تذكرة الحفاظ/الطبقة السابعة عشرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تذكرة الحفاظ
الطبقة السادسة عشرة
الذهبي


الطبقة السابعة عشرة

وعدتهم أربع وعشرون نفسًا:

1097- 117/17

ابن بشكوال

الحافظ الإمام المتقن، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشْكُوال بن يوسف بن داحة الأنصاري الأندلسي محدث الأندلس ومؤرخها.

ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وسمع أباه وأبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب فأكثر، وأبا بحر بن العاص وأبا الوليد بن رشد الفقيه وأبا الوليد بن طريف وأبا القاسم بن بقي وشريح بن محمد والقاضي أبا بكر بن العربي وطبقتهم، وأجاز له أبو علي بن سكرة الصدفي وأبو القاسم بن منظور، ومن بغداد هبة الله بن أحمد الشبلي وآخرون، وصنف معجمًا لنفسه. قال أبو عبد الله الأبار: كان متسع الرواية شديد العناية بها عارفًا بوجوهها حجة مقدمًا على أهل وقته حافظًا حافلًا أخباريًّا تاريخيًّا ذاكرًا لأخبار الأندلس، سمع العالي والنازل وأسند عن شيوخه أزيد من أربعمائة كتاب بين صغير وكبير، ورحل إليه الناس وأخذوا عنه وحدثنا جماعة عنه ووصفوه بصلاح الدخلة وسلامة الباطن وصحة التواضع وصدق الصبر للطلبة وطول احتمال، ألف خمسين تأليفًا في أنواع العلم، وولي بإشبيلية قضاء بعض جهاتها نيابة لابن العربي وعقد الشروط ثم اقتصر على إسماع العلم وعلى هذه الصناعة وهي كانت بضاعته؛ والرواة عنه لا يحصون، منهم الحافظ أبو بكر بن خير وأبو القاسم القنطري وأبو بكر بن سمحون وأبو الحسن بن الضحاك وكلهم مات قبله.

قلت: ومنهم أبو القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد وأحمد بن عبد المجيد المالقي وأحمد بن محمد بن الأصلع وأبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقي وأحمد بن عياش المرسي وأحمد بن أبي حجة القيسي وثابت بن محمد الكلاعي ومحمد بن إبراهيم بن صلتان ومحمد بن عبد الله بن الصفار وموسى بن عبد الرحمن الغرناطي وأبو الخطاب بن دحية وأخوه أبو عمرو؛ وممن روى عنه بالإجازة أبو الفضل الهمذاني وأبو القاسم سبط السلفي.

ذكر تصانيفه

"صلة تاريخ ابن الفرضي" في مجلدين، "غوامض الأسماء المبهمة" عشرة أجزاء، كتاب "معرفة العلماء الأفاضل" في مجلدين، "طرق حديث المغفر" ثلاثة أجزاء، كتاب "الحكايات المستغربة" مجلد، كتاب "القربة إلى الله بالصلاة على نبيه، ﷺ "، "ذكر من روى الموطأ عن مالك" في جزأين، "أخبار الأعمش" في ثلاثة أجزاء، "ترجمة النسائي" جزء، "أخبار المحاسبي" جزء، "أخبار إسماعيل القاضي" جزء، "أخبار ابن وهب" جزء، "أخبار أبي المطرف القنازعي" جزء، "قضاة قرطبة" ثلاثة أجزاء، "المسلسلات" جزء، "حديث من كذب عليّ بطرقه"، "أخبار ابن المبارك" جزءان، "أخبار ابن عيينة" جزء ضخم، وغير ذلك.

وقد استوعب ترجمته ابن الزبير ومنها: كان رحمه الله تعالى يؤثر الخمول والقنوع بالدون من العيش ولم يتدنس بخطة تحطّ من قدره حتى لم يجد أحد إلى كلام فيه من سبيل، إلى أن قال: وآخر من روى عنه بسماع شيخنا أبو الحسين بن السراج، وبإجازة مجردة أبو القاسم أحمد بن محمد البلوي. توفي في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة عن أربع وثمانين سنة ودفن بمقبرة الإمام يحيى بن يحيى الليثي.

وفيها: توفي زاهد العراق الشيخ أحمد بن علي بن الرفاعي بالبطائح عن تسع وسبعين سنة، والشيخ أبو طالب الخضر بن هبة الله بن أحمد بن طاوس بدمشق، ومسند الوقت خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي في شهر رمضان عن اثنتين وتسعين عامًا، وعالم دمشق قطب الدين مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الشافعي.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عطاء الله بن المظفر الإسكندراني بها أنا عبد الرحمن بن مكي سنة ست وأربعين وستمائة عن خلف بن عبد الملك الحافظ أنا أبو بكر المعافري أنا أحمد بن علي الحلواني أنا طاهر بن عبد الله القاضي ثنا أبو أحمد الغطريفي ثنا أبو خليفة ثنا عبد الرحمن بن سلام ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق الهمداني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ: "أكثروا الصلاة عليّ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشرًا". [1]

أخبرنا إسحاق ابن الوزير أنا الحافظ عبد العظيم أنا محمد بن الحسن بن أبي علي المالقي أنا خلف بن عبد الملك قال: قرأت على عبد الرحمن بن محمد بن عتاب أنا حاتم بن محمد التميمي أنا أحمد بن إبراهيم بن فراس أنا إبراهيم بن رحمون السنجاري أنا محمد بن مسلمة أنا موسى الطويل ثنا مولاي أنس قال: قال رسول الله، ﷺ: "طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني ومن رأى من رأى من رآني". [2]

1098- 2/17

ابن الجوزي

الإمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي الواعظ المفسر صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم.

وعرف جدهم بالجوزي بجوزة كانت في داره بواسط لم يكن بواسط جوزة سواها. ولد تقريبًا سنة عشر وخمسمائة أو قبلها، وأول سماعه في سنة ست عشرة.

سمع أبا القاسم بن الحصين وعلي بن عبد الواحد الدينوري وأبا عبد الله الحسين بن محمد البارع وأبا السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن والفقيه أبا الحسن بن الزاغوني وهبة الله بن الطبر وأبا غالب بن البناء وأبا بكر محمد بن الحسين المزرفي وأبا غالب محمد الحسن الماوردي وخطيب أصبهان أبا القاسم عبد الله بن محمد وابن السمرقندي وأبا الوقت السجزي وابن ناصر وعدة، جملتهم سبع وثمانون نفسًا، وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة ووعظ في حدود سنة عشرين وخمسمائة وإلى أن مات. حدث عنه ابنه الصاحب محيي الدين وسبطه الواعظ شمس الدين يوسف بن فرغلي والحافظ عبد الغني وابن الدبيثي وابن النجار وابن خليل والتقي اليلداني وابن عبد الدائم والنجيب عبد اللطيف وخلق سواهم، وبالإجازة الشيخ شمس الدين بن أبي عمرو الفخر علي وأحمد بن سلامة الحداد والقطب أحمد بن عبد السلام العصروني والخضر بن حمويه الجويني ولي من خمستهم إجازة وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي.

ومن تصانيفه

كتاب "المغني" في علوم القرآن كبير جدًّا، وكتاب "زاد المسير" أربع مجلدات، و"تذكرة الأريب" في اللغة، و"الوجوه والنظائر" مجلد، و"فنون الأفنان" مجلد، "جامع المسانيد" سبع مجلدات، "الحدائق" مجلدان، "نقي النقل" مجلد كبير، "عيون الحكايات" مجلدان، "التحقيق في مسائل الخلاف" مجلدان، "مشكل الصحاح" أربع مجلدات، "الموضوعات" مجلدان، "الواهيات" ثلاث مجلدات، "الضعفاء" مجلد، "تلقيح فهوم أهل الأثر" مجلد، "المنتظم في التاريخ" عشر مجلدات كبار، "المذهب في المذهب" مجلد، "الانتصار في مسائل الخلاف" مجلدان، "الدلائل في مشهور المسائل" مجلدان، "المواقيت في الخطب الوعظية" مجلد، "نسيم السحر" مجلد، "المنتخب" مجلد، "المدهش في المحاضرة" مجلد، "صفوة الصفوة" أربع مجلدات، "أخبار الأخيار" مجلد، "أخبار النساء" مجلد، "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن" مجلد، "المقعد المقيم" مجلد، "ذم الهوى" مجلد، "تلبيس إبليس" مجلد، "صيد الخاطر" ثلاث مجلدات، "الأذكياء" مجلد، "المغفلين" مجلد، "منافع الطب" مجلد، "صبا نجد" مجلد، "المزعج" مجلد، "المطرب" مجلد، "الملهب" مجلد، "منتهى المشتهى" مجلد، "فنون الألباب" مجلد، "الظرفاء" مجلد، "سلوة الأحزان" مجلد، "منهاج القاصدين" مجلدان، "الوفا بفضائل المصطفى" مجلدان، "مناقب الصديق" مجلد، "مناقب عمر" مجلد، "مناقب علي" مجلد، "مناقب عمر بن عبد العزيز" مجلد، "مناقب سعيد بن المسيب" مجلد، "مناقب الحسن" جزءان، "مناقب الثوري" مجلد، "مناقب أحمد" مجلد، "مناقب الشافعي" مجلد، "مناقب جماعة" في أجزاء، "موافق المرافق" مجلد، وأشياء كثيرة يطول شرحها كاختصاره فنون ابن عقيل في بضعة عشر مجلدًا وما علمت أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل، مات أبوه وله ثلاث سنين فربته عمته، وأقاربه تجار في النحاس وربما كتب اسمه في السماع عبد الرحمن بن علي الصفار لذلك.

ولما ترعرع حملته عمته إلى الحافظ ابن ناصر فاعتنى به وأسمعه الكثير، حصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط وحضر مجالسه ملوك ووزراء بل وخلفاء من وراء الستر، ويقال: في بعض المجالس حضره مائة ألف فيما قيل، والظاهر أنه كان يحضره نحو العشرة الآلاف مع أنه قد قال غير مرة: إن مجلسه حزر بمائة ألف، فلا ريب إن كان هذا قد وقع فإن أكثرهم لا يسمعون مقالته.

قال سبطه: سمعت جدي يقول على المنبر: كتبت بإصبعي ألفي مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفًا. قال: وكان يختم في كل أسبوع ختمة ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس. ثم سرد سبطه مصنفاته فذكر منها "درة الإكليل" في التاريخ أربع مجلدات و"فضائل العرب" مجلد "شذور العقود" مجلد "الأمثال" مجلد "المنفعة في المذاهب الأربعة" مجلدان "المختار من الأشعار" عشر مجلدات "التبصرة" في الوعظ ثلاثة مجلدات "رءوس القوارير" مجلدان، إلى أن قال: ومجموع تصانيفه مائتان ونيف وخمسون كتابًا.

ومن بدائع كلامه

عقارب المنايا تلسع، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس. وقال لوليّ أمر: اذكر عند القدرة عدل الله فيك وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك. وقال لصاحب له: أنت في أوسع العذر من التأخير عني لثقتي بك وفي أضيقه من شوقي إليك. وقال رجل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس قال: لأنك تريد الفرجة وإنما ينبغي الليلة ألا تنام. وقام إليه رجل فقال: يا سيدي تريد كلمة ننقلها عنك، أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: اقعد فقعد، ثم قام فأعاد مسألته فأقعده، ثم قام فقال: اقعد فأنت أفضل من كل رجل. وسأله آخر هذه المسألة وكان للشيعة ظهور فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، فألقى هذا القول في أودية الاحتمال ورضي الفريقان بجوابه. وسأله آخر: أيما أفضل أُسبح أم أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور. وذكر في حديث: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين"؛ فقال: إنما طالت أعمار الأوائل لطول البادية، فلما شارف الركب بلدًا لإقامة قيل: حثوا المطيّ.

ومن كلامه: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه. وقال في وعظه: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك، أقول قول الناصح: اتق الله، خير من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم. وقال: يفتخر فرعون بملك مصر بنهر ما أجراه، ما أجراه. وإليه المنتهى في النثر والنظم الوعظي.

وقد سقت كراسًا من أخباره في تاريخ الإسلام وقد نالته محنة في أواخر عمره؛ وشوا إلى الخليفة عنه بأمر اختلف في حقيقته فجاءه من شتمه وأهانه وختم على داره وشتت عياله ثم أخذ في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت وبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين وما دخل فيها حمامًا.

قام عليه الركن عبد السلام بن عبد الوهاب الجيلي تجاه الوزير ابن القصاب وكان الركن سيئ النحلة أحرقت كتبه بإشارة ابن الجوزي وأعطي مدرسة الجيلي فعمل الركن عليه وقال لابن القصاب الشيعي: أين أنت من ابن الجوزي فإنه ناصبي ومن أولاد أبي بكر؛ فمكن الركن من الشيخ فجاء وسبه وأنزل معه في سفينة لا غير وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل وعلى رأسه تجفيفة وكان ناظر واسط شيعيًّا فقال له الركن: مكني من عدوي هذا لأرميه في مطمورة فزجره وقال: يا زنديق أفعل هذا بمجرد قولك؟ هات خط الخليفة والله لو كان على مذهبي لبذلت نفسي في خدمته فرد الركن إلى بغداد ثم كان السبب في خلاص الشيخ أن ابنه يوسف نشأ واشتغل وعمل وتوصل فشفعت أم الخليفة في الشيخ فأطلق.

وقد قرأ بواسط وهو ابن ثمانين سنة بالعشر على ابن الباقلاني وتلا معه ولده يوسف، نقل ذلك ابن نقطة عن القاضي محمد بن أحمد بن الحسن.

قال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصورة حلو الشمائل رخيم النغمة موزون الحركات والنغمات لذيذ المفاكهة يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون لا يضيع من زمانه شيئًا يكتب في اليوم أربعة كراريس، وله في كل علم مشاركة، ولكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية.

وله في الطب "كتاب اللقط" مجلدان وكان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة وذهنه حدة، جل غذائه الفراريج والمزاوير ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس الأبيض الناعم الطيب وله ذهن وقاد وجواب حاضر ومجون ومداعبات حلوة ولا ينفك من جارية حسناء. قرأت بخط الموقاني أن ابن الجوزي شرب البلاذر فسقطت لحيته فكانت قصيرة جدا وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات.

وكان كثير الغلط فيما يصنفه فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره. قلت: نعم، له وهم كثير في تواليفه يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر ومن أن جُل علمه من كتب صحف ما مارس فيها أرباب العلم كما ينبغي.

وكانت جنازته مشهودة شيّعه الخلائق يوم الجمعة ثالث عشر شهر رمضان إلى مقبرة باب حرب سنة سبع وتسعين وخمسمائة وقد قارب التسعين.

وفيها مات مسند أصبهان القاضي المعمر أبو المكارم أحمد بن عيسى محمد بن محمد بن اللبان الأصبهاني وقد نيف على التسعين، ومفيد بغداد المحدث المكثر أبو القاسم تميم بن أحمد بن أحمد بن كرم البندنيجي ثم الأزجي عن اثنتين وخمسين سنة سمع من أبي الوقت، والمسند أبو محمد عبد الله بن المبارك بن هبة الله بن الطويل الدارقزّي، والمسند عبد الرحمن بن أبي الكرم محمد بن ملاح الشط عن بضع وتسعين سنة، والمسند الواعظ عمر بن علي بن عمر أبو علي الحربي عن أربع وثمانين سنة، والمسند الكبير أبو عبد الله محمد بن أبي زيد بن حمد الكراني الأصبهاني الخباز وله مائة سنة كاملة، والعلامة الوزير البليغ عماد الدين محمد بن محمد بن حامد الكاتب بدمشق عن ثمان وسبعين سنة، وشيخ القراء أبو عبد الله محمد بن محمد بن هارون الحلبي ويعرف بابن الكمال عن بضع وثمانين سنة، ومقرئ العراق أبو شجاع محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي بن المقرون، وقد نيف على الثمانين.

أنبأني جماعة عن أبي الفرج الحافظ وأنا أبو بكر بن عباس أنا يوسف الواعظ أنا جدي لأمي أبو الفرج أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله الأصبهاني سنة عشرين وخمسمائة أنا عبد الرزاق بن شمة أنا أبو بكر بن المقرئ أنا أبو يعلى وعبد الله بن محمد قالا: ثنا علي بن الجعد أنا شعبة وهشيم وحماد بن سلمة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". صحيح رواه مسلم وغيره.

1099- 3/17

السهيلي

الحافظ العلامة البارع أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ بن حسين بن سعدون، ويكنى أيضًا أبا الحسن.

ولد الخطيب أبي محمد ابن الإمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة، مولده سنة بضع وخمسمائة.

أخذ القراءات عن أبي داود الصغير سليمان بن يحيى وأخذ بعضها عن أبي منصور بن الخير، وسمع من أبي عبد الله بن معمر والقاضي أبي بكر بن العربي وشريح بن محمد وأبي عبد الله بن مكي وأبي عبد الله بن نجاح الذهبي وطائفة، وأجاز له أبو عبد الله ابن أخت غانم وناظر في كتاب سيبويه على أبي الحسين بن الطراوة وسمع منه كثيرًا من كتب الأدب، عُمِي وهو ابن سبع عشرة سنة حمل الناس عنه، وصنف كتاب "الروض الأنف" كالشرح للسيرة النبوية فأجاد وأفاد وذكر أنه استخرجه من مائة وعشرين مصنفًا، وله كتاب "الإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام"، وله "كتاب الفرائض" وغير ذلك وكان إمامًا في لسان العرب يتوقد ذكاء وقد استدعي من مالقة إلى مراكش ليأخذوا عنه، سمع منه أبو الخطاب بن دحية وجماعة، قال ابن دحية: كان يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نما خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه وأقبل عليه وأقام بها نحوًا من ثلاثة أعوام.

وأما سهيل المنسوب إليها فقرية قريبة من بلد مالقة سميت بالكوكب سهيل؛ لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطل على هذه القرية يرتفع نحو درجتين ويغيب، وبلغنا أن السهيلي ولي قضاء الجماعة فحمدت سيرته. كذا وجدت على ظهر كتاب فرائضه وأنه ولد بإشبيلية سنة ثمان وخمسمائة. توفي بمراكش في الخامس والعشرين من شهر شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

قال أبو جعفر بن الزبير: كان السهيلي واسع المعرفة غزير العلم نحويا متقدما لغويا عالما بالتفسير وصناعة الحديث عارفا بالرجال والأنساب عارفا بعلم الكلام وأصول الفقه حافظا للتاريخ القديم والحديث ذكيا نبيها صاحب اختراعات واستنباطات مستغربة.

روى عنه أبو الحجاج ابن الشيخ والحافظ أبو محمد القرطبي وابنا حوط الله وأبو محمد بن غلبون وأبو عمرو بن عيشون وأبو الحسين بن السراج وأبو محمد بن عطية وأبو الحسن الشاري وأبو الخطاب بن خليل، وهو آخر من حدث عنه وله شعر كثير.

أخبرنا محمد بن جابر أنا يحيى بن إبراهيم المعافري بقراءتي أنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن السراج أنا الحافظ أبو القاسم السهيلي أنا الحافظ أبو بكر بن العربي ثنا سعيد بن عبد الله بن أبي الرجاء عن أبي نعيم الحافظ أنا أحمد بن يوسف العطار ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا الحسن بن موسى عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد حدثني أبي أن رسول الله ﷺ أول ما أوحي إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه. وبه قال السهيلي وحدثنا به أبو بكر محمد بن طاهر عن أبي علي الغساني عن أبي عمر النمري عن أحمد بن قاسم عن قاسم بن أصبغ عن الحارث بن أبي أسامة.

1100- 4/17

عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن سعيد

الحافظ العلامة الحجة أبو محمد الأزدي الإشبيلي، ويعرف أيضًا بابن الخراط.

روى عن شريح بن محمد وأبي الحكم بن برجان وعمر بن أيوب وأبي بكر بن مدير وأبي الحسن طارق بن يعيش وطاهر بن عطية وجماعة، كتب إليه بالإجازة الحافظ أبو بكر ابن عساكر وجماعة سكن بجاية وقت الفتنة التي زالت منها الدولة اللمتونية فنشر بها علمه، وصنف التصانيف واشتهر اسمه وبعُد صيته ولي خطابة بجاية.

ذكره الحافظ أبو عبد الله الأبار فقال: كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا مشاركًا في الأدب وقول الشعر، صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى، سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن مروان الشهير بلبلة فحظي عبد الحق دونه، وله في الجمع بين الصحيحين مصنف، وله مصنف كبير جمع فيه بين الكتب الستة، وله كتاب "المعتل من الحديث" وكتاب في الرقائق، ومصنفات أخرى، إلى أن قال: وله في اللغة كتاب حافل ضاهى به "كتاب الغريبين" للهروي حدثنا عنه جماعة من شيوخنا، ولد سنة عشر وخمسمائة. وقال ابن الزبير: سنة أربع عشرة وخمسمائة وتوفي ببجاية بعد محنة نالته من قِبَل الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. قلت: وممن روى عنه خطيب القدس أبو الحسن علي بن محمد المعافري وأبو الحجاج ابن الشيخ وأبو عبد الله بن يقيمش وآخرون.

أخبرنا محمد بن عبد الكريم المقرئ أنا علي بن محمد شيخنا في سنة خمس وثلاثين وستمائة أنا مجد الدين محمد بن أحمد بن غالب الأزدي سنة ست وثمانين وخمسمائة أنا أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد أنا أبو علي الصدفي أنا عبد الله بن طاهر التميمي أنا أبو بكر محمد بن عبد الله النيسابوري المقرئ وغيره قالوا: أنا علي بن أحمد الخزاعي أنا الهيثم بن كليب ببخارى ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود ثنا شعبة عن قتادة، سمعت عبد الله بن أبي عتبة يحدث عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه.

قال أبو العباس بن فرتون: ثنا أبو العباس العزفي بسبتة قال: أنبأنا عبد الحق ثنا عبد العزيز بن خلف بن مدير ثنا أبو العباس بن دلهاث العذري ثنا محمد بن نوح بمكة أنا أبو القاسم الطبراني، فذكره حديثًا ومن شعره:

إن في الموت والمعاد لشغلًا وادكارًا لذي النهى وبلاغا

فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا

وله:

واهًا لدنيا ولمغرورها كم شابت الصفو بتكديرها

أي امرئ أمن في سربه ولم ينله سوء مقدورها

وكان في عافية جسمه من مس بلواها وتغييرها

وعنده بلغة يوم فقد حيزت إليه بحذافيرها

وقد سمع عبد الحق من أبي القاسم بن عطية صحيح مسلم، قال: أنا محمد بن بشر أنا أبو علي الصدفي أنا ابن دلهاث العذري عن الرازي، فالصدفي والمؤيد الطوسي سواء، فنحن في إسناد الصحيح أعلى من الحافظ عبد الحق بدرجة؛ وقد كتب إليّ بالأحكام الصغرى له من تونس أبو محمد بن هارون الطائي قال: أنا بها أبو الحسن بن أبي نصر بسماعه من المصنف. قال ابن الزبير: كان يزاحم فحول الشعراء ولم يطلق عنانه في نطقه.

1101- 5/17

ابن حبيش

القاضي الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن يوسف الأنصاري الأندلسي المربي نزيل مرسية وحُبَيْش هو خاله نسب إليه.

ولد بالمريّة سنة أربع وخمسمائة، وقرأ بالروايات على أحمد بن عبد الرحمن القصبي وأبي القاسم بن أبي رجاء البلوي والأصبغ بن أليسع، وتفقه بأبي القاسم بن وردان وأبي الحسن بن نافع، وسمع منهما ومن أبي عبد الله بن وضاح وعبد الحق بن غالب وعلي بن إبراهيم الأنصاري وأبي الحسن بن موهب، وارتحل إلى قرطبة فلحق بها يونس بن مغيث فسمع منه ومن جعفر بن محمد بن مكي وقاضي الجماعة محمد بن أصبغ والقاضي أبي بكر بن العربي، وأخذ الأدب عن محمد بن أبي زيد النحوي فبرع في النحو، ولما تغلبت الروم على المريّة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة خرج إلى مرسية ثم سكن جزيرة شقر وولي القضاء والخطابة بها ثنتي عشرة سنة ثم نقل إلى خطابة مرسية وولي القضاء بها عام خمسة وسبعين وخمسمائة فحمدت أحكامه مع ضيق في خلقه، وكان من أعلام الحديث بالأندلس بارعًا في معرفة غريبه، ولم يكن أحد يجاريه في معرفة الرجال قال الأبار: سمعت أبا سليمان بن حوط الله يقول: سمعت أبا القاسم بن حبيش يقول: إنه مر عليه وقت يذكر فيه تاريخ أحمد بن أبي خيثمة أو أكثره، ولهُ خطب حسان. وقال ابن الزبير: هو أعلم أهل طبقته بصناعة الحديث وأبرعهم في ذلك مع مشاركته في علوم، وكان من العلماء العاملين أمعن الناس في الأخذ عنه.

قال أبو عبد الله بن عباد: كان عالمًا بالقراءات إمامًا في علم الحديث عارفًا بعلله واقفًا على رجاله لم يكن بالأندلس من يجاريه فيه، أقرّ له بذلك أهل عصره، مع تقدمه في اللغة والأدب واستقلاله بغير ذلك من جميع الفنون، قال: وكان له حظ من البلاغة والبيان صارمًا في أحكامه جزلا في أموره، تصدر للإقراء والتسميع والعربية، وكانت الرحلة إليه في زمانه، وطال عمره، وله "كتاب المغازي" في عدة مجلدات حمله عنه الناس.

قال الأبار: مات بمرسية في رابع عشر صفر سنة أربع وثمانين وخمسمائة عن ثمانين سنة، وكاد يهلك أناس من الزحمة على نعشه. قلت: حمل عنه خلق كثير منهم أحمد بن محمد الطرسوسي وأبو سليمان بن حوط الله ومحمد بن وهب الفهري ومحمد بن الحسن اللخمي الداني ومحمد بن إبراهيم بن صلتان ومحمد بن أحمد بن حيون المرسي ومحمد بن محمد بن أبي السداد ونذير بن وهب وعبد الله بن الحسن المالَقي بن القُرطبي وعمر بن دحية وأخوه وعلي بن يوسف بن الشريك وعلي بن أبي العافية القسطلي؛ وروى عنه بالإجازة الأستاذ أبو علي الشلوبين.

ومات معه في العام الأمير الكبير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الشيرازي حامل لواء الأبطال وشاعر الشام عن سبع وتسعين سنة، والمحدث المفيد أبو محمد عبد الله بن علي بن سويدة التكريتي وقد شاخ، والمعمر أبو القبائل عشير بن علي بن أحمد الجبلي ثم المصري عن مائة سنة وسنتين، وشيخ الحنفية ببخارى عماد الدين أبو جعفر عمر بن أبي بكر بن محمد الأنصاري الزَّرَنجري ولد العلامة شمس الأئمة وله سبعون عامًا، والإمام المحدث الجوال تاج الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي الخراساني الصوفي بدمشق عن اثنين وستين عامًا، وشاعر العراق أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن التعاويذي، والمسند أبو عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحَرّاني التاجر، والمسند العالم أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي الأصبهاني، رحمة الله عليهم.

أخبرنا ابن جابر أنا قاضي الجماعة أحمد بن محمد بن حسن الخزرجي حدثني أبو الربيع الكُلاعي الحافظ ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيش أنا يونس بن مغيث ومحمد بن الأصبغ القاضي قالا: قرأنا على محمد بن الفرج الفقيه "ح" وكتب إلينا عاليًا أبو محمد هارون بن يونس أنا أحمد بن يزيد أنا محمد بن عبد الحق ثنا محمد بن الفرج أنا يونس بن عبد الله عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن أبي مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت".

1102- 6/17

ابن الفخار

الحافظ الإمام الأوحد أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خلف الأندلسي المالقي.

ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، سمع أبا بكر بن العربي ولازمه واختص به وأبا جعفر البطروجي وأبا عبد الله بن الأحمر وشريح بن محمد وأبا مرود بن مسرّة ومحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي وطبقتهم، قال الأبار: كان صدرًا في الحفاظ مقدمًا معروفًا يسرد المتون والأسانيد مع معرفة بالرجال وحفظ للغريب، سمع منه جُلة وحدث عنه أئمة، سمعت أبا سليمان بن حوط الله يقول عن ابن الفخار: إنه حفظ في شبيبته سنن أبي داود فأما في مدة لقائي إياه فكان يذكر صحيح مسلم، وكان موصوفًا بالورع والفضل مسلمًا له في جلالة القدر ومتانة العدالة، استدعي إلى حضرة السلطان بمراكش ليسمع عليه بها فتوفي هناك في شعبان سنة تسعين وخمسمائة.

قلت: وفيها توفي الإمام أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني ثم القزويني الواعظ ببغداد عن ثمان وسبعين سنة، والمحدث الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأنصاري البَلنسي الزاهد صاحب السلفي كتب شيئًا كثيرًا، وأبو المظفر عبد الخالق بن فيروز الهمذاني الجوهري الواعظ، والمحدث المفيد أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن الحبقبق القرشي الزبيري الدمشقي الشروطي والد كريمة، وشيخ القراء الإمام أبو محمد القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي بمصر عن اثنتين وخمسين سنة، والفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الأصبهاني المعروف بالمصلح من أصحاب الحداد، رحمة الله عليهم أجمعين.

هؤلاء المغاربة لا يكاد يقع لنا حديثهم إلا بنزول ثم هم نازلون في الإسناد فيبقى نزول على نزول، وبالله الاستعانة.

1103- 7/17

الشيرازي

الإمام الحافظ الرحال أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن إبراهيم الصوفي مفيد بغداد وشيخ الصوفية بالرباط الأرجواني وصاحب الأربعين البلدية.

ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة ببغداد، وأسمعه أبوه من إسماعيل بن السمرقندي ويحيى بن الطراح وأبي الحسن بن عبد السلام والحافظ أبي سعد بن البغدادي وطلب بنفسه فسمع من الكروجي وابن ناصر وطبقتهما، وبالكوفة من أبي الحسن بن غبرة، وبكرمان من أبي الوقت عبد الأول، وبالبصرة من عبد الله بن عمر بن سليخ، وبواسط من القاضي أحمد بن بختيار المندّائي، وبهراة من عبد الجليل بن أبي سعيد، وبنيسابور من أبي بكر محمد بن علي الطوسي، وببلخ من أبي شجاع البسطامي، وبأصبهان من المعمر إسماعيل بن علي الحمامي، وبهمذان من نصر بن المظفر البرمكي، وبدمشق من أبي المكارم بن هلال. أجاد تصنيف الأربعين وأبان عن حفظ، وله رحلة واسعة وكان صدوقًا موثقًا؛ كتب عنه أبو المواهب الحافظ ووثقه ابن الدبيثي؛ وكان ظريفًا حلو المحاضرة توصل إلى الدولة وذهب رسولا عن الخليفة إلى الأطراف وارتفعت رتبته وكثر ماله، روى شيئًا يسيرًا تقع لنا روايته بالإجازة. توفي في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة كهلا في مبدأ سن الشيخوخة.

وفيها توفي مسند أصبهان أبو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن ينال الترك شيخ الصوفية عن نيف وتسعين سنة، تفرد بالرواية عن أبي مطيع الصحاف، ومحدث دمشق أبو الحسين أحمد بن حمزة بن أبي الحسن علي الموازيني السلمي الدمشقي عن ثمانين سنة، والفقيه أبو الفضل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحضرمي الإسكندراني أخو القاضي محمد، وشيخ الإسلام قاضي القضاة شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التميمي الموصلي الشافعي بدمشق. كتب إلينا محمد بن محمد بن مناقب أن محمد بن أبي جعفر أخبرهم قراءة عليه عن يوسف بن أحمد الحافظ أنا عبد الله بن عمر بن سليخ بمربد البصرة عند قبر الزبير رضي الله عنه ثنا جعفر بن محمد القرشي لفظًا أنا أبو عمر الهاشمي ثنا علي بن إسحاق ثنا علي بن حرب ثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ}، قال النبي، ﷺ: "أعوذ بوجهك" {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: "أعوذ بوجهك" {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: "هذا أهون أو أيسر". هذا حديث صحيح هو عندي أعلى من هذا في الثقفيات وغيرها، أخرجه البخاري عن علي بن عبد الله عن ابن عيينة.

أنبأنا أبو اليمن ابن عساكر أنا محمد بن أبي جعفر أنا يوسف بن أحمد بمكة أنا إسماعيل بن أحمد الأشعثي وعلي بن هبة الله قالا: أنا أحمد بن محمد البزاز ثنا عبيد الله بن حبابة ثنا أبو القاسم البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ عاد رجلا قد صار مثل الفرخ فقال له: "هل دعوت بشيء؟" قال: نعم، قلت: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا؛ فقال رسول الله، ﷺ: "سبحان الله، هلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". رواه مسلم.

1104- 8/17

أبو المواهب

محدث دمشق ومفيدها الحافظ الإمام الحسن بن أبي الغنائم هبة الله بن محفوظ بن حسن بن محمد بن حسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى الربعي التغلبي البلدي الأصل، الدمشقي المعدل.

ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وكان اسمه نصر الله فغيره.

سمع جده أبا البركات ونصر الله بن محمد المصيصي وهو أعلى شيخ له وعبدان بن رزين وعلي بن حيدرة وأبا القاسم بن البن الأسدي ونصر بن أحمد السوسي وأبا يعلى حمزة بن الحبوبي وأبا يعلى حمزة بن كرّوس وأبا يعلى حمزة بن أسد التميمي وصحب الحافظ ابن عساكر وتخرّج به وأكثر عنه وعني بهذا الشأن وكتب العالي والنازل وجمع وصنف، وارتحل فسمع بحماة من ابن ظفر، وبحلب من أبي طالب بن العجمي، وبالموصل من الحسن بن علي الكعبي وسليمان بن محمد بن خميس، وببغداد هبة الله الدقاق وابن البطي، وبهمذان الحافظ أبا العلاء العطار، وبأصبهان محمد بن أحمد بن ماشاذة، وبتبريز محمد بن أسعد حفدة.

حدث عنه ولده أمين الدين سالم وآحاد الطلبة فقل ما روى لأنه لم يعمر، عمل معجمه في ستة عشر جزءًا، وصنف كتاب "فضائل الصحابة" و"فضائل بيت المقدس" و"عوالي ابن عيينة" و"رباعيات التابعين"، ولما وقع الحريق في الكلاسة احترقت له جملة كتب. وثقه أبو عبد الله الدبيثي وغيره، وكان حسن الطريقة لين الجانب سمحًا كريمًا نبيلًا مليح الخط عاش تسعًا وأربعين سنة، ارتحل ثاني مرة إلى بغداد بابنه سالم فأسمعه من ابن شاتيل وطبقته.

أنبئت عن أبي الغنائم سالم بن أبي المواهب أنا أبي أنا أبو طالب عبد الرحمن بن الحسن بحلب أنا علي بن أحمد العمري أنا طلحة بن علي ثنا أحمد بن سلمان ثنا أحمد بن ملاعب ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ثنا إبراهيم بن الزبرقان عن الشيباني عن المغيرة بن عبد الله اليشكُري عن قزعة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ: "لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس". [3] أنبأنا عاليًا أحمد بن سلامة عن عبد المنعم بن كليب أنا علي العمري إجازة إن لم يكن سماع، فذكره.

أخبرنا أبو محمد بن أبي بداس الحافظ أنا إسماعيل بن إسحاق بن الحسين أنا جدي أنا أخي أبو المواهب الحافظ أنا أبو الفتح المصيصي أنا محمد بن أحمد أنا محمد بن إبراهيم اليزدي ثنا محمد بن الحسين القطان ثنا إبراهيم بن الحارث ثنا يحيى بن أبي بكر ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله ﷺ أخي جويرية قال: والله ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة. أخرجه "خ" عن إبراهيم بن الحارث.

توفي سنة ست وثمانين وخمسمائة.

وفيها مات العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن غالب الأنصاري القرطبي المقرئ بن الشراط عن خمس وسبعين سنة، والإمام المقرئ أبو الطيب عبد المنعم بن يحيى بن خلف الحميري الغرناطي المعروف بابن الخلوف، والمقرئ أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد بن مأمون البلنسي، والمسند الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد الأنصاري الإشبيلي الملكي المعروف بابن زرقون عن أربع وثمانين سنة، والعلامة المعمر أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد الفهري الإشبيلي المقرئ، الفقيه الحافظ عن تسعين سنة وأشهر، والمحدث أبو الفضل مسعود بن علي بن النادر البغدادي عن سبعين سنة.

1105- 9/17

الزيدي

الإمام القدوة الحافظ العابد أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن سالم بن عبيد الله بن الحسن العلوي الحسيني، من ولد زيد بن علي البغدادي الشافعي المحدث، أحد الأئمة الزهّاد.

قطع أوقاته في العبادة والعلم والكتابة والدرس والطلب حتى مكن الله منزلته في القلوب وأحبه الخاص والعام حتى كان يقصده الكبار للزيارة والتبرك كان ربانيا متألها متواضعا حسن الخلق والخلق حلو العبارة جوادا مفضلا.

سمع الكثير وكتب وحصل الأصول الكثيرة حتى صار له من المصنفات والمسانيد والأجزاء شيء كثير فوقفه بمسجده الذي استجده وشاركه في وقفه رفيقُه صليح البصري وكانا على طريقة جميلة من حسن الصحبة، سمع ابن ناصر وابن الزاغوني ونصر بن نصر العُكبري ومحمد بن عبيد الله الرطبي وأبا الوقت السجزي وخلائق حتى كتب عن أصحاب ابن الحصين والقاضي أبي بكر حتى عن أقرانه وعمن هو دونه، وقل ما روى، سمع منه إبراهيم بن الشعار وأبو الخطاب العليمي وعمر بن أحمد بن بكرون وداود بن علي بن المسلمة.

وقال عبد الواحد بن مسعود بن الحصين: سمعت الشريف الزاهد علي بن أحمد الزيدي يقول: اجعل النوافل كالفرائض والمعاصي كالكفر والشهوات كالسم ومخالطة الناس كالنار والغذاء كالدواء.

وقال أبو البركات عمر بن أحمد: ولد أخي أبو الحسن سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وبخط أبي المحاسن عمر بن علي القرشي قال: وممن مات في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة في هذا الطاعون الشريفُ الزاهد وليّ الله أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي وكان عالمًا حافظًا عارفًا له المجاهدات الكثيرة والمعرفة التامة والأحوال والكرامات مما حدثني به الثقات وشاهدته فلو أثبته لقام من ذلك كراريس، ومات عن قريب من سبع وأربعين سنة، وكان رفيقي في السماع سنين كثيرة، مات يوم الثلاثاء سادس عشر من الشهر ودفن ليلا بموضع وقفه جوار مسجده. قال ابن الدبيثي: سمعت شيخنا ابن الأخضر يعظم شأنه ويثني عليه ويصف زهده ودينه، مات وأبواه حيان، وقيل: إن الوزير عضد الدين بن المسلمة لما عاد إلى الوزارة بعث إلى أبي الحسن الزيدي بألف دينار كان نذرها إن عاد إلى الوزارة، فلما سمع بذلك المستضىء الخليفة بعث إلى الشريف بألف دينار أخرى. وبعثت إليه بنفشا أم الخليفة بألف أخرى، فلم يتصرف في ذلك واشترى كتبًا كثيرة فوقفها وبنى مسجدًا.

أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ في كتابه عن محمد بن محمود الحافظ أنا داود بن علي بن المسلمة أنا علي بن الزيدي أنا أبو المظفر محمد بن أحمد العباسي ومحمد بن أحمد التميمي قالا: أنا أبو نصر الزينبي أنا محمد بن عمر ثنا عبد الله البغوي ثنا أحمد بن حنبل، وحدثنا زهير وسريج بن يونس وابن المقرئ قالوا: ثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: مر رسول الله ﷺ برجل يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي، ﷺ: "الحياء من الإيمان". متفق على صحته.

1106- 10/17

الحازمي

الإمام الحافظ البارع النسابة أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذاني.

ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت السجزي حضورًا ومن شهردار بن شيرويه الديلمي وأبي زرعة المقدسي والحافظ أبي العلاء الهمذاني ومعمر بن الفاخر، وقدم بغداد فسمع من أبي الحسين عبد الحق بن يوسف وعبد الله بن عبد الصمد العطار، وبالموصل من الخطيب أبي الفضل الطوسي، وبواسط من أبي طالب المحتسب، وبالبصرة محمد بن طلحة المالكي، وبأصبهان أبا الفتح الخرقي وأبا العباس الترك وأبا موسى الحافظ، وبالحرمين والشام والجزيرة، وكتب الكثير وصنف وجوده. قال الدبيثي: قدم بغداد وسكنها وتفقه بها في مذهب الشافعي وجالس العلماء وتميز وفهم وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله مع زهد وتعبّد ورياضة وذكر. صنف في الحديث عدة مصنفات، وأملى عدة مجالس وكان كثير المحفوظ حلو المذاكرة يغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام، أملى طرق الأحاديث التي في "المهذب" وأسندها ولم يتمه. وذكره ابن النجار فقال: كان من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألف كتاب "الناسخ والمنسوخ" وكتاب "عجالة المبتدئ في الأنساب" و"المؤتلف والمختلف" في أسماء البلدان وأسند أحاديث "المهذب" لأبي إسحاق، وكان ثقة حجة نبيلًا زاهدًا عابدًا ورعًا ملازمًا للخلوة والتصنيف وبث العلم، أدركه أجله شابا، سمعت محمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول: كان شيخنا الحافظ أبو موسى يفضل أبا بكر الحازمي على عبد الغني المقدسي ويقول: ما رأيت شابا أحفظ منه.

مات في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة. قال ابن النجار: سمعت بعض الأئمة يذكر أن الحازمي كان يحفظ كتاب "الإكمال" في المؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة وكان يكرر عليه، وبخط أبي الخير القزويني يسأل الحازمي: ما يقول سيدنا الإمام الحافظ في كذا وكذا؟ وقد أجاب الحازمي بأحسن جواب.

قال ابن النجار: سمعت أبا القاسم المقرئ جارنا يقول، وكان صالحًا: كان الحازمي في رباط البديع وكان يدخل بيته في كل ليلة يطالع ويكتب إلى الفجر فقال البديع للخادم: لا تدفع إليه الليلة بزرًا للسراج فلعله يستريح الليلة، فلما جنّ الليل اعتذر إليه الخادم لانقطاع البزر فدخل بيته وصف قدميه ولم يزل يصلي ويتلو إلى أن طلع الفجر وكان الشيخ خرج ليعلم خبره فوجده في الصلاة.

أخبرنا أبو الحمد الوراق أنا عبد الله بن الحسن الخطيب سنة اثنتين وأربعين وستمائة أنا محمد بن موسى الحافظ قرأت على محمد بن ذاكر أخبرك حسن بن أحمد القارئ أنا محمد بن أحمد الكاتب أنا علي بن عمر ثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز ثنا العباس بن يزيد ثنا غسان بن مضر ثنا أبو سلمة سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء لم أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك. قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم.

1107- 11/17

أبو المحاسن القرشي

القاضي الإمام الحافظ عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي الزبيري الدمشقي محدث بغداد.

سمع بدمشق أبا الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، وأبا القاسم بن البن، وأبا طالب عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي بحلب، وأبا الوقت السجزي وأبا جعفر العباس وأبا المظفر بن التريكي وأبا محمد بن المادح وخلائق ببغداد، حتى نزل إلى أصحاب القاضي أبي بكر وابن السمرقندي، وصحب الشيخ أبا النجيب السهروردي وقاضي القضاة روح بن الحديثي واستنابه على قضاء الحريم الطاهري، ونفذ رسولا عن الديوان العزيز إلى صاحب الشام نور الدين وما كان له ثلاثون سنة؛ سمع منه القاضي أبو بكر الباقداري وأحمد بن أحمد البندنيجي وأبو الفتوح بن الحصري وابنه أبو بكر عبد الله بن عمر.

ذكره ابن الدبيثي في تاريخه فقال: ثقة حافظ عني بطلب الحديث وبالسماع والكتابة وكتب ببلده، وبحلب وحرّان والموصل والحرمين وبغداد، ورزق الفهم في الحديث وأجاز لي مروياته؛ مولده بدمشق في سنة ست وعشرين وخمسمائة، وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وسبعين وخمسمائة.

قلت: وفيها توفي أمير المؤمنين المستضىء بأمر الله حسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي العباسي، ومسندة بغداد أم عتب تجني الوهبانية، والمحدث أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي، والمسند الواعظ أبو المعالي بن خلدون بدمشق.

1108- 12/17

ابن خير

الإمام الحافظ شيخ القراء، أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الإشبيلي.

أتقن القراءات على شريح بن محمد واختص به حتى ساد أهل بلده وسمع منه ومن أبي مروان الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي، وبقرطبة من أبي جعفر بن عبد العزيز وابن عمه أبي بكر وأبي القاسم بن بقي وابن مغيث وابن أبي الخصال وطائفة سواهم، قال الأبار: كان مكثرًا إلى الغاية بحيث إنه سمع من رفاقه وشيوخه أكثر من مائة نفس، لا نعلم أحدًا من طبقته مثله، وتصدر بإشبيلية للإقراء والإسماع وحمل الناس عنه كثيرًا وكان مقرئًا مجودًا ومحدثًا متقنًا وأديبًا نحويًّا لغويًّا واسع المعرفة رضيًّا مأمونًا، لما مات بِيعت كتبه بأغلى الأثمان لصحتها ولم يكن له نظير في هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان، توفي في ربيع الأول من سنة خمس وسبعين وخمسمائة وكانت جنازته مشهودة وعاش ثلاثًا وسبعين سنة.

1109- 13/17

أبو عمر بن عياد يوسف بن عبد الله بن سعيد بن أبي زيد

الأستاذ المحدث الحافظ أبو عمر الأندلسي الريي المقرئ أحد الأعلام.

أخذ القراءة عن أبي عبد الله بن أبي إسحاق وقدم بلنسية سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ولقي بها أعلام المقرئين أبا مروان بن الصيقل وأبا الحسن بن هذيل وأبا الحسن بن النعمة وسمع من أبي الوليد الدباغ وطارق بن نفيس وعدة.

وأجاز له أبو القاسم بن وردان وأبو محمد بن عطية وكان معنيًّا بصناعة الحديث جماعة للأجزاء والدواوين معدودًا في الأثبات المكثرين كتب العالي والنازل ولقي الكبار ولو اعتنى بهذا من أوائل عمره لبذ الأقران وفاق الأصحاب وكان يحفظ أخبار المشايخ وينقب عنهم ويضبط وفياتهم ويدون قصصهم أنفق عمره في ذلك.

وكان قد شرع في تذييل "صلة ابن بشكوال" وصنف "كتاب الكفاية في مراتب الرواية" و"كتاب المرتضى في شرح المنتقى" لابن الجارود وشرح "الشهاب" والأربعين في الحشر والأربعين في العبادات وغير ذلك، روى عنه ابنه أبو محمد وأبو الحجاج بن عبدة وأبو محمد بن غلبون وغيرهم، وكان من أهل التواضع والخير والعلم، استشهد عند كبسة العدولرية يوم العيد سنة خمس وسبعين أيضًا وعاش سبعين سنة، ذكره الأبار.

1110- 14/17

القاسم

ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين أبو محمد ابن عساكر الدمشقي، مصنف "فضائل القدس".

ولد سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وسمع أباه وعمه الضياء بن هبة الله وجد أبويه أبا الفضل يحيى بن علي القرشي وجمال الإسلام علي بن المسلم السلمي ويحيى بن بطريق الطرسوسي وأبا طالب علي بن عبد الرحمن الصوري وأحمد بن محمد الهاشمي صاحب السميساطي وهبة الله بن طاوس وأبا الدر ياقوت الرومي وأبا الفتح نصر الله بن محمد المصيصي وخلقًا كثيرًا وأجاز له أبو عبد الله الفراوي والحسن بن عبد الملك الخلال وطبقتهما.

وكان محدثًا صدوقًا متوسط المعرفة مكرمًا للغرباء له أنسة بالحديث وخطه ضعيف رديء، قال الحافظ المنذري: قلت لشيخنا ابن المفضل أقول: ثنا القاسم بن علي الحافظ -بالكسر- صفة لأبيه؛ فقال: قل بالضم، اجتمعت به بالمدينة فأملى عليّ أحاديث من حفظه ثم بعث إلي أصوله فقابلتها فوجدتها سواء. وقيل: كان كيسًا ظريفًا مزاحًا.

قال العز النسابة: كان أحب ما إليه المزاح؛ وقال ابن نقطة: ثقة لكن خطه لا يشبه خط أهل الضبط. وقال الحافظ عبد الرحمن بن مقرن: حدثني المحدث بدي الحنفي قال: قرأت على القاسم ابن عساكر: ثنا ابن لهيعة؛ فردّ بالضم فراجعته فلم يرجع. قلت: من ضم مثل هذا ضمه إلى الشيوخ لا إلى الحفاظ ولكن بقيت الحافظ عليه لقبًا له، وقد نسخ بخطه تاريخ أبيه.

وصنف كتابًا في الجهاد، وأملى مجالس وخرج لنفسه الأبدال العالية نقاها من مصنف والده، وكان يبالغ في التعصب لمقالة أبي الحسن الأشعري من غير أن يحققها، ولي مشيخة الديار النورية بعد أبيه وإلى أن مات فما أخذ من الجامكية شيئًا بل جعله مرصدًا لمن يقدم عليه من الطلبة.

روى عنه أبو المواهب بن صصرى وأبو الحسن بن المفضل وأبو محمد الرّهاوي واليلداني وابن خليل والشيخ عز الدين عبد السلام والتاج عبد الوهاب بن زين الأمناء وعبد الغني بن بنين القتالي والقاضي عماد الدين بن عبد الكريم بن الحرستاني والحافظ زين الدين خالد وفراس العسقلاني ومجد الدين محمد ابن عساكر وتقي الدين بن أبي اليسر وأبو بكر بن النشبي والكمال عبد العزيز بن عبد وأجاز لأحمد بن سلامة والمسلم بن علان.

مات في تاسع صفر سنة ستمائة.

وفيها مات الإمام منتخب الدين أبو الفتوح أسعد بن محمود بن خلف العجلي الأصبهاني الشافعي عن خمس وثمانين سنة، والمسند أبو المعمر بقاء بن عمر بن حند الأزجي الدقاق، والمسند أبو القاسم شجاع بن معالي بن شدفيني القصباني عن بضع وثمانين سنة، والعلامة المسند أبو سعد عبد الله بن عمر بن أحمد الصفار النيسابوري الشافعي عن اثنتين وتسعين سنة، والحافظ الكبير عبد الغني المقدسي، والعلامة ركن الدين الطاوسي صاحب الطريقة واسمه العراقي بن محمد بن العراقي، مات بهمذان وكان يضرب به المثل في المناظرة، والمسندة أم عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير بن محمد الأنصارية بمصر، وأبو المعالي محمد بن صافي النقاش عن اثنتين وثمانين سنة، والمسند أبو طاهر لاحق بن أبي الفضل بن فيدرة الحريمي الصوفي عن ثمان وثمانين سنة، عنده المسند كله عن ابن الحصين.

أخبرنا المسلم بن محمد وأحمد بن سلامة إذنًا عن القاسم ابن الحافظ أنا أبو القاسم يحيى بن بطريق أنا محمد بن مكي الأزدي أنا ميمون بن حمزة العلوي ثنا أبو بكر أحمد بن عبد الوارث العسالي ثنا عيسى بن حماد نا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنا خالد بن كثير الهمداني حدثه أن السري بن إسماعيل الكوفي حدثه أن الشعبي حدثه سمع النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله، ﷺ: "إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن العسل خمرًا، وأنا أنهى عن كل مسكر". غريب جدا، أخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح عن الليث، وهو مخرج في السنن الأربعة من طريق أخرى.... وإبراهيم بن مهاجر وغيرهما عن الشعبي كذلك، وقد رواه أيضًا جماعة عن الشعبي فقال: عن ابن عمر عن عمر قوله، وهذا هو المعروف.

1111- 15/17

ابن عبيد الله

الحافظ المتقن المقرئ شيخ المغرب أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الحجري حجر ذي رعين الأندلسي المريي نزيل سبتة.

ولد سنة خمس وخمسمائة وسمع من أبي عبد الله بن زعينة صحيح مسلم وسمع من أبي القاسم بن ورد وأبي الحسن بن اللوان وأبي الحسن بن موهب الحداني، ولقي بقرطبة أبا القاسم بن بقي وأبا الحسن بن مغيث وابن مكي والحافظ أبا جعفر البطروجي وأبا بكر بن العربي، وأخذ بإشبيلية عن أبي الحسن شريح وأحمد بن عبد الله بن صالح المقرئ.

وقرأ الصحيح في سنة أربع وثلاثين على شريح فحضره ثلاثمائة نفر، عن أبيه وابن منظور عن أبي ذر الحافظ، وسمع أيضًا من محمد بن عبد العزيز الكلابي وجعفر بن محمد البرجي ويحيى بن خلف بن الخلوف وإبراهيم بن مروان ويوسف بن علي القضاعي، وعني بهذا الشأن، وكان غاية في الورع والصلاح والعدالة، قاله الأبار.

ثم قال: ولي الصلاة والخطبة بجامع المرسية وكان يعرف القراءات ودعي إلى القضاء فأبى وانتقل بعد تغلب العدو إلى مرسية ثم تحول إلى فاس واستقر في سبتة يقرئ فيها ويحدث حتى بعُد صيته وعلا ذكره وارتحلوا إليه، إلى أن قال: وكان له بصر بصناعة الحديث موصوفًا بجودة الفهم، استدعي إلى مراكش وسمع منه السلطان، ثنا عنه عالم بن الجلة.

قلت: روى عنه أبو عمر ومحمد بن محمد بن عيشون ومحمد بن أحمد الأندرشي بن اليتيم ومحمد بن محمد اليحصبي ومحمد بن عبد الله بن الصفار القرطبي والشرف محمد بن عبد الله المَرَسي ومحمد بن أحمد بن محرز وعبد الرحمن بن القاسم السراج وأبو الخطاب بن دحية وأخوه عثمان وعلي بن الفخار الشريشي ويوسف بن محمد الأندي وأبو الحسن علي بن محمد الشاري وإبراهيم بن عامر الطوسي ومحمد بن الجرج نزيل الثغر ومحمد بن عبد الله الأزدي، وهذا الأزدى بقي إلى سنة ستين وستمائة وأظنه آخر أصحابه.

قال أبو الربيع بن سالم الحافظ: كان وقت وفاة أبي محمد بن عبيد الله قحط مضر فلما وضع على شفير القبر توسلوا به إلى الله في إغاثتهم فسقوا في تلك الليلة مطرًا وابلًا وما اختلف الناس إلى قبره مدة الأسبوع إلا في الوحل والطين.

قلت: كان قرأ بالسبع على شريح ويحيى بن الخلوف وأبي جعفر بن الباذش؛ تلا عليه بالروايات أبو الحسن الشاري. قال ابن فرتون: وظهرت له كرامات. قال غيره: مات في آخر المحرم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.

وفيها مات أبو العباس أحمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن الزبرقان الأصبهاني عن إحدى وتسعين سنة، والمسند أبو القاسم ذاكر بن كامل بن أبي غالب الخفاف، ومقرئ مصر أبو الحسن شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي، ومقرئ العراق أبو جعفر عبد الله بن أحمد الواسطي صاحب أبي عبد الله البارع، والمسند أبو المحاسن محمد بن الحسن الأصبهاني التاجر المعروف بالأصفهبذ وقد قارب الثمانين، ومقرئ الغرب أبو الحسن نجبة بن يحيى الرعيني الإشبيلي صاحب شريح. أخبرنا عبد المؤمن بن خلف الحافظ أنا محمد بن إبراهيم الأنصاري أنا أبو محمد عبد الله بن محمد الحافظ أنا أحمد بن محمد بن أحمد بن بقي وأبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن البطروجي قالا: ثنا محمد بن الفرج الفقيه ثنا يونس بن عبد الله القاضي أنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله أنا عم أبي عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي ثنا أبي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله".

1112- 16/17

عبد الغني بن عبد الواحد

بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الحافظ الإمام محدث الإسلام، تقي الدين أبو محمد المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب التصانيف.

ولد في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة هو وابن خالته الشيخ الموفق بجماعيل، واصطحبا مدة في أول اشتغالهما ورحلتهما. سمع أبا المكارم بن هلال بدمشق، وهبة الله بن هلال وابن البطي وطبقتهما ببغداد، وأبا طاهر السلفي بالثغر، وأقام عليه ثلاثة أعوام ولعله كتب عنه ألف جزء، وأبا الفضل الطوسي بالموصل، وعبد الرزاق بن إسماعيل القومساني بهمذان، والحافظ أبا موسى المديني وأقرانه بأصبهان، وعلي بن هبة الله الكاملي بمصر؛ وكتب ما لا يوصف كثرة وما زال ينسخ ويصنف ويحدث ويعبد الله حتى أتاه اليقين.

روى عنه ولداه أبو الفتح وأبو موسى وعبد القادر الرّهاوي والشيخ موفق الدين والضياء وابن خليل والفقيه اليونيني وابن عبد الدائم وعثمان بن مكي الشارعي وأحمد بن حامد الأرتاحي وإسماعيل بن عزون وعبد الله بن علاق ومحمد بن مهلهل الجيتي، وهو آخر من سمع منه، بقي إلى سنة أربع وسبعين، وبقي بعده بالإجازة أحمد بن أبي الخير شيخنا.

قال ابن النجار: حدث بالكثير وصنف في الحديث تصانيف حسنة وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد قيمًا بجميع فنون الحديث، إلى أن قال: وكان كثير العبادة ورعًا متمسكًا بالسنة على قانون السلف، تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره أهل التأويل من الفقهاء وشنعوا عليه، فعقد له مجلس بدار السلطان بدمشق فأصر وأباحوا قتله فشفع فيه أمراء الأكراد على أن يبرح من دمشق فذهب إلى مصر وأقام بها خاملا إلى حين وفاته.

قرأت بخط الحافظ أبي موسى المديني: يقول أبو موسى، عفا الله عنه: قل من قدم علينا من الأصحاب من يفهم هذا الشأن كفهم الإمام ضياء الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي زاده الله توفيقًا وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، يعني التي في كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم، إلى أن قال: ولو كان الدارقطني في الأحياء وأمثاله لصوبوا فعله، وقل من تفهم في زماننا لما فهمه.

قال الحافظ الضياء: ثم سافر الحافظ إلى أصبهان وكان خرج وليس معه إلا قليل فلوس فسهل الله تعالى من حمله وأنفق عليه فأقام بأصبهان مدة وحصل بها الكتب الجيدة، وكان ليس بالأبيض الأمهق يميل إلى سمرة حسن الثغر كث اللحية واسع الجبين عظيم الخلق تام القامة كأن النور يخرج من وجهه ضعف بصره من كثرة الكتابة والبكاء.

وصنف "المصباح" في ثمانية وأربعين جزءًا، مشتملًا على أحاديث الصحيحين، وكتاب "نهاية المراد" في السنن نحو مائتي جزء لم يبيضه، كتاب "المواقيت" مجلد، كتاب "الجهاد" مجلد، "الروضة" أربعة أجزاء، "فضائل خير البرية" مجلد، "الذكر" جزءان، "الإسراء" جزءان، "التهجد" جزءان، "المحنة" ثلاثة أجزاء "صلات الأحياء إلى الأموات" جزءان، "الصفات" جزءان، "الفرح" جزءان، "فضل مكة" أربعة أجزاء وتصانيف كثيرة، جزء "غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ" مجلدان، "الحكايات" أزيد من مائة جزء.

ومما ألفه بلا إسناد "العمدة" جزءان، "الأحكام" ستة أجزاء "درر الأثر" تسعة أجزاء، "الكمال" عشر مجلدات، إلى أن قال: وكان لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبيّنه، ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو فلان ابن فلان، وبين نسبته، فأقول: كان أمير المؤمنين في الحديث، سمعته يقول: نازعني رجل في حديث بحضرة أبي موسى فقال: هو في البخاري؛ قلت: ليس هو فيه، فكتب الحديث في رقعة ورفعها إلى أبي موسى يسأله فناولني أبو موسى الرقعة وقال: ما تقول؟ فقلت: ما هو في البخاري؛ فخجل الرجل.

وقال الضياء: سمعت إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني فقال: رجل حلف بالطلاق: إنك تحفظ مائة ألف حديث؛ فقال: لو قال أكثر لصدق. وشاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر يقول: اقرأ لنا أحاديث من غير الجزء فيقرأ الأحاديث علينا بأسانيدها عن ظهر قلبه، وقيل له: لم لا تقرأ دائمًا من غير كتاب؟ فقال: أخاف العجب؛ وسمعت أبا محمد عبد العزيز الشيباني يقول: سمعت التاج الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني المقدسي.

قال الفقيه محمود بن همام: سمعت الكندي يقول: لم ير الحافظ عبد الغني مثل نفسه. وقال ربيعة اليمني: قد رأيت أبا موسى المديني، وهذا الحافظ عبد الغني أحفظ منه. وقال الضياء: كل من رأيت من المحدثين يقول: ما رأينا مثل عبد الغني؛ وهو الذي حرضني على السفر إلى مصر وبعث معنا ابنه عبد الرحمن وهو ابن عشر سنين وهو سفّر إسماعيل بن ظفر وأعطاه فسار إلى أصبهان وإلى خراسان، وحرض يوسف بن خليل على الرحلة؛ وكان يقرأ الحديث ليلة الخميس وبعد الجمعة بجامع دمشق ويجتمع خلق ويبكي الناس كثيرًا ثم يطوّل لهم الدعاء، سمعت الواعظ أبا الحسن بن نجا على المنبر بالقرافة يقول: قد جاء الحافظ وهو يريد أن يقرأ الحديث فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرغبة فيه؛ فجلس أول يوم بجامع القرافة وحضرت فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظًا وقرأ أخرى ففرح الناس به، ثم سمعت ابن نجا يقول: حصل مرادي في أول مجلس، إلى أن قال: وكان لا يضيع شيئًا من زمانه، كان يصلي الفجر ويلقن القرآن وربما لقن الحديث ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبيل الظهر فينام نومة فيصلي الظهر ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب فيفطر إن كان صائمًا ويصلي إلى العشاء ثم ينام إلى نصف الليل أو بعده ثم يتوضأ ويصلي ثم يتوضأ ويصلي إلى قريب الفجر، وربما توضأ سبع مرات أو أكثر ويقول: تطيب لي الصلاة ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة قبل الفجر وهذا دأبه.

قال الشيخ الموفق: كان رفيقي وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وقيامهم عليه ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. قال الضياء: وكان لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم رأيته مرة يريق خمرًا فسل صاحبه السيف فلم يخف وكان قويًّا فأخذ السيف من يد الرجل وكان يكسر الشبابات والطنابير.

وشاهدت بخطه يقول: والملك العادل ما رأيت منه إلا الجميل أقبل عليّ وقام لي والتزمني ودعوت له فقلت: عندنا قصور يوجب التقصير؛ فقال: ما عندك تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة فقال: ما عندك شيء يعاب في أمر الدين والدنيا، ولا بد للناس من حاسد؛ وبلغني عنه بعد ذلك أنه ذكر عنده العلماء فقال: ما رأيت مثل فلان، دخل علي فخيل لي أنه أسد قد دخل علي.

قال الضياء: وكان المبتدعة قد أوغروا صدر العادل على الحافظ وتكلموا فيه عنده وكان بعضهم يقول: ربما يقتله إذا دخل عليه، فسمعت أن بعضهم بذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال الضياء: سمعت أبا بكر بن أحمد الطحان يقول: جعلوا الملاهي عند درج جيرون فجاء الحافظ فكسر كثيرًا منها وصعد المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف والشبابة فقال: ذاك حرام ولا أمشي إليه إن كان له حاجة يجيء هو؛ قال: فعاد الرسول فقال: لا بد من مجيئك قد عطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان؛ فمضى الرسول فخفنا من فتنة فما أتى أحد بعد؛ سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان يقول: كان الحافظ بأصبهان يخرج فيصطف الناس في السوق ينظرون إليه؛ ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها لملكها، يعني: من حبهم له ورغبتهم فيه. قال الضياء: وكنا بمصر نخرج معه للجمعة فلا نقدر نمشي معه من زحمة الناس يتبركون به ويجتمعون حوله، وكان جوادًا كريمًا لا يدخر شيئًا ولا درهمًا، وقيل: كان يخرج في الليل بقفات الدقيق فإذا فتحوا ترك ما معه ومضى لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع.

سمعت بدر بن محمد الجذري يقول: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ، لقد أوفى عني غير مرة. وسمعت سليمان الأشعري يقول: بعث الأفضل إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير ففرق الجميع.

وحكى رجل أنه شاهد الحافظ في الفلاء بمصر ثلاث ليالٍ يؤثر بعشائه ويطوي. قال الضياء: فتح له بمصر أشياء كثيرة من الذهب وغيره. سمعت الرضى عبد الرحمن بن محمد أنه سمع الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك وامتحن. سمعت الإمام أبا عبد الله بن أبي الحسن الجبائي يقول: أخذ الحافظ عبد الغني على أبي نعيم في مائتين وتسعين موضعًا فطلبه الصدر بن الخجندي وأراد هلاكه فاختفى الحافظ.

وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجناه إلا في إزار. وسمعت الحافظ يقول: كنا نسمع بالموصل كتاب الضعفاء للعقيلي فأخذني أهل الموصل وحبسوني وأرادوا قتلي من أجل ذكر رجل فيه فجاءني رجل طويل بسيف فقلت: لعله يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئًا ثم أطلقت. وكان يسمعه معه ابن البرني فأخذ الكراس الذي فيه ذكر الرجل ففتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئًا فأطلق.

أخبرنا عبد الحميد بن أحمد، سمعت الضياء يقول: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق ويجتمع الخلق عليه فحسد وشرعوا يعملون لهم وقتًا في الجامع ويقرأ عليهم الحديث فهذا ينام وهذا قلبه غير حاضر فلم تشتف قلوبهم فشرعوا في مكيدة فأمروا الناصح أن يعظ بعد الجمعة تحت قبة النسر وقت جلوس الحافظ، فأخر الحافظ معتاده إلى العصر، فلما كان في بعض الأيام والناصح قد فرغ فدسوا رجلا ناقض العقل من بني عساكر فقال للناصح ما معناه؟ إنك تقول الكذب على المنبر فضرب الرجل وهرب وخبئ في الكلاسة ومشوا إلى الوالي وقالوا: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، وهم، وهم، واعتقادهم، ثم جمعوا كبراءهم ومضوا إلى القلعة وقالوا للوالي: نشتهي أن يحضر عبد الغني. وسمع مشايخنا فانحدروا، خالي الموفق وأخي الشمس والفقهاء وقالوا: نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ: اقعد لا تجئ فإنك حاد ونحن نكفيك، فاتفق أنهم أخذوا الحافظ ولم يعلم أصحابنا فناظروه وكان أجهلهم يغري به، فاحتد وكانوا قد كتبوا شيئًا من اعتقادهم وكتبوا فيه خطوطهم ثم قالوا له: اكتب خطك، فلم يفعل؛ فقالوا للوالي: قد اتفق الفقهاء كلهم وهذا يخالف؛ فبعث الأسارى فرفعوا منبره وخزانه ودرابزين وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع صلاة إلا للشافعية وكسروا منبر الحافظ ومنعنا من صلاة الظهر، فجمع الناصح السوقة وغيرهم وقال: إن لم يخلونا نصلي صلينا بغير اختيارهم؛ فبلغ ذلك القاضي وكان صاحب الفتنة فأذن لهم وحمت الحنفية مقصورتهم بجماعة من الجند، ثم إن الحافظ ضاق صدره ومضى إلى بعلبك فأقام بها مدة وتوجه إلى مصر فبقي بنابلس مدة، إلى أن قال: وجاء الملك الأفضل وأخذ مصر ثم رد إلى دمشق فصادف الحافظ وأكرمه ونفذ يوصي به بمصر

فتلقى بالبشر والإكرام وكان بمصر كثير من المخالفين لكن رائحة السلطان كانت تمنعهم، ثم جاء العادل وأخذ مصر وأكثروا عنده على الحافظ فطلب ثم أكرمه العادل وبقي الحافظ بمصر وهم لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الكامل على إخراجه ثم اعتقل في داره سبع ليالٍ، فسمعت التقي أحمد بن محمد بن عبد الغني يقول: حدثني الشجاع بن أبي ذكري الأمير قال: قال لي الكامل: هنا فقيه قالوا: إنه كافر؛ قلت: ما أعرفه؛ قال: بلى، هو محدث؛ فقلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ فقال: هو هو؛ فقلت: أيها الملك، العلماء أحدهم يطلب الآخرة والآخر يطلب الدنيا، وأنت هنا باب الدنيا فهل جاء إليك؟ أو أرسل إليك ورقة؟ قال: لا؛ قلت: والله هؤلاء يحسدونه؛ فقال: جزاك الله خيرًا كما عرفتني. قال الضياء: بلغني أن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده فكتب: أقول كذا لقول الله كذا، وأقول كذا لقول النبي ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل؛ فلما وقف عليها الكامل قال: أيش أقول في هذا؟ يقول: بقول الله ورسوله؛ فخلى عنه.

وسمعت أحمد بن محمد بن عبد الغني يقول لي: رأيت أخاك الكمال عبد الرحيم في النوم فقلت: أين أنت؟ فقال: في جنة عدن، فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، أما الحافظ فكل ليلة جمعة ينصب له كرسي تحت العرش يقرأ عليه الحديث وينثر عليه الدر وهذا نصيبي منه؛ وأشار إلى كمه.

سمعت أبا موسى يقول: مرض والدي أيامًا ووضأته وقت الصباح فقال لي: يا عبد الله صل بنا وخفف؛ فصليت بالجماعة وصلى معنا جالسًا ثم قال: اقرأ عند رأسي يس فقرأتها وقلت: هنا دواء تشربه؛ فقال: ما بقي إلا الموت؛ فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله الكريم؛ فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى؛ وجاءوا يعودونه وجعلوا يتحدثون ففتح عينه وقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله ثم دخل درع النابلسي فقمت لأناوله كتابًا من جانب المسجد، فرجعت وقد توفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة.

قلت: وفيها توفي المذكورون في ترجمة القاسم. وترجمه الحافظ الضياء أربع كراريس بسماعنا من ابن خولان عنه.

أنبأنا أحمد بن سلامة الدمشقي عن عبد الغني بن عبد الواحد في كتابه أنا حيدرة بن عمر بن إبراهيم العلوي أنا طراد بن محمد أنا أحمد بن محمد بن حسنون ثنا أبو جعفر محمد بن عمرو إملاء ثنا يحيى بن أبي طالب ثنا أبو داود الطيالسي ثنا أبو سنان حدثني حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أعمل العمل سرًّا فإذا اطلع عليه أعجبني؟ قال رسول الله، ﷺ: "لك أجران: أجر السر وأجر العلانية". رواه الأعمش عن حبيب وأرسله، أخرجه أبو عيسى في جامعه عن محمد بن المثنى عن أبي داود.

1113 - 17/17

الباقداري

الحافظ العالم المحدث أبو بكر محمد بن أبي غالب بن أحمد بن مرزوق البغدادي الضرير.

قدم من باقدار في صباه وتلا على جماعة وسمع الحديث من أبي محمد سبط الخياط وأبي بكر بن الزاغوني وابن ناصر وطبقتهم فأكثر، قال ابن الدبيثي: انتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه وكان المعتمد عليه فيه.

وقال أبو الفتوح بن الحصري: كان آخر من بقي من حفاظ الحديث من الأئمة. قال ابن الدبيثي: سمعت غير واحد من شيوخنا يذكرون أبا بكر الباقداري ويصفونه بالحفظ ومعرفة الرجال والمتون مع كونه ضريرًا مقصورًا إلا أنه كان حفظة حسن الفهم، بلغني أن ابن ناصر كان يراجعه في أشياء ويصير إلى قوله. وقال أبو محمد المنذري: كان أحد حفاظ بغداد المشهورين بمعرفة الرجال والتقدم مع ضرره. قلت: توفي في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة كهلا، وقد انتهى علو الرواية إلى ابنته عجبيبة في وقتها.

أنبأنا أبو حامد بن الصابوني وعدة عن محمد بن سعيد الحافظ أنا عبد الله بن عمر الوكيل أنا أبو بكر محمد بن أبي غالب الحافظ أنا أبو بكر بن الزاغوني وسعيد بن البناء وابن المادح قالوا: أنا أبو نصر الزينبي أنا محمد بن عمر الوراق أنا عبد الله بن أبي داود ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا سعد -وهو ابن الصلت- ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أنس بن مالك قال: توفيت زينب بنت رسول الله ﷺ فخرج بجنازتها وخرجنا معه فرأيناه كئيبًا حزينًا ثم دخل قبرها فخرج ملتمع اللون، فسألناه عن ذلك فقال: "إنها كانت امرأة مسقامة، فذكرت شدة الموت وضغطة القبر فدعوت الله فخفف عنها". قرأته على أبي المعالي الزهري الزاهد عن أكمل بن أبي الأزهر سماعًا أنا سعيد بن البناء، مثله.

1114- 18/17

ابن الحضري

الإمام الحافظ المفيد شيخ القراء برهان الدين أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج محمد بن علي البغدادي الحنبلي، نزيل مكة وإمام الحطيم.

تلا بالروايات على ابن الشهرزوري ولعله آخر من قرأ عليه، وسمع من أبي الوقت وابن الزاغوني وأبي طالب العلوي وأبي محمد بن المادح وهبة الله بن السبل وابن البطي وأبي زرعة المقدسي وخلق كثير، وعني بالفن أتم عناية ونسخ الكثير، وكان يفهم ويفيد مع الثقة والدين.

قال ابن النجار: قرأ بالروايات على جماعة -وسماهم- وكان حافظًا حجة نبيلًا من أعلام الدين جم العلم كثير المحفوظ كثير التعبد والتهجد. وقال المنذري: حصل من الأدب طرفًا حسنًا، وكان يسمع ويقرأ ويفيد الغرباء وغيرهم، جاور عشرين سنة.

قال الدبيثي: كان ذا معرفة بهذا الشأن ونعم الشيخ كان عبادة وثقة. وقال ابن نقطة: حافظ ثقة مكثر متقن. قلت: روى عنه الثلاثة والبرزالي وابن خليل وتاج الدين علي بن القسطلاني وخلق والحافظ ضياء الدين، وقال: توفي شيخنا الحافظ الإمام -إمام الحرم- أبو الفتوح بالمهجم في المحرم سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.

قال ابن مسدي: قصد اليمن فأدركه الأجل بالمهجم في ربيع الآخر، كذا قال. وقال: وكان أحد الأئمة الأثبات مشارًا إليه بالحفظ. قلت: آخر من بقي من أصحابه شيخنا المقداد القيسي سمع منه سنن أبي داود وغير ذلك.

أخبرنا المقداد إجازة أنا نصر بن محمد الحافظ أنا أبو طالب العلوي أنا أبو علي التستري أنا أبو عمر الهاشمي أنا أبو علي اللؤلؤي ثنا أبو داود ثنا محمد بن كثير ثنا همام عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل أن يتوضأ.

1115- 19/17

ابن الأخضر

الإمام الحافظ المسند محدث العراق، أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن المبارك الجنابذي ثم البغدادي.

ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة وسمع باعتناء والده من القاضي أبي بكر الأنصاري وأبي القاسم بن السمرقندي ويحيى بن الطراح وعبد الوهاب الأنماطي، ثم طلب بنفسه وسمع من الأرموي وابن ناصر وأبي الوقت وابن البطي ومن بعدهم، ونسخ وحصل الأصول الثمينة، وصنف وجمع وأفاد ونفع وحدث نحوًا من ستين عامًا، وكان ذا حلقة بجامع القصر؛ وتواليفه تدل على معرفته وحفظه، وكان ثقة صالحًا عفيفًا دينًا. قال ابن الدبيثي: لم أر في شيوخنا أوفر شيوخًا منه ولا أغزر سماعًا، حدث بجامع القصر دهرًا.

قلت: وكان والده قد سمع من إسماعيل بن ملة وحج سنة خمس وثلاثين وعمره أربعون سنة فعدم في الطريق. قال ابن نقطة: كان شيخنا ثقة ثبتًا مأمونًا كثير السماع واسع الرواية صحيح الأصول منه تعلمنا واستفدنا، ما رأينا مثله. قال ابن النجار: بالغ شيخنا أبو محمد حتى قرأ على شيوخنا وصنف في كل فن، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرأ به كل جمعة بعد الصلاة، وكان أول سماعه في سنة ثلاثين بإفادة أبيه وأبي الحسن بن بكردوس، كتب لنفسه وتوريقًا للناس في شبابه، وكان له حانوت للبزبخان الخليفة، كنت أقرأ عليه به، حدث بجميع مروياته به، سمع منه عمر بن علي القرشي وكتب عنه في معجمه، كان ثقة حجة نبيلًا ما رأيت في شيوخنا سفرًا ولا حضرًا مثله في كثرة مسموعاته ومعرفته لمشايخه وحسن أصوله وحفظه وإتقانه وكان أمينًا ثخين الستر دينًا عفيفًا أريد على أن يشهد عند القضاة فامتنع، وكان من أحسن الناس خلقًا وألطفهم طبعًا من محاسن البغداديين وظرفائهم ما يمل جليسه منه.

قلت: حدث عنه ابن الدبيثي وابن نقطة وابن النجار والضياء والبرزالي وابن خليل والزين النابلسي وأحمد بن محمد بن بنيمان الهمذاني ومحمد بن نصر بن الجيلي وعلي بن مهران سبط العاقولي وعلي بن عدلان الموصلي وعلي بن زريق وأحمد بن الحسين الخليلي ومحمد بن سعيد النشف والفقيه يحيى بن الصيرفي والنجيب عبد اللطيف وأخوه العز والنجيب مقداد القيسي والعلم قاسم بن أحمد الأندلسي وولده علي بن الأخضر وآخرون، وآخر من روى عنه بالإجازة الكمال عبد الرحمن بن المكبر. توفي سادس شوال سنة إحدى عشرة وستمائة هو والحافظ ابن المفضل.

أخبرنا المقداد بن أبي القاسم المعدل كتابة أنا عبد العزيز بن محمود الحافظ سنة إحدى عشرة ببغداد أنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري أنا أبو إسحاق البرمكي حضورًا أنا أبو محمد بن ماسي أنا أبو مسلم الكجي ثنا الأنصاري وأبو عاصم قالا: أنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله، ﷺ: "ويل للذي يحدث ليضحك منه القوم فيكذب، ويل له، ويل له". هذا حديث صالح الإسناد من العوالي، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في كتبهم من حديث عبد الله بن المبارك وإسماعيل بن علية ويحيى بن سعيد القطان عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده، رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث، هذا حسن قلت: وهو نص في تحريم الكذب، فإن حدث القوم مما يضحكهم من غير كذب فلا بأس بالقليل منه.

1116- 20/17

عبد الرزاق

ابن الشيخ القدوة أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي الإمام المحدث الحافظ الزاهد، أبو بكر الحنبلي، محدث بغداد.

ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وسمع الكثير بإفادة أبيه، ثم طلب بنفسه وعني بهذا الشأن وحصل الأصول، سمع من محمد بن صرما وأبي الفضل الأرموي وأبي القاسم بن البناء والحافظ أبي الفضل بن ناصر وأبي بكر بن الزغواني وأبي الكرم بن الشهرزوري وطبقتهم وكان يقال له: الحلبي، نسبه إلى الحلبة وهي محلة شرقي بغداد، ذكره الحافظ محمد بن عبد الواحد الحنبلي فقال: لم أر ببغداد أحدًا في تيقظه وتحريه مثله. وذكره الإمام شهاب الدين أبو شامة في تاريخه فقال: كان زاهدًا عابدًا ثقة مقتنعًا باليسير.

قلت: حدث عنه أبو عبد الله بن الدبيثي وأثنى عليه، ومجد الدين بن النجار والضياء المقدسي والنجيب عبد اللطيف والتقي اليلداني وابنه قاضي القضاة أبو صالح وآخرون. وأجاز للشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمرو الفخر علي وابن شيبان وطائفة. مات في شوال سنة ثلاث وستمائة.

وفيها مات المسند أبو إسماعيل داود بن محمد بن ماشاذة الأصبهاني، والمسند أبو القاسم سعيد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاف المؤدب ببغداد، ومسند الوقت أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيدلاني بأصبهان عن أربع وتسعين سنة، والمسند مخلص الدين محمد بن معمر الفاخر القرشي بأصبهان، رحمهم الله تعالى.

قرأت على محمد بن إسحاق أخبركم أبو صالح نصر بن عبد الرزاق القاضي ببغداد قال: قرأت على والدي أبي بكر وأمة الكريم أخبركما جدي الشيخ عبد القادر بن أبي صالح "ح" وأخبرنا أبو جعفر بن المقير وجماعة قالوا: أنا يحيى بن أبي السعود أخبرتنا شهدة بنت الأبري قالا: ثنا أبو غالب محمد بن الحسن ثنا الحسن بن أحمد ثنا عثمان بن السماك ثنا محمد بن الحسين بن أبي الحنين ثنا ابن الأصبهاني أنا شريك عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن صعصعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن تمت قبل منه سائر عمله، وإن نقصت قال: انظروا هل له من تطوع فأكملوها به". [4] فهذا النقص في الصلاة يشتمل على نقص عدد الصلوات ونقص ذاتها وماهيتها، فيكمل الله هذا وهذا بالنوافل بلطفه وكرمه فله الحمد.

1117- 21/17

عبد القادر بن عبد الله

الحافظ الإمام الرحال أبو محمد الرهاوي الحنبلي محدث الجزيرة.

ولد بالرهاء سنة ست وثلاثين وخمسمائة ونشأ بالموصل وكان مملوكًا لبعض المواصلة السفارين فأعتقه فطلب العلم وأقبل على الحديث فسمع من مسعود بن الحسن الثقفي والحسن بن العباس الرستمي وأبي جعفر محمد بن الحسن الصيدلاني ورجاء بن حامد ومحمود فورجة وإسماعيل بن شهريار ومعمر بن الفاخر وعبد الرحيم بن أبي الوفاء وعلي بن عبد الصمد بن مردويه وأقرانهم بأصبهان، والحافظ أبي العلاء ومحمد بن بنيمان بهمذان، وأبي زرعة المقدسي، ولحق بهراة عبد الجليل بن أبي سعد خاتمة أصحاب بيبي الهرثمية، وبمرو من مسعود بن محمد المروزي، وبنيسابور من أبي بكر محمد بن علي بن محمد الطوسي وطبقته، وبسجستان من أبي عروبة عبد الهادي بن محمد بن عبد الله الزاهد، وببغداد من أبي علي أحمد بن محمد الرحبي وأبي محمد الخشاب وخلق، وبواسط من هبة الله بن مخلد الأزدي وأبي طالب المحتسب، وبالموصل من أبي الفضل الطوسي ويحيى بن سعدون القرطبي، وبدمشق من أبي القاسم الحافظ ومحمد بن بركة الصلحي، وبمصر من محمد بن علي الرحبي وابن بري، وبالإسكندرية من السلفي؛ وعمل الأربعين المتباينة الأسانيد في مجلد كبير يدل على تبحره وسعة علمه.

قال ابن نقطة: كان عالمًا ثقة مأمونًا صالحًا إلا أنه كان عسرًا في الرواية لا يكثر عنه إلا من أقام عنده. قال يوسف بن خليل: كان حافظًا ثبتًا كثير السماع كثير التصنيف متقنًا ختم به علم الحديث. قال أبو محمد المنذري: كان حافظًا ثقة راغبًا في الانفراد عن أرباب الدنيا. وقال أبو شامة: كان صالحًا مهيبًا زاهدًا ناسكًا خشن العيش ورعًا.

قلت: حدث عنه ابن نقطة والزكي البرزالي والضياء وابن خليل والصريفيني وإسماعيل بن ظفر والشهاب القوصي وعبد الرحمن بن سالم الأنباري وأبو العباس بن عبد الدائم وأبو زكريا بن الصيرفي وعامر القلعي وعبد العزيز بن الصيقل والفقيه أبو عبد الله بن حمدان وغيرهم، وله أوهام نبهت على مواضع منها في الأربعين له، ومع حفظه ومعرفته فغيره أتقن، وتكرر في تباين الأسانيد أربعة مواضع.

توفي الحافظ الرهاوي بحران في ثاني جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وستمائة.

وفيها توفي المسند أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب البغدادي السباك الصوفي في شوال فجأة، سمع عبد الوهاب الأنماطي، والمسند أبو العباس أحمد بن يحيى بن بركة بن الديبقي البغدادي البزاز، والمسند أبو الفضل سليمان بن محمد بن علي الموصلي، والمسند الرحلة أبو محمد عبد العزيز بن معالي بن غنيمة بن منينا، والشريف أبو الفضل عبيد الله بن أحمد بن هبة الله الهاشمي المنصوري، وشيخ الصعيد القدوة أبو الحسن علي بن حميد بن الصباغ، والشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن موهوب بن البناء الصوفي، وكمال الدين أبو الفتوح محمد بن علي بن المبارك بن الحلاحلي السفار، والمسند أبو القاسم موسى بن سعيد بن هبة الله بن الصيقل الهاشمي عنده إسماعيل بن السمرقندي، والمسند يحيى بن ياقوت بن الفراش المجاور.

أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه في كتابه ثنا عبد القادر بن عبد الله الحافظ أنا مسعود بن الحسن الأصبهاني بها أنا إبراهيم بن محمد الطيار ومحمد بن أحمد السمسار قالا: أنا إبراهيم بن عبد الله التاجر ثنا الحسين بن إسماعيل القاضي ثنا ابن أبي مذعور ثنا يزيد بن زريع ثنا روح بن القاسم ثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتيت أبا بكر أسأله فمنعني، ثم أتيته أسأله فمنعني، ثم أتيته أسأله فمنعني، فقلت: إما أن تبخل وإما أن تعطيني، فقال: أتبخلني وأي داء أدوأ من البخل؟ ما أتيتني من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك ألفًا، قال: فأعطاني ألفًا وألفًا وألفًا.

1118- 22/17

ابن عات

الحافظ الإمام الثقة، أبو عمر أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي الشاطبي.

ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة كان من حفاظ الأندلس، ذكره الأبار فقال: سمع العلامة أبا محمد وأبا الحسن بن هذيل وعلم بن عبد العزيز وطبقتهم، وبالإسكندرية من أبي طاهر السلفي وابن عوف الزهري. قال أبو محمد المنذري: سمع أيضًا محمد بن يوسف بن سعادة وعاشر بن محمد ومخلوف بن جارة، وكان شيخنا ابن المفضل يذكره بكثرة الحفظ والميل إلى تحصيل المعارف. قال الأبار: كان أحد الحفاظ يسرد المتون ويحفظ الأسانيد عن ظهر قلب لا يخل منها بشيء موصوفًا بالدراية والرواية، يغلب عليه الورع والزهد على منهاج السلف يأكل الخشن ويلبس الخشن وربما أذن في المساجد، له تواليف دالة على سعة حفظه مع حظ من النثر والنظم، حدثونا عنه وأجاز لي مروياته، توجه غازيًا فشهد وقعة العقاب التي أفضت إلى خراب الأندلس بالدائرة على المسلمين فيها، فعدم رحمه الله في صفر سنة تسع وستمائة. قلت: وقع لي من مروياته نازلا.

ومات بعده في العام شيخ القراء بالأندلس أبو جعفر أحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الداني الحصار، والمحدث المفيد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن هراة القفصي الشافعي وقفصة بلدة بقرب القيروان، والإمام المحدث الجوال أبو نزار ربيعة بن الحسن بن علي الحضرمي اليمني الذماري الشافعي عن أربع وثمانين سنة، والمقرئ المحدث المسند أبو شجاع زاهر بن رستم البغدادي الشافعي بمكة، ومسند همذان أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن أبي زيد بن المعزم الهمذاني، وإمام العربية أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن خروف الحضرمي الإشبيلي، والمحدث المسند أبو الفرج محمد بن علي بن حمزة بن فارس الحراني ثم البغدادي بن القبيطي.

1119- 23/17

علي الإسكندراني

بن المفضل بن علي بن مفرج بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي شرف الدين أبو الحسن ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي، ثم الإسكندراني المالكي.

ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتفقه بالثغر على الإمام الصالح ابن بنت معافى وأبي الطاهر بن عوف وعبد السلام بن عتيق السفاقسي وأبي طالب اللخمي وسمع منهم ومن الحافظ السلفي فأكثر عنه وانقطع إليه وتخرج به وبطلبته، وسمع أيضًا من القاضي أبي عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري شيخ معمر حدثه عن عيسى بن أبي ذر الهروي ثم السروي سمع منه في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة صحيح البخاري سوى قطعة يسيرة من آخره، وسمع من بدر الخداداذي وعبد الرحمن بن خلف الله المقرئ، وعبد الله بن بري النحوي وعلي بن هبة الله الكاملي ومحمد بن علي الرحبي وخلق بالثغر والفسطاط والحرمين، وناب في الحكم بالإسكندرية مدة، ودرس بمدرسته ثم تحول إلى القاهرة ودرس بالمدرسة التي أنشأها الصاحب ابن شكر إلى أن مات، وكان من أئمة المذهب العارفين به ومن حفاظ الحديث.

له تصانيف مفيدة، رأيت له في سنة ست وثمانين وستمائة كتابًا في الصيام بأسانيده، وكان ذا ورع ودين مع أخلاق رضية ومشاركة في الفضائل.

روى عنه الزكيان المنذري والبرزالي والرشيد الآمدي والعلم عبد الحق بن الرصاص والشرف عبد الملك بن نصر الفهري اللغوي والمجد علي بن وهب القشيري المالكي وإسحاق بن بلكويه الصوفي والحسن بن عثمان القابسي محتسب الثغر والجمال محمد بن سليمان الواري ومحمد بن مرتضى بن حاتم والشهاب القوصي والقاضي الشرف أبو حفص السبكي والنجيب أحمد بن محمد السفاقسي ومحمد بن عبد الخالق بن طرخان والمحيي عبد الرحيم بن الدميري وآخرون. ذكره الحافظ المنذري فقال: كان رحمه الله جامعًا لفنون من العلم حتى قال بعض الفضلاء لما مر به على السرير ليدفن: رحمك الله يا أبا الحسن، قد كنت أسقطت عن الناس فروضًا. قال: وتوفي في مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة ودفن بسفح المقطم.

وفيها مات مسند الأندلس أبو القاسم أحمد بن محمد بن أبي المطرف بن جرج الفرضي عن اثنين وسبعين عامًا، عنده سنن النسائي بكماله سماعًا من البطروجي، وشيخ الحنابلة في زمانه ببغداد أبو بكر محمد بن معالي بن غنيمة بن الحلاوي عن ثمانين سنة وله سماع من الكروجي ونحوه.

أخبرنا العدل المعمر أبو المحاسن يوسف بن حسن بن القابسي أنا علي بن المفضل الحافظ إجازة وأبو القاسم الصفراوي سماعًا قالا: أنا أبو طاهر السلفي أنا أبو عبد الله الثقفي ثنا محمد بن الفضل بمكة ثنا عبد الله بن جعفر بن محمد بمصر ثنا يحيى بن أيوب العلاف ثنا يحيى بن بكير حدثني الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن أيوب بن موسى أن عبد الله بن عبيد بن عمير أخبره أن ثابتًا البناني أخبره أن أنس بن مالك قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لبيك بحجة وعمرة معًا". هذا حديث غريب جدًّا من حديث هؤلاء بعضهم عن بعض، وقع لي عاليًا جدًّا في كتاب أحمد بن سلامة عن أحمد بن محمد التيمي: أنا أبو علي المقرئ أنا أبو نعيم الحافظ نا أبو بكر بن خلاد نا محمد بن الفرج نا عبد الله بن بكر السهمي نا حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لبيك بحجة وعمرة".

1120- 24/17

ربيعة بن الحسن بن علي

الحافظ المحدث الرحال اللغوي، أبو نزار الحضرمي الصنعاني الذماري الشافعي.

ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة وتفقه باليمن وركب البحر إلى جزيرة كيش فسمع بأصبهان وهمذان وبغداد وأتقن الفقه بأصبهان، وسمع القاسم بن الفضل الصيدلاني وأبا الفضل محمد بن سهل المقرئ ورجاء بن حامد المعداني وعبد الله بن علي الطامذي وإسماعيل بن شهريار وعبد الجبار بن الصالحاني ومعمر بن الفاخر وأبا مسعود وعبد الرحيم الحاجي وعدة، وأخذ ببغداد عن ابن الخشاب وشهدة، وبالثغر عن أبي طاهر السلفي، وبدمشق ومصر والحرمين وكتب الكثير.

روى عنه الزكيان البرزالي والمنذري والضياء المقدسي وابن خليل الأدمي والتقي اليلداني والشهاب القوصي ومحمد بن النشبي وخلق، قال المنذري: كتبت عنه قطعة صالحة وكانت أصوله أكثرها باليمن، وهو أحد من لقيته ممن يفهم هذا الشأن، وكان عارفًا باللغة معرفة حسنة، كثير التلاوة والتعبد والانفراد. وقال عمر بن الحاجب فيما قرأت بخطه: كان ربيعة إمامًا عالمًا حافظًا ثقة أديبًا شاعرًا حسن الخط ذا دين وورع، ولد بشبام من قرى حضرموت. قال القوصي في معجمه: أنشدنا أبو نزار لنفسه:

ببيت لهيا بساتين مزخرفة كأنها سرقت من دار رضوان

أجرت جداولها ذوب اللجين على حصى من الدر مخلوط بعقيان

والطير تهتف وفي الأغصان صادحة كضاربات مزامير وعيدان

وبعد هذا لسان الحال قائلة ما أطيب العيش في أمن وإيمان

مات في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة تسع وستمائة.

أخبرنا أحمد بن سلامة عن الحافظ أبي نزار إجازة بمروياته. وأخبرنا إسحاق الوزيري ثنا أبو محمد المنذري أنا أبو نزار الصنعاني أنا رجاء بن حامد بأصبهان ثنا سليمان بن إبراهيم أبو مسعود وعبد الرزاق بن عبد الكريم قالا: أنا محمد بن إببراهيم بن جعفر ثنا محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا سليمان بن بلال ثنا يحيى بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان على جبل حراء فتحرك فقال: "اسكن حراء، فما عليك إلا نبيّ أو صديق أو شهيد". وكان عليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم. وفي هذه السنة معه توفي جماعة ذكروا مع ابن عات.

1121- 25/17

التجيبي

الحافظ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان المرسي، محدث تلمسان.

أخذ القراءات عن أبي أحمد بن معطي وأبي الحجاج الثغري وأبي عبد الله بن الفرس وسمع منهم ومن أبي محمد بن عبيد الله، ورحل وحج وأطال الغيبة فأكثر عن السلفي والناس، وذكر أن السلفي دعا له بطول العمر وقال له: تكون محدث المغرب إن شاء الله؛ وقد سمع بمكة من علي بن حميد الطرابلسي، وببجاية من الحافظ عبد الحق؛ وأخذوا عنه بسبتة في حياة شيوخه سنة أربع وسبعين، ثم استوطن تلمسان وخرج وصنف وعمل معجم شيوخه في مجلد ورحل إليه المحدثون.

قال الأبار في تاريخه: كان عدلًا خيرًا حافظًا للحديث ضابطًا، وغيره أضبط منه، روى عنه أكابر أصحابنا وبعض شيوخنا لعلو سنده وعدالته، وأجاز لي من مروياته. ألف أربعين حديثًا في المواعظ، وأربعين حديثًا في القضاء وفضله، وأربعين حديثًا في الحب لله، وأربعين في الصلاة على رسول الله، ﷺ، وأشياء سوى ذلك.

مات في جمادى الأولى سنة عشر وستمائة عن سبعين سنة.

قلت: وفيها توفي تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن ابن عساكر والد العز النسابة عن ثمان وستين سنة وقد خرج لنفسه مشيخة حسنة، وشيخ الأندلس خطيب قرطبة أبو جعفر يحيى بن الحميري واسمه أحمد بن إبراهيم، لقي الكبار ونيف على الثمانين، وشيخ الحنابلة الفخر إسماعيل بن علي غلام ابن المنى ببغداد، والمعمر أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن شنيف الدارقزي عن خمس وثمانين سنة، والمسند عبد الجليل بن أبي غالب بن مندويه الأصبهاني نزيل دمشق، ومسند الموصل مهذب الدين علي بن أحمد بن علي بن هبل الطبيب، والمعمرة عين الشمس بنت أحمد بن أبي الفرج الثقفية الأصبهانية عن تسعين سنة، والمفيد محدث أصبهان أبو عبد الله محمد بن مكي بن أبي الرجاء الحنبلي.

(تمت الطبقة السابعة عشرة.)

هامش

  1. رواه النسائي في الأذان باب 27. وأحمد في مسنده: "2/ 168، 372".
  2. رواه أحمد في مسنده "5/ 248، 257، 264".
  3. رواه البخاري في الصلاة في مسجد مكة باب 1، 6. ومسلم في الحج 415، 511. والترمذي في الصلاة باب 126.
  4. رواه الترمذي في المواقيت باب 188. والنسائي في الصلاة باب 9. وابن ماجه في الإقامة باب 202.


تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي
مقدمة | الطبقات: الأولى | الثانية | الثالثة | الرابعة | الخامسة | السادسة | السابعة | الثامنة | التاسعة | العاشرة | الحادية عشرة | الثانية عشرة | الثالثة عشرة | الرابعة عشرة | الخامسة عشرة | السادسة عشرة | السابعة عشرة | الثامنة عشرة | التاسعة عشرة | العشرون | الحادية والعشرون | شيوخ صاحب التذكرة