شغاد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

إن بقيت فى هذه الدار الحائلة، و هدانى العقل و الحكمة، و أنهيت هذا كتاب الماضين، و تركت لى ذكرا فى الآخرين، باسم محمود ملك العالم الكبير، أبى القاسم فخر التاج و السرير... أخذ الضعف بعينى و أذنى، و أنحى الفقر و الكبر علىّ . و كذلك قيدنى الحظ الجائر، و يلى من السنين الكرة و الجدّ العاثر. أرتل الحمد ليل نهار، لملك الأرض العادل المختار، و أرى الناس معى حامدين، إلا لئيم النجار سيئ الدين. فهو منذ استوى على العرش الأغر، و أغلق باب العداء و غل يد الشر... أسجل له ذكرا على الزمان، و لا يزول ما بقى إنسان. بهذا كتاب الملوك السالفين، و سجل الأكابر و الأبطال الغابرين. و انى بمرتقب بتخليد ذكراه، أن أنال الدينار من عطاياه. حتى يبقى لى بعد الموت أثر، من كنز ملك الملوك الأكبر».

بداية القصة[عدل]

قال صاحب الكتاب: كان عند أحمد بن سهل بن ماهان بمرو رجل كبير طاعن فى السن يسمى سروا. و كان ينتسب الى سام بن نَيرم . و كان حُفَظة لأحوال آبائه و أخبار أسلافه

ذهاب رستم إلى كابل من أجل أخيه شغاد[عدل]

فحكى أنه كان لزال بن سام جارية مغنية فحبلت منه فولدت ابنا بهىّ المنظر مهيب الرواء كأنه سام بن نيرم. فسر به أبوه و اعتده لظهره قوّة و من تصاريف دهره جنة. فاستحضر الموابذة و العلماء و المنجمين فحضروا بكتبهم و زيجاتهم فنظروا فى طالع المولود فوفقوا على سر الفلك فى طالعه و ما كتب من هلاك أخيه على يده. فجعل بعضهم ينظر الى بعض.

ثم قالوا الزال: أيها البهلوان الجليل! لا تنظر الى هذا المولود بعين المحبة فإنه اذا بلغ الرجال أهلك نسل سام بن نيرم، و بدّد شمل هذه العشيرة، و ملأ أرض سجستان شرا و فتنة، و نغص على كل أحد عيشه. و لا تطول مع ذلك مدّته . و تدركه على القرب شقوته. فعظم ذلك على زال و تنفس الصعداء. و التجأ الى اللّه تعالى و فوّض أمره اليه، و اعتصم بحسن الظن فيه، و سماه شغاذ.

و كان يربيه حتى شب فنفذه الى ملك كابل فترعرع عنده و صار كالنخل الباسق و الليث الباسل. فتفرّس فيه ملك كابل استعداده للتقدّم لما رأى فيه من الأبهة و الجلالة فزوجه ابنته اعتضادا بمكانه و استظهارا به. و كان رستم يأخذ كل سنة من أهل كابل ملء مسك ثور ذهبا. و كان ظن صاحب كابل أنه اذا صاهر شغاذ ترك رستم ذلك الرسم.

فلما كان وقت أداء الخراج طالبه رستم على الرستم المعلوم، و أحجف بأهل كابل حتى أدّوا الإتاوة المعهودة. فعظم ذلك على شغاذ فأسرّه فى نفسه، و خلا بصهره و قال: اذا كان هذا الأخ لا يحترمنى و لا يستحيى من فليس علىّ مراعاته، و هو و أجنبى آخر سيان عندى. و الرأى أن نحتال عليه و نمكر به حتى نتمكن منه. فأخذا يتفكران فى وجوه الحيل و أسباب المكر، و نسيا قول القائل: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، و إن من ير يوما ير به. و قعدا ليلة يفكران فى ذلك من أوّلها الى أن بزغت الشمس.

فقال له شغاذ: الرأى أن عمل دعوة عظيمة يحضر فيها جميع أكابر كابل، و تجلس للشراب بين المعازف و المزاهر، ثم تشتمنى على رءوس الأشهاد، و تأمر بإخراجى ذليلا مهانا حتى أجعل ذلك سبيلا الى الخروج الى زابل و أشكوك الى رستم، و أذكرك عنده بفساد السريرة و دخل الطوية، و أحمله على قصدك و انتزاع المملكة من يدك. و أما أنت فاعمد الى متصيد فى طريقه، و احفر فيه جبابا على قدر رستم و رخشه، و اغرز فى عقر تلك الجباب نصولا محدّدة و حرابا مؤللة ثم غط رءوسها. و إياك أن يطلع على بعض هذا السر أحد. فتوافقا على هذا الرأى. ثم إن ملك كابل جلس يوما للشراب و استحضر جميع أمرائه و أكابر مملكته، و حضر شغاذ. فلما دارت الكؤوس، و طابت النفوس أخذ شغاذ يفتخر بأبيه و يتبجح بأخيه. فصاح به الملك و قال: أقصر عن هذا الكلام فلست من شجرة دستان بن سام.

و إن رستم ليستنكف من أخوّتك ، و كذلك دستان يأنف بنوّتك . و أطال النفس فى هذا النوع من الأذى. فاغتاظ شغاذ و خرج من المجلس متوجها الى زابل. فلما اجتمع بأخيه سايله و قال: كيف حالك مع الكابلى؟ فقال: إنه كان قبل هذا يراعى جانبى و يحترمنى. و الآن فقد تغير عما كان عليه حتى جفانى على رءوس الملأ، و فعل و صنع».

حفر ملك كابل آبارا في المتصيد و سقوط رستم و زواره فيها[عدل]

و أغرى رستم به و حمله على قصده. فسار فى جيش نحو كابل. فلما قرب منها أرسل شغاذ الى صهره يأمره باستقبال رستم و اتصل اليه عما قرف به. فتلقى رستم و لما دنا رمى من رأسه شارة هندية كانت عليه، و نزع خفيه، و هوى بوجهه الى الأرض بين يديه، و سعى فى ركابه حافيا حاسرا، و جعل يستقيله العثرة التى صدرت منه فى حالة السكر. فعفا عنه رستم. ثم نزل فى بعض نواحى كابل عند ماء و حضرة و أرض طيبة. فقدّم اليه ملك كابل أنواع الأطعمة، و أحضره الشراب و المغانى. ثم قال لرستم: إن لنا هاهنا متصيدا مملوءا يعافير و غزلانا. فإن نشطت مهضنا اليه. فوقع ذلك من رستم موقع الارتضاء، و حبب ذلك اليه محتوم القضاء.

فتهلل وجهه و ارتاج للصيد فأمر بإسراج الرخش. و شدّ عليه عدّته و ركب و معه أخواه زواره و شغاذ و جماعة من الخواص. فساروا حتى وصلوا الى ذلك المرج الذى حفر فيه الحفائر. فجعل الرخش يشم التراب و يرتاع، و ينزوى بعضه الى بعض و يثب، و يبحث الأرض بحوافره. فضجر منه رستم و ضربه بالسوط ضربة وثب منها فوقع به فى حفيرة من تلك الحفائر فتمزّق بطنه و خاصرته بما فيها من الحراب و النصول. و أصابت رستم أيضا فأسرعت فى صدره و سائر جسده. و وقع زواره فى حفيرة أخرى. فاجتهد رستم و تحامل حتى خرج من تلك الحفيرة و رمى بنفسه على شفيرهما ممزق الصدر مثخنا بالجراحات.

رستم يقتل شغاد و يموت[عدل]

فنظر فى وجه أخيه شغاذ فعلم أن ذلك من فعله و خبثه. فقال له: أيها الخبيث! ستندم على ما جررته على نفسك، فقال: إن تصاريف الزمان قد انتقمت منك لكثيرة ما كنت تدل به من قتل الناس و سفك الدماء. و قد انتهى الآن و أمرك و تصرم شرك. ثم تصدّى له ملك كابل فقال له على وجه الاستهزاء: أيها البهلوان! ما هذا الذى أصابك فى هذا المتصيد؟ أما نجمع لك الأطباء ليعالجوك فعلك تبرأ و تصح. فقال له رستم: أيها الخبيث المحتال! أما أنا فقد انتهى زمانى أسوة من مضى من الملوك السالفة مثل جمشيذ الى سياوَخش . و أنت فلا تبقى بعدى إلا قليلا، و سترد من غدرك موردا وبيلا. ثم قال لأخيه شغاذ: بعد أن أفضيت الى هذه الحالة، و صرت بهذه الصفة فأحضرنى قوسى مع نشابتين لأذود بها السباع عن نفسى إلى أن تخرج روحى. فتناول شغاذ قوسه و وترها، و مدّها مدة ثم حطها بين يديه مع نشابتين. فتناولها رستم ففزع منه شغاذ فتترّس بشجرة دُلت كانت هناك مجوّفة قد أتت عليهاالسنون. فرمى رستم الشجرة بإحدى النشابتين فنفذت فيها و خصلت الى شغاذ و خاطته مع الشجرة فتأوه آهة خرجت معما روحه. ففرح رستم و حمد اللّه على ما يسر له من إدراك ثأره بيده و قبل موته.

ثم خرجت فى الحال روحه. و مات زواره أيضا فى الحفيرة التى وقع فيها.

سماع زال بموت رستم و زواره و إحضار فرامرز تابوت أبيه و وضعه في القبر و لم يسلم ممن كان هناك من الزابليين غير فارس ركض الى زابل و أخبر دستان بما أصاب ولده رستم. فقامت القيامة عليه و على جميع عشيرته، و شملهم الصياح و العويل. فنفذ فرامرز بن رستم فى عسكر كثيف لنقل رستم من مصرعه الى زابل. فلما وصلوا الى ذاك الشجر الخسروانى حلوا عنه المنطقة الكيانية فخيطوا جراحاته و غسلوه، و وضعوه فى تابوت من الساج. و استخرجوا زواره من مصرعه أيضا، و حنطوه و كفنوه.

ثم استخرجوا الرخش و خيطوا جراحاته و كفنوه فى الديباج، و عملوا له تابوتا و وضعوه فيه، و حملوه على فيل عظيم. و توجهوا بالجميع نحو زابل و الخلائق تضيج، و الأرض ترتج لوقع ذلك الرزء العظيم و الخطب الهائل الجسيم. فعملوا له فى بستانه ناووسا عظيما، و وضعوا تابوته فيه على تخت من الذهب، و سدّوا بابل الناووس. و دفنوا الرخش أيضا. و أقيمت المآتم عليه فى زابل حتى لا تكاد تسمع فى أقطارها غير عويل النوادب و نجيب النوائح.

فرامرز يقود جيشا للثأر لأبيه رستم و قتله ملك كابل[عدل]

ثم إن فرامَرز فتح باب بعض كنوز أبيه، و أعطى العسكر و أرضاهم، و توجه لهم الطلب بثأر أبيه رستم. فتلقاه ملك كابل و قامت الحرب بينهم على ساق. و لما وقعت عين فرامرز عليه فى القلب حمل عليه فى أصحابه الزابليين الموتورين فأخذه أسيرا و عاد له الى معسكره. و وضع السيف فى أصحابه حتى أتى على أكثرهم جرحا و قتلا. و قبض على أربعين نفسا من أقارب ملك كابل. ثم جاء به الى ذلك المتصيد و سلخ من جلدة ظهره مثل وتر فعلقه به منكسا فى بعض تلك الحفائر. و أحرق أقاربه هناك. و عمد الى الشجرة التى تستر بها شغاذ فوضع فيها النهار فأحرقها و احترقت جثة شغاذ معها أيضا. ثم وضع السيف فى أهل كابل حتى لم يبق منهم أحد. ثم انصرف و عاد الى مملكته و جلس فى عزاء أبيه.

روذابه تتوله حزنا على رستم و غشيانها لهول المصيبة

و تمادى المأتم على أهل سجستان الى تمام سنة كاملة. و لم يزالوا فيها من ثياب الحداد و ملابس السواد. و عظم الرزء على روذابه أم رستم حتى نذرت ألا تقرب الطعام و الشراب حتى تلحق به. فأمسكت عن المطعم و المشرب أسبوعا فأظلمت عينها و ضعفت، و زال عقلها.

ثم إنها وثبت و دخلت المطبخ فوجدت حية ميتة فى ماء هناك فمدّت اليها يدها لتأكلها فحال بعض جواريها بينها و بين ذلك. فحملوها الى إيوانها و أحضروها الطعام فطعمت. و أقلعت عما عزمت عليه، و سلمت و رضيت بقضاء اللّه . و فرّقت ما كان لها من الخبايا و الدفائن على الفقراء و المساكين. و بقيت تدعو اللّه تعالى لرستم و تسأله أن يجعل الجنة مأوراه و دار الخلد مثواه.


فهرست قصص الشاهنامة
فاتحة الكتابكيومرثهوشنغطهمورثجمشيدضحاكأفريدونمنوشهرزال • سفيدج • نوذرزو بن طهماسبغرشاسبكيقبادهفتخوان رستموقعة هاماورانوقعة بروازسهرابسياوش • كيخسرو • طواف الممالك • عهد بحيرة هسروه • وقعة فرود بن سياوشكاموس الكشاني • بولاطوند • أخوان ديوبيجن • يازدهرخ • كهار الكهانی • جوذرر و بيران • الإصبهبذين • فرشيذ و لهاك • إنهزام أفراسياب • يأس كيخسروي • قسمة الممالك على الأكابر • لهراسب • زرادشت • كشتسب • زرير • هفتخوان اسفنديار • رستم و اسفنديار • شغادبهمن بن اسفنديار • هماي جهرزاد • داراب • دارا بن داراب • اسكندر • مدينة البراهمة • مبدأ أمر أردشير • اشكانيون • هفتواد • جلوس أردشير على العرش • سابور بن اردشير • هرمزد • بهرام • بهرام بهراميان • نرسي بن بهرام • هرمز بن نرسي • سابور ذوالأكتاف • بهرام بن سابور • أردشير المحسن • سابور الثالث • يزدجرد بن سابوربهرام جور • يزدجرد بن بهرام جور • هرمز بن يزدجرد • فيروز • بلاش • قباذ • خروج مزدك • نوشزاد بن أنوشيروان • المرأة النصرانية • حرب رام برزين • رؤيا أنوشروان • بزرجمهر الحکيم • مأدبة أنوشيروان • مهبود وزير • سورستان • كو و طلخند • الراي ملك الهند • برزويه الطبيب • قتال الروم • هرمزد بن كسري • بهرام جوبين • كسري برويز • شيرين و خسرو • شيرين و فرهاد • طاق الديس • إيوان المدائن • شيرويه • أردشير بن شيرويه • فرائين • بوراندخت • ازرمدخت • فرخزاد • يزدجرد الثالث
Wikipedia logo اقرأ عن شغاد في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة