معالم السنن/الجزء الأول/15

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معالم السنن للإمام الخطابي

 

412/23م ومن باب الدعاء

387- قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار.

قوله فإنما ينظر في النار إنما هو تمثيل يقول كما يحذر النار فليحذر هذا الصنيع إذ كان معلوما أن النظر إلى النار والتحديق إليها يضر بالبصر، وقد يحتمل أن يكون أراد بالنظر إلى النار الدنو منها والصُّليَّ بها لأن النظر إلى الشيء إنما يتحقق عند قرب المسافة بينك وبينه والدنو منه.

وفيه وجه آخر وهو أن يكون معناه كأنما ينظر إلى ما يوجب عليه النار فأضمره في الكلام.

وزعم بعض أهل العلم أنه إنما أراد به الكتاب الذي فيه أمانة أو سر يكره صاحبه أن يطلع عليه أحد دون الكتب التي فيها علم فإنه لا يحل منعه ولا يجوز كتمانه، وقيل أنه علم في كل كتاب لأن صاحب الشيء أولى بماله وأحق بمنفعة ملكه وإنما يأثم بكتمان العلم الذي يسأل عنه، فأما أن يأثم في منعه كتابا عنده وحبسه عن غيره فلا وجه له والله أعلم.

388- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة أنها سُرقت مِلحفة لها فجعلت تدعو على من سرقها فجعل النبي ﷺ يقول لا تسبخي عنه.

قوله لا تسبخي عنه معناه لا تخففي عنه بدعائك، وقال أعرابي الحمد لله على تسبيخ العروق واساغة الريق.

389- قال أبو داود: حدثنا داود بن أمية حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

قوله مداد كلماته أي قدر ما يوازيها في العدد والكثرة، والمداد بمعنى المدد قال الشاعر:

رأوا بارقات بالأكف كأنها... مصابيح سرج أوقدت بمداد

أي بمدد من الزيت وحكى الفراء عن العرب أنهم يجمعون المُدَّ مدادا قال أنشدني الحارثي:

ما يَزْنَ في البحر بخير سعد... وخير مد من مداد البحر

فيكون على هذا معناه أنه يسبح الله على قدر كلماته عيار كيل أو وزن أو ما أشبههما من وجوه الحصر والتقدير، وهذا كلام تمثيل يراد به التقريب لأن الكلام لا يقع في المكاييل ولا يدخل في الوزن ونحوذلك.

390- قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية حدثني محمد بن أبي عائشة حدثني أبو هريرة قال قال أبوذر يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور بالأجور وذكر الحديث.

الدثور جمع الدثر وهو المال الكثير.

391- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن طليق بن قيس عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ يقول في دعائه: رب تقبل توبتي واغسل حَوبتي.

الحوبة الزلة والخطيئة والحوب الإثم.

392- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن ثابت، عَن أبي بردة عن الأغر المزني قال: قال رسول الله ﷺ: أنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة.

قوله يغان معناه يُغطي ويلبس على قلبي، وأصله من الغين وهو الغطاء وكل حائل بينك وبين شيء فهو غين ولذلك قيل للغيم غين.

393- قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد أخبرنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عباد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الأربع من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع.

قوله لا يسمع معناه لا يجاب ومن هذا قول المصلي سمع الله لمن حمده يريد استجاب الله دعاء من حمده. قال الشاعر:

دعوت الله حتى خفت ألا …يكون الله يسمع ما أقول

أي لا يجيب ما أدعو به.

394- قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثني مكي بن إبراهيم حدثني عبد الله بن سعيد عن صيفي مولى أفلح مولى أبي أيوب، عَن أبي اليسر أن رسول الله ﷺ كان يدعو ( اللهم إني أعوذ بك من الهدم وأعوذ بك من التردي ومن الغرق والحرق والهرم وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا ).

قلت: استعاذته من تخبط الشيطان عند الموت هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقة الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو يؤيسه من رحمة الله أو يتكره الموت ويتأسف على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله من الفناء والنُّقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء ويلقى الله وهوساخط عليه.

وقد روي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم منه في حال الموت يقول لأعوانه دونكم هذا فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه.

بالله نعوذ من شره ونسأله أن يبارك لنا في ذلك المصرع وأن يختم لنا بخير.

395- قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا قتادة عن أنس أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام.

قلت يشبه أن يكون استعاذته من هذه الأسقام لأنها عاهات تفسد الخلقة وتبقي الشين وبعضها يؤثر في العقل وليست كسائر الأمراض التي إنما هي أعراض لا تدوم كالحمى والصداع وسائر الأمراض التي لا تجري مجرى العاهات وإنما هي كفارات وليست بعقوبات.

3 - ومن كتاب الجنائز

395- قال أبو داود: حدثنا عبد العزبز بن يحيى حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال خرج رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن أُبي في مرضه الذي مات فيه فلما دخل عليه عرف فيه الموت قال قد كنت أنهاك عن حب اليهود قال فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فَمَهْ فلما مات أتاه ابنه فقال يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات فأعطني قميصك أكفنه فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعطاه إياه.

قلت كان أبو سعيد بن الأعرابي يتأول ما كان من تكفين النبي ﷺ عبد الله بن أبي بقميصه على وجهين: أحدهما أن يكون أراد به تألف ابنه وإكرامه فقد كان مسلما بريئا من النفاق، والوجه الآخر أن عبد الله بن أبي كان قد كسا العباس بن عبدالمطلب قميصا فأراد ﷺ أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها.

وحدثنا بهذه القصة ابن الأعرابي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول كان العباس بن عبد المطلب بالمدينة فطلبت الأنصار له ثوبا يكسونه فلم يجدوا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه.

وكان أيضا حدثنا بالحديث الأول الذي رواه أبو داود زادنا فيه شيئا لم يذكره أبو داود وقال حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله ﷺ قبر عبد الله بن أبي بعدما ادخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه أو فخذيه فنفس فيه من ريقه وألبسه قميصه.

قلت: عبد الله بن أُبي منافق ظاهر النفاق أنزل الله تعالى في كفره ونفاقه آيات من القرآن تتلى فاحتمل أن يكون ﷺ إنما فعل ذلك قبل أن ينزل قوله تعالى {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [1] واحتمل أن يكون معناه ماذهب إليه ابن الأعرابي من التأويل والله أعلم.

وفي الحديث دليل على جواز التكفين بالقميص. وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن لعلة أو سبب.

1/3-3م ومن باب فضل العيادة

396- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع عن علي رضي الله عنه قال: ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألفَ ملكٍ يستغفرون له حتى يصبح وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي وكان له خريف في الجنة.

قال أبو داود أُسند هذا عن عليّ من غير وجه صحيح عن النبي ﷺ.

قوله كان له خريف في الجنة أي مخروف من ثمر الجنة فعيل بمعنى مفعول، وهذا كحديثه الآخر عائد المريض على مخارف الجنة، والمعنى والله أعلم أنه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها.

2/6 6م ومن باب الخروج من الطاعون

397- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن ما لك عن ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس قال: قال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، يَعني الطاعون.

قلت في قوله لا تقدموا عليه إثبات الحذر والنهي عن التعرض للتلف وفي قوله لا تخرجوا فرارا منه إثباب التوكل والتسليم لأمرالله وقضائه فأحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض وتسليم.

3/10-10م - ومن باب موت الفُجأة

398- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن منصور عن تميم بن سلمة أو سعد بن عُبيدة عن عبيد بن خالد السُّلمي رجل من أصحاب النبي ﷺ قال مرة عن النبي ﷺ وقال مرة عن عبيد قال موت الفجأة اخذة أسف.

الأسف الغضبان ومن هذا قوله تعالى {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [2] ومعناه والله أعلم أنهم فعلوا ما أوجب الغضب عليهم والانتقام منهم.

4/11م ومن باب فضل من مات في الطاعون

399- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عَتيك بن الحارث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه أنه خبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: غلبنا عليك يا أبا الرجيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت، فقالت ابنته والله إن كنتُ لأرجو أن تكون شهيدا فإنك قد كنت قضيت جهازك فقال رسول الله ﷺ: قد وقع أجره على قدر نيته وماتعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد.

قلت أصل الوجوب في اللغة السقوط قال الله تعالى {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} [3] وهو أن تميل فتسقط وإنما يكون ذلك إذا زهقت نفسها، ويقال للشمس إذا غابت قد وجبت الشمس.

وقوله والمرأة تموت بجمع فهو أن تموت وفي بطنها ولد.

5/12-13م ومن باب ما يستحب من حسن الظن

بالله عند الموت

400- قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش، عَن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قبل موته بثلاث لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن بالله الظن.

قلت إنما يحسن بالله الظن من حسن عمله فكأنه قال أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله فإن من ساء عمله ساء ظنه ؛ وقد يكون أيضا حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو والله جواد كريم لا آخذنا الله بسوء أفعالنا ولا وكلنا إلى حسن أعمالنا برحمته.

6/13-14م ومن باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت

401- قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة، عَن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها.

قلت أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره، وقد روي في تحسين الكفن أحاديث وقد تأوله بعض العلماء علي خلاف ذلك فقال معنى الثياب العمل كنى بها عنه يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أوعمل سيء.

قال والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب ودنسُ الثياب إذا كان بخلاف في ذلك واستدل في ذلك بقول النبي ﷺ: تحشر الناس حفاة عراة، فدل ذلك على أن معنى الحديث ليس على الثياب التي هي الكفن، وقال بعضهم البعث غير الحشر فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا والله أعلم.

7/21-22م - ومن باب في التعزية

402- قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله أخبرنا المفضل عن ربيعة بن سيف المعافري، عَن أبي عبد الرحمن الحبُلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ يوما، يَعني ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة قال أظنه عرفها فلما ذهبت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله ﷺ: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك ؟ قالت أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت فرحّمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به، قال لها رسول الله ﷺ: فلعلك بلغت معهم الكُدَى قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا في ذلك فسألت ربيعة عن الكدى قال القبور فيما أحسب.

الكدى جمع الكدية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار، والعرب تقول ما هو إلا ضب كُدية إذا وصفوا الرجل بالدهاء والأرب، ويقال أكدى الرجل إذا حفر فأفضى إلى الصلابة ويضرب به المثل فيمن أخفق فلم ينجح في طلبته.

8/24- 25م ومن باب النوح

403- قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري عن عبدة وأبي معاوية المعنى عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فذكر ذلك لعائشة فقالت وَهَل تعني ابن عمر إنما مر رسول الله ﷺ على قبر يهودي فقال إن صاحبه ليعذب وأهله يبكون عليه ثم قرأت {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [4] ولم يقل عبدة يهودي.

قلت قد يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي والخبر المفسر أولى من المجمل ثم احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف الآية وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم وهو موجود في أشعارهم كقول القائل وهو طرَفة:

إذا مت فأنعيني بما أنا أهله... وشقي عليّ الجيب يا أم معبد

وكقول لَبيد:

فقوما فقولا بالذي تعلمانه … ولا تخمشا وجها ولا تحلقا الشعر

وقولا هو المرء الذي لا صديقه …أضاع ولا خان الأمين ولا غدر

إلى الحول ثم اسم لسلام عليكما …ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

ومثل هذا كثير في أشعارهم وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته، وقد قال رسول الله ﷺ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، وقولها وهل ابن عمر معناه ذهب وهَله إلى ذلك يقال وهل الرجل ووهم بمعنى واحد كل ذلك بفتح الهاء فإذا قلت وهل بكسر الهاء كان معناه فزِع.

وفيه وجه آخر ذهب إليه بعض أهل العلم، قال وتأويله أنه مخصوص في بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم مطرنا بنوء كذا أي عند نوء كذا، كذلك قوله إن الميت يعذب ببكاء أهله أي عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه ويكون ذلك حالا لا سببا لأنا لو جعلناه سببا لكان مخالفا للقرآن وهو قوله تعالى {لا تزر وازرة ورر أخرى} [5] والله أعلم.

9/26 - 27م ومن باب الشهيد لم يغسل

404- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره أن أنس بن مالك حدثه أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم.

405- قال وحدثنا ابن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب ( ح ) قال: وحدثنا قتيبة حدثنا أبو صفوان عن أسامة عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ مر على حمزة وقد مثل به فقال لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر من بطونها، وقلت الثياب وكثرت القتلى فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد زاد قتيبة يدفنون في قبر واحد، وكان رسول الله ﷺ يسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدمه إلى القبلة.

العافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها وتجمع على العوافي.

وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل وهو قول عوام أهل العلم.

وفيه أنه لا يصلى عليه وإليه ذهب أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة لا يغسل ولكن يصلى عليه، ويقال ان المعنى في ترك غسله ما جاء أن الشهيد يأتي يوم القيامة وكلمه يدمى الريح ريح المسك واللون لون الدم.

وقد يوجد الغسل في الأحياء مقرونا بالصلاة، وكذلك الوضوء فلا يجب التطهر على أحد إلا من أجل صلاة يصليها، إلا أن الميت لا فعل له فأمرنا أن نغسله ليُصلى عليه فإذا سقط الغسل سقطت الصلاة والله أعلم.

والحديث مستغنى بنفسه عن الاستشهاد له بدلائل الأصول.

وفيه جواز أن تدفن الجماعة في القبر الواحد وأن أفضلهم يقدم إلى القبلة وإذا ضاقت الأكفان وكانت الضرورة جاز أن يكفن الجماعة منهم في الثوب الواحد.

406- قال أبو داود: حدثنا عباس العنبري حدثنا عثمان بن عمر حدثنا أسامة عن الزهري عن أنس أن النبي ﷺ مر بحمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره.

قلت قد تأول قوم تركه الصلاة على قتلى أحد على معنى اشتغاله في ذلك اليوم عنهم وليس هذا بتأويل صحيح لأنه قد دفنهم مع قيام الشغل ولم يتركهم على وجه الأرض وأكثر الروايات أنه لم يصل عليهم.

وقد تأول بعضهم ماروي من صلاته على حمزة فجعلها بمعنى الدعاء زيادة خصوصية له وتفضيلا له على سائر أصحابه.

10/28-29م - ومن باب كيف غسل الميت

407- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك ( ح ) قال: وحدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد المعنى عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوة فقال أشعرنها إياه ولم يقل مسدد دخل علينا.

الحقوة الإزار، وقوله أشعرنها إياه يريد اجعلنه شعارا لها وهو الثوب الذي يلي جسدها.

وفيه أن عدد الغسلات وتر وأن من السنة أن يكون في آخر الماء شيء من الكافور وأن يغسل الميت بالسدر أو بما في معناه من أشنان ونحوه إذا كان على بدنه شيء من الدرن أو الوسخ.

408- قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت ضفرنا رأسها ثلاثة.

تريد ثلاثة قرون والضفر أصله الفتل. وفيه دليل على أن تسريح لحية الميت مستحب.

11/29-30م ومن باب الكفن

409- قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش، عَن أبي وائل عن خباب قال: قتل مصعب بن عمير يوم أحد ولم يكن له إلا نَمِرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجله خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله من الإذخر.

النمرة ضرب من الأكسية وفيه من الفقه أن الكفن من رأس المال وأن الميت إذا استغرق كفنه جميع تركته كان أحق به من الورثة.

12/34-35م ومن باب الغسل من غسل الميت

410- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن عمرو بن عمير، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ.

قلت لا أعلم أحدا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب، وقد يحتمل أن يكون المعنى فيه إن غاسل الميت لا يكاد يأمن أن يصيبه نضح من رشاش الغسول وربما كان على بدن الميت نجاسة فإذا أصابه نضحه وهو لا يعلم مكانه كان عليه غسل جميع البدن ليكون الماء قد أتى على الموضع الذي أصابه النجس من بدنه. وقد قيل معنى قوله فليتوضأ أي ليكن على وضوء ليتهيأ له الصلاة على الميت والله أعلم. وفي إسناد الحديث مقال.

13/43-44م ومن باب الركوب في الجنازة

411- قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن سماك سمع جابر بن سمرة قال صلى النبي ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود ثم أتي بفرس فعقل حتى ركبه فجعل يتوقص به ونحن نسعى حوله.

التوقص أن ترفع يديها وتثب به وثبا متقاربا واصل الوقص الكسر.

14/44-45م ومن باب المشي أمام الجنازة

412- قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما يمشون أمام الجنازة.

قلت أكثر أهل العلم على استحباب المشي أمام الجنازة، وكان أكثر الصحابة يفعلون ذلك، وقد روي عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة أنهما كان يمشيان خلف الجنازة.

وقال أصحاب الرأي لا بأس بالمشي أمامها والمشي خلفها أحب إلينا.

وقال الأوزاعي هو سعة وخلفها أفضل، فأما الراكب فلا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلف الجنازة.

413- قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس عن زياد بن جبيرعن أبيه عن المغيرة قال وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها والسِّقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة.

قلت اختلف الناس في الصلاة على السقط فروي عن ابن عمر أنه قال يصلى عليه وإن لم يستهل وبه قال ابن سيرين وابن المسيب.

وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كل مانفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صُلي عليه.

وقال إسحاق وإنما الميراث بالاستهلال، فأما الصلاة فإنه يصلى عليه لأنه نسمة تامة قد كتب عليه الشقاء والسعادة فلأي شيء يترك الصلاة عليه.

وروي عن ابن عباس أنه قال إذا استهل ورث وصُلّي عليه.

وعن جابر إذا استهل صلي عليه وإن لم يستهل لم يصل عليه، وبه قال أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي.

15/46-47م ومن باب الإمام يصلي على من قتل نفسه

414- قال أبو داود: حدثنا ابن نُفيل حدثنا زهير حدثنا سماك حدثني جابر بن سمرة قال نحر رجل نفسه بِمشقَص فأُخبر به رسول الله ﷺ فقال إذا لا أصلي عليه.

المشقص نصل عريض وترك النبي ﷺ الصلاة عليه معناه العقوبة له والردع لغيره عن مثل فعله.

وقد اختلف الناس في هذا فكان عمر بن عبدالعزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه، وكذلك قال الأوزاعي وقال أكثر الفقهاء يصلى عليه.

16/47-48م ومن باب فيمن قتلتْه الحدود

415- قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو عَوانة، عَن أبي بشر جعفر حدثني نفر من أهل البصرة، عَن أبي برزه الأسلمي أن رسول الله ﷺ لم يصل على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه.

قلت كان الزهري يقول يصلى على الذي يقاد منه في حد ولا يصلى على من قتل في رجم. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أمر أن يصلى على شُراحة وقد رجمها وهو قول أكثر العلماء.

وقال الشافعي لا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة برا كان أو فاجرا.

وقال أصحاب الرأي والأوزاعي يغسل المرجوم ويصلى عليه، وقال مالك من قتله الإمام في حد من الحدود فلا يصلى عليه الإمام ويصلي عليه أهله إن شاؤوا أو غيرهم. وقال أحمد لا يصلي الإمام على قاتل نفس ولا غالٍّ. وقال أبوحنيفة من قتل من المحاربين أو صلب لم يصل عليه، وكذلك الفئة الباغية لا يصلى على قتلاهم. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن تارك الصلاة إذا قتل لم يصل عليه ويصلى على من سواه ممن قتل في حد أو قصاص.

17/56-58م ومن باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك

416- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي لليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات.

قلت: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله ﷺ وصدقه على نبوته إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه فلزم رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه في الصلاة عليه فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائبا عنه فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كانت السنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة.

وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهية الصلاة على الميت الغائب وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصا بهذا الفعل إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى كان يبصر مكانه، وهذا تأويل فاسد لأن رسول الله ﷺ إذا فعل شيئا من أفعال الشريعة كان علينا متابعته والايتساء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل. ومما يبين ذلك أنه ﷺ خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم فصلوا معه فعلمت أن هذا التأويل فاسد والله أعلم.

18/48-49م ومن باب الصلاة على الطفل

417- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت مات إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ.

قلت كان بعض أهل العلم يتأول ذلك على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه قد استغنى بنبوة رسول الله ﷺ عن قربة الصلاة كما استغنى الشهداء بقربة الشهادة عن الصلاة عليهم.

418- وقد روى عطاء مرسلا أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم. ورواه أبو داود في هذا الباب. حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني عن ابن المبارك عن يعقوب بن القعقاع عن عطاء.

قلت وهذا أولى الأمرين وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالا، وقد روي أن الشمس قد خسفت يوم وفاة إبراهيم فصلى رسول الله ﷺ صلاة الخسوف فاشتغل بها عن الصلاة عليه والله أعلم.

19/49-50م ومن باب الصلاة على الجنازة في المسجد

419- قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا فليح بن سليمان عن صالح بن عجلان ومحمد بن عبد الله بن عباد عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد.

420- قال وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن أبي ذئب حدثني صالح مولى التوأمة، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له.

قلت الحديث الأول أصح وصالح مولى التوأمة ضعفوه وكان قد نسي حديثه في آخر عمره، وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلي عليهما في المسجد ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما ففي تركهم إنكاره دليل على جوازه.

وقد يحتمل أن يكون معناه ان ثبت الحديث متأولا على نقصان الأجر وذلك أن من صلى عليها في المسجد فإن الغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه وإن من سعى إلى الجبان فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه فأحرز أجر القيراطين وهو مارواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال من صلى على جنازة فله قيراط ومن شهد دفنها فله قيراطان والقيراط مثل أحد، وقد يؤجر أيضا على كثرة خطاه فصار الذي يصلي عليها في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من صلى عليها برّا والله أعلم.

20/50-51م ومن باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها

421- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا موسى بن علي بن رباح قال سمعت أبي يحدث أنه سمع عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن يصلى فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس طزغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب أوكما قال.

قوله تضيف معناه تميل وتجنح للغروب يقال ضاف الشيء يضيف بمعنى مال ومنه اشتق اسم الضيف، ويقال ضفت الرجل إذا ملت نحوه وكنت له ضيفا وأضفته إذا أملته إلى رحلك فقربته.

واختلف الناس في جوار الصلاة على الجنازة والدفن في هذه الساعات الثلاث فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز في الأوقات التي تكره الصلاة فيها وروي ذلك عن ابن عمر وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي، وكذلك قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وكان الشافعي يرى الصلاة على الجنائز أي ساعة شاء من ليل أو نهار وكذلك الدفن أي وقت كان من ليل أو نهار.

قلت قوله الجماعة أولى لموافقته الحديث.

21/51-53م ومن باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه

422- قال أبو داود: حدثنا داود بن معاذ حدثنا عبد الوارث عن نافع أبي غالب قال صليت خلف أنس بن مالك على جنازة عبد الله بن عمير فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم صلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقيل له هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنائز كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم. وذكر أنس أنه شهد حنينا مع رسول الله ﷺ فكان رجل من المشركين يحمل على المسلمين فيدمغهم ويحطمهم ثم هزمهم الله وجعل يجاء بهم فيبايعونه على الإسلام فقال رجل، يَعني من أصحاب رسول الله ﷺ إن علي نذرا إن جاء الله بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه وحيء بالرجل فقال يا رسول الله تبت إلى الله فأمسك رسول الله ﷺ لا يبايعه ليفي الرجل بنذره فجعل الرجل يتصدى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله فلما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يصنع شيئا بايعه فقال الرجل يا رسول الله نذري فقال إني لم أمسك منذ اليوم إلا لتفي بنذرك قال يا رسول الله أفلا أومضت إلي فقال رسول الله ﷺ أنه ليس لنبي يومض.

قلت الإيماض الرمذ بالعين والإيماء بها، ومنه وميض البرق وهو لمعانه.

وأما قوله ليس لنبي يومض فإن معناه أنه لا يجوز له فيما بينه وبين ربه عز وجل أن يضمر شيئا ويظهر خلافه لأن الله تعالى إنما بعثه بإظهار الدين وإعلان الحق فلا يجوز له ستره وكتمانه لأن ذلك خداع ؛ ولا يحل له أن يؤمن رجلا قي الظاهر ويخفره في الباطن.

وفي الحديث دليل على أن الإمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من الأسارى وبين حقن دمائهم ما لم يسلموا فإذا أسلموا فلا سبيل عليهم.

وقد اختلف الناس في موقف الإمام من الجنازة فقال أحمد يقوم من المرأة بحذاء وسطها ومن الرجل بحذاء صدره.

وقال أصحاب الرأي يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر.

وأما التكبيرفقد روي عن النبي ﷺ خمس وأربع فكان آخر ما كان يكبر أربعا وكان علي بن أبي طالب يكبر على أهل بدر ست تكبيرات وعلى سائر الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا، وكان ابن عباس هى التكبير على الجنازة ثلاثا.

22/55-57م ومن باب الصلاة على القبر

423- قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حَدَّثنا حماد عن ثابت، عَن أبي رافع، عَن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلا كان يَقُمُّ المسجد ففقده النبي ﷺ فسأل عنه فقيل مات فقال ألا آذنتموني به قال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليه.

قوله يقم معناه يكنس والقمام الكُناسة وفيه بيان جواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن.

23/67-70م ومن باب كراهية الذبح عند الميت

424- قال أبو داود: حدثنا يحيى بن موسى البلخي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله ﷺ: لا عَقْر في الإسلام.

قلت كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون نجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته.

قال الشاعر:

عقرت على قبر النجاشي ناقتي... بأبيضَ عَضب أخلصته صياقله

على قبر من لوأنني مت قبله... لهانت عليه عند قبري رواحله

ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا ومن لم يعقر عنه حشر راجلا، وكان هذا على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموت.

24/70-72م ومن باب في البناء على القبر

425- قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يقعد على القبر وأن يقصص وأن يبنى عليه.

قلت نهيه عن القعود على القبر يتأول على وجهين: أحدهما أن يكون ذلك في القعود عليه للحديث. والوجه الآخر كراهة أن يطأ القبر بشيء من بدنه، وقد روي أن النبي ما رأى رجلا قد اتكأ على قبر فقال لا تؤذ صاحب القبر، والتقصيص التجصيص والقَصة شيء شبيه بالجص.

25/72-74م ومن باب المشي بين القبور في النعل

426- قال أبو داود: حدثنا سهل بن بكار حدثنا الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير السدوسي عن بشير بن نهيك عن بشير مولى رسول الله ﷺ قال بينا أنا أماشي رسول الله ﷺ إذا حانت منه نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال يا صاحب السِّبتيتين ويحك الق سِبْتيتك فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما.

427- قال وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم.

قال الأصمعي السبتية من النعال ما كان مدبوغا بالقرظ.

قلت وخبر أنس يدل على جواز لبس النعل لزائر القبور وللماشي بحضرتها وبين ظهرانيها.

فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيهما من الخيلاء وذلك أن نعال السبت من لباس أهل الترفه والتنعم قال الشاعر يمدح رجلا:

يُحذى نعال السبت ليس بتوأم

وقال النابغة:

رقاق النعال طيب حجزاتهم... يحيون بالريحان يوم السباسب

يقول هم أعفاء الفروج لا يحلون أزرهم لريبة، والسباسب عيد كان لهم في الجاهلية فأحب النبي ﷺ أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ولباس أهل الخشوع.

26/77-79م باب ما يقول الرجل إذا مر بالقبور

428- قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.

قلت: فيه من العلم أن السلام على الموتى كهو على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم ولا يقدم الاسم على الدعاء كما تفعله العامة، وكذلك هو في كل دعاء الخير كقوله تعالى {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} [6] وكقوله عز وجل {سلام على آل ياسين} [7] وقال في خلاف ذلك {وإن عليكم لعنتي إلى يوم الدين} [8] فقدم الاسم على الدعاء وفيه أنه سمى المقابر دارا فدل على أن اسم الدار قد يقع من جهة اللغة على الربع العامر المسكون وعلى الخراب غير المأهول كقول الشاعر:

[يا دار مَيَّة بالعلياء والسند] ثم قال: [أَقْوَت وطال عليها سالف الأبد].

وأما قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فقد قيل إن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذى يدخل الكلام لشك وارتياب ولكنه عادة المتكلم يُحسِّن بذلك كلامه ويزينه كما يقول الرجل لصاحبه إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء الله وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله في نحو ذلك من الكلام وهولا يريد به الشك في كلامه. وقد قيل أنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان والآخرون يظن بهم النفاق فكان استثناؤه منصرفا إليهم دون المؤمنين فمعناه اللحوق بهم في الإيمان وقيل إن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الموت.

27/78-70 ومن باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات

429- قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال وقصت برجل محرم ناقته فقتلته فأُتي به النبي ﷺ فقال: اغسلوه وكفنوه ولا تغطوا رأسه ولا تقربوه طيبا.

قوله وقصت به ناقته يريد أنها صرعته فدقت عنقه وأصل الوقص الدق أو الكسر.

وفيه من الفقه أن حرم الرجل في رأسه وإن المحرم إذا مات سن به سنة الأحياء في اجتناب الطيب.

جاء في النسخه الكتانية ما نصه: آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين

وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم، يتلوه في الثاني كتاب الزكاة

وكتب بمدينة السلام في المدرسة النظاميه في الجانب الشرقي

وتم في شهر صفر من سنة سبع وثمانين وأربعمائة.

هامش

  1. [التوبة: 84]
  2. [الزخرف: 55]
  3. [الحج: 36]
  4. [الأنعام: 164]
  5. [الأنعام: 164]
  6. [هود: 73]
  7. [الصافات: 130]
  8. [ص: 78]


معالم السنن - الجزء الأول للإمام الخطابي
معالم السنن/الجزء الأول/1 | معالم السنن/الجزء الأول/2 | معالم السنن/الجزء الأول/3 | معالم السنن/الجزء الأول/4 | معالم السنن/الجزء الأول/5 | معالم السنن/الجزء الأول/6 | معالم السنن/الجزء الأول/7 | معالم السنن/الجزء الأول/8 | معالم السنن/الجزء الأول/9 | معالم السنن/الجزء الأول/10 | معالم السنن/الجزء الأول/11 | معالم السنن/الجزء الأول/12 | معالم السنن/الجزء الأول/13 | معالم السنن/الجزء الأول/14 | معالم السنن/الجزء الأول/15 | معالم السنن/الجزء الأول/16 | معالم السنن/الجزء الأول/17