انتقل إلى المحتوى

وقعة هاماوران

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

رسالة كيكاوس إلى ملك مازندران

[عدل]

قال: فدعا بالكاتب و أمره فكتب المسك على الحرير الأبيض كتابا صدّره بالجمد للّه و الثناء عليه، و ذكر فيه طرفا من المواعظ و النصائح.

و أعقب ذلك بأمره إياه بالمبادرة الى حضرته، و قبول الخراج و الجزية، و أنه إن تقاعد عن ذلك لم ير إلا ما حل بالجنىّ من التنكيل و القتل و الأسر و النهب.

و ملأ الكتاب إعذارا و إنذارا. و دعا رجلا من أصحابه يسمى فرهاد، و كان من وجوه الملوك و أعيانهم، و أمره بحمل الكتاب الى ملك مازندران.

فقبل الأرض و تناول الكتاب و ركب حتى أتى على مدينة يقال لأهلها دُوال بال و كانت هذه المدينة مستقرّ سرير الملك. فلما أخبر بقدوم الرسول أمر أسود رجاله و أبطال عسكره بالركوب لاستقباله.

و قال: لا تتركوا اليوم شيئا من آداب فروسيتكم و دلائل رجوليتكم إلا أظهرتموه. فتلقوه كذلك بوجوه. مقطبة و شفاه مهدّلة ، و قبض واحد منهم على يد الرسول، على الهيئة التى اعتادوها فى إظهار القوّة و الإدلال بالشدّة ، و عصرها فما تغير وجهه و لا اصفرّ لونه. فجاءوا به الى خدمة الملك.

فلما دخل عليه سأله عن الملك كيكاوس أوّلا ثم عما لقى من مشاق السفر ثانيا. فوضع الكتاب بين يدى الكتاب. فلما وقف الملك على الحال و ما فيه امتلأ قلبه غيظا، و انكسر ظهره بقتل ملك الجن و أمرائه.

فقال قل لكيكاوس: إنى أرفع منك شأنا و أعز سلطانا. و إن حوالى ألوف ألوف من العساكر الذين حيث توجهوا لم يبقوا حجرا و لا مدرا.

و إن على بابى ألفا و مائتين من الفيلة التى ليست على بابك منها فيل واحد. و سأهجم بها عليك و أثل عرشك. فلما سمع فرهاد كلامه، و رأى خشونته و طغيانه اجتهد فى تحصيل جواب الكتاب، و انصرف راجعا الى صاحبه.

و لما وصل الى حضرته أفضى اليه بجميع ما رآه و سمعه. فقال عند ذلك رستم: من الواجب أن أكون أنا الرسول اليه و أستصحب منك اليه كتابا كالسيف القاطع و رسالة كالسحاب الراعد. اؤدّى الرسالة فى ناديه، و أفيض بها سيول الدماء فى واديه.

فاستصوب الملك هذا الرأى و أمر الكتاب أن يجيب ملك مازندران عن كتابه، و يكتب أن مثل هذا الخطاب يستهجن من ذوى الألباب. ففرّغ دماغك من الفضول، و بادر الى حضرتنا واقفا على قدم المثول، و أنك إن خالفت هذا المثال ملأت الأرض بالجيوش و جررتهم الى حربك. و لعل روح ملك الجن تبشر النسور و الذئاب بأشلائك.


مجيء رستم إلى ملك مازندران برسالة

[عدل]

و لما ختم الكتاب استعدّ رستم و سار حتى قرب من ملك مازندران.

فأخبر بأن رسولا جاء كالهزبر الغضبان. فأمر قوّاد الجن و نخب فرسانهم و أنجاد شجعانهم باستقباله و تلقيه. و لما وقعت عين رستم عليهم قلع شجرة كانت بين يديه، و رفعها كما يرفع المزارق. فقضوا العجب من ذلك. و لما قرب منهم رماها. فتلاقوا و تسايلوا. ثم جاء واحد من فرسانهم و قبض على يد رستم. فتبسم رستم و عصر يده حتى تغير لونه و نخب قلبه. و أخبر الملك بذلك فدعا بجنى يسمى كلاهور، و كان أقوى عسكره و أشدّهم ، و كان كالنمر فى خلقه لا يشتهى غير الهراش و الحرب، و فأمره باستقبال الرسول و إظهار رجوليته له. فركب و تلقى رستم و سايله مسايلة المتنمر.

ثم مدّ يده الى يد رستم فعصرها حتى صارت فى لون النيل. ففتل رستم يده و عصرها حتى تساقطت أظفاره. فعاد و دخل على الملك و أراه يده، و لم يقدر أن يخفى ما يجد من الألم. و قال: السلم خير لك من الحرب. فلا تضيق على نفسك مسالك الطريق الرحب.

فإنك لا تطيق مكاشرة كيكاوس و مقاومته. فإن لان لك فالأولى أن ترضى بقبول الخراج و الجزية و تقسمها على أهل مازندران صغيرهم و كبيرهم. و وصل رستم فى تلك الحالة و دخل على الملك كالليث الثائر.

فأجلسه الملك فى موضع يليق به، و سايله عن كيكاوس و عسكره، و ذا كره فى عناء سفره. ثم قال: أ أنت رستم ذو البراثن الشديدة و الأعضاد القوية؟ فقال: إنه السيد و أنا الغلام. و كيف يقاس بالصبح الظلام؟ و دفع اليه الكتاب، و بلغه الرسالة. فقرأه ثم أقبل على رستم و قال: ما هذه المخاطبة الشنيعة و المطالبة الفظيعة؟ قل كيكاوس: إن كنت مالك إيران و أنت أجرأ من ليث خفان فأنا ملك مازندران المعتصب بتاج سلطنتها و المستقر على سرير مملكتها. و ليس من رسم الأكابر أن يستنهض مثلى الى خدمتك. فتفكر فى نفسك، و لا لتعرّض للاستيلاء على أسرّة الملوك. فانه ارتفاع يورث الانخفاض. فارجع الى مملكت، و لا حدّث بغير ذلك نفسك. فانى اذا زحفت فى عساكرى نحوك لم تعرف رأسك من ذنبك. و إنى اذا واجهتك فى مأزق الحرب حسمت مادة حدّتك بالصارم الغضب.

فنظر رستم الى الملك و أصحابه، و لم يوافقه ذاك الخطاب العنيف. فاضطرم غضبه، و لم يقبل منه لا خلعة و لا ذهبا. و ركب و عاود حضرة كيكاوس تغلى مراجل بأسه، و تشتعل نائرة غيظه. فذكر له ما سمعه من الرسالات الموغرة و البلاغات الموحشة و قال: لا تستهولن ذلك و تقدّم و تأهب للقتال. و اعلم أن أسودهم و رجالهم أحقر فى عينى من التراب.

خروج ملك مازندران بجيشه لحرب كيكاوس

[عدل]

قال: و لما خرج رستم تأهب ملك السحرة صاحب مازندران للقتال، و أمر فضرب سرادقه على ظاهر المدينة. و برزت عساكره و ساروا فارتفع من مسيرهم عجاج كسف عين الشمس، و صا ممشاكمر لا يرى بر و لا بحر، و لا يبين حزن و لا سهل. و كأن الأرض تئن تحت مناسم الفيول، و تضطرب تحت وقع سنابك الخيول. و ساق عساكره كذلك و لم يتلبث فواق ناقة.

حرب كيكاوس و ملك مازندران و اضطرام القتال بينهما فانتهى الخبر الى كيكاوس بدنوّ عساكر الجنّ . فأمر رستم أوّلا بالتأهب و التشمير، و أمر طوسا و جوذرز بإعداد العدد، و تعبئة العساكر. فضربوا سرادق الملك كيكاوس فى الصحراء. و جعلوا طوسا فى الميمنة، و جوذَرز فى الميسرة، و وقف الملك فى القلب. و برز رستم قدام العسكر. فتقدّم فارس من أصحاب ملك مازندران يسمى جوبان و كأنما يخرق الأرض بشدّة بأسه، و مر على صفوف الإيرانية كأنما يشقق السهل و الجبل بزفيره و تغيظه، و جعل يطلب المبارزة فلم يجبه أحد منهم.

فأشرع رستم رمحه و استأذن كيكاوس فبارزه، و طال بينهما القتال، و تمكن منه رستم فدار من خلفه و وضع سنانه بين كتفيه فأخرجه من نحره، و رفعه على رمحه كالطير على السفود، ثم رماه مضرجا بالدم صريعا لليدين و الفم.

فتعجب أسود مازندران من ذلك، و انكسرت ظهورهم، و أرعبت قلوبهم.

فأمر ملك مازندران عساكره أجمعين بأن يشدّوا عليهم شدّ الليوث، و يقاتلوهم قتال النمور. فارتفعت من الجانبين أصوات الكوسات و الطبول، و أظلمت الآفاق بالقساطل، و ارتجت الأرض بالحجافل، و أضاءت السيوف فى سماء العِثْير إضاءة البرق فى السحاب المكدر، و صارت الأرض كبحر من القار تتراكض سوابح الخيول فيها كالسفن. فبقوا كذلك فى القتال على حالة واحدة مدّة أسبوع.

فلما كان اليوم الثامن ألقى الملك كيكاوس مغفره، وضع خدّه على التراب و عفره، و جعل يسأل اللّه تعالى أن ينصره. ثم لبس المغفر و حضر المعركة فارتفعت أصوات الكوسات، و تزاحفت الصفوف، و تكافحت الجموع، و جعلت سيول الدماء تتدفق بين الأودية و الشعاب من أوّل السحر الى مغيب الشفق. و اجتمع فى المعترك من جثث القتلى ما يضاهى الهضاب العالية.

فتوجه رستم نحو ملك مازندران و قصد قصده فى جمع عظيم. و قد ثبت ملك مازندران فى مجال الحرب متصدّيا للطعن و الضرب فى جموعه و رجاله و خيوله و أقباله. فلما واقع بصره على رمح رستم ارتعدت فرائصه و اضطرب قلبه. فألقى رستم رمحه، و تناول الجرز، و ذكر اللّه تعالى، و خاض غمار الملحة فوهت قوى السحرة فتخاذلوا و تواكلوا، أسرع فيهم القتل حتى طبق الأرض جثث القتلى و خراطيم الفيلة. ثم أخذ رستم رمحه فطعن الملك فى خاصرته طعنة رمته الى الأرض. فسحر أعين الناس و صار كأنه قطعة جبل.

فوقف الإيرانيون ينظرون اليه. ثم نزل اليه فرسانهم فما رأوا سوى صخرة صماء لا يطاق قلبها و تحريكها. فترجل رستم و تناوله بأصابعه، و كانت كبراثن السباع، فرفعه على كاهله، و سار و الخلق وراءه يقضون العجب من حاله، و ينثرون عليه الجوهر و الذهب. حتى انتهى الى باب سرادق الملك كيكاوس.

فألقاه و قال له: إن لم تخرج عن هذا السحر، و لم تخلع هذه الصورة فلقتك بالمعاول، و قطعتك قطعا. فلما سمع ذلك بان مدججا فى السلاح كأنه قطعة سحاب.

فضحك رستم و أخذ بيده و أتى به الى حضرة الملك كيكاوس. فلما رآه الملك أمر رجلا من أصحابه كان يسمى دُژخيم أن يقتله و يمثل به. ثم نفذ الى معسكره من يجمع الغنائم و يحصى الجواهر و الذخائر.

فنضدوها فى تلك الصحراء بعضها فوق البعض حتى صارت كأنها الجبال، فركب و سار اليها فى عساكره، و فرّقها عليهم جميعا. و أمر بقتل المردة من الجن المأسورين فقتلوهم. ثم أتى مكان العبادة و اعتكف فيه، و جعل يناجى ربه و يشكره على ما وهب له من الفتح المبين و النصر العزيز.

و أقام كذلك أسبوعا من الزمان. ثم خرج فى اليوم الثامن من و فتح أبواب الخزائن، و فرّق الأموال على المحتاجين خاصة و على سائر الخلق عامة.

ثم فى الأسبوع الثالث لما انتظمت الأحوال و استثبت الأمور جلس مع أصحابه فى مجلس الأنس يتعاطون كؤوس الشمول متنقلين باللهو و اللعب. فمكث على هذا أسبوعا آخر من الزمان.

قال: فقال رستم لكيكاوس: إن أولاذ هو مفتاح هذه الفتوح فإنه كان الهادى الى و الدليل بين يدى. و هو يتوقع تفويض مازندران اليه. و قد وعدته أنا بذلك.

فرجائى أن يخلع عليه، و يعقد له اللواء، و تكتب له عهدا بأنه ما عاش فى هذه الممالك ينقاد له الصغير و الكبير و يطيعه المرءوس و الرئيس. فدعا أكابر مازندران و سايلهم عن سيرة أولاذ و طريقته، و استخبرهم عن سريرته و علانيته، و سلم اليه ذلك الإقليم. و ثنى عنانه عائدا الى بلاد فارس.

رجوع كيكاوس إلى إيران و تسريح رستم

[عدل]

و لما انتهى الى ممالك إيران فرح بعوده الايرانيون و زينوا البلاد، و أظهروا الأطراب، و الأفراح. فجلس الملك كيكاوس على تخته. و بادر الى خدمته الملوك و الأمراء.

ففتح الخزائن و وضع ديوان الأرزاق، و رتب لها كتابا و عمالا. ثم وصل رستم و جلس فى خدمة الملك كيكاوس. فأمر أن تعدّ له خلعة رائقة، و تخت من الفيروزج، و تاج مرصع بالجواهر، و ثياب منسوجة من الذهب، و طوق و سوار، و مائة من روقة الغلمان بمناطق الذهب، و مائة من الوصائف الصباح فى وشائع الحلى و الحلل، و مائة فرس بلجم الذهب، و مائة ناقة من الجمال السود بأزمة الذهب محملة بالديباج الخسرواني و الثياب الرومية، و مائة بدرة من الذهب، و جام مخروط من الياقوت مملوء بالمنسك الأذفر، و جام آخر من الفيروزج مملوء بالماورد، و منشور من الحرير، مكتوب بالمسك السحيق بتقليده ممالك نيم روز. و قدّم جميع ذلك بين يدى رستم.

و أثنى الملك عليه و دعا له. فأهوى الى الأرض فقبلها و خرج فنادى فى عسكره بالرحيل، و انصرف متوجها نحو ممالكه. و أقام كيكاوس على سريرة ينهى و يأمر. و طاب عيش الناس، و عمهم الأمن و الأمان، و العدل و الاحسان. و أخصبت الأرض و صار العالم كأنه بعض الجنان المتهللة بالروح و الريحان.

ذكر مسير الملك كيكاوس الى هاماوران

[عدل]

خروج كيكاوس لحرب البربر من الترك و الصين و بعض القصص قال: ثم عرض للملك كيكاوس حركة ففارق سرير الملك و خرج من ممالك ايران قاصدا بلاد الترك و الصين. فعطف الى نواحى مُكران ، و منها الى بحر زِرِه الى أن وصل الى نواحى البربر طالبا للتغلب عليها فمانعه ملك البربر، و استعدّ لحربه، و لقيه فى عسكر عظيم و جميع يخيل الهواء لكثيرة رماحهم كأنه بعض الآجام. و انسدلت ذيول القتام انسدال جنح الظلام حتى لم يكد أن يرى الناظر يده، و الفارس عنانه. فتقدّموا فوجا بعد فوج الى المصاع و الفراع، و أقبلوا كالأمواج المتلاطمة للدفاع.

فلما رأى ذلك جوذرز رفع عموده و حمل فى ألف فارس من الآساد المذكورين و الأنجاد المشهورين على صفوف البربر، فشق قلبهم و بدّد شملهم. و كان الملك كيكاوس وراءه يضرب يمينا و شمالا، و يطردهم كالغضنفر يسوق آجالا. فتفرّقت جموع البربر و أضحوا كأن لم يكن منهم فارس و لا رامح. فخرج كل من كان فى مدينتهم من المشايخ و الكهول و أطلقوا ألسنتهم بطلب الأمان مستعيذين بعفو السلطان، و جعلوا يعتذرون اليه، و يتضرعون بين يديه، و يبذلون له الطاعة ملتزمين أداء الخراج و الجزية. فقبل الملك منهم ذلك، و فارق تلك الناحية، و سار حتى وصل الى نواحى المغرب و جانب جبل قاف، يتلقى الناس فى كل ذلك مواكبه مطيعين خاضعين. فلما رأى سلوكهم سبيل الطاعة و توسلهم الى إرادته بالخضوع و الضراعة صرف عنهم عنانه، و أقبل فى عساكره الى زابلستان قاصدا ضيافة رستم بن دستان. و أقام فيها شهرا من الزمان يشتغل يوما باللهو و الطرب و يوما بالصيد و الطرد.

قال: ثم لم يمض إلا قليل حتى امتدّت يد التزلزل الى قواعد ذلك العلم الفرد، و بنت القتاد على أرجاء حديقة الورد، و عاد جناح دولته مهيضا.

و إن وراء كل يفاع حضيضا. و اذا استوت الشمس جنحت للزوال و لا بد من النقصان بعد الكمال و ذلك أنه خرج رجل من العرب أصيل يسمى دُربيس من نواحى الشام و مصر، و رفع راية و خلع ربقة الطاعة لكيكاوس، و أعرض عن خدمته، و ادّعى الأمر لنفسه. فلما بلغ كيكاوس أنه ظهر له شريك ينازعه فى السلطنة أمر بضرب الكوسات، و ارتحل عن نيم روز. فجاشت السيوف فى أغمادها، و استعدّت الجيوش و العساكر و احتشدت. ثم قادها من البر الى البحر، و أعد من السفن و الزواريق ما يفوت العدّ و الحصر.

ثم ركب البحر فى جميع عساكره. و إنما حاد عن طريق البر لبعده. فإنه كان مسافة ألف فرْسخ .

فسار فى البحر حتى وصل الى مدينة من يسارها مصر، و من يمناها البربر، و قدّامها الحبر. و كانت هذه المدينة تسمى هاماوران.

فى كل صوب منها عسكر عظيم. فحين بلغهم إقبال كيكاوس و خروجه عن البحر اجتمعوا و صاروا يدا واحدة فبلغوا عددا طبقوا الأرض حتى أثاروا السباع عن أخياسها، و الظباء عن كناسها، و كادوا يضيقون مجال العقبان فى جوّ السماء، و مسبح الحيتان فى قعر الماء.

و أقبل كذلك كيكاوس بجنوده و جموعه فخيل أن طلاع الأرض مطبق بالجواشن و الدروع، و أن السماء لكثرة الأسنة تنثر أجرام النجوم. فتزاحف الفريقان، و برز جُرجين و فرهاذ و طوس من أحد جناحى عسكر كيكاوس، و برز شيذوش و جيْو و فولاذ من الجناح الآخر فأشرعوا الأسنة، و أرخوا الأعنة، و طفقوا يقارعون بالدبابيس الحاطمة و العمد القاصمة.

و تقدّم كيكاوس من القلب الى المعترك فاحمر البأس و حمى الوطيس. فلما رأى ملك هاماوران قوّة الايرانية ألقى السلاح و طلب الأمان، و تقبل خراجا ثقيلا، و التزم أن ينفذ الى الملك كيكاوس أسلحته و خيله و تاجه و تخته، على أن يخلى كيكاوس بينه و بين بلاده و لا يطأها بخيله. فقبل الملك ذلك منه و صالحه.

خطبة كيكاوس سودابه بنت ملك هاماوران

[عدل]

فذكر ذاكر فى حضرته أن له خلف الستر بتنا أحسن قدا من السرو، ذات شعر كالمسك، تظهر كأنها جنة زاهرة، و تبدو كأنها شمس باهرة.

و قيل له: إنها تصلح أن تكون قرينة للملك. فمالت اليها نفس كيكاوس. فأمر رجلا كافيا من أعيان حضرته أن يمضى الى ملك هاماوران، و يخطب اليه ابنته، و يقول له: إن أكابر الملوك يرغبون فى مصاهرتنا و يتوسلون الى مواصلتنا. و كل من لا يلتجئ الى ظلال دولتنا من الملوك فلن يمكنه الاستقرار على سرير الملك.

و أنا الآن مريد مواصلتك من أجل أنه بلغنى أن وراء ستورك بنتا تليق بتختنا،: لطهارة أصلها و تحليها بالخلال الحميدة و الأخلاق المرضية. و على الجملة من وجد ختنا مثل ابن قباد فقد اعتصم بخير ملجأ و ملاذ.

قال فمضى السفير الى حضرة ملك هاماوران. فلما دخل عليه افتتح الكلام و أقرأه من الملك السلام، و أدّى ما تخمه من الرسالة. فأطرق متفكرا و قال فيما بينه و بين نفسه: إن كيكاوس و إن كان ملك البر و البحر فما الى على وجه الأرض غير هذه البنت. و هى أعز علىّ من روحى. و إن امتنعت لم أطلق مقاومته و منازعته. ثم أقبل على الرسول و قال إن الملك يريد أن يأخذ منى شيئين ما لهما ثالث فإنى بالمال قوى الظهر، و بهذه المخدّرة منشرح الصدر. و ما يبقى علىّ بعد هذين شيء.

و لكن لا أخالف أمره، و سأنفذ ما يريد الى خدمة تخته. فدعا بابنته و كانت تسمى سوذابه، و ذكر لها حال كيكاوس.

ثم قال لها: إنه قد نفذ إلىّ رسولا، و كتب الىّ كتابا يخطبك فيه، و يريد أن ينغض بذلك عيشى، و يسلبنى نومى و قرارى. فما ذا ترين و ما رأيك فى هذا الأمر؟

فقالت له إن كان و لا بد فاعلم أنك لا ترى خيرا منه ختنا. فلا تحرجن صدرك بالهم، و لا تقابل هذا السرور بالغم. فلما رأى ميلها الى ذلك اشتغل بتجهيزها و رتب ثلاثمائة و صيفة و أربعين عمارية، و ألف بغل، و ألف فرس و جمل محملة ديباجا و ذهبا و أنفذها الى حضرة الملك كيكاوس. فبهت حين رآها لما شاهد من كمالها و حسن جمالها.

أسر ملك هاماوران لكى كاوس

[عدل]

ثم إن ملك هاماوران تمكن منه الهم لما جرى عليه من كيكاوس فشرع فى الاحتيال عليه، و أرسل اليه بعد أسبوع مضى من تجهيزه ابنته يستضيفه و يقول له: إن رأى الملك أن يشرف عبده، و يصير الى هاماوران، و ينوّرها بجمال طلعته. و هو فى ذلك يضمر خلاف ما يظهر، و يريد أن يزيل احتكام الغير عليه و يعود اليه الحكم فى بلده و ولده.

ففطنت ابنته سوذابه لحيلة أبيها و قالت لزوجها كيكاوس: ليس من الرأى مصيرك اليه. فإنهم يريدون أن يتمكنوا منك بهذا الطريق فتصير المأدبة مندبة.

فلم يصغ الى قولها و أجاب دعوةأبيها، قال: و كانت لأبيها مدينة تسمى شاهه. و هى أحسن بلاده و أطيب ممالكه. و كانت دار ملكه.

فأمر أن تزين و تزخرف لمقدم كيكاوس. فلما دخلها ترجل له ملك هاماوران فى جميع أمرائه و قوّاده ، و نثرت عليه الآلى و الجواهر.

قال: و دخل القصر و جلس على تخت من الذهب نصب له فيه. و قد استطاب المدينة ففي هناك شهرا و ملك هاماوران يجدّ فى خدمته، حتى وثق به الايرانيون و اطمأنوا اليه. و كانت بينه و بين البربر مواطأة.

و ذلك أنه استدعاهم قبل ذلك و خمر العذر و المكر. فبيناهم ليلة كذلك إذا هم بأصوات الكوسات و البوقات، و بعساكر البربر قد هجمت عليهم بغتة فقبضوا على كيكاوس، و من أصحابه الى تلك هاماوران فى قلة قلعة حصينة تسامى الهواء،: و تصافح السماء. فنفذ كيكاوس و أصحابه الى تلك القلعة و سجنهم بها، و وكل بهم مائة ألف من أعيان الشجعان و أسود الفرسان. و أمر فنهبت خيم كيكاوس و أخذ جميع ما فيها من الأموال و الذخائر، و فرّق على عسكره.

ثم نفذ عمارية مجللة مع فوجين من المخدّرات و ذوات الخدر ليحملن سوذابه و يردُدْنها الى مستقرّها من بيته.

فلما قدمن عليها و رأتهن لطمت و مزقت ما عليها من الثياب الخسروانية، و جعلت تبكى و تقول: هلا أخذوه وقت الحرب إذ هو يمزّق قلوبهم بالطن و الضرب! و لست أريد فراقه و إن كان تراب اللحد مسكنه و قراره. فأنهوا مقالتها الى أبيها. فتقدّم بإنفاذها الى القلعة و إيداعها مع زوجها فى بيت واحد.

قال: فاستفاضت الأخبار بغدر ملك هاماوران، و قبضه على كيكاوس، و خلو تخت السلطنة عن سلطان.

إغارة أفراسياب على بلاد إيران

[عدل]

و انتهى الخبر بذلك الى أفراسياب فتوجه فى عسكر عظيم الى إيران، و استولى عليها، و تفرّق الايرانيون، و تبدّد شملهم. ثم إن الفتنة ثارت بين أفراسياب و العرب فقاتلهم ثلاثة أشهر حتى طارت رءوس كثيرة بسبب التاج و التخت. ثم كانت الغلبة لأفراسياب فتمكن من بلاد إيران و انتجأ أكثر الايرانيين الى زابلستان، و استغاثوا بصاحبها رستم بن دستان، و قالوا: إنك ملاذنا فى كل مكروه، و ملجؤنا عند كل محذور. و إنا و إن فقدنا كيكاوس فانا نتلهف على خراب تلك البلاد و مصيرها مطمع النمور و الآساد. و قد كانت مستقرّ الملوك و السلاطين فصارت منقلب الذئاب و الثعابين.

فبكى رستم عند ذلك و أذرى دموعه، و قال: إنى مع عسكرى على عزيمة الانتقام للملك كيكاوس، و قد تأهبنا لذلك. فاذا فرغت من أمر كيكاوس تشمرت لاستخلاص ممالك إيران من مخالب الترك، و نفيتهم عنها و استرجعتها منهم.


ذكر ما جرى بين رستم و ملك هاماوران

[عدل]

رسالة رستم إلى ملك هاماوران

[عدل]

قال: و لما أتى الخبر رستم بن دستان بما جرى على كيكاوس أرسل اليه رسولا، و رسولا آخر الى ملك هاماوران، و كتب اليه كتابا مشحونا بالإنذار و الوعيد، و يقول فيه: إنك خرجت كمينا على ملك إيران، و جعلت مصاهرته طريقا الى نقض ما كان بينك و بينه من المواثيق و الأيمان. و الآن إن أطلقته فقد خلصت من ناب الثعبان. و إن أصررت على اعتقاله فاستعدّ للقتال.

فلما أتاه الرسول و قرأ الكتاب. و وقف على الرسالة كان جوابه أن قال: و لعل كيكاوس لا يعُدّ بعد هذا خطاه على الأرض. و أما أنا فمقبل عليك فى عساكرى للقاء و القتال، و لست أنسج معك إلا على هذا المنوال.

فعاد الرسول الى رستم بمقالة ملك هاماوران فاستعد، و حاد عن طريق البر لبعده و سار بالعساكر الى البحر فقطع البحر بالسفن و الزواريق فى جنوده و عساكره الى حدود هاماوران فخرجوا و بسطوا أيديهم فى القتل و النهب، و لم يسلكوا معهم سوى سبل الحرب. فوقع الاضطراب و الهيج فى تلك البلاد، و أسرع القتل فى أهل ذلك السواد. فاضطرّ ملك هاماوران الى اللقاء و لم يبق له زمان تلبث و تمكث. فخرج فى عساكره فاستحال عليه النهار ليلا مظلما، و رأى من كل جانب جيشا عرمرما.

فرفع عند ذلك رستم جرزه، و ثوّر رخشه، و باشر الحرب بنفسه. فلما رأوا قوّة أعضاده و شدّة جلاده و طراده طارت من الوجل قلوبهم، و تفرّقت جموعهم. فانهزم الملك و دخل هاماوران، و قعد مع صاحب رأيه يستشيره. ثم نفذ رسولا الى صاحب مصر، و رسولا آخر الى صاحب البربر.

و كتب الى كل واحد منهما كتابا يتضرع فيه اليه و يقول: إن بلادنا من بلادكم قريبة، و نحن مشتركون فى الخير و الشر، و متقاسمون للفرح و الترح. فإن أنت عاونتمونى على رستم و عاضدتمونى لم يكن علينا منه بأس.

و إن أعرضتم عن ذلك فإنه سوف يتخطانا اليكم، و تطول يده عليكم. فلما أتاهما الكتاب و علما بمجئ رستم فى عساكره الى تلك البلاد انزعجا و أقبلا فى جنودهما و عساكر هما الى ملك هاماوران.

فاجتمعوا و برز و اللقاء فى جمع مطبق للفضاء. فأرسل عند ذلك رستم الى كيكاوس يقول له فى السر: قد اجتمع ثلاثة ملوك فى عساكر ثلاثة أقاليم. و إنى إن لقيتهم لم أدع منهم إلا قليلا.

لكنى أخاف أن يلحقك فى ذلك شر. و اذا مسّك محذور فما أصنع بممالك البربر؟ فأجابه كيكاوس و قال: و لا تفكر فى ذلك و لا تهتم به، و استعد لحربهم، و لا تدع منهم على وجه الأرض أحدا.


محاربة رستم ثلاثة ملوك و تخليص كيكاوس من الأسر

[عدل]

فعبى رستم من الغد عساكره. و تزاحف الجمعان فحث رستم أصحابه على القتال، و قال: لو كانوا فى ألف و نحن فى مائة لم يكن علينا بأس. فإن الكثرة لا تغنى فى الحرب شيئا. و قامت الحرب على ساق حتى سالت الأودية بالدماء و تدحرجت الرءوس كالأكر فى الصحراء. فحرّك رستم رخشه، و عاف قتل رعاع العسكر، و صمد لأحد الملوك الثلاثة فرمى بالوهق فى حلقه، و اختطفه عن سرجه، و رماه الى الأرض.

فبادر اليه بهرام و ربط يديه. و استؤسر معه ستون أميرا. و قبض أيضا على ملك البربر و على أربعين من قوّاده . فطلب حينئذ ملك هاماوران الأمان على أن يطلق كيكاوس و سائر من معه من الأكابر و الملوك. و استقرّ الأمر بينهم على ذلك و تراضوا به.