البداية والنهاية/الجزء الرابع عشر/ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البداية والنهايةالجزء الرابع عشر
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة
ابن كثير


ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة


استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وأولها يوم الأربعاء.

وفي خامس صفر منها: قدم إلى دمشق الشيخ شمس الدين محمود الأصبهاني بعد مرجعه من الحج وزيارة القدس الشريف وهو رجل فاضل له مصنفات منها: شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح التجريد وغير ذلك، ثم إنه شرح الحاجبية أيضا وجمع له تفسيرا بعد صيرورته إلى مصر، ولما قدم إلى دمشق أكرم واشتغل عليه الطلبة، وكان حظيا عند القاضي جلال الدين القزويني، ثم إنه ترك الكل وصار يتردد إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وسمع عليه من مصنفاته ورده على أهل الكلام، ولازمه مدة فلما مات الشيخ تقي الدين تحول إلى مصر وجمع التفسير.

وفي ربيع الأول جرد السلطان تجريدة نحو خمسة آلاف إلى اليمن لخروج عمه عليه، وصحبتهم خلق كثير من الحجاج، منهم الشيخ فخر الدين النويري.

وفيها: منع شهاب الدين بن مري البعلبكي من الكلام على الناس بمصر، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وعزره القاضي المالكي بسبب الاستغاثة، وحضر المذكور بين يدي السلطان وأثنى عليه جماعة من الأمراء، ثم سفر إلى الشام بأهله فنزل ببلاد الخليل، ثم انتزح إلى بلاد الشرق وأقام بسنجار وماردين ومعاملتهما يتكلم ويعظ الناس إلى أن مات رحمه الله كما سنذكره.

وفي ربيع الآخر عاد نائب الشام من مصر وقد أكرمه السلطان والأمراء.

وفي جمادى الأولى وقع بمصر مطر لم يسمع بمثله بحيث زاد النيل بسببه أربع أصابع، وتغير أياما.

وفيه: زادت دجلة ببغداد حتى غرقت ما حول بغداد وانحصر الناس بها ستة أيام لم تفتح أبوابها، وبقيت مثل السفينة في وسط البحر، وغرق خلق كثير من الفلاحين وغيرهم، وتلف للناس ما لا يعمله إلا الله، وودع أهل البلد بعضهم بعضا، ولجأوا إلى الله تعالى وحملوا المصاحف على رؤوسهم في شدة الشوق في أنفسهم حتى القضاة والأعيان، وكان وقتا عجيبا، ثم لطف الله بهم فغيض الماء وتناقص، وتراجع الناس إلى ما كانوا عليه من أمورهم الجائرة وغير الجائرة.

وذكر بعضهم انه غرق بالجانب الغربي نحو من ستة آلاف وستمائة بيت، وإلى عشرة سنين لا يرجع ما غرق.

وفي أوائل جمادى الآخرة فتح السلطان خانقاه سرياقوس التي أنشأها وساق إليها خليجا وبنى عندها محلة، وحضر السلطان بها ومعه القضاة والأعيان والأمراء وغيرهم. ووليها مجد الدين الأقصرائي، وعمل السلطان بها وليمة كبيرة، وسمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا بقراءة ولده عز الدين بحضرة الدولة منهم أرغون النائب، وشيخ الشيوخ القونوي وغيرهم، وخلع على القارئ عز الدين وأثنوا عليه ثناء زائدا، وأجلس مكرما، وخلع أيضا على والده ابن جماعة وعلى المالكي وشيخ الشيوخ، وعلى مجد الدين الأقصرائي شيخ الخانقاه المذكورة، وغيرهم.

وفي يوم الأربعاء رابع عشر رجب درس بقبة المنصورية في الحديث الشيخ زين الدين بن الكتاني الدمشقي، بإشارة نائب الكرك وأرغون، وحضر عنده الناس، وكان فقيها جيدا، وأما الحديث فليس من فنه ولا من شغله.

وفي أواخر رجب قدم الشيخ زين الدين بن عبد الله بن المرحل من مصر على تدريس الشامية البرانية، وكانت بيد ابن الزملكاني فانتقل إلى قضاء حلب، فدرّس بها في خامس شعبان وحضر القاضي الشافعي وجماعة.

وفي سلخ رجب قدم القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة من مصر ومعه ولده، وفي صحبته الشيخ جمال الدين الدمياطي وجماعة من الطلبة بسبب سماع الحديث، فقرأ بنفسه وقرأ الناس له واعتنوا بأمره، وسمعنا معهم وبقراءته شيئا كثيرا، نفعهم الله بما قرأوا وبما سمعوا، ونفع بهم.

وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال درس الشيخ شمس الدين بن الأصبهاني، بالرواحية بعد ذهاب ابن الزملكاني إلى حلب، وحضر عنده القضاة والأعيان، وكان فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجرى يومئذ بحث في العام إذا خص، وفي الاستثناء بعد النفي ووقع إنتشار وطال الكلام في ذلك المجلس، وتكلم الشيخ تقي الدين كلاما أبهت الحاضرين.

وتأخر ثبوت عيد الفطر إلى قريب الظهر يوم العيد، فلما ثبت دقت البشائر وصلى الخطيب العيد من الغد بالجامع، ولم يخرج الناس إلى المصلى، وتغضب الناس على المؤذنين وسجن بعضهم.

وخرج الركب في عاشره وأميره صلاح الدين بن أيبك الطويل، وفي الركب صلاح الدين بن أوحد، والمنكورسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهر.

وفي سابع عشره درس بالرباط الناصري بقاسيون حسام الدين القزويني الذي كان قاضي طرابلس، قايضه بها جمال الدين بن الشريشني إلى تدريس المسرورية، وكان قد جاء توقيعه بالعذراوية والظاهرية فوقف في طريقه قاضي القضاة جمال الدين ونائباه ابن جملة والفخر المصري. وعقد له ولكمال الدين بن الشيرازي مجلسا، ومعه توقيع بالشامية البرانية، فعطل الأمر عليهما لأنهما لم يظهرا استحقاهما في ذلك المجلس، فصارت المدرستان العذراوية والشامية لابن المرحل كما ذكرنا.

وعظم القزويني بالمسرورية فقايض منها لابن الشريشي إلى الرباط الناصري، فدرّس به في هذا اليوم وحضر عنده القاضي جلال الدين، ودرّس بعده ابن الشريشي بالمسرورية وحضر عنده الناس أيضا.

وفيه: عادت التجريدة اليمنية وقد فقد منهم خلق كثير من الغلمان وغيرهم، فحبس مقدمهم الكبير ركن الدين بيبرس لسوء سيرته فيهم.

من الأعيان:

الشيخ إبراهيم الصباح

وهو إبراهيم بن منير البعلبكي، كان مشهورا بالصلاح مقيما بالمئذنة الشرقية، توفي ليلة الأربعاء مستهل المحرم ودفن بالباب الصغير، وكانت جنازته حافلة، حمله الناس على رؤوس الأصابع، وكان ملازما لمجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية.

إبراهيم الموله

الذي يقال له القميني لإقامته بالقمامين خارج باب شرقي، وربما كاشف بعض العوام، ومع هذا لم يكن من أهل الصلاة، وقد استتابه الشيخ تقي الدين بن تيمية وضربه على ترك الصلوات ومخالطة القاذورات وجمع النساء والرجال حوله في الأماكن النجسة.

توفي كهلا في هذا الشهر.

الشيخ عفيف الدين

محمد بن عمر بن عثمان بن عمر الصقلي ثم الدمشقي، إمام مسجد الرأس، آخر من حدث عن ابن الصلاح ببعض سنن البيهقي، سمعنا عليه شيئا منها، توفي في صفر.

الشيخ الصالح العابد الزاهد الناسك عبد الله بن موسى بن أحمد الجزري

الذي كان مقيما بزاوية أبي بكر من جامع دمشق، كان من الصالحين الكبار مباركا خيرا، عليه سكينة ووقار.

وكانت له مطالعة كثيرة، وله فهم جيد وعقل جيد، وكان من الملازمين لمجالس الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان ينقل من كلامه أشياء كثيرة ويفهمها يعجز عنها كبار الفقهاء.

توفي يوم الاثنين سادس عشرين صفر، وصلّي عليه بالجامع ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة محمودة.

الشيخ الصالح الكبير المعمر الرجل الصالح

تقي الدين بن الصائغ المقري المصري، الشافعي، آخر من بقي من مشايخ القراء وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي، توفي في صفر ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة، قارب التسعين ولم يبق له منها سوى سنة واحدة، وقد قرأ عليه غير واحد وهو ممن طال عمره وحسن عمله.

الشيخ الإمام صدر الدين أبو زكريا يحيى

بن علي بن تمام بن موسى الأنصاري السبكي الشافعي، سمع الحديث وبرع في الأصول والفقه، ودرّس بالسيفية وباشرها بعده ابن أخيه تقي الدين السبكي الذي تولى قضاء الشام فيما بعد.

الشهاب محمود هو الصدر الكبير الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ صناعة الإنشاء الذي لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله في صنعة الإنشاء، وله خصائص ليست للفاضل من كثرة النظم والقصائد المطولة الحسنة البليغة، فهو شهاب الدين أبو الثنا محمود بن سلمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي.

ولد سنة أربع وأربعين وستمائه بحلب، وسمع الحديث وعني باللغة والأدب والشعر وكان كثير الفضائل بارعا في علم الإنشاء نظما ونثرا، وله في ذلك كتب ومصنفات حسنة فائقة، وقد مكث في ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة.

ثم ولي كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين إلى أن توفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان في منزله قرب باب النطفانيين وهي دار القاضي الفاضل، وصلّي عليه بالجامع ودفن بتربة له أنشأها بالقرب من اليغمورية وقد جاوز الثمانين رحمه الله.

شيخنا عفيف الدين الأمدي

عفيف الدين إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الأمدي، ثم الدمشقي الحنفي شيخ دار الحديث الظاهرية.

ولد في حدود الأربعين وستمائة، وسمع الحديث على جماعة كثيرين، منهم يوسف بن خليل ومجد الدين بن تيمية، وكان شيخا حسنا بهي المنظر سهل الإسماع يحب الرواية ولديه فضيلة، توفي ليلة الاثنين ثاني عشرين رمضان، ودفن بقاسيون، وهو والد فخر الدين ناظر الجيوش والجامع.

وقبله بيوم توفي الصدر معين الدين يوسف بن زغيب الرحبي أحد كبار التجار الأمناء.

وفي رمضان توفي:

البدر العوام

وهو محمد بن علي البابا الحلبي، وكان فردا في العوم، وطيب الأخلاق، انتفع به جماعة من التجار في بحر اليمن كان معهم فغرق بهم المركب، فلجأوا إلى صخرة في البحر، وكانوا ثلاثة عشر، ثم إنه غطس فاستخرج لهم أموالا من قرار البحر بعد أن أفلسوا وكادوا أن يهلكوا.

وكان فيه ديانة وصيانة، وقد قرأ القرآن وحج عشر مرات، وعاش ثمانا وثمانين سنة رحمه الله، وكان يسمع الشيخ تقي الدين بن تيمية كثيرا.

وفيه توفي:

الشهاب أحمد بن عثمان الأمشاطي

الأديب في الأزجال والموشحات والمواليا والدوبيت والبلاليق، وكان أستاذ أهل هذه الصناعة مات في عشر الستين.

القاضي الإمام العالم الزاهد صدر الدين

سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خصيب الجعفري الشافعي المعروف بخطيب داريا، ولد سنة ثنتين وأربعين وستمائة، بقرية بسرا من عمل السواد، وقدم مع والده فقرأ بالصالحية القرآن على الشيخ نصر بن عبيد، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي، والشيخ تاج الدين الفزاري.

وتولى خطابة داريا وأعاد بالناصرية، وتولى نيابة القضاء لابن صصرى مدة، وكان متزهدا لا يتنعم بحمام ولا كتان ولا غيره، ولم يغير ما اعتاده في البر، وكان متواضعا، وهو الذي استسقى بالناس في سنة تسع عشرة فسقوا كما ذكرنا.

وكان يذكر له نسبا إلى جعفر الطيار، بينه وبينه عشرة آباء، ثم ولي خطابة العقيبية فترك نيابة الحكم وقال هذه تكتفي إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ذي القعدة، ودفن بباب الصغير، وكانت جنازته مشهورة رحمه الله، وتولى بعده الخطابة ولده شهاب الدين.

أحمد بن صبيح المؤذن

الرئيس بالعروس بجامع دمشق مع البرهان بدر الدين أبو عبد الله محمد بن صبيح بن عبد الله التفليسي مولاهم المقري المؤذن، كان مع أحسن الناس صوتا في زمانه، وأطيبهم نغمة، ولد سنة ثنتين وخمسين وستمائة تقريبا، وسمع الحديث في سنة سبع وخمسين، وممن سمع عليه ابن عبد الدائم وغيره من المشايخ، وحدّث وكان رجلا حسنا، أبوه مولى لامرأة اسمها شامة بنت كامل الدين التفليسي، امرأة فخر الدين الكرخي، وباشر مشارفة الجامع وقراءة المصحف، وأذن عند نائب السلطنة مدة، وتوفي في ذي الحجة بالطواويس، وصلّي عليه بجامع العقيبية، ودفن بمقابر باب الفراديس.

خطاب باني خان خطاب

الذي بين الكسوة وغباغب، الأمير الكبير عز الدين خطاب بن محمود بن رتقش العراقي، كان شيخا كبيرا له ثروة من المال كبيرة، وأملاك وأموال، وله حمام بحكر السماق، وقد عمر الخان المشهور به بعد موته إلى ناحية الكتف المصري، مما يلي غباغب، وهو برج الصفر، وقد حصل لكثير من المسافرين به رفق، توفي ليلة سبع عشرة ربيع الآخر ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. وفي ذي القعدة منها توفي رجل آخر اسمه:

ركن الدين خطاب بن الصاحب كمال الدين

أحمد ابن أخت ابن خطاب الرومي السيواسي، له خانقاه ببلده بسيواس، عليها أوقاف كثيرة وبر وصدقة، توفي وهو ذاهب إلى الحجاز الشريف بالكرك، ودفن بالقرب من جعفر وأصحابه بمؤتة رحمه الله.

وفي العشر الأخير من ذي القعدة توفي:

بدر الدين أبو عبد الله

محمد بن كمال الدين أحمد بن أبي الفتح بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان الشيباني المعروف بابن العطار، ولد سنة سبعين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وكتب الخط المنسوب واشتغل بالتنبيه ونظم الشعر، وولي كتابه الدرج، ثم نظر الجيش ونظر الأشراف، وكانت له حظوة في أيام الأفرم، ثم حصل له خمول قليل، وكان مترفا منعما له ثروة ورياسة وتواضع وحسن سيرة، ودفن بسفح قاسيون بتربتهم رحمه الله.

القاضي محيي الدين أبو محمد بن الحسن

بن محمد بن عمار بن فتوح الحارثي، قاضي الزبداني مدة طويلة، ثم ولي قضاء الكرك وبها مات في العشرين من ذي الحجة، وكان مولده سنة خمس وأربعين وستمائة، وقد سمع الحديث واشتغل، وكان حسن الأخلاق متواضعا، وهو والد الشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني مدرس الظاهرية رحمه الله.

البداية والنهاية - الجزء الرابع عشر
698 | 699 | 700 | 701 | 702 | 703 | 704 | 705 | 706 | 707 | 708 | 709 | 710 | 711 | 712 | 713 | 714 | 715 | 716 | 717 | 718 | 719 | 720 | 721 | 722 | 723 | 724 | 725 | 726 | 727 | 728 | 729 | 730 | 731 | 732 | 733 | 734 | 735 | 736 | 737 | 738 | 739 | 740 | 741 | 742 | 743 | 744 | 745 | 746 | 747 | 748 | 749 | 750 | 751 | 752 | 753 | 754 | 755 | 756 | 757 | 758 | 759 | 760 | 761 | 762 | 763 | 764 | 765 | 766 | 767