نظرة إجمالية في حياة المتنبي/لماذا لقب بالمتنبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نظرة إجمالية في حياة المتنبي
المؤلف: معروف الرصافي


أكثر الذين كتبوا عن المتنبي قالوا مبهما أنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وهي أرض بحيال الكوفة مما يلي الشام. فإن صح الخبر، كان ذلك سبب تلقيبه بالمتنبي. لكنه غير صحيح عندي، لأن مترجمي المتنبي اتفقوا كلهم على أنه ولد في الكوفة، ونشأ في الشام، وبها تأدب ونبغ في الأدب كما ذكرناه فيما سبق. فمن المستحيل عادة آذن أن يدعي النبوة قبل ذهابه إلى الشام لأنه إذ ذاك صبي صغير. وإن قيل ادعاها إلى الشام ونبوغه في الأدب، قلنا أن ذلك باطل، لأن السماوة من بلاد العراق، والمتنبي لم يقدم العراق في أوائل نشأته إلا مرة واحدة. وذلك أنه ورد عليه كتاب من جدته لأمه، تشكو شوقها إليه، وطول غيبته عنها. فتوجه نحو العراق، ولم يمكنه دخول الكوفة على حالته تلك، فانحدر إلى بغداد، وكانت جدته قد يئست منه، فكتب إليها يسألها الميسر إليه، فحمت لوقتها سروراً به وماتت. فقال المتنبي يرثيها بقصيدته التي في مطلعها:

ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذما         فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما

ثم أنه كر راجعاً إلى الشام، ومدح بعد رجوعه إليها، القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسين الإنطاكي. فمتى ذهب إلى السماوة وادعى فيها النبوة؟.

ومما يدل على كذب هذا الخبر قولهم أنه لما فشا أمره، خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فاعتقله زماناً، ثم استتابه، وأطلقه قالوا هذا، والسماوة ليست من أعمال الشام، بل هي من أعمال العراق. فكيف يخرج إليه والي حمص ويعتقله؟

نعم، إن والي حمص قد قبض على المتنبي واعتقله، ولكن سبب ذلك هو خروجه عليه بأرض سلمية من عمل حمص كما ذكرناه سابقاً، إلا ادعاؤه النبوة في بادية السماوة، اذ لا حكم لامير حمص على السماوة ومن هنا نعلم إن هذا الخبر، أعني خبر ادعاء المتنبي النبوة، مختلق، وإن الذين اختلقوه أرادوا أن يؤيدوه، بما وقع من اعتقال المتنبي وسجنه، فأبطلوه!! لأن سبب الاعتقال والسجن معلوم كما تقدم.

لا صراحة، ولا تعريضاً. ومن البعيد أن يكون المتنبي قد قام بأعباء هذه الدعوة، ولقي في سبيلها ما لقي من الاعتقال والسجن، ولم يقل فيها شعراً أو لم يجيء لها ذكر في عرض شعره.

وأغرب من ذلك أن بعضهم ادعى أن للمتنبي قرآناً أيضاً!! ولا ريب في أنه من الموضوعات بعد المتنبي. أما السبب الحقيقي تلقيبه بالمتنبي، فقوله:

أنا في أمة تداركها الله         غريب كصالح في ثمود

وهذا القول هو الصحيح فيما أراه، فإنه لما شبه نفسه بالأنبياء في هذا البيت، لقبوه بالمتنبي، حتى اشتهر بهذا اللقب.

وقد اشتهر غير واحد من الشعراء قبل المتنبي بلقب منتزع له من بيت من شعره، كالرقش والممزق وغيرها. وقد ذكر الجاحظ في (البيان) جملة من الشعراء الذين لقبوا بألقاب أخذت من أشعارهم، فاشتهروا بها. فلم لا يجوز أن يكون المتنبي قد انتزع له هذا اللقب من قوله:

أنا في أمة تداركها الله         غريب كصالح في ثمود؟