انتقل إلى المحتوى

مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى/دعوة الامير الى لندن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

دعوة الامير الى لندن :

و بعد أن تأزمت الامور الى هذا الحد رأى رئيس الوزارة البريطانية المستر لوند جورج أنه لا يليق ببريطانيا أن لا تراعي شعور حلیف قام بكل ما لديه من امكانيات للمساهمة في النصر کفیصل . فأبرق اليه في ١٠ ایلول ١٩١٩ يستدعيه للحضور إلى انكلترا لتدبير الوضع معه حسب الاتجاه الجديد قبل التوقيع على الاتفاق البريطاني الفرنسي المزمع عقده ، على أن لا يتأخر وصوله إلى لندن عن يوم 16 ايلول . فأسرع الامير با اسفر إلى حيفا بقطار خاص في ١٢ منه ، وأبحر حالا على نسافة بريطانية قاصدا مرسيليا . و كان في معيته المقدم أركان حرب محمد اسماعیل والشاعر المعروف الشيخ فؤاد الخطيب سكرتيره للشؤون الخارجية و حداد باشا مدير الأمن العام والدكتور أحمد قدري طبيبه الخاص والخوري يوسف اسطفان الخطيب الماروني الذي التحق بوطنيي دمشق وأصبح خطيبهم المفوه وتوفيق الناطور وجميل الالشي ومرافقه العسكري تحسين قدري ثم لحق به الأمير أمين آرسلان والامير فايز شهاب اللبناني والدكتور سامح الفاخوري ، ليكونوا مستشاري جلالته في رحلته الخطيرة هذه . وكان ظاهرا من انتخابهم الرغبة في وجود عدد مهم من رجالات لبنان الموثوق بهم معه. ومن الطبيعي أنه كان يجب أن تسرع النسافة البريطانية بالسير وهي نقل الامير ، إلا أنها تباطأت في 15 أيلول في السفر ، وعرجت على ما لطة بحجة احتياجها لبعض الإصلاحات والوقود ، و حللنا ضيوفا على المارشال بلوم حاكم الجزيرة . فاهتم الحاكم بالامير كثيرا وأعد لزيارته الجزيرة برنامجا حافلا بزيارات معالم الجزيرة وقصورها التاريخية التي ترجع إلى عهد الحروب الصليبية ، ومشاهدة مسابقات الالعاب الرياضية ، رغم الغبار الذي كان ( يعمي العيون ) بسبب قلة المياه وعدم امكان رش الطرقات . فطانت الرحلة بذلك يومين قضيناها في مالطة ، الأمر الذي جعل الأمير يصل الى مرسيليا في 18 ايلول . وكان سبب هذا - ١٣٩ التأخير المتعمد الوصول الى توقيع الاتفاق بين الحكومة الفرنسية والحكومة البريطانية على البدء بتطبيق اتفاقية سيكس – بيكو في سورية قبل وصول الامير . وبموجب ما تم الاتفاق عليه في 15 أيلول يجلو الجيش الانكليزي عن سورية كلها داخلها وساحلها ويحل محله الجيش الفرنسي ، ويستثنى من الاحتلال الفرنسي ما يسمى بالمدن الأربع الداخلية وهي محافظات دمشق وحمص وحماه وحلب والبلاد الكائنة في شرقها كحوران و البلقاء والدير ، وتدخل الاقضية الأربعة ( البقاع ، بعلبك ، حاصبيا ، راشيا ) التي كانت تابعة للمنطقة الشرقية في منطقة الاحتلال الفرنسي وفقا لما جاء في اتفاقية سيكس – بيكو ، وتم توقيع هذا الاتفاق في 15 ايلول وأبلغ الى المؤتمر كتدبير موقت إلى أن يصدر المؤتمر قرار الانتدابات ولا يؤثر ذلك في القضايا الخاصة بالانتدابات . وفي ١٧ ايلول نشر في باريس بلاغ رسمي هذا نصه : « تقرر في الاتفاق الذي عقد بشأن حلول الجنود الأفرنسية محل الجنود البريطانية في سورية و كيليكية أن تترك وهي دمشق وحمص وحماه وحلب وشرقهن خارج منطقة الاحتلال العسكري الفعلي ومعنى ذلك أن لا يبقى في المدن الاربع إلا القوى العسكرية العربية . و كان مشترطا في الاتفاق أن يتم جلاء الجيش البريطاني ويحل محله الجيش الفرنسي في أول شهر تشرين الثاني . وهذا يعني جعل الأمير فيصل أمام الأمر الواقع اذ كان بحكم المؤكد أن أميركا لن تقبل انتدا با ما ، ولم يكن من المعروف الوقت الذي ستبرم فيه أميركا معاهدة

ب- ١٣٧ الصلح . فالتدبير الذي قيل انه موقت يصبح دائميا بحكم الواقع . وقد علم الأمير بكل ما تقدم من مندوبي الحجاز في مؤتمر الصلح ، وذلك عند وصوله إلى مرسيليا . فأسرع بالسفر إلى لندن عن طريق باريس فوصلها في 19 أيلول ، وكان استقباله حافلا كأن هذه المظاهر تخفف من وقع المصيبة التي بدأت بالظهور بعد تلك الآمال الذهبية بنيل العرب استقلالهم وتقوية روابط الوحدة التي كانت قائمة بينهم في العهد العثماني . وقابل الأمير اللورد آلانبي بدون ابطاء ، ومضي معه لمقابلة رئيس الوزارة البريطانية . وكانت المقابلة كلها مجاملة والعمل على تطييب خاطر الامير ، أفهموه بصراحة أن عليه أن يتفق وفرنسا ، ووعدوه بالمدافعة عن وجهة نظره لدى كلنصو وقد دعي الأمير في لندن إلى حفلة أقامها اللورد میر « أمين العاصمة » لتكريم المارشال آللنبي بعدّه لندنيا ، كما دعي البها أعضاء الوزارة ورئيسا مجلس اللوردات والعموم ، فاستقبله اللورد میر بمظاهر الحفاوة البالغة وقدمه على جميع الحاضرين حتى كأن الحفلة قد أقيمت على شرفه . ولما كان الأمير يقول بأن تطبيق ما تم الاتفاق عليه أحيرا بين فرنسا وانكلترا يستلزم قيام المظاهرات وحدوث الاضطرابات في البلاد ، فقد تحدث كثيرا في هذه القضية مع رجالات وزارة الخارجية البريطانية وطالب بتنفيذ العهود المعطاة لأبيه الحسين نيابة عن انکترا من قبل ماكماهون المندوب السامي البريطاني بالقاهرة ، وهي صريحة بخصوص تشكيل حكومة عربية مستقلة في سورية الداخلية بما فيها شرقي الأردن وولاية الموصل بدون أن يترك ذلك مجالا لأي تأويل ، كما انه لا يوجد في اتفاق سیکس - پیکو ما يخالف ذلك إلا كون تلك المنطقة ، عدا

١٣٨الاردن ، منطقة نفوذ اقتصادي فقط لفرنسا التي تقدم لها ما ترى انها بحاجته من الفنيين ، ولا يحق لها احتلالها والتدخل بشؤونها ، إذ أن فيصل لم ينس ما كان قد قاله له كلنصو بأن فرنسا تود أن تری علمها پرفرف على دمشق مع قوة عسكرية ولو قليلة تعسكر فيها · ولهذا اهتم فيصل كثيرا بادىء ذي بدء بالغاء ما تم الاتفاق عليه في ١٥ ايلول ١٩١٩ بين فرنسا وبريطانيا حتى تبقى لقضية البلاد صيغتها الدولية ، ولا تكون بد فرنسا فيها طليقة . إلا أن كل ما يمكن من الوصول اليه هو أن اتفق مع بريطانيا على تشكيل لجنة عسكرية من أربعة ضباط : افرني وانكليزي وأميركي وعربي ، للنظر بالاختلافات التي قد تقع . وبما أن هذا لا يخل بجوهر اتفاق 15 ايلول ١٩١٩ فقد وافق الانكليز عليه مبدئيا وكلفوا فيصل بمفاوضة كلنصو في باريس وتوسطوا لديه ليدعو الأمير لمقابلته . فغادرنا بريطانيا في ٢٠ تشرين الاول ١٩١٩ قاصدين باريس ·