نظرة إجمالية في حياة المتنبي/مراميه النفسية في صباه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نظرة إجمالية في حياة المتنبي
المؤلف: معروف الرصافي


كان زمان المتنبي زمان التغلب بالقوة، فكل من ساعدته الظروف وكانت لديه قوة كافية، استطاع أن يتغلب على البلد الذي هو فيه، فيكون فيه مالك الأمر والنهي.

وكذلك كان في كل بلد أمير، وفي كل قطر ملك، بل ملوك ولما كان المتنبي فد فطر على جانب عظيم من الذكاء والفطنة، وأوتي من طلاق اللسان، وفصاحة البيان، وحرارة الجنان، ما لم يؤته غيره من أهل الوسط الذي هو فيه، تولد فيه الطموح إلى الرئاسة، وإلى مناصب منذ نعومة أظفاره، وصار يحتقر الأمراء والملوك في نفسه. ويرى نفسه أحق منهم بما هم فيه والدليل على ذلك، ما جاء في شعره الذي قاله في حياته، فأنك إذا طالعته بتدبير، وجدت فيه ما يدل على ما ذكرنا بكل صراحة.

ولنورد بعض الشواهد على ذلك من شعره.

كانت للمتنبي وفرة، فقيل له وهو في المكتب: ما أحسن هذه الوفرة! فقال:

لا تحسن الوفرة حتى ترى         منشور الضفرين يوم القتالْ

على الفتى معتقلٍ صَعْدَه         يعلها من كل وافي السِبالْ

وقال أيضاً، وهو من شعره في صباه:

محي قيامي ما لذلكم نصل         بريئاً من الجَرْحى سليناً من القتلِ؟

أرى من فِر نْدي قطعة من فرنده         وجود ضرب الهام في جودة الصقل

وخضرة ثوب العيش غي خضرة التي         أرتك احمرار الموت في مدرج النملِ

أمِط عنك تشبيهي بما وكأنه         فما أحد فوقي ولا أحد مثلي

ومما يدل عل أنه منذ نعومة أظفاره كانت نفسه نفس ثائر على أهل زمانه، قوله في صباه:

إلى أي حين أنت في زي محرم؟         وحتى متى في شقوة؟ وإلى كم

ألا تمت تحت السيوف مكَرَّمَاً         تَمُتْ وتقاس للذي غير مكرْم

وقال بعد ما ذم مقامه بأرض نخلة، وهي قرية لبنى كلب عند بعلبك:

عشْ عزيزاً أو مُتْ وأنت كريم         بين طعن القنا وخفق البنود

إن أكن معجباً فعجب عجيب         لم يجد فوق نفسه من فريد

أنا في أمة تداركها الله         غريب كصالح في ثمود

وقال في صباه أيضاً من قصيدة:

يخيل لي أن البلاد مسامعي         وأني منها ما تقول العواذلُ

ومن يبغي ما أبغي من المجد والعلى         تساوى المحابي عنده والمقاتلُ

إلا الحاجات إلا نفوسكم         وليس لنا إلا السيوف وسائلُ

وقال أيضا من قصيدة في صباه:

ليس التعلل بالآمال من أربي         ولا قناعة بالإقلال من شيمي

ومنها، ومها وهو يدل على أنه كان رقيق الحال، أي فقيراً

لمِ الليالي التي أخفت على جدتي         برقّة الحال واعذرني ولا تَلُمِ

أرى أناساً ومحصولي على غنم         ونكر جود ومحصولي على كلم

وقال يخاطب نفسه بعد تعده لأهل زمانه:

ردي حياض الردى يا نفس واتركي         حياض خوف الردى للشاء والنَعمِ

غذ لن أذرك على الأرماح سائلة         فلا دعُيتُ أبنَ أمّ المجد والكرم

ومنها، وهو يدل على احتقار الملوك والأمراء في زمانه، وأنه يرى نفسه أحق منهم بالملك:

أيملك الملك والأسياف ظامئة         والطير جائعة لحم على وَضَم؟

من لو رآني ماءً مات من الظمأ         ولو عرضت له في النوم لم ينمِ

ميعاد كل رقيق الشفرتين غداً         ومكن عصى من ملوك العرب والعجم

فإن جابوا، فما قصدي بها لهم         وإن تولوا فما أرضى لها بهم

إن هذه الشواهد التي ذكرناها هنا، ليس من القصائد التي امتدح بها المتنبي رجال زمانه، وإنما هي قصائد قالها في أغراض نفسية، ولم يصانع في قولها أحداً، فهي أذن تدل دلالة واضحة على ما كان يرمي إليه من الرئاسة، وعلو المنزلة، وعلى مقته من كان في زمانه من الملوك والأمراء، واحتقاره إياهم. وهل يدل هذا على أنه كان كبير النفس؟ نحن نجيب على هذا السؤال بما يلي:

هل كان المتنبي كبير النفس ومن عظماء الرجال؟

سمعت مرة أحد أصدقائي الفضلاء، وأنا في القدس يتكلم عن المتنبي، ويصفه بأنه كبير النفس، فأنكرت عليه ذلك. وأنا أبين هنا رأيي في هذه المسألة بما يتضح به وجه الإنكار فأقول:

إن المتنبي وإن كان في نعومة أظفاره يرمي إلى عظائم الأمور، ويطمح إلى مناصب عالية من الرئاسة وعلو المنزلة، ويستصغر في جنب همته جميع معاصريه من الملوك والأمراء كما دل عليه شعره لم يكن صادق العزيمة، ولا قوي الإرادة. وأنت تعلم أن أول شرط يشترط لكبر النفس، هو صدق لإرادة وقوة العزيمة.

أما المتنبي، فانه في أول أمره طلب الرئاسة بالسيف، وهو يعلم أن لا وسيلة إلى الرئاسة في زمانه ألا السيف، فخرج على والي حمص، وهو أبن علي الهاشمي، وكان خروجه في بني عدي بأرض سلمية من العمل حمص، فبلغ الوالي أنه يريد أن يأخذ البلد، ويستولي عليه، والظاهر أن المتنبي لم يكن مستعداً للأمر الذي يحاوله، فقبض عليه أبن الهاشمي في قرية يقال لها (كوتكين) وجعل في رجله وعنقه خشبتين من خشب الصفصاف، فقال المتنبي:

زعم المقيم بكوتين بأنه         من آل هاشم بن عبد مناف

فأجبته: مذ صرت من أبنائهم         صارت قيودهم من الصفصاف

وقال، وهو في السجن يخاطب رجلاً يعرف بأبي دلف بن كنداج:

كن أيها السجن كيف شئت فقد         وطنت للموت نفس معترف

لو كان سكناي فيك منقصة         لم يكن الدر ساكن الصدف

إلى هنا نرى المتنبي رابط الجأش، ثابت العزم، غير مبال بالسجن ولا بالموت في سبيل ما يرميه لنفسه كما تدل عليه هذه الأبيات. ولننظر ما كان منه بعد ذلك.

لا نعلم كم لبث المتنبي في السجن. والظاهر أنه لم يبق فيه مدة طويلة. ولكنه ظهر منه الجزع، وبدا فيه خَوَرُ العزيمة وضعف الإرادة. فبينما كنا نسمعه يقول:

كن أيها السجن كيف شئت فقد         وطنت للموت نفسَ معترف

إذا رأيناه يكتب من السجن إلى الوالي قصيدة تدل على أنه أنكسر عزمه، وأنحلت عرا صبره، حيث قال في تلك القصيدة:

أما لكَ رقي ومَنْ شأنه         هبات اللجينْ وعتق العبيد

دعوتك عند انقطاع الرجاء         والموت مني كحبل الوريد

دعوتك لما براني البلاء         وأوهن رجلي ثقل الحديد

وقد كان مشيهما في النِعالِ         فقد صار مشيهما في القيود

وكنت من الناس في محفل         فها أنا في محفل من قرود

فمالك تقبل زُورَ الكلام         وقدرُ الشهادة قدرُ الشهود

وكن فارقاً بين دعوى أردت         ودعوى فغلت بشاوٍ بعيد

ومعنى البيت الأخير، يقول: ينبغي أن تفرق بين دعوى من يقول أردت أن أفعل كذا، ودعوى من يقول فعلت كذا.

أي أن الذين وشوا بي عندك إنما قالوا لك إنه يريد أن يأخذ البلد، وما قالوا لك أنه أخذه بالفعل، وبين الفعل بون بعيد.

ففي هذا البيت اعتراف المتنبي بالذنب، وإذا اعترف فيه بأنه أراد الخروج على الوالي، ولكنه أعتذر بأنه لم يفعل، وأن إرادته بقيت مجردة عن الفعل. وهو اعتذار بارد في هذا المقام. وسواء أطالت مدة سجنه أم قصرت، فماذا فعل المتنبي بعد خروجه من السجن؟

إن حياة المتنبي تنقسم بعد هذه الحادثة إلى ثلاثة أدوار:

الدور الأول ينتهي باتصاله بسيف الدولة، والدور الثاني ينتهي باتصاله بكافور الإخشيدي في مصر، والدور الثالث ينتهي بحادثة قتله في العراق

أما هو في الدور الأول فشاعر سائل، يمدح كلمن يطمع في نواله من الناس، فلا فرق بينه وبين غيره من شعراء عصره في مدح الناس لآخذ الجائزة، سوى أن المتنبي لما كانت شاعريته أقوى من غيره كان الناس في مدحه ارغب منهم في مدح غيره من الشعراء.

وإذا شئت أن تعرف اللذين أضاع المتنبي شعره بمدحهم في هذا الدور، فهؤلاء هم:

  • أبو العشائر الحسن بن علي العلوي.
  • أبو القاسم طاهر بن حسين العلوي.
  • أمير الرملة أبو محمد الحسن بن عبد الله.
  • علي بن محمد بن سيار التميمي

وغيرهم نحو سبعة وعشرين رجلاً بين رجل وأمير وكاتب وقاضٍ وغيره، وليس فيهم ما ينطق المتنبي بمدحهم سوى أخذ الجائزة.

فالمتنبي في هذا الدور شاعر سائل متملق، يمدح الملوك والأمراء، ويصحبهم، ويجالسهم. فإذا قام أحدهم قال فيه شعراً، وإذا قعد قال: فيه شعراً، وإذا شرب ارتجل فيه شعراً، وإذا نطق قال: له قلت حقاً، وإذا قتل أحداً قال: أحسنت أحسنت، وإذا ظلم أحداً قال: عدلت، وهكذا.

غير أن المتنبي كان عند هؤلاء مقصد أخر غير أخذ الجائزة، وهو نيل ما ترمي إليه نفسه من المناصب العالية بواسطة اتصاله بالملوك والأمراء ومدحهم إياهم.

لكنه لم يتجاسر أن يبوح لهم بمقصده هذا، لا في هذا الدور ولا في الدور الذي بعده. وإنما باح به وذكره لكافور فقط، غذ قال له من قصيدة يمدحه بها:

أبا المسك هل في الكأس فضا أنا له؟         فإني أغني منذ حين وتشرب!

إذا لم تنطي بي ضيعة أو ولاية         فجودك يكسوني وشغلك يسلب

والنتيجة هي أن المتنبي كان يرمي إلى هذه الغاية منذ أيام صباه، فأخذ أولاً يطلبها من طريق القوة، ولكن والي حمص كان أقوى منه فقهره، فرجع عنها من هذا الطريق، وصار يطلبها من طريق أخر وهو اتصاله بالملوك والأمراء ومدحه إياهم. ولو كان المتنبي ذا عزم قوي، وإرادة صادقة، لما رجع لأول صدمة أصابته كن طلب الولاية والرئاسة من طريق القوة. ولكنه لما القي في السجن، خار عزمه، ووهنت أرادته، فرجع، وصار يطلب لبانته عن طريق الاستجداء بالشعر، مع انه يعلم، علم اليقين، إن زمانه زمن التغلب، وأن الرئاسة فيه لا تستجدى، وإنما تؤخذ قهراً بالسيف، وأن العلم ولأدب لا يجديان نفعاً، وإن من كان ذا قوة ومكر وخديعة استطاع أن يحصل في ذلك الزمان على إمارة، أو ولاية، وإلا فلا، لأن الحكومة في زمانه كانت متعددة بتعدد البلاد، وكانت قائمة بالأشخاص لا بالقوانين والنظامات السياسية، فكان طريق الخروج على الحكومة سهلاً، لاسيما إذا كان الشخص الذي قامت به الحكومة جائر.

فلو كان المتنبي كبير النفس، لثبت في دعواه، ولم يرجع في طريقه، ولكان شبيب الخارجي فإما أن يصل إلى مطلوبه، وإما إن يموت دون الوصول اليه، ولكن المتنبي لم يثبت، بل رجع لأول صدمة أصابته بالسجن.

ثم انه أذل نفسه، وابتذل شعره في مدح من لا يستحقون مدحاً، وهو مع ذلك يحتقرهم ويراهم دونه في كل شيء كما قال:

أيملك الملك والأسياف ظامئة         والطير جائعة لحمٌ على وَضَمِ

ثم أنه ماذا لقي في الدور الثاني من حياته عند سيف الدولة؟ ولعمري أن حياة المتنبي عند هذا الرجل لمن المعميات التي يصعب حلها.!!

كان موقف المتنبي تجاه ممدوحيه في الدور الأول موقف السائل تجاه المسؤول، والتابع تجاه المتبوع، والكاذب تجاه المكذوب عليه، وليس هوه كذلك تجاه سيف الدولة، الذي كان المتنبي عنده عزيزاً وذليلاً، في وقت واحد

كان عزيزاً: لأن كان يجري عليه في سنة ثلاثة آلاف دينار، عدا الإقطاعات التي أقطعه إياها.

وكان ذليلاً لأنه طالما غضب عليه من غير حق، وأعرض عنه من دون ذنب، وربما قدم عليه من لا خير فيه من الشعراء إهانة له. وكان يتأخر عن مدحه في بعض الأحيان فيشتد غضب سيف الدولة، ويغري به أوباش الناس ليهينوه، وكم مرة أهين المتنبي في مجلسه، ولم ينتصر له حتى أهين مرة بمحضر منه وشج رأسه شجه أسالت دمه، وسيف الدولة ساكت ولم ينطق ببنت شفه.!!

وخلاصة القول، أن المتنبي لازم سيف الدولة زهاء تسع سنين لقي في منه الأمرين. كل ذلك والمتنبي لم يحد عن مدحه، ولم يفتر عن حبه، بل احتمل منه كل إهانة، ولم يهجه بعد فراقه كما هجا كافوراً، وهو لم يلق عند كافور من الذل عشر معشار ما لقي عند سيف الدولة وأغرب من ذلك أنه داوم على مدحه بعد فراقه أيضا. ومن نظر في الشعر الذي قاله المتنبي في سيف الدولة عند اتصاله به، وفي الشعر الذي قاله فيه مفارقته، قال أو كاد يقول إنه كان موقف المتنبي تجاه سيف الدولة موقف المحب تجاه الحبيب، لا الشاعر المادح تجاه الممدوح، وإلا فما معنى قوله في قصيدته الميمية:

واحر قلباه ممن قلبه شبم         ومن بحسمي وحال عنده سقم

ما لي أكتم حباً برى جسدي         وتدعي حب سيف الدولة الأمم

أن كان يجمعنا حب لعزته         فليت أنا بقدر الحب نقتسم

وهذه القصيدة هي التي حضر إنشادها أبو فراس وجماعة من الشعراء، فيؤلفوا في الوقيعة في حق المتنبي، حتى هم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة لشدة إدلاله، وأعرض سيف الدولة عنه.

وقد عبر المتنبي في شعره عن سيف الدولة بالحبيب المعمم، وجعله مقابلاً للحبيب القنع، وذلك في قصيدة قالها بمصر يمدح بها كافوراً بعد مفارقة سيف الدولة، قال في مطلعها:

فراقٌ، ومن فارقت غير مذمم         وأم، ومن يممت خير ميمم

يعني بقوله: (ومن فارقت) سيف الدولة.

ثم قال:

ولو كان ما بي من حبيبٍ مقنع عذرت، ولكن من حبيب معمم

ولعمري، لو أتيح من يسأله في حياته، فيقول له: كيف يكون من فارقته غير مذمم وقد أهنت بمحضره، ففارقته ذليلا مهاناً، وطالما أعرض عنك لغير ذنب، وغضب عليك لغير جرم، وسمع فيك قول الوشاة، وأغراهم باحتقارك؟ وهل تجرأ ابن خالويه النحوي فشج رأسك بمفتاح من حديد رماك به في محضر سيف الدولة إلا وهو عارف بأن ذلك موافق لما يريده بك ممدوحك من الحقارة؟ ذلك الممدوح الذي صرفت فيه ثلث شعرك، ومدحته بما لا يستحق مدحاً خلد له على الأيام ذكراً جميلاً لا ينسى؟ هذا مع انك قد هجوت كافوراً ذلك الهجاء المر ولم يكن أساء إليك بعض إساءة سيف الدولة، فهل أقدمك على هجاء كافور قبح منظره وإن لم يسيء إليك، وأخرك عن هجاء سيف الدولة حسن منظره وحبك إياه وان جار في معاملتك، وأنت القائل:

وما الحسن وجه الفتى شرف له         إذا لم يكن في فعله والخلائق؟

لطأطأ رأسه حياء، وسكت واجما لا يحير جواباً.

فبهذا يتبين أن المتنبي لم يكن ممن حمل بين جنبيه نفساً كبيرة. ولو أنه صرف ما أوتيه من قوة الشعرية العظمى في غير الاستجداء بمدح ظلمه الملوك والأمراء، لكان أعظم من المتنبي الذي نعرفه اليوم. أنا لا أطالب المتنبي أن ينظم شعره إذ ذاك في المواضيع العالية التي نتصورها، لأن محال، إذ هو في شعره تابع للعصر الذي عاش هو فيه.

لكني أقول: ما دام المتنبي ناقماً على ملوك زمانه، ومحتقراً لهم كما حل عليه كثير من شعره، كان يمكنه بعد عجزه عن محاربتهم بسيفه أن يحاربهم بشعره، وتقبيح ما يشاهده من سوء أعمالهم، أو كان يمكنه على الأقل أن يقف لهم بالمرصاد، فإن رأى لهم حسنة حمدهم عليها، وإن رأى لهم سيئة أنكرها عليهم. ولو أنه فعل كذلك، لجعل الله له عليهم سلطاناً، ولوجد له من أهل زمانه أعوانا!