما جميعا.

[قال الشافعي]: وكذلك إذا شهد لمن لا يلي أمره على أجنبي.

وإذا ادعى رجل دينا على ميت فشهد له شاهدان على حقه وشهد هو وآخر على وصية ودين لرجل عليه فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول شهادتهم جائزة لأن الغريم يضر نفسه بشهادته وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول لا تجوز شهادته، وإذا شهد أصحاب الوصايا بعضهم لبعض لم تجز؛ لأنهم شركاء في الوصية الثلث بينهم وقال أبو يوسف أصحاب الوصايا، والغرماء سواء لا تجوز شهادة بعضهم لبعض.

[قال الشافعي]: رضي الله تعالى عنه: وإذا كان لرجل دين ببينة على ميت، ثم شهد هو وآخر معه لرجل بوصية فشهادتهما جائزة ولا شيء فيها مما ترد له إنما ترد بأن يجرا إلى أنفسهما بها وهذان لم يجرا إلى أنفسهما بها.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا شهد أصحاب الوصايا بعضهم لبعض لم يجز؛ لأنهم شركاء في الوصية الثلث بينهم.

وإذا شهد الرجل لامرأته فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا تجوز شهادته لها، وكذلك بلغنا عن شريح وبهذا يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول شهادته لها جائزة.

[قال الشافعي]: رضي الله تعالى عنه ترد شهادة الرجل لوالديه وأجداده وإن يعدوا من قبل أبيه وأمه ولولده وإن سفلوا ولا ترد لأحد سواهم زوجة ولا أخ ولا عم ولا خال.

وإذا شهد الرجل على شهادة وهو صحيح البصر، ثم عمي فذهب بصره فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول لا تجوز شهادته تلك إذا شهد بها بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رد شهادة أعمى شهد عنده، وكان ابن أبي ليلى يقول شهادته جائزة وبه يأخذ إذا كان شيء لا يحتاج أن يقف عليه.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا شهد الرجل وهو بصير، ثم أدى الشهادة وهو أعمى جازت شهادته من قبل أن أكثر ما في الشهادة السمع، والبصر وكلاهما كان فيه يوم شهد فإن قال قائل ليسا فيه يوم يشهد قيل إنما احتجنا إلى الشهادة يوم كانت فأما يوم تقام فإنما هي تعاد بحكم شيء قد أثبته بصيرا، ولو رددناها إذا لم يكن بصيرا لأنه لا يرى المشهود عليه حين يشهد لزمنا أن لا نجيز شهادة بصير على ميت ولا على غائب؛ لأن الشاهد لا يرى الميت ولا الغائب والذي يزعم أنه لا يجيز شهادته بعد العمى، وقد أثبتها بصيرا يجيز شهادة البصير على الميت، والغائب.

وإذا أقر الرجل بالزنا أربع مرات في مقام واحد عند القاضي فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول هذا عندي بمنزلة مرة واحدة ولا حد عليه في هذا وبه يأخذ بلغنا: (عن رسول الله ﷺ أن ماعز بن مالك أتاه فأقر عنده بالزنا فرده، ثم أتاه الثانية فأقر عنده فرده، ثم أتاه الثالثة فأقر عنده فرده، ثم أتاه الرابعة فأقر عنده فسأل قومه هل تنكرون من عقله شيئا قالوا لا فأمر به فرجم) وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقيم الحد إذا أقر أربع مرات في مقام واحد.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا أقر الرجل بالزنا ووصفه الصفة التي توجب الحد في مجلس أربع مرات فسواء هو والذي أقر به في مجالس متفرقة إن كنا إنما احتجنا إلى أن يقر أربع مرات قياسا على أربعة شهود فالذي لم يقم عليه في أربع مرات في مقام واحد وأقامها عليه في أربع مرات في مقامات مختلفة ترك أصل قوله؛ لأنه يزعم أن الشهود الأربعة لا يقبلون إلا في مقام واحد [قال]: ولو تفرقوا حدهم فكان ينبغي له أن يقول الإقرار أربع مرات في مقام أثبت منه في أربعة مقامات فإن قال إنما أخذت بحديث ماعز فليس حديث ماعز كما وصف، ولو كان كما وصف أن ماعزا أقر في أربعة أمكنة متفرقة أربع مرات ما كان قبول إقراره في مجلس أربع مرات خلافا لهذا؛ لأنا لم ننظر إلى المجالس إنما نظرنا إلى اللفظ وليس الأمر كما قالا جميعا وإقراره مرة عند الحاكم يوجب الحد إذا ثبت عليه حتى يرجم، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) وحديث ماعز يدل حين سأل أبه جنة أنه رده أربع مرات لإنكار عقله.

وإذا أقر الرجل بالزنا عند غير قاض أربع مرات فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان لا يرى ذلك شيئا ولا يحده وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول إذا قامت عليه الشهود بذلك أحده.

[قال الشافعي]: رضي الله عنه وإذا أقر الرجل عند غير قاض بالزنا فينبغي للقاضي أن لا يرجمه حتى يقر عنده، وذلك أنه يقر عنده ويقضي برجمه فيرجع فيقبل رجوعه فإذا كان أصل القول في الإقرار هكذا لم ينبغ أن يرجمه حتى يقر عنده وينبغي إذا بعث به ليرجم أن يقول لهم متى رجع فاتركوه بعد وقوع الحجارة وقبلها وما قال النبي ﷺ في ماعز: (فهلا تركتموه) إلا بعد وقوع الحجارة.

وإذا رجع الرجل عن شهادته بالزنا، وقد رجم صاحبه بها فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول يضرب الحد ويغرم ربع الدية وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول أقتله فإن رجعوا أربعتهم قتلتهم ولا نغرمهم الدية فإن رجع ثلاثة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: ضربوا الحد وغرم كل واحد منهم ربع الدية.

[قال الشافعي]: رحمه الله: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم فرجع أحدهم عن شهادته سأله القاضي عن رجوعه فإن قال عمدت أن أشهد بزور قال له القاضي علمت أنك إذا شهدت مع غيرك قتل؟ فإن قال نعم دفعه إلى، أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا فإن قالوا نترك القتل ونأخذ الدية كان لهم عليه ربع الدية وعليه الحد في هذا كله وإن قال شهدت ولا أعلم ما يكون عليه القتل، أو غيره أحلف ما عمد القتل، وكان عليه ربع الدية، والحد وهكذا الشهود معه كلهم إذا رجعوا.

وإذا شهد الشهود عند القاضي على عبد وحلوه ووصفوه وهو في بلدة أخرى فكتب القاضي شهادتهم على ذلك فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا أقبل ذلك ولا أدفع إليه العبد؛ لأن الحلية قد توافق الحلية وهو ينتفع بالعبد حتى يأتي به إلى القاضي الذي كتب له أرأيت لو كانت جارية جميلة والرجل غير أمين أكنت أبعث بها معه؟، وكان ابن أبي ليلى يختم في عنق العبد ويأخذ من الذي جاء بالكتاب كفيلا، ثم يبعث به إلى القاضي فإذا جاءه العبد، والكتاب الثاني دعا الشهود فإن شهدوا أنه عبده أبرأ كفيله وقضى بالعبد أنه له وكتب له بذلك كتابا إلى القاضي الذي أخذ منه الكفيل حتى يبرئ كفيله وبه يأخذ.

[قال الشافعي]: رحمه الله: وإذا شهد الشهود لرجل على دابة غائبة فوصفوها وحلوها فالقياس أن لا يكلف صاحب الدابة أن يدفعها من قبل أن الحلية قد تشبه الحلية، وإذا ختم القاضي الذي هو ببلده في عنقها وبعث بها إلى القاضي المشهود عنده فإن زعم أن ضمانها من الذي هي في يديه فقد أخرجها من يديه ولم يبرئه من ضمانها ويقطع عنه منفعتها إلى البلد الذي تصير إليه فإن لم يثبت عليه الشهود، أو ماتوا قبل أن تصل إلى ذلك البلد فردت إليه كان قد انقطعت منفعتها عنه ولم يعط لها إجارة عوضت تلفا غير مضمون له، ولو جعل ضمانها من المدفوعة له وجعل عليه كراءها في مغيبها إن ردت كان قد ألزم ضمانها وإنما يضمن المتعدي وهذا لم يتعد وإنما ذهب ابن أبي ليلى وغيره ممن ذهب مذهبه إلى أن قال لا سبيل إلى أخذ هذه الدابة إلا بأن يؤتى بها إلى الشهود، أو يذهب بالشهود إليها وليس على الشهود أن يكلفوا الذهاب من بلدانهم، والإتيان بالدابة أخف ولرب الدابة في الدابة مثل ما للشهود في أنفسهم من أن لا يكلف الخروج بشيء لم يستحق عليه وهكذا العبد مثل الدابة وجميع الحيوان.

وإذا شهد الرجل من أهل الكوفة شهادة بعدل بمكة وكتب بها قاضي مكة إلى قاضي مصر في مصر غير مصره بالشهادة وزكى هناك وكتب بذلك إلى قاضي الكوفة فشهد قوم من أهل الكوفة أن هذا الشاهد فاسق فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول شهادتهم لا تقبل عليه أنه فاسق وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول ترد شهادته ويقبل قولهم وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينبغي للقاضي أن يفعل ذلك لأنه قد غاب عن الكوفة سنين فلا يدري ما أحدث ولعله قد تاب.

[قال الشافعي]: رضي الله عنه: وإذا شهد الرجلان من أهل مصر بشهادة فعدلا بمكة وكتب قاضي مكة إلى قاضي مصر فسأل المشهود عليه قاضي مصر أن يأتيه بشهود على جرحهما فإن كان جرحهما بعداوة، أو ظنة، أو ما ترد به شهادة العدل قبل ذلك منه وردهما عنه وإن جرحهما بسوء حال في أنفسهما نظر إلى المدة التي قد زايلا فيها مصر وصارا بها إلى مكة فإن كانت مدة تتغير الحال في مثلها التغير الذي لو كانا بمصرهما مجروحين فتغيرا إليها قبلت شهادتهما قبل القاضي شهادتهما ولم يلتفت إلى الجرح؛ لأن الجرح متقدم، وقد حدثت لهما حال بعد الجرح صارا بها غير مجروحين وإن لم تكن أتت عليهما مدة تقبل فيها شهادتهما إذا تغيرا قبل عليهما الجرح، وكان أهل بلدهما أعلم بهما ممن عدلهما غريبا، أو من أهل بلدهما؛ لأن الجرح أولى من التعديل.

[قال الشافعي]: رحمه الله: قال الله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} وقال: {ممن ترضون من الشهداء} [أخبرنا الربيع] قال [أخبرنا الشافعي] قال أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال عدلان حران مسلمان، ثم لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن هذا معنى الآية، وإذا لم يختلفوا فقد زعموا أن الشهادة لا تتم إلا بأربع أن يكون الشاهدان حرين مسلمين عدلين بالغين وأن عبدا لو كان مسلما عدلا لم تجز شهادته بأنه ناقص الحرية وهي أحد الشروط الأربعة فإذا زعموا هذا فنقص الإسلام أولى أن لا تجوز معه الشهادة من نقص الحرية فإن زعموا أن هذه الآية التي جمعت هذه الأربع الخصال حتم أن لا يجوز من الشهود إلا من كانت فيه هذه الخصال الأربعة المجتمعة فقد خالفوا ما زعموا من معنى كتاب الله حين أجازوا شهادة كافر بحال وإن زعموا أنها دلالة وأنها غير مانعة أن يجوز غير من جمع هذه الشروط الأربعة فقد ظلموا من أجاز شهادة العبيد، وقد سألتهم فكان أعلى من زعموا أنه أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. شريح، وقد أجاز شريح شهادة العبيد فقال له المشهود عليه أتجيز علي شهادة عبد؟ فقال قم فكلكم سواء عبيد وإماء فإن زعم أنه يخالف شريحا لقول أهل التفسير أن في الآية شرط الحرية فليس في الآية بعينها بيان الحرية وهي محتملة لها وفي الآية بيان شرط الإسلام فلم وافق شريحا مرة وخالفه أخرى، وقد كتبنا هذا في كتاب الأقضية ولا تجوز شهادة ذكر ولا أنثى في شيء من الدنيا لأحد ولا على أحد حتى يكون بالغا عاقلا حرا مسلما عدلا ولا تجوز شهادة ذمي ولا من خالف ما وصفنا بوجه من الوجوه.

وإذا شهد الشاهدان من اليهود على رجل من النصارى وشهد شاهدان من النصارى على رجل من اليهود فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول ذلك جائز؛ لأن الكفر كله ملة واحدة وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى لا يجيز ذلك ويقول؛ لأنهما ملتان مختلفتان، وكان أبو حنيفة يورث اليهودي من النصراني والنصراني من اليهودي ويقول أهل الكفر بعضهم من بعض وإن اختلفت مللهم وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى لا يورث بعضهم من بعض.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا تحاكم أهل الملل إلينا فحكمنا بينهم لم يورث مسلما من كافر ولا كافرا من مسلم وورثنا الكفار بعضهم من بعض فنورث اليهودي النصراني والنصراني اليهودي ونجعل الكفر ملة واحدة كما جعلنا الإسلام ملة؛ لأن الأصل إنما هو إيمان، أو كفر.

وإذا شهد الشهود عند قاضي الكوفة على عبد وحلوه ووصفوه أنه لرجل فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال لا أكتب له وقال ابن أبي ليلى أكتب شهادتهم إلى قاضي البلد الذي فيه العبد فيجمع القاضي الذي العبد في بلده بين الذي جاء بالكتاب وبين الذي عنده العبد فإن كان للذي عنده العبد حجة وإلا بعث بالعبد مع الرجل الذي جاء بالكتاب مختوما في عنقه وأخذ منه كفيلا بقيمته ويكتب إلى القاضي بجواب كتابه بذلك فيجمع قاضي الكوفة بين البينة وبين العبد حتى يشهدوا عليه بعينه، ثم يرده مع الذي جاء به إلى قاضي البلد الذي كان فيه العبد حتى يجمع بينه وبين خصمه، ثم يمضي عليه القضاء ويبرأ كفيله وبه يأخذ قال أبو يوسف رحمه الله تعالى ما لم تجئ تهمة، أو أمر يستريبه من الغلام.

وإذا سافر الرجل المسلم فحضره الموت فأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يقول لا تجوز شهادتهما وبه يأخذ لقول الله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، وكان ابن أبي ليلى يقول ذلك جائز.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وإذا سافر المسلم فأشهد على وصيته ذميين لم نقبلهما لما وصفنا من شرط الله عز وجل في الشهود، وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يرى على شاهد الزور تعزيرا غير أنه يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا وإلى مسجد قومه إن كان من العرب فيقول القاضي يقرئكم السلام ويقول إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس وذكر ذلك أبو حنيفة عن القاسم عن شريح، وكان ابن أبي ليلى يقول عليه التعزير ولا يبعث به ويضربه خمسة وسبعين سوطا قال أبو يوسف رحمه الله أعزره ولا أبلغ به أربعين سوطا ويطاف به وقال أبو يوسف بعد ذلك أبلغ به خمسة وسبعين سوطا.

[قال الشافعي]: رحمه الله وإذا أقر الرجل بأن قد شهد بزور، أو علم القاضي يقينا أنه قد شهد بزور عزره ولا يبلغ به أربعين ويشهر بأمره فإن كان من أهل المسجد وقفه في المسجد وإن كان من أهل القبيلة وقفه في قبيلته وإن كان سوقيا وقفه في سوقه وقال إنا وجدنا هذا شاهد زور فاعرفوه واحذروه، وإذا أمكن بحال أن لا يكون شاهد زور، أو شبه عليه بما يغلط به مثله قيل له لا تقدمن على شهادة إلا بعد إثبات ولم يعزره، وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بحق فأكذبهما المشهود له ردت شهادتهما؛ لأنه أبطل حقه في شهادتهما ولم يعزرا ولا واحد منهما لأنا لا ندري أيهما الكاذب فأما الأولان فقد يمكن أن يكونا صادقين والذي أكذبهما كاذب فإذا أمكن أن يصدق أحدهما ويكذب الآخر لم يعزر واحد منهما من قبل أنا لا ندري أيهما الكاذب.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: وكذلك لو شهد رجلان لرجل بأكثر مما ادعى لم يعزرا؛ لأنه قد يمكن أن يكون صادقين، وإذا اختلف الشاهدان في الموطن الذي شهدا فيه فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا نعزرهما ويقول لأني لا أدري أيهما الصادق من الكاذب إذا كانا شهدا على فعل فإن كانا شهدا على إقرار فإنه كان يقول لا أدري لعلهما صادقان جميعا وإن اختلفا في الإقرار وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يرد الشاهدين وربما ضربهما وعاقبهما، وكذلك لو خالف المدعي الشاهدين في قول أبي حنيفة رحمه الله فشهدا بأكثر مما ادعى فإن أبا حنيفة رحمه الله كان يقول لا نضربهما ونتهم المدعي عليهما، وكان ابن أبي ليلى ربما عزرهما وضربهما وربما لم يفعل.

[قال الشافعي]: رضي الله عنه لا نعزرهما إذا أمكن صدقهما، وإذا لم يطعن الخصم في الشاهد فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول لا يسأل عن الشاهد، وكان ابن أبي ليلى يقول يسأل عنه وبهذا يأخذ، وكان أبو حنيفة رحمه الله لا يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض.

[قال الشافعي] رحمه الله تعالى: ولا يقبل القاضي شهادة شاهد حتى يعرف عدله طعن فيه الخصم، أو لم يطعن ولا تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح ولا غيرها قبل أن يتفرقوا ولا بعد أن يتفرقوا؛ لأنهم ليسوا من شرط الله الذي شرطه في قوله: {ممن ترضون من الشهداء} وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وخالفه ابن الزبير وقال نجيز شهادتهم إذا لم يتفرقوا وقول ابن عباس رضي الله عنهما أشبه بالقرآن، والقياس لا أعرف شاهدا يكون مقبولا على صبي ولا يكون مقبولا على بالغ، ويكون مقبولا في مقامه ومردودا بعد مقامه، والله سبحانه وتعالى الموفق.

كتاب الأم - كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى
كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أبي ليلى | باب الغصب | باب الاختلاف في العيب | باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها | باب المضاربة | باب السلم | باب الشفعة | باب المزارعة | باب الدعوى والصلح | باب الصدقة والهبة | باب في الوديعة | باب في الرهن | باب الحوالة والكفالة في الدين | باب في الدين | باب في الأيمان | باب الوصايا | باب المواريث | باب في الأوصياء | باب في الشركة والعتق وغيره | باب في المكاتب | باب في العارية وأكل الغلة | باب في الأجير والإجارة | باب القسمة | باب الصلاة | باب صلاة الخوف | باب الزكاة | باب الصيام | باب في الحج | باب الديات | باب السرقة | باب القضاء | باب الفرية | باب النكاح | باب الطلاق | باب الحدود