انتقل إلى المحتوى

مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/مشروع اتفاق فيصل - كليمنصو

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مشروع اتفاق فيصل - کلمنصو

وهذا هو نص المشروع الذي حمله الأمير إلى سورية ووعد بعرضه على الشعب وأخذ رأيه فيه :

« عطفا على التصريح الأفرنسي الانكليزي في ٩ نوفمبر سنة ١٩١٨ من جهة واستنادا على المبادىء العامة لتحرير الشعوب والمعاونة الودية المعلنة من قبل مؤتمر الصلح من جهة أخرى، تؤكد حكومة الجمهورية الافرنسية اعترافها بحق الأهالي الناطقين باللغة العربية والقاطنين في الأراضي السورية من سائر المذاهب أن يتحدوا ليحكموا أنفسهم بأنفسهم بصفتهم أمة مستقلة

يعترف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بأن مصلحة الأهلين السوريين الكبرى نظراً لاحتلال الكيان الاداري الناشىء عن الأضطهاد التركي والخسائر اللاحقة بالبلاد أثناء الحرب - تتطلب تحقیق وحدتهم وتنظيم كيان الامة الاداري بالالتجاء إلى النصائح والمعونة التي ستسجل في جمعية الأمم عندما تتألف هذه الجمعية بصورة عملية ، فهو باسم الأهالي السوريين يطلب هذه المهمة من فرنسا ·

١

تتعهد الحكومة الفرنسية بأن تمنح معونتها لسورية ، وأن تضمن استقلالها ضد كل تجاوز ضمن الحدود التي سيعترف لهما بها مؤتمر الصلح . وفي تعيين هذه الحدود ستبذل الحكومة الإفرنسية جهدها لنيل جميع التعديلات الحقة من الوجهة الجنسية واللغوية والجغرافية ·

٢

يتعهد صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بأن يطلب من حكومة الجمهورية الافرنسية ومن هذه الحكومة وحدها المستشارين والمدربين والموظفين الفنيين اللازمين لتنظيم الإدارتين المدنية والعسكرية. وسيوضع هؤلاء المستشارون والفنيون تحت امرة الحكومة السورية التي منها يتقبلون تعيينهم وقواهم التنفيذية التي ستحدد باتفاق مشترك بين الحكومتين بموجب عقد ينص على مدة مهمتهم والضمانات المتعلقة بها. ان حكومة الجمهورية وصاحب السمو الملكي الأمير فيصل متفقان على تطبيق نظام دستوري في سورية ضامن لحقوق الاهلين السياسية ، و مثبت للحريات المكتسبة سابقاً ومطابق لأمانيهم المتضمنة انشاء حكومة مسؤولة أمام البرلمان وتوصلا للتنظيم المالي الذي هو القاعدة الأساسية لادارة الدولة الجديدة يشترك المستشار المالي في اعداد ميزانية النفقات والواردات و يبلغ إجباريا جميع التعهدات والنفقات لمختلف الدوائر ويراقب حصة سورية من الديون العامة العثمانية، ويكلف بالمسائل المتعلقة بتطبيق الشروط المالية في معاهدة الصلح مع تركيا في سورية أما مستشار الاشغال العامة فتكون الخطوط الحديدية تحت اشرافه . ويحترم النظام الخاص المتعلق بسكة حديد الحجاز . وكل تصرف يغير السير الحر الاقتصادي للخطوط الموصلة إلى دمشق لمصلحة شخص ثالث يعد لاغيا وكأنه لم يكن. وعقب انعقاد الاتفاق الحاضر تمنح الحكومة الافرنسية معونتها لاجل تنظيم الدرك والشرطة والجيش. يعترف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل للحكومة الأفرنسية بحق الأولوية التامة بالتعهدات والقروض اللازمة لخير البلاد ما لم يتقدم وطنيون يطلبون هذه المشروعات لحسابهم على أن لا تكون أسماؤهم معارة إلى رأسماليين أجانب

٣

ستمثل الدولة السورية في باريس لدى الحكومة الأفرنسية بمندوب سیاسي مكلف بملاحظة المسائل الخارجية التي تهم الأمة السورية . و تعهد الدولة المذكورة أيضا إلى ممثلي فرنسا السياسيين وقناصلها في الخارج بتمثيل مصالح سورية الخارجية

ٍ٤

يعترف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل باستقلال وسلامة لبنان تحت الانتداب الأفرنسي وستعين الحدود في مؤتمر الصلح و يؤخذ هذا الأمر بعين الاعتبار لاتمام حقوق ومصالح وأماني الأهلين

ہ

اللغة العربية معترف بها كلغة رسمية لادارة المدارس ، أما اللغة الافرنسية فتدرس بصورة إجبارية وممتازة

7

تكون دمشق العاصمة ومحل إقامة رئيس الدولة . ويختار المفوض السامي له مقراً عاديا في حلب ليكون على مقربة من كيليكية وهي منطقة الحدود وتعد النقطة الطبيعية لجيوش الدفاع المتجمعة ، واذا احتاج الأمر الى دعوة هذه الجيوش للداخل فلا يكون ذلك إلا بطلب رئيس الدولة السورية وبالاتفاق مع المفوض السامي يبقى هذا الاتفاق الذي يعين المبادىء العامة مكتوما بين الفريقين حتى توقيع الاتفاق النهائي ويوضع عند رجوع صاحب السمو الملكي إلى فرنسا ويعرض في الوقت الموافق على مؤتمر الصلح. نظم هذا الاتفاق في نسختين يوم 1 كانون الثاني ١٩٢٠ . ولهذا الاتفاق ثلاثة ملاحق : الأول خاص بالاقليات في لبنان وقد تضمن « ان الاقليات تستفتي عند تحديد الحدود" والثاني عن حوران ( جبل الدروز ) ويتضمن أنه يطبق فيه نظام استقلال نوعي في داخل الدولة السورية والثالث عن بيروت و اسكندرونة وقد تقرر أن تكونا مدينتين حرتين .

* * *

وبالنظر لاضطراب الحالة في سورية ودخول قوة كبيرة تزيد على ثلاثة آلاف جندي إلى بعلبك ثم احتلالها لثلاث قرى تابعة لحمص أيضا ( وذلك بعد أن أخر الجنرال غورو نشر تعليمات الحكومة الفرنسية لعدم اثارة شعور الاهلين والأمير بنوع خاص وهي تتذاكر مع فيصل لتصل إلى الغاية التي ترمي اليها)، أرسل الأمير زيد بتاريخ ٢ كانون الثاني ١٩٢٠ برقية إلى الأمير يستحثه فيها على الرجوع لتهدئة الحالة، فقرر السفر لسورية وأقامت له وزارة الخارجية الفرنسية فيه كانون الثاني مأدبة غداء تقرر فيها النص الاخير لاتفاق فيصل - کلنصر وحدد اليوم الثاني لمقابلة الأمير المنصور وتوقيع الاتفاق . فاضطربت كثيراً لأني كنت أعتقد أن هذا يعني ضياع كل جهودنا وصيرورة بلادنا تدار کإحدی المستعمرات الفرنسية ولو اختلفت المظاهر. ومن حسن الحظ أن وصل الدكتور ثابت نعمان ، طبيب الملك حسين ، الى باريس ، ومعه أمر تحريري من الملك يحظر عليه توقيع أي اتفاق يتنافى والعهود المعطاة له من الحكومة البريطانية قبل دخوله في الحرب ، وهذه العهود صريحة بأن يكون العرب مستقلين استقلالا تاما في المنطقة التي يتباحث بشأنها الأمير فيصل مع الحكومة الفرنسية. كما أن اتفاقية سيكس – بيكو لا تجيز ما ورد باتفاق فيصل - کلمنصو الذي يجعل سورية تحت الحماية الفرنسية المقنعة بقناع الاستقلال والحرية . وعندما غادر الأمير مقره مع رستم حیدر لمقابلة كلمنصو للمرة الأخيرة قبل مغادرة باريس لحقت به إلى السيارة راجيا سموه بأن لا يوقع الاتفاق وأن يخبر كلنصو شفهيا بقبوله ، وأنه سيعرض نصوصه على الأمة السورية التي يأمل أنها ستقدر مزايا هذا الاتفاق و توافق عليه. وأحمد الله على أني نجحت في مسعاي ولم يوقع الامير الاتفاق بل اكتفى وكلنصو بوضع الأحرف الأولى من اسمهما عليه ، و كان ذلك حجر الزاوية في تمتعنا باستقلالنا بعد الحرب العامة الثانية إذ كانت حجة انكلترا وأميركا باخراج الفرنسيين من سورية هي بسبب ضرب دمشق بالقنابل ثلاثة أيام منذ ٢٩ أيار 1945 وعدم وجود أي مستند ممكن أن تمسك به فرنسا لتبرير بقاء قواتها في سورية ضد رغبة سكانها ، واستعمالها القوة الغاشمة والعنف واقدامها على ذلك العدوان الفاضح الذي بدأ يوم ٢٩ أيار 1945 بدون سابق انذار وخرَّ ضحيته مئات القتلى من السكان الآمنين . وقد أصاب السيارة الصحية التي كنت أتجول بها لتأمين اسعاف المصابين سبع رصاصات ، إلا أنه لم يصبني سوى خدش بسيط في قدمي لم يمنعني من الاستمرار بالقيام بالواجب فتمسك سورية باستقلالها وعدم تساهلها في الانصياع لمطالب الفرنسيين رغم ضربهم دمشق ثلاثة أيام متواليات بقنابل المدفعية والدبابات والطائرات وبالرشاشات حرك الضمير العالمي بعد أن خرج العالم من الحرب العالمية الثانية ولما ينس أهوالها بعد، فتدخلت انكلترا بقواها العسكرية و تعضيد من أمريكا لتوقيف العدوان الفرنسي إذ كان لها القيادة العليا في الشرق الادني . وكانت قواها منتشرة في جميع أرجائه . ولا شك بأن ذلك يتفق مع مرامي السياسة البريطانية والاميركية سيما وفرنسا كانت منخفضة الجناح آنذاك . فانكلترا لم تكن ترغب في اخراج فرنسا لتحل محلها بل انها كانت ترغب رغبة صادقة في استقلال البلاد ليسعها تأمين مصالحها فيها من غير أن تمانعها فرنسا، إذ لا يبقى لكل من فرنسا وانكلترا ميزة على الاخرى في سورية . إلا أن الفرنسيين استخلصوا مما وقع أن انكلترا تود اخراجهم لتحل محلهم ، فقطعوا لها عهدا بأن قواهم العسكرية ستتخلى عن سورية ولبنان مع قواها بآن واحد . فضاعت هنا حجة الفرنسيين وتم الجلاء عن البلاد . أما الأميركان فلما كانوا ينادون دوما بحق تقرير المصير ونيل الشعوب حريتها واستقلالها فقد ضغطوا على فرنسا لتقبل بالامر الواقع ، هذا مع العلم أن ما حصل يتسق ومنافعهم أيضا.