مقدمة ابن الصلاح/النوع الخامس والثلاثون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقدمة ابن الصلاح
النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحَّف
ابن الصلاح

النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحَّف من أسانيد الأحاديث ومتونها

هذا فن جليل، إنما ينهض بأعبائه الحذاق من الحفاظ، والدارقطني منهم، وله فيه تصنيف مفيد.

وروينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ؟

فمثال التصحيف في الإسناد حديث شعبة، عن العوام بن مراجم، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ «لتؤدُن الحقوق إلى أهلها» الحديث. صحف فيه يحيى بن معين فقال: ابن مزاحم بالزاي والحاء، فرد عليه، وإنما هو ابن مراجم بالراء المهملة والجيم.

ومنه: ما رويناه عن أحمد بن حنبل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، عن عائشة: رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفت. قال أحمد: صحف شعبة فيه، فإنما هو خالد بن علقمة، وقد رواه زائدة بن قدامة وغيره على ما قاله أحمد.

وبلغنا عنالدارقطني: أن ابن جرير الطبري قال: فيمن روى عن النبي ﷺ من بني سُليم: ومنهم عتبة بن البذر، قاله بالباء والذال المعجمة، وروى له حديثا وإنما هو ابن الندر بالنون والدال غير المعجمة.

ومثال التصحيف في المتن: ما رواه ابن لهيعة، عن كتاب موسى بن عقبة إليه، بإسناده عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد، وإنما هو بالراء احتجر في المسجد بخص أو حصير، حجرة يصلي فيها. فصحفه ابن لهيعة، لكونه أخذه من كتاب بغير سماع. ذكر ذلك مسلم في كتاب التمييز له.

وبلغنا عن الدارقطني في حديث أبي سفيان عن جابر قال: رُمي أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ: أن غندرا قال فيه أبي وإنما هو أُبي وهو أبي بن كعب.

وفي حديث أنس: ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة. قال فيه شعبة ذُرة بالضم والتخفيف، ونسب فيه إلى التصحيف.

وفي حديث أبي ذر: تعين الصانع. قال فيه هشام بن عروة: بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما رواه الزهري الصانع بالصاد المهملة، ضد الأخرق.

وبلغنا عن أبي زرعة الرازي: أن يحيى بن سلام - هو المفسر - حدث عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى: «سأريكم دار الفاسقين» قال مصر. واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه، وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة مصيرهم

وبلغنا عن الدارقطني: أن محمد بن المثنى أبا موسى العنزي حدث بحديث النبي ﷺ: «لا يأتي أحدكم يوم القيامة ببقرة لها خوار» فقال فيه: أو «شاة تنعر» بالنون، وإنما هو: تَيْعَر بالياء المثناة من تحت. وأنه قال لهم يوما: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي ﷺ إلينا. يريد ما روي: أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة، توهّم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة ههنا حربة، نصبت بين يديه فصلى إليها.

وأظرف من هذا ما رويناه عن الحاكم أبي عبد الله، عن أعرابي زعم: أنهﷺ كان إذا صلى نصبت بين يديه شاة، أي صحفها عنْزة بإسكان النون.

وعن الدارقطني أيضا: أن أبا بكر الصولي أملى في الجامع حديث أبي أيوب:من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال. فقال فيه شيئا بالشين والياء.

وأن أبا بكر الإسماعيلي الإمام كان - فيما بلغهم عنه -يقول في حديث عائشة، عن النبي ﷺ في الكهان قر الزجاجة بالزاي، وإنما هو: قر الدجاجة بالدال.

وفي حديث يروى عن معاوية بن أبي سفيان قال: لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر. ذكر الدارقطني عن وكيع أنه قاله مرة بالحاء المهملة وأبو نعيم شاهد، فرده عليه بالخاء المعجمة المضمومة.

وقرأت بخط مصنف: أن ابن شاهين قال في جامع المنصور في الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن تشقيق الحطب. فقال بعض الملاحين: يا قوم ! فكيف نعمل والحاجة ماسة.

قلت: فقد انقسم التصحيف إلى قسمين: أحدهما في المتن، والثاني في الإسناد.

وينقسم قسمة أخرى إلى قسمين:

أحدهما: تصحيف البصر، كما سبق عن ابن لهيعة وذلك هو الأكثر.

والثاني: تصحيف السمع، نحو حديث لعاصم الأحول رواه بعضهم فقال عن واصل الأحدب فذكر الدارقطني: أنه من تصحيف السمع، لا من تصحيف البصر، كأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سمع من رواه.

وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، وهو الأكثر. وإلى تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ، كمثل ما سبق عن محمد بن المثنى في الصلاة إلى عنزة.

وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفا مجاز، و الله أعلم.

وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه، ونسأل الله التوفيق والعصمة، والله أعلم.

مقدمة ابن الصلاح
المقدمة | النوع الأول معرفة الصحيح | النوع الثاني معرفة الحسن | النوع الثالث معرفة الضعيف | النوع الرابع معرفة المسند | النوع الخامس معرفة المتصل | النوع السادس معرفة المرفوع | النوع السابع معرفة الموقوف | النوع الثامن معرفة المقطوع | النوع التاسع معرفة المرسل | النوع العاشر معرفة المنقطع | النوع الحادي عشر معرفة المعضل | النوع الثاني عشر معرفة التدليس وحكم المدلس | النوع الثالث عشر معرفة الشاذ | النوع الرابع عشر معرفة المنكر | النوع الخامس عشر معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد | النوع السادس عشر معرفة زيادات الثقات وحكمها | النوع السابع عشر معرفة الأفراد | النوع الثامن عشر معرفة الحديث المعلل | النوع التاسع عشر معرفة المضطرب | النوع العشرون معرفة المدرج | النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع | النوع الثاني والعشرون معرفة المقلوب | النوع الثالث والعشرون معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد | النوع الرابع والعشرون معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله | النوع الخامس والعشرون في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده | النوع السادس والعشرون في صفة رواية الحديث وشرط أدائه | النوع السابع والعشرون معرفة آداب المحدث | النوع الثامن والعشرون معرفة آداب طالب الحديث | النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل | النوع الموفي ثلاثين معرفة المشهور من الحديث | النوع الحادي والثلاثون معرفة الغريب والعزيز | النوع الثاني والثلاثين معرفة غريب الحديث | النوع الثالث والثلاثون معرفة المسلسل من الحديث | النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه | النوع الخامس والثلاثون معرفة المصحَّف | النوع السادس والثلاثون معرفة مختلف الحديث | النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد | النوع الثامن والثلاثون معرفة المراسيل الخفي إرسالها | النوع التاسع والثلاثون معرفة الصحابة | النوع الموفي أربعين معرفة التابعين | النوع الحادي والأربعون معرفة الأكابر الرواة عن الأصاغر | النوع الثاني والأربعون معرفة المدبج | النوع الثالث والأربعون معرفة الإخوة والأخوات | النوع الرابع والأربعون معرفة رواية الآباء عن الأبناء | النوع الخامس والأربعون معرفة رواية الأبناء عن الآباء | النوع السادس والأربعون معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان | النوع السابع والأربعون معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد | النوع الثامن والأربعون معرفة من ذكر بأسماء مختلفة | النوع التاسع و الأربعون معرفة المفردات الآحاد | النوع الموفي خمسين معرفة الأسماء والكنى | النوع الحادي والخمسون معرفة كني المعروفين بالأسماء دون الكنى | النوع الثاني والخمسون معرفة ألقاب المحدثين | النوع الثالث والخمسون معرفة المؤتلف والمختلف | النوع الرابع والخمسون معرفة المتفق والمفترق | النوع الخامس والخمسون نوع يتركب من النوعين اللذين قبله | النوع السادس والخمسون معرفة الرواة المتشابهين | النوع السابع والخمسون معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم | النوع الثامن والخمسون معرفة النسب التي باطنها على خلاف ظاهرها | النوع التاسع والخمسون معرفة المبهمات | النوع الموفي ستين معرفة تواريخ الرواة | النوع الحادي والستون معرفة الثقات والضعفاء | النوع الثاني والستون معرفة من خلط في آخر عمره | النوع الثالث والستون معرفة طبقات الرواة والعلماء | النوع الرابع والستون معرفة الموالي | النوع الخامس والستون معرفة أوطان الرواة وبلدانهم