نظرة إجمالية في حياة المتنبي/هل المتنبي شجاع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نظرة إجمالية في حياة المتنبي
المؤلف: معروف الرصافي


إن في شعر المتنبي ما يدل على أنه كان متصفاً بكثير من الصفات الفاضلة، كالإباء وعزة النفس والصبر والمجد والكرم والشجاعة وغير ذلك، ولا حاجة إلى إيراد شواهد من شعره على ذلك فإنها كثيرة معلومة عند أهل الأدب.

غير أننا نريد أن ننبه الأفكار إلى مسألة أخرى، وهي:

أيصح أن نكتفي بشعره في معرفة أخلاقه وثبوت تلك الصفات الفاضلة له، أم يجب نحققها بأدلة أخرى غير شعره؟ أما أنا، فإلى الشق الثاني من هذا السؤال أميل مني إلى الشق الأول لأن الشعراء قد اعتادوا في الفخريات والحماسيات من أشعارهم أن يتمدحوا ويتبجحوا بكل ما شاءوا من الصفات الفاضلة والخلال الحميدة سواء أكانت فيهم حقيقة أم لم تكن، فلا تكاد تجد شاعراً لم يدع لنفسه ما ادعاه المتنبي له، وربما رأينا من الشعراء من يفتخر بشيء فيدعي الشجاعة وهو جبان، ويتمدح بالجود وهو بخيل. هذا أبو العتاهية، وشعره في الزهد وشعره في الدنيا، وقد روى لنا الرواة من أخباره يدل على أنه كان من أحرص الناس على جمع المال، وأرغبهم في النيا، وأجمعهم لحطامها.

وقد روى لنا الرواة من أخبار المتنبي أيضاً ما يدل على أنه كان يحب المال حباً جماُ، وأنه كان حريصاً على جمعه وادخاره، وهو القائل:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله         مخافة الفقر، فالذي فعل الفقر

إذن يلزم في إثبات ما يدعيه المتنبي من الخلال الفاضلة أن لا نكتفي بإيراد الشواهد عليها من شعره، بل يجب أن نؤيدها بأدلة أخرى من غير شعره إن أمكن ذلك.

ولم أجد في الخصال التي ادعاها المتنبي لنفسه ما هو مؤيد بغير شعره إلا شجاعته التي جاء فيها شعره قوله:

عليّ أهل الجوار كل طمرة         عليها غلام ملء حيزومه غمر

يدير بأطراف الرماح عليهم         كؤوس المنايا حيث لا تشتهي الخمر

وقوله:

سيصحب النصل مني مثل مضر به         وينجلي خبري عن صمة الصمم

لقد تصبرت حتى لات مصطبر         فالآن أقحم حتى لات مقتحم

لا تركن وجوه الخيل ساهمة         والحرب أقوم من ساق على قدم

ردي حياض الردى يا نفس واتركي         حياض خوف الردى الشاء والنعيم

إن لم أدرك على الأرماح سائلة         فلا دعيت ابن أم المجد والكرم

وقد ثبتت شجاعة المتنبي بحادثتين:

الأولى قصته مع غلمان أبي العشائر، والثانية خبر مقتله في العراق.

أما الحادثة الأولى فنذكرها هنا بمقدماتها:

قال في (الصبح المنبي): قال ابن الدهان في المآخذ الكندية من المعاني الطائية: أن أبا فراس بن حمدان قال لسيف الدولة أن هذا المتشدق (يعني المتنبي) كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تغرق مائتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره!!

فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام، وعمل فيه، وصار يظهر الجفاء للمتنبي، ويتحجب عنه. ولما تكلم أبو فراس، كان المتنبي غائباً، فبلغته القصة. ولما حضر، دخل سيف الدولة، وأنشده هذه الأبيات:

ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتباً         فداه الورى أمضى السيوف مضاربا

وما لي إذا ما اشتقت أبصرت دونه         تنائف لا أشتاقها وسباسبا

وقد كان يدني مجلسي من سمائه         أحادث فيها بدرها والكواكبا

حنانيك مسؤولا ولبيك داعياً         وحسبي موهوبا وحسبك واهبا

أهذا جزاء الصدق إن كنت صادقا؟         أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا؟

قال: فأطرق سيف الدولة، ولم ينظر إليه كعادته. وحضر أبو سيف وجماعة من الشعراء، فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع أبو الطيب بعد ذلك. وكان سيف الدولة إذا تأخر عنه مدحه، شق عليه، وأكثر أذاه، وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يجب، فلا يجيب أبو الطيب أحداً عن شيء، فيزيد ذلك في غيظ سيف الدولة، ويتمادى أبو الطيب على ترك قول الشعر، ويلح سيف الدولة فيما كان يفعله، إلى أن زاد الأمر، وكثر عليه، فقال المتنبي قصيدته الميمية التي أولها:

                                       واحر قلباه ممن قلبه شبم

ثم جاء وانشدها، وجعل يتظلم فيها، ويقول:

ما لي أكتم حباً قد برى جسدي         وتدعي حب سيف الدولة الأمم

ولما تم إنشاد هذه القصيدة، وانصرف أبو الطيب، اضطرب المجلس.

وكان نبطي من كبراء كتاب سيف الدولة يقال له أبو الفرج السامري، فقال لسيف الدولة: دعني أسعى في دمه، فرخص له في ذلك، وفيه يقول أبو الطيب:

أسامري ضحكة كل راء         فطنت، وكنت أغبى الأغبياء

صغرت عن المديح، فقلت أهجى         كأنك ما صغرت عن الهجاء!

وما فكرت قبلك في محال         ولا جربت سيفي في هباء

قال الواحدي: ولما انصرف أبو الطيب ورأى السلاح تحت ثيابهم، سل سيفه وجاءهم حتى اخترقهم، فلم يقدموا عليه. ونمي ذلك إلى أبي العشائر، وكان قد غضب على المتنبي لما كان عنده يمدحه، فأرسل عشرة من خاصته، فوقفوا بباب سيف الدولة، وجاء رسوله إلى الطيب، فسار حتى قرب منهم، فضرب أحدهم يده إلى عنان فرسه، فسل أبو الطيب السيف، فوثب الرجل امامه، وتقدمت فرسه الخيل، وعبرت قنطرة كانت بين يديه واجترهم إلى الصحراء، فأصاب أحدهم نحر فرسه بسهم، فانتزع أبو الطيب السهم ورمى به، واستقلته الفرس، وتباعد بهم، ليقطعهم عن إمداد إن كان لهم. ثم كر عليهم بعد أن فني النشاب، فضرب أحدهم وقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف إلى ذراعه، فوقفوا عنه واشتغلوا بالمضروب، فسار وتركهم. فلما يئسوا منه، قال له أحدهم في آخر الليلة: نحن غلمان أبي العشائر، فقال المتنبي:

(ومنتسب عندي إلى من أحبه).. الخ.. الأبيات.

وأما الحادثة الثانية، أعني خبر مقتله، فقد جاء في (الصبح المنبي)

أن (الخالديين) قالا: كتبنا إلى أبي نصر محمد الجلي نسأله عما صدر لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف كان قتله.

وأبو نصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية، وله فضل وأدب وحرمة.

فأجابنا عن كتابنا جواباً طويلاً، يقول في أثنائه:

(وأما ما سألتم عنه من خبر مقتل أبي الطيب، فأنا أسوقه لكم واشرحه شرحا بينا. اعلموا أن ميسره كان من (واسط) يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من رمضان، والذي تولى قتله وقتل ابنه وغلامه رجل من بني أسد يقال له، فاتك بن أبي جهل بن فراس بن شداد الأسدي. وكان من قول فاتك لما قتله: (قبحاً لهذه اللحية يا قذاف المحصنات)!! وذلك أن فاتكا هذا هو خال ضبة بن يزيد الضبي الذي هجاه أبو الطيب بقوله:

ما انصف القوم ضبه         وأمه الطرطبه

فيقال أن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكر أخته أم ضبة بالقبح في هذه القصيدة، فكان ذلك سبب قتل أبي الطيب وأصحابه وذهاب ماله.

قال: وأما شرح الخبر، فإن فاتكا هذا صديق لي، وهو كما سمي فاتك لسفكه الدماء وإقدامه على الأهوال. فلما سمع القصيدة التي هجا بها ضبة، اشتد غضبه ورجع على ضبة باللوم، وقال له: كان يجب أن لا تجعل لشاعر عليك سبيلا، وهو يضمر السوء أبي الطيب، ولا يتظاهر به.

ثم بلغه انصرف أبي الطيب من بلاد فارس، وتوجهه إلى العراق وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل عن فرسه ومعه جماعة من بني عمه يرون في المتنبي مثل رأيه، فكانوا لا يزالون يتنسمون أخباره من كل صادر ووارد.

وكان كثيراً ما ينزل عندي، فقلت له يوماً: أراك قد أكثرت السؤال عن هذا الرجل، فما تريد منه إذا لقيته؟ فقال: ما أريد إلا الجميل، وعذله على هجاء ضبة!!

فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك، ثم قال:

يا أبا نصر، والله لئن اكتحلت عيني به، أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه، إلا أن يحال بيني وبينه بما لا أستطيع دفعه. فقلت له:

كف - عافاك الله - من هذا. ارجع إلى الله، فإن الرجل شهير الاسم، بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله.

وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه. وقد قال الشاعر:

هجوت زهيراً ثم أني مدحته         وما زالت الأشراف تهجي وتمدح

فقال: يفعل الله ما يشاء، وانصرف.

وما مضى بعد هذا إلا أيام قليلة، حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة من الذهب والفضة والطيب والملابس والتجملات النفسية والكتب الثمينة والأدوات الكثيرة، لأنه كان إذا سار لا يترك في منزله درهما ولا شيئاً يساويه. وكان أكثر إشفاقه على دفاتره، لأنه كان قد انتخبها وأحكمها قراءة وتصحيحاً.

قال أبو نصر: فتلقيته، وأنزلنه في داري، وسألته عن أخباره وعمن لقي في تلك السفرة، فعرفني من ذلك ما سررت به له.

وأقبل يصف ابن العميد وفضله وكرمه وعمله وكرم عضد الدولة ورغبته في الأدب وميله إلى

الأدباء.

فلما أمسينا، قلت له: يا أبا الطيب، علام أنت مجمع؟

قال: على أن أتخذ الليل مركبا، فإن السير فيه أخف علي. قلت:

هذا هو الصواب، رجاء أن يخفيه الليل، ولا يصبح إلا وهو قد قطع بلداً بعيداً.

وقلت له أن يكون معك من رجال هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواقع الخفية جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد، فقطب وجهه، وقال: فما تريد بذلك، قلت: أريد أن تستأنس بهم في الطريق. فقال: أنا والجزار في عاتقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره.

قلت: الأمر كما تقول، ولكن الرأي في الذي أشرت به عليك.

فقال: تلويحك ينبئ عن تعريض، وتعريضك عن تصريح، فعرفني جلية الأمر.

قلت: إن هذا الجاهل فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بما يوجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضا جماعة نحو العشرين من بني عمه يقولون مثل قوله.

فقال غلامه: الصواب يا مولاي ما أشار به أبو نصر. خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فإن ذلك أحوط. فاغتاظ أبو الطيب غيظا شديداً، وشتمه شتمه شتما قبيحا، وقال والله لا أرضى أن يتحدث الناس سرت في خفارة أحد غير سيفي.

قال أبو نصر: فقلت: يا هذا، أنا أوجه قوما من فبلي في حاجة لي يسيرون بمسيرك، وهم في خفارتك.

فقال: والله لا فعلت شيئا من هذا. ثم قال: يا أبا نصر أبنجو الطمير تخوفني ومن عبيد العصي تخاف علي؟ والله لو أن مخصرتي هذه، ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون لخمس وقد نظروا الماء كبطون الحيات، ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده، معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له: قل إن شاء الله.

فقال: هي كلمة مقولة، لا تدفع مقضيا، ولا استجلت آتيا.

ثم ركب فكان آخر العهد به. ولما صح عندي خبر مقتله، وجهت من دفنه ودفن ابنه وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدرا) انتهى.

النتيجة - لا ريب أن منازلة المتنبي عشرة من غلمان أبي العشائر، ومطاردته إياهم، وحديثه مع أبي نصر، وعدم تهيبه الموت، لما يدل صراحة على شجاعته، وإن كان حديثه مع أبي نصر يدل على ضعف رأيه في هذا المقام، لأنه لو عمل برأي أبي نصر وأخذ معه زهاء عشرين رجلا يسيرون بين يديه، لما كان ذلك مخلا بشجاعته سيما وقد أخبره أبو نصر إن مع فاتك عشرين رجلا من بني عمه كلهم يريدون قتله. فأين المتنبي في هذا المقام من قوله:

الرأي قبل شجاعة الشجعان         هو أول وهي المحل الثاني؟

علمه:

العلوم التي نضجت وشاعت في زمن المتنبي، هي علوم العربية، أو العلوم الأدبية والعلوم الإسلامية، كالحديث والتفسير والفقه وأصول الفقه والكلام.

أما العلوم العقلية كالطب والفلك والرياضيات والطبيعيات وغيرها من العلوم التي ترجمت عن اليونانية، فلم تكن إذ ذاك ناضجة كل النضج ولا شائعة شيوع العلوم الأخرى.

ولذا نرى أعاظم العلماء في عصر المتنبي وقبله كان أكثرهم من علماء العربية وعلماء العلوم الإسلامية، وكان أكثر تلك العلوم نضجا في ذلك العهد على ما أرى علم الكلام الذي هو أشبه شيء بالفلسفة الإسلامية. ولم أجد في أقوال الذين تكلموا على المتنبي ما يدل على أنه كان عالما بغير علوم العربية: تلك العلوم التي يكفي المرء علمه بها لأن يكون أكبر شاعر أو أديب في ذلك العصر.

وقد قالوا عن المتنبي أنه كان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها، وأنه كان لا يسأل عن شيء إلا استشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب (الإيضاح) و (التكملة) قال له يوما: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال المتنبي في الحال: جحلى وضربى.

قال الشيخ: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثا، فلم أجد!! وحسبك من يقول فيه أبو علي هذه المقالة!

وحجلى: جمع حجله، وهو الطائر الذي يسمى القبج.

وظربي: جمع ضربان بوزن قطران، وهي دويبة منتنة الرائحة.

وقالوا عن المتنبي انه لقي كثيرين من كبار علماء الادب، منهم الزجاج وابن السراج وأبو الحسن الأخفش وأبو بكر محمد بن دريد وأبو علي الفارسي.

قال في (الصبح المنبي): (قال عبد المحسن بن علي بن كوجك، حدثني أبي قال: كنت بحضرة سيف الدولة، وفي المجلس أبو الطيب المتنبي وأبو الطيب اللغوي وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، وقد جرت مسألة في اللغة بين أبي الطيب اللغوي وابن خالويه، فتكلم أبو الطيب المتنبي، وضعف قول ابن خالويه، فأخرج ابن خالويه من كمه مفتاحاً من حديد يشير به إلى المتنبي، فقال له المتنبي: ويحك، اسكت، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي فما لك والعربية؟ فضرب وجه المتنبي بذلك المفتاح، فأسال دمه على وجه وثيابه، فغضب المتنبي من ذلك ولاسيما إذ لم ينتصر له سيف الدولة لا قولا ولا فعلا، وكان ذلك أحد أسباب مفارقته لسيف الدولة). انتهى.

وليت هذا الراوي روى لنا المسألة بالتفصيل، فذكر قول أبي الطيب اللغوي وقول ابن خالويه فيها ثم قول أبي الطيب المتنبي، لنعلم في جانب من كان الحق؟

وسواء أكان الحق في جانب المتنبي أم في جانب ابن خالويه، لا نتردد في الحكم على المتنبي بأنه ضعيف الحجة في قوله لا بن خالويه:

(ويحك، اسكت، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي، فما لك والعربية؟)

لأن العلم بعلوم العربية شيء، والتكلم بالعربية تكلماً سليقا شيء آخر. فيجوز أن يكون العربي القح غير عالم بعلوم العربية وإن تكلم بالعربية سليقيا، كما يجوز أن يكون الأعجمي عالما بتلك العلوم وأن يكون متكلما بالعربية عن تعلم، لا عن سليقه. كيف لا، وقد نشأ في زمان المتنبي وقبله وبعده من فطاحل العربية أناس كانوا كلهم أعاجم، كسيبويه وابن جني وأبي علي الفارسي والزمخشري والجرجاني والتفتازاني والجوهري والفيروزابادي وغيرهم ممن لا يحصى عددهم، فهل يصح إذا تكلم أحد هؤلاء في مسألة من مسائل العربية أن تقول له ويحك، اسكت، فإنك أعجمي، ما لك والعربية؟ فلا يليق بالمتنبي أن يتكلم هذا الكلام الفارغ.

كما إننا لا نتردد في الحكم على ابن خالويه بأنه قد خرج عن صدد المناظرة، وأساء الأدب فيها، وفعل ما لا يكون إلا في مجالس الرعاع لا في مجالس العلماء والأمراء!!

وعندي أن تفسير هذه الحادثة لا يكون إلا بأحد وجهين، لا ثالث لهما:

الأول - أن هذا المجلس كان مدبرا لأجلها، وأن ابن خالويه لم يفعل ما فعل إلا بإشارة سابقة من سيف الدولة.

والثاني - إن المجلس لم يكن مدبرا، بل كان اتفاقا، وإن ابن خالويه لم يفعل ذلك بإشارة سابقة من سيف الدولة، ولكنه علم أن سيف الدولة ساخط على المتنبي، وأنه يرضى بإهانته في مجلسه، ففعل ما فعل. وإلا فصدور هذا الفعل منه غريب جداً وأغرب منه سكوت سيف الدولة، ذلك الرجل الذي يجب أن تكون منزلة المتنبي عنده فوق كل منزلة. هذا، وليلزم من قولنا (إن المتنبي لم يكن عالما بغير علوم العربية)

إنه كان يجهل غيرها بتاتاً، بل من الجائز أن يكون له إلمام بغيرها من العلوم أيضا، سوى أنه لم يكن مبرزاً ولا مشتهراً إلا بعلوم العربية دون غيرها.

وقد جاء في شعر المتنبي ما يدل على أنه كان عالما بأصول الديانات والمذاهب المختلفة لأهل الملل والنحل، فمن ذلك قوله:

وكم لظلام الليل عندك من يد         تخبر أن المانوية تكذب

وقوله:

ألا فتى يورد الهندي هامته         كما تزول شكول الناس والتهم

فإنه حجة يؤذي القلوب بها         من دينه الدهر والتعطيل والقدم

وقوله في مدح سيف الدولة:

فتبا لدين عبيد النجوم         ومن يدعى إنها تعقل

وقد عرفتك فما بالها         ترك تراها ولا تنزل؟

وقوله أيضاً:

تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم         إلا على شجب، والخلف في الشجب

فقيل: تخلص نفس المرء سالمة         وقيل: تشرك جسم المرء في العطب.