انتقل إلى المحتوى

مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/في باريس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

في باريس :

وفي اليوم الثاني من وصولنا إلى باريس قابل الأمير كلمنصو مقابلة ودية لم تنتج أي حل عملي حتى ولا تأليف اللجنة المذكورة . ولم تفد مراجعات الوفد العربي في مؤتمر الصلح للوفد الأميركي بطلب التدخل لعدم قبول الاتفاق البريطاني - الفرنسي الجديد المعقود في 15 أيلول ١٩١٩. و بذلك تخلي البريطانيون عن العرب لقاء تنازل الفرنسيين لهم عن ولاية الموصل التي كانت داخلة في حدود سورية العربية بموجب اتفاق سيكس – بيكو ، و عن ثروتها البترولية العظيمة . وكان الظاهر انه لو لم يحصل هذا التخلي أو اذا لم تكن الدولة العربية التي من ضمنها الموصل تابعة لأخذ المعونة الاقتصادية من فرنسا ، لما قبل لوید جورج اعطاء فرنسا حرية العمل في سورية الداخلية وبعد أن تأكد الأمير من عدم تمكنه من الاعتماد على بريطانيا لاجل تحقيق وعودها المعطاة للملك حسين بعقدها اتفاق 15 ایلول ١٩١٩ ونصح بريطانيا له بالاتفاق مع کلنصو ، راح يبذل كل جهوده للوصول الى غاياته عن هذا الطريق . وقد كلفت الحكومة الفرنسية قدور بن غبريط وزير التشريفات في البلاط الشريفي المراكشي الموكول اليه اقناع من تود فرنسا اقناعه من رجالات العرب باتباع السياسة التي تود تحقيقها ، بأن يكون لسان حالها للتأثير على الامير واستمالته. و كثرت مجاملتهم له ، فكان يدعي إلى الحفلات التمثيلية وحفلات الباليه الخصوصية ، ويجامله کلصنو كثيرا ويزوره . وفتح المسيو غو مدير الشؤون الشرقية في وزارة الخارجية الفرنسية والمسيو برتلو المدير العام لوزارة الخارجية المباحثات مع الأمير للتوصل إلى حل لقضية سورية يرضيه ويتمشى مع خطتهم . فاستمرت هذه المحادثات مدة طويلة كنا خلالها نغیر و نبدل في المسودات التي ترسلها لنا وزارة الخارجية بما يجعلها موافقة لخطتنا ومن الطبيعي أن لا يوافق المفاوض الفرنسي على ذلك وفي هذه الأثناء عينت الحكومة الفرنسية الجنرال غورو وهو من كبار قوادها مندوبا ساميا لها في سورية وقائدا عاما للجيش الفرنسي في الشرق. وقد صرح قبل سفره الى بيروت بأن مهمته هي ابدال -- و ١٦ الجنود البريطانيين بالجنود الفرنسيين في تلك البلاد الى أن يقر مؤتمر السلام مصير هذه البلاد . ولكن هذا لم يبدد المخاوف التي اعترتنا بسبب اختيار قائد كبير مندوبا ساميا لفرنسا في سورية وإرفاقه بكثير من الضباط واقرار ارسال قوى فرنسية كثيرة لبلادنا . فاضطررنا لاستمالة الرأي العام الفرنسي عل ذلك يفيد في الوصول الى رغبات أهل البلاد فصرّح الأمير في اجتماع صحفي له في باريس في "أنه يرغب في اتفاق ودي مع فرنسا، والتعاون مع الجنرال غورو ، إلا أنه لا يتمكن من التسليم بتجزئة البلاد خلافا لرغبات سكانها والوعود الرسمية التي وعد بها و بأن لا يتم في بلاد العرب أي حل يخالف رغبات السكان ، وقد رفضت ما طلبه مني المستر لوید جورج بهذا الخصوص". وكان الراغب في ذلك هو لوند جورج وليست فرنسا. وبدأت المفاوضة مع المسيو غو والمسيو برتلو ، تارة في وزارة الخارجية الفرنسية ، وأحيانا في مقر الأمير ، و كان رستم حيدر وعوني عبد الهادي يفاوضان تحت اشراف فيصل وفق توجيهاته ، ثم يجمعنا ويبلغنا تفاصيل كل ما يحدث للاتفاق على الخطة الواجب اتباعها . وكان همنا الأوحد الحيلولة دون احتلال القوى الافرنسية لأي جزء من المنطقة السورية الشرقية لتحل محل قوى الجيش البريطاني المنسحب . ثم انتهت مباحثات الأمير مع برتلو مدير عام وزارة الخارجية بهذا الخصوص بعقد الاتفاق الموقت العسكري الآتي : 1 - تأليف لجنة من افرنسي وعربي وانكليزي لتسوية المشاكل التي قد تحدث بين المناطق 2 - انسحاب الجنود العربية من البقاع التابع للمنطقة الشرقية -١٦١ المستقلة « ولو انه مقتضی معاهدة سيكس – بيكو ضمن المنطقة الغربية . 3 - يشرف على أعمال الشرطة والدرك الموجودة حاليا بالبقاع هيئة مختلطة مؤلفةمن ضباط افرنسيين وعرب يتفق عليها محليا وأرسل الامير بواسطة وزارة الخارجية الإفرنسية لنائبه بدمشق الامير زيد بتاريخ ٢٧ تشرين الثاني 1919 برقية عن الاتفاق الذي تم للعمل بموجبه وهذا نصها : اخبركم بكل سرور أن الحكومة الأفرنسية قبلت بتأليف اللجنة التي طلبتها والتي ستكون مؤلفة من انكليزي وافرنسي وعربي لتسوية المشاكل التي قد تحدث بين المناطق ، وابتغاء تطمين أهالي سوريا بأن الاتفاق هو عسكري محض و موقت فالجنود الافرنسية لا تحتل البقاع ولا محلا آخر من منطقتنا الحاضرة ، والحنود العربية سوف تنسحب من البقاع دليلا على ثقتنا المتبادلة ويبقي الدرك العربي هنالك مكلفا بحفظ النظام والأمن تحت أوامر القائمقام ، وعند اللزوم يؤتى بمفرزات درك من دمشق اذا كانت القوى الموجودة غير كافية وسيعهد إلى هيئة مؤلفة من ثلاثة ضباط افرنسيين وثلاثة عرب معا أن تلاحظ بالاتفاف حسن تنفيذ وظائف الشرطة والدرك في تلك الجهة وترفع تقريرها إلى القائمقام المفاوضات جارية مع الحكومة الفرنسية باخلاص و ثقة متبادلة ، فليطمئن الاهلون ، وليهدأ بالهم ، وقد بلغت الحكومة الفرنسية هذا الاتفاق الى الجنرال غورو

فيصل »

والظاهر أن هذا الاتفاق لم يرق لاجنرال غورو الذي وصل إلى - ١٢ بيروت في 18 تشرين الثاني ، فأعدت السلطات الأفرنسية له استقبالاً حافلاً حشدت له من أذنابها كل من تربي بالمدارس التبشيرية وكل مأجوريها، وشرع غورو فوراً بالاستفادة من الظروف المواتية لفرنسا وعمل على تحقيق ما يعدّه ومساعدوه نصراً عسكرياً بأن يسرع بإحلال الجنود الافرنسية المتدفقة على الساحل السوري محل الانكليزية المنسحبة من المنطقة الغربية ( الساحل السوري ) بما في ذلك البقاع التابع آنذاك لسورية الداخلية. لذلك أخر تسليم برقية فيصل المذكورة إلى نائبه الامير زيد إلى ما بعد اضطراره لذلك في آخر الأسبوع الأول من شهر كانون الأول ١٩١٩ اذ ان وزارة الخارجية أوسع أفقا منه ويهمها ارضاء فيصل ، إلى أن تحصل على الانتداب ثم تنصرف للعمل كما يحلو لها تحت ستاره . و بعد أن أخر غور و تسليم برقية الامير اتصل بقيادة الجنرال آللنبي العامة وطلب اليها تسهیل احلال الجنود الافرنسية محل البريطانية المنسحبة من الاقضية الأربعة ، فأرسلت ضابطا كبيرا مندوبا عنها لدمشق ، فقابل الأمير زيد مع الكولونيل كوس ضابط الارتباط الأفرنسي بحضور مستشاره العسكري نوري السعيد والحاكم العسكري رضا الركابي و يوسف العظمة المعتمد العربي في بيروت بعد أن نحي جميل الالشي عن تلك الوظيفة . فسعى الضابطان الفرنسي والانكليزي لاقناع حكومة دمشق بقبول هذا الاحتلال الذي ليس له الا صبغة عسكرية ، فلم تقبل و ارتأت ان تستفيد من حنكة وخبرة نوري باشا العسكرية فكلفته بالعمل على حل هذه العقدة الشائكة بصلاحية واسعة عله يتمكن من منع احتلال حاصبيا وراشيا والبقاع وبعلبك ، فسافر حالا إلى بيروت، وقابل الجنرال غورو واستعمل كل ما أمكنه من الباقة وحجة لاقناعه بعدم احتلال الاقضية الأربعة المذكورة، وتمكن من الاتفاق معه على احتلال رياق فقط وارسال ضابط ارتباط افرنسي مع قوة افرنسية صغيرة رمزية لكل المدن الأخرى ، ولا شك بأنه كان لاتفاق فيصل مع وزارة الخارجية في باريس دخل بهذا التساهل ، ونظرا للارتباك الذي ساد البلاد آنذاك كان على السلطة الافرنسية أن تخبر قائممقام بعلبك "الرئيس الاداري من قبل حكومة دمشق فيها"، عن وصول ضابط الارتباط الأفرنسي المتفق على اقامته فيها، الا انه وصل اليها مباغتة ومعه عدد من الجنود الافرنسين ، فمنع الاهلون دخوله فعاد لبيروت وأبلغ ذلك القيادته ، فأرسلت الجنرال دي لاموط على رأس قوة عسكرية كبيرة يبلغ عددها نحو الفي جندي من خيرة الجنود ومجهزة بالسلاح الثقيل لدخولها عنوة ، فدخلتها في 19 كانون الأول بعد أن اشتبكت مع الاهلين في قتال مرير في مشارق المدينة استمر يوما كاملا. وزاد هذا الحادث الحالة ارتباكا في دمشق مما اضطر الأمير زيد الى شرح الموقف الحرج الأخيه فيصل في باريس بكل وضوح ، إلا أنه لم يكن لفيصل أي باب يطرقه بعد أن تخلى عنه البريطانيون والاميركان إلا الرئيس كلمنصو ، فمهد لذلك مذاکرات طويلة مع غوو برتلو ثم أرسل له بتاريخ ٢٢ كانون الأول ١٩١٩ الكتاب الآتي : یا حضرة الرئيس لا أزال تحت تأثير الاستقبال الجميل الذي تلطفتم به عليّ واني أحسب من أعز واجباتني أن أشكركم على ذلك. "وقد وافقت امتثالا لرغبة حضرتكم على تأخير سفري إلى أن يعود المسيو برتلو ، أملا أن نحل في هذه البرهة حدود لبنان ، واني سعيد جدا لتمكني من أن أقدم في هذه المناسبة دليلا جديدا على رغبتي القوية في الوصول إلى اتفاق حقيقي. "ولا شك أن العطف والاهتمام الذين أظهرتموهما لي بعثا بي جسارة على أن أعرض بكل اخلاص على سعادتكم ما يخامرني من القلق الذي لم تكن وضعية الجنرال غورو في البقاع إلا لتزيده شدة، ورغما من محاذرتي اضاعة وقتك الثمين فاني لا أرى مندوحة من أن ألخص لحضرتك الموقف الحاضر كما هو: "ان من مقتضى الاتفاق الذي عقدناه في الخامس والعشرين من الشهر المنصرم بأن لا تحتل الجنود الافرنسية البقاع وأن تنسحب منه الجنود العربية ولا يبقى محلها وخاصة في بعلبك وحاصبيا وراشيا إلا الدرك التابع لأوامر القائمقامين وستؤلف بعثة تفتيشية من ثلاثة ضباط عرب ومثلهم افرنسيون يرسلون معا إلى تلك النواحي لكي يلاحظوا بالاتفاق حسن تنفيذ وظائف الدرك والشرطة المسؤولين عن الأمن واذا وجد الضباط العرب والافرنسيون أن قوات الدرك غير كافية فتعزز بقطعات در كية أخرى يؤتي بها من دمشق. "فهل التجاوز الذي وقع على الضابط الأفرنسي وجاويشه يبرر الاخلال بهذا الاتفاق ويجيز القرار الذي اتخذه الجنرال غورو؟ خصوصا إن السلطات المحلية هي المسؤولة وحدها عن ارجاع الأمن وان جلب القوى من دمشق عند الضرورة منصوص عنه في هذا الاتفاق. "لذلك فاني أرى من واجبي أن أصر على لزوم الاحتفاظ بهذا الاتفاق الذي هو أول اتفاق بيننا ليكون له وقع حسن في نفوس الأهلين وليسهل لي القيام بمهمتي ، ويزيد في الثقة المتبادلة بيننا ، لتنمية مناسباتنا في المستقبل. "وقبل أن ننظر في فصل مسألة حدود لبنان التي نعمل على حلها فان حضرتكم اذا أعطيهم أمرا بسحب الجنود التي احتلتها خلافا لاتفاقنا تكونون قد أظهرتم دليلا جديدا على اهتمامكم العالي بنجاح مذاکراتنا ، وخففتم بذلك عني عبئا ثقيلا "وأرجو أن يجد طلبي هذا قبولا حسنا لديكم و تفضلوا... وتمكن الأمير بلباقته السياسية و کیاسته من تخطي هذه المعضلة بسلام وحصل على ارسال أمر لفورو بسحب القوة الغازية من بعلبك ولم يبق فيها إلا ضابط الأرتباط فقط. واستمرت المحادثات ، فطلب المفاوضون الأفرنسيون أن يكون لفرنسا مستشارون ذوو سلطة لوزارات الداخلية والحربية والمالية والمعارف والعدلية والاشغال العامة . وهذا يعني أن ادارة البلاد كلها ستكون في أيديهم فلم يقبل الأمير بهذا الطلب ، ورجع إلى المسيو کلنصو كي يخفف المفاوض الفرنسي من غلوائه ، وأصر الأمير على أن يكون المستشارون موظفين لدى الحكومة السورية ، كما أن المفاوض الفرنسي طلب سلخ الاقضية الأربعة وهي البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا من سوريا وضمها إلى لبنان وكذالك ضم القسم الخارج عن فلسطين من ولاية بيروت الى لبنان وهو مدينة بيروت وأقضية صيدا وصور ومرجعيون ومتصرفية طرابلس ومن الطبيعي ألا يقبل الأمير ذلك فوسط کلمنصر في تحكيم مؤتمر الصلح في ذلك ، كما أن المفاوض الفرنسي لم يقبل استفتاء السكان في المناطق المذكورة . وفي أثناء المباحثات كانت تصل للأمير أخبار مقلقة من سورية عن اضطراب حبل الأمن في كثير من نواحيها . وقد بدأت في الحولة علائم الاضطرابات في ١٢ تشرين الأول نتيجة تعدي بعض افراد قوی أمن المنطقة الغربية على الأهلين . فقاومهم العربان بالسلاح وأجبروهم على الفرار ، فعمدت السلطة الفرنسية إلى استعمال الشدة وأرسلت لمكان الحادث سرية كاملة من الخيالة ومعها رشاشان وضربت قرية الحصاص بدون انذار ، وهي قرية محمود الفاعور أمير عرب الفضل النازلين في الجولان من أراضي القنيطرة، فهاج الأهلون ورغبت الحكومة السورية أن تحل الحادث صلحا ، واشترك الانكليز معهم في هذه الرغبة ، إلا أن الأفرنسيين لم يستجيبوا عمليا لهذه الرغبة ، فساد الأضطراب قضاء مرجعيون المجاور لمكان الحادث ، وانتشرت العصابات تنازل القوى الفرنسية ، فأرسلت السلطة العسكرية الفرنسية إلى هناك قوة عسكرية كبيرة تحت قيادة الجنرال دولا موت وضربت قرية الخالصة » و «کفر کلا" وغيرها من القرى المجاورة للمنطقة الشرقية ، كما دخلوا تلك المنطقة وخربوا بعض القرى التابعة للقنيطرة بالمدافع ، وصبوا البترول على البيوت فأحرقوها ونهبوا كل ما وجدوه من غنم وبقر وأثاث. كما هوا في قرية الطيبة آل الأسعد واستمرت المعارك لغاية العشر الأول من كانون الثاني ١٩٢٠ وانتصر الثوار على المهاجمين الفرنسيين في غمرة الأمير محمود إذ خسر الفرنسيون فيها سبعين قتيلا ومدفعين جبليين وعشرين رشاشا وكثيراَ من الاسری فاستلمتها الحكومة و سلمتها للسلطة الفرنسية في بيروت . كما انه انه وقع بعد بدء حوادث الحولة مما يقرب من شهر اصطدام بين أهالي تلكلخ والقوی الفرنسية بسبب رفع العلم الفرنسي على دار الحكومة في تلكلخ لاول مرة . و تسلك السلطة العسكرية الفرنسية خطة المسالمة وهددتهم بضرب منازلهم بالمدافع و حرقها . فحزم الأهالون أمرهم على الدفاع وشكلوا لجنة من خالد الرستم و حسن ابراهيم الدندشي وعبد الله الكنج الدندشي وأحمد البرازي لتضطلع بتلك المهمة ، وطلبوا انزال العلم الفرنسي من تل کلخ و تشكيل حكومة وطنية من أهل البلاد فها وعدم تجزئة الوطن العربي، فرفض الفرنسيون ذلك فاندلعت نيران الثورة وحاصر الاهلون ، وفي مقدمتهم الدنادشة ، دار الحكومة في تلكلخ المسلحة تسليحاَ قويا وقتلوا كثيرين من حاميتها فأمدتها بيروت بقوى كبيرة ، ولكنهم لم يتمكنوا من التغلب على الوطنيين الذين كانوا يدافعون عن حماهم بشرف وعناد . إلا أن الإمدادات الكثيرة المجهزة بالمدافع والرشاشات التي لميك مع الوطنيين شيء منها اضطرت الثوار الذين نفدت معظم ذخيرتهم إلى مناوشة الفرنسيين بطريقة حرب العصابات ، ونزح زعماؤهم إلى دمشق فاستقبلهم وطنيوها ، ودامت مناوشة الدادشة القوى الفرنسية الى أن سقطت حكومة دمشق ومن الأخبار التي وردت مورد القلق على الأمير ما وافاه من أن السلطة العسكرية الانكليزية استدعت ياسين الهاشمي رئيس ديوان الشوری الحربي في ٢٢ تشرين الثاني أي قبيل جلاء الجنود البريطانيين عن دمشق في أواخر الشهر المذكور ، إلى دار القائد العسكري الانكاري ولدى وصوله اعتقل في سيارة عسكرية مسلحة سارت به إلى فلسطين الى بلدة الرملة ، وما كاد هذا النبأ يتصل بالمسامع حتى احتجت دمشق كلها وقامت المظاهرات شتى الانحاء ، وأقفلت الأسواق ، وصدرت الصحف مطوقة بالسواد ، وأبلغت الهيئات الوطنية السورية معتمدي الدول في دمشق احتجاجا هذا نصه : "ان الشعب السوري وعاصمة البلاد السورية يحتجان باقفال جميع أسواق المدينة وبالاشتراك في مظاهرة عمومية عظمى على أخذ ياسين باشا الهاشمي فجأة وبلا علم من رئيس الحكومة وخلافاَ للأصول وارساله الى فلسطين . ويكرر ارادته في طلب وحدة البلاد السورية و تمام استقلالها فنرجو رفع هذا الاحتجاج إلى حكومتكم واقبلوا فائق الاحترام" . ويعزى سبب اعتقال الهاشمي الى الفرنسيين في بيروت ، إذ طلبوا اخراجه من دمشق لكونه وهو على رأس "مجلس الشورى الحربي" ، شرع يبذل غاية النشاط في سبيل تشكيل جيش سوري ، كما أقر وهيئة الفتاة الادارية طلب اقرار الخدمة العسكرية الاجبارية وساعد الثوار في المنطقة الغربية . لذلك سعوا للخلاص منه حتى لا يقاوم خططهم الاستعمارية. كما أن الانكليز شعروا بمساعدته للوطنيين ، فاجتهد فيصل بكل قواه سواء في لندن أو باريس لحل هذا الحادث المؤلم ، على أن اتفاق بريطانيا وفرنسا وجلاء الانكليز بجنودهم عن سورية لتحل محلها الجنود الافرنسية ثم اعتقال الهاشمي وما لابس هذه الحوادث وتلاها، جعل الأفكار النيرة تؤمن بأن من العسير الصمود أمام جشع المستعمر إلا بالقوة ، لذلك اقترح الوطنيون المتحمسون ، وفي مقدمتهم رجال الفتاة والإحياء انشاء لجنة للدفاع الوطني الأهلي کي تساعد الحكومة في مهمة الدفاع وجمع كلمة الامة . فماشت الحكومة الرأي العام ، وتأسست اللجنة الوطنية للدفاع ولها فروعها في المدن السورية . وكان أول اجتماع لهذه الغاية في منزل آل الحسيبي ، ثم تلاه اجتماع آخر بالبلدية . ولما كنت قد لحظت أن جميع من في معية الأمير يشجعه على عقد اتفاق مع كلنصو ، کتبث إلى هيئة ادارة الفتاة بدمشق بغية مقاومة هذه الفكرة ، و الافادة من الشيخ كامل القصاب في اندفاعه وخبرته في أساليب التأثير على عقول الجماهير لنتمكن من الوصول لرفض الاتفاق ، فلبى القصاب الرجاء ، وحضر في ٢٧ تشرين الثاني اجتماعاَ بالقنوات بدار آل البارودي ، وخطب خطبة حماسية طالب فيها بالاستقلال التام كما طلب من الحاضرين توقيع ميثاق برفض كل اتفاق يحد من سيادة الأمة ويقيد استقلالها . ولم يخرج الحاضرون إلا بعد توقيعه. وهكذا أصبحت للقصاب الكلمة الأولى في اللجنة الوطنية، وتقرر تجنيد الف متطوع على نفقة الأهلين ومن حر مالهم . ولما تأزمت الحالة في البلاد وانتهت الى هذا الحد ولم يتمكن رضا باشا الركابي من اقناع رجال جمعية الفتاة والوطنيين المندفعين بالرجوع عن قرار مقابلة القوة بالقوة وتقرير الخدمة العسكرية الاجبارية لتقوية الجيش وعن مساعدة الثورات الوطنية التحريرية في المنطقة الغربية ( لبنان )، فقد هدد بالاستقالة خوفا من العقبى التي يفرضها البون العظيم بين قوى الطرفين ، وهو الرجل العسكري والاداري المعتاد على درس النتائج قبل الإقدام على العمل . وكنت في مقدمة القائلين بالمقاومة و بتقرير الخدمة العسكرية الاجبارية مع ادراكي نتائجها حتى لا يكون لفرنسا حجة تتذرع بها دوليا لاستعمارنا ، فبحثت الجمعية الاستقالة وقررت المضي بإصدار قانون الخدمة العسكرية الاجبارية والاستفادة من الحماس الوطني المتأجج وعدم ترك الثوار الوطنيين يذبحون ذبح النعاج لا لذنب اقترفوه إلا تمسكهم بكرامتهم الوطنية ، وحقوقهم الانسانية ، فتركهم وشأنهم خطة يتعذر قبولها سيما بعد أن ظهرت نوايا الحلفاء بحق حلفائهم العرب ، وأيد الجمعية بذلك جميع الوطنيين ، وفي مقدمتهم أعضاء المؤتمر السوري . وقد زاد جلاء الانكليز عن دمشق في ٢٠ تشرين الثاني ١٩١٩ ضرام الحماس الوطني اشتعالاً، فقرروا طلب تشكيل حكومة وطنية برلمانية. وقد استشار الامير زيد شقيقه فيصلاََ في ذلك ، فأجابه بأن لا يصار الى تغيير جوهري بنظام الحكم قبل أن يبت بمصير البلاد، فألقى الامير زيد في 1 كانون الأول ١٩١٩ في المؤتمر السوري البيان الآتي : 6 حضرات أعضاء المؤتمر السوري المحترمين : نحن نائب سمو الامير فيصل نشكر لمؤتمركم الموقر ما أبداه من دلائل الوطنية الصادقة وما قام به من الاعمال النافعة ، التي برهنت عن حمية تذكر ، وهمة عالية ، انتصاراًَ لهذا الوطن المبارك ودفاعاََ عن حق البلاد واستقلالها السياسي التام الذي حاربنا من أجله أربع سنوات متواليات في جانب الحلفاء مستندين على معونة الباري عز و جل وعلى شعور الامة الشريف و انصاف العالم المتمدن الذي اعترف رسمياََ بحق العرب في الحياة الحرة وأعجب ببسالتهم في الدفاع عن قضيتهم والقضاء على مبادىء الاستيلاء والاستعمار عملاََ بمبدأ الحق وحرية الشعوب المظلومة. وقد سرّنا ما تمنيتموه من اعلان الحكومة الوطنية ، على قاعدة - اه١ الحكم الدستوري النيابي وهو الذي سيكون أساس حكومتنا في المستقبل ، غير اننا نرى أن بقاء التشكيلات الحاضرة المعلومة لديكم مع بعض التعديل في الفروع أدعى للاقتصاد ، وأحفظ للنظام وتوطيد دعائم الأمن في مثل هذه الأوقات إلى أن يقرر مصير البلاد النهائي في مؤتمر الصلح . ونحن لا نشك في أن مؤتمركم هذا الوطني الذي ضم نخبة المخلصين والمفكرين سيكون بأعضائه المحترمين في أنحاء هذا القصر مثالا لكل حركة شعبية يراد بها خير البلاد. وقدَّم الركابي استقالته للأمير زيد في العاشر من كانون الأول 1919 بعدأن تعذر الاخذ برأيه ، فقبلها وعين مكانه عبد الحميد باشا القلطقجي . و بعد بضعة أيام عين مصطفى نعمة، الذي قبل العمل وفق ما تقرر، وکیلا تاحاكم العسكري العام ، وأحدثت مديرية الداخلية العامة ، وعهد بها لمتصرف حماه رشید طليع الضليع مع الوطنيين ، وعين محله المفتش الملكي زكي قدري كما عين يوسف العظمة رئيس الديوان الشوری الحربي ( وزارة الدفاع ) بعد أن اعتقل ياسين الهاشمي ، فقويت بذلك فكرة الدفاع. ثم أقرت الخدمة العسكرية الاجبارية لمدة ستة أشهر من سن العشرين إلى الأربعين بتاريخ ٢١ كانون الأول ١٩١٩ .إلا أنه تعذر تسليح الجيش بالسلاح الثقيل ولم تكن بطاريات المدفعية الست التي كان أرسلها الحسين استجابة لطلب فيصل، وهي من مخلفات الجيش. العثماني لتكفي ، سيما لم يكن لها العتاد الكافي ، وكذلك سلاح الجيش العربي الشمالي لم يكن ليعتد به كثيراً ، ورغم ذلك كان الهاشمي يقول بامكان المقاومة آخذاً بعين الاعتبار القوى الافرنسية الموجودة في سوريا قبل اعتقاله وامکان جلب عتاد من تركيا . وكانت المفاوضات لعقد س- ١٠٢ المعاهدة السورية مستمرة في باريس . وتساهل الفرنسيون بعد مراجعة فيصل لكلمنصو . وكان مما قاله کلمنصو لفيصل : أرجوك بأن تسرع بعقد المعاهدة لأن سواي لن يتساهل معك بقدر ما أفعل . أما التساهل الذي عنده فكان قبول الفرنسيين بأن يدخل نص في المعاهدة يقول بالاتفاق في المستقبل على الصورة التي يتمكن معها المستشارون الستة من القيام بواجباتهم عوضا عن التصريح ، فلم يقبل المفاوض السوري بذلك أيضا ورجع الأمير الى كلمنصو فأوعز بوضع نص جديد يرضاه الامير ، وتم الاتفاق على المشروع الذي سمي بمشروع فيصل - كلنصو، وقد وافق عليه جميع المستشارين الذين كانوا بمعية الأمير بعد أن رأوا أن من المتعذر أن تقبل فرنسا بأقل من ذلك . فقاومتُ هذا الاتجاه مقاومة شديدة حتى أن الأمير أمين آرسلان ، وهو رجل طيب القلب ، طلب اخراجي من معية الأمير واعادتي لسورية ، على أن امنع من الاتصال بأحد . فلم أجد أمامي إلا حسني البرازي الذي أمَّ باريس للتوسع في دراسة الحقوق لاقناعه بأن كل اتفاق مع فرنسا سيما اذا كان يمنحها حقوقاً عسكرية هو الاستعمار بنفسه مهما كانت النصوص ، وضربت له مثلا خطتها التعسفية في كافة مستعمراتها ، وما وصلت اليه حكومة المغرب الاقصى وتونس بنتيجة توقيع اتفاق مع فرنسا ، ظاهره معسول مقبول ، وفي خفاياه ما يستعاذ منه ، لأن تلك البلاد بعد توقيع الاتفاق أصبحت في ادارتها كبقية المستعمرات ، لا حول ولا سلطة للتشكيلات الوطنية القائمة فيها ، فلم يخيب حسني البرازي ظني ، وكان يرافقني ويؤيدني كلما استنجدت به . وقد رفعت ما وصلت اليه حال المفاوضات الى جلالة الملك حسين في مكة، والى أعضاء الهيئة المركزية لجمعية الفتاة في دمشق ، أستحثهم على تأييد وجهة نظري. ١٠٣