مجلة الرسالة/العدد 918/تعقيبات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 918/تعقيبات

مجلة الرسالة - العدد 918
تعقيبات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 02 - 1951


للأستاذ أنور المعداوي

برناردشو ورسالة المال:

قلنا ونحن نتحدث عن ملكة السخرية عند (شو) ونرد إليها أكثر آرائه وأفكاره في محيط الأدب والحياة: (والسخرية في حياة شو هي ألمع اللافتات جميعاً، بل هي الإطار الطبيعي الذي يحيط بكل صورة من صور هذه الحياة، وهي في فنه نقطة الارتكاز التي يلتقي عندها خط الاتجاه النفسي المعتد من هنا وخط الاتجاه الفكري المنطلق من هناك. . وهي في حياته وفنه معاذ لك المعبر العظيم لإنسانية القلب وكبرياء النفس وأصالة الموهبة. وتضغط أنت على (زر) نفسي واحد لترسل التيار الكهربائي إلى هذه اللافتة لتصبح (مضيئة)، وتقرأ على (ضوئها) ما نحمل اللافتات الأخرى من (ألوان) نفسية. . ما هو هذا الزر النفسي الذي يضيء لافتة السخرية عند (شو)، أو ما هو (مفتاح النور) لهذه الملكة الفذة التي غطت على غيرها من الملكات؟ إنه السخط المتأصل في أعماق النفس منذ القدم على بعض القيود والأوضاع!

هذه الملكة النادرة عند هذا الكاتب العظيم، أنبتتها الوراثة وأنضجتها التجربة، وتولتها الموهبة بالعرض والتقديم. لقد ولد في مهد الفاقة فسخط، وشب في أحضان النبوغ فسخط، وتنفس في جو القيود فسخط، وبدأت حياته وانتهت وهي سلسلة من السخط المدثر بأثواب السخرية. لقد سخط على الأغنياء لأنه تذوق طعم الفقر، وسخط على الاستعمار لأنه نشأ حر الفكر، وسخط على العاجزين لأنه شجاع يؤثر الغلبة والاقتحام. . ثم أفرغ هذه الطاقة الساخطة في ذلك القالب الساخر، الساخر من شتى المثل والقيم والتقاليد!

لقد كان السخط هو المنبع الأصيل الذي انبثقت منه سخرية (شو) لتنال برشاشها اللاذع كل ما يدخل في دائرة عقله من مظاهر الإنكار. وما هي السخرية على التحقيق إذا لم نردها إلى أصولها النفسية من السخط الثائر على أمر من الأمور؟ إنك لا تسخر من وضع في الحياة إلا إذا كنت ساخطاً عليه، لأن السخرية في جوهرها ما هي إلا اتجاه عقلي إلى الحط من قيمة هذا الوضع، والتعرض له بفنون من الهدم والتجريح! والسخط لون من ألوان الثورة بلا جدال، ولكنه عند (شو) ثورة عقلية مهذبة، هدفها النيل بالقلم واللسان، ومادته السخرية التي تؤثر الهدم بالقول الجارح وتفعل بالظهور ما لا تفعل السياط. . هو ساخر في حياته وساخر في فنه، وبهذه السخرية النادرة نظر إلى الحياة والفن من زواياه الخاصة، وسلط عليهما أضواءه الخاصة، واختلف مع كل المصورين في لقطاته البصرية والنفسية!

ولم تكن سخرية (شو) هي سخرية العاجز حين يشكو النقص فيتندر على القادرين، ولكنها سخرية المشرف على الدنيا من فوق قمة عالية، تريه الأشياء صغيرة مسرفة في الصغر ضئيلة مغرقة في الضآلة. ومن هنا امتزجت السخرية في دمه بالكبرياء، سخرية العقل بكبرياء النفس، ثم انصهر هذا المزيج العجيب في بودقة الحياة فنشأت عنه هذه النزعة الإنسانية التي تتسم بالعطف على الشعوب الفقيرة والمحتلة على حد سواء. . إنها نبضات القلب الكبير، القلب الذي تقلب يوماً على أشواك الفقر فقاد خطوات صاحبه إلى طريق الاشتراكية، وناء يوماً بثقل القيد فوجه قلم صاحبه إلى مهاجمة الاستعمار!

ومن مظاهر الكبرياء في حياة (شو) أن يهاجم التقاليد الإنجليزية في كل مناسبة تدعوه إلى الهجوم، ويسخر من المثل الإنجليزية في كل فرصة تهيئ له أسباب السخرية، في الوقت الذي كانت أيرلندة وطنه الأول تئن تحت ضغط الاستعمار البريطاني. . ثم لا يقف بكبريائه عند هذا الحد المقبول ولكنه يندفع بها إلى ما وراء المعقول، فيمتدح الشيوعية الروسية وينعت قطبها الأكبر ستالين. . بأنه خير الناس! ترى هل كان (شو) يؤمن بهذا الذي جهر به، أم أن سخطه على الرأسمالية عامة وعلى الشعب البريطاني خاصة هو الذي كان ينطقه بغير ما يعتقد ويظهره بغير ما يريد؟ الحق أنه للسخط من جهة والإيمان بالرأي من جهة أخرى).

على هذه الفقرات الأخيرة تركزت أسئلة الأديب الفاضل محمد محمد عبد الرحمن في العدد الماضي من الرسالة. وإذا كنا قد عمدنا إلى الاستشهاد بما سبقها من فقرات، فلأننا سنعود إليها في معرض الجواب حين نرفع القناع عن أهدافه ومراميه. إن الأديب الفاضل يسألنا وهو يطلب المزيد من الوضوح. (ترى هل كل شو يا سيدي ساخطاً حقاً على الرأسمالية، غير مؤمن باستحواذ المال؟ إن الأستاذ العقاد يؤكد لنا في كتابه الصغير عن برناردشو، أنه كان مؤمناً برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات، وأنه لا يكتم هواء للمال وحبه للاستزادة منه ما استطاع ثم يحدثنا العقاد عما كان يجذب شو نحو الاشتراكية فيقول: كان يجذبه إليها فقرة وتمرده على النظم القائمة ونشأته الأيرلندية التي تعلم منها الثورة على الاستعمار والاستغلال، فكان انضمامه إلى جماعة الفابيين. فإذا أردنا تفسير كلمة (فقره) وجدناها لا تعني سخطه على الرأسمالية، يؤيد ذلك قول شو نفسه (لا تخلط بين بغضك لزيادة جارك في الغنى وبين بغضك للفاقة)!

إلى هنا تنتهي ملاحظات الأديب الفاضل ونعقب عليها قائلين له: أما أن (شو) كان ساخطاً على الرأسمالية فحق لأمراء فيه، وأما أنه كان مؤمناً برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات، ولا يكتم هواه له وحبه للاستزادة منه فحق آخر لا يقل عن الحق الأول في دلالته ومعناه، ولا تناقض بين النزعتين ولا غرابة ولا شذوذ. . فإذا قلنا إن (شو) كان صاحب نزعة اشتراكية في آرائه الاجتماعية، فمعنى هذا أنه تنكر للرأسمالية وسخط عليها وعدها خطراً على حياة الفرد وحياة الجماعة. وإذا آثر مفكر من المفكرين نظاماً في الحياة على نظام، فدلالة هذا الإيثار واضحة كل الوضوح معبرة كل التعبير، بأنه قد آمن بالوضع الأول ولم يؤمن بالوضع الأخير. وإذا قلنا بعد ذلك إن (شو) كان يعترف برسالة المال وأثره في حياة الآحاد وحياة الجماعات، وجب علينا أن نقرن القول بشيء من التوضيح ينتفي معه كل تناقض بين الرأيين في مجال الموازنة والتوفيق. أية رسالة للمال تلك التي كان يعترف بها (شو) ويؤيدها بكل ما يملك من قوة القلم وحرارة المنطق وذلاقة اللسان؟ لقد نادى (شو) بأن يكون المال في يد الجميع لينهض الجميع، أما أن يكون المال في يد طبقة دون طبقة، فهذه هي التفرقة التي لا تتسم بالعدل ولا تقترن بالإنصاف، لأنها مدعاة لتنافر الطبقات من جهة وزلزلة للنظم الاجتماعية من جهة أخرى. ومن هنا آمن (شو) بنظرية (المساواة في الدخل) كنظام اقتصادي يفضله على كل ما عداه. . وأساس هذه النظرية أن المواهب الخاصة والكفايات الذاتية، تلك التي تميز بين الأفراد في رأي المجتمع وتقدير القادة، لا يصح أبداً أن تكون ميزاناً لمثل هذا التمييز في الحصول على حقوقهم المادية. ولهذا طالب (شو) بتأميم وسائل الإنتاج، أي بوضع المرافق الاقتصادية في يد الدولة، لتستطيع الدولة أن تستغل تلك المرافق بعيداً عن دوافع الأثرة ومزالق الأهواء، وذلك بتوزيع الدخل الحكومي توزيعاً عادلاً (متساوياً) بين الأفراد!

هكذا آمن (شو) برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات، وهو إيمان تؤيده نزعته الاشتراكية ويؤكده انضواؤه تحت لواء الجمعية الفابية. . ونحن هنا متفقون مع الأستاذ العقاد حين قال بأن ما كان يجذب (شو) نحو نزعته تلك هو فقره، وتمرده على النظم القائمة ونشأته الأيرلندية التي تعلم منها الثورة على الاستعمار والاستغلال. متفقون معه في تلك الفقرات التي أثبتناها في بداية هذه الكلمة وختمناها بهذه العبارة: (إنها نبضات القلب الكبير، القلب الذي تقلب يوماً على أشواك الفقر فقاد خطوات صاحبه إلى طريق الاشتراكية، وناء يوماً بثقل القيد فوجه قلم صاحبه إلى مهاجمة الاستعمار)!

وإذا ما تطرق الحديث إلى ثورة الكاتب العظيم على الاستعمار فقد آن لنا أن نربط بين هذه الثورة وبين ثورته الأخرى على الرأسمالية، ذلك لأن شو كان يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن الرأسمالية بوجهها السافر وصورتها الصادقة، ما هي إلا المعبر الحقيقي لتلك الخطوات التي لا تعرف التردد وهي تشق طريقها نحو الاستعمار وما يقتضيه من ألوان الاستغلال وضروب الاستعباد. . إن الرأسمالية معناها إثارة الحروب، وهدفها إرضاء المطامع، وغايتها التحكم في رقاب الناس، ودستورها فرض سلطة القوي على إرادة الضعيف، وهذا كله بتسخير قوى المال في إخضاع العصاة وقهر الأباة. . تحقيقاً لمبدأ الشهوات والنزوات!

ويسألنا الأديب الفاضل بعد ذلك في نهاية كلمته: كيف نوفق بين قولك بأن (شو) كان ساخطاً على الرأسمالية، وبين قوله هو: لا تخلط بين بغضك لزيادة جارك في الغنى وبين بغضك للفاقة؟! والجواب عن هذا السؤال كامن هناك، في تلك الفقرات الأول التي استشهدنا بها من مقالنا السابق عن الكاتب العظيم، حيث قلنا بعد كلام طويل: (. . والسخط لون من ألوان الثورة بلا جدال، ولكنه عند (شو) ثورة عقلية مهذبة، هدفها النيل بالقلم واللسان، ومادتها السخرية التي تؤثر الهدم بالقول الجارح وتفعل بالظهور ما لا تفعل السياط). . إن كلمة (مهذبة) التي نطقنا بها ونحن نرمي إلى ما يرسب في قرارها من أهداف، هي المفتاح الأصيل لما يبتغيه الأديب الفاضل من تفسير وتعليل:

لقد انضم (شو) إلى الجمعية الفابية عند إنشائها في سنة 1884، ومن مبادئ هذه الجمعية أن تدعو إلى الإصلاح الاجتماعي أو تطبيق العدالة الاجتماعية بين طبقات الكادحين، وذلك عن طريق التوجيه والتشريع لا عن طريق الثورة المسلحة وإراقة الدماء. . لم تكن الجمعية الفابية تؤمن بنبذ الأوضاع غير المألوفة في ناحية بعينها من نواحي المجتمع هي الناحية الاقتصادية، وشعارها أن يكون المال في يد الجميع لينهض الجميع. نؤمن بهذا المبدأ وهي أبعد ما تكون عن وسائل الضغط وعوامل الإرهاب، وأبعد ما تكون عن تأليب فئة من الناس على فئة، عملاً بخطتها السلمية التي تأنف إثارة الأحقاد والضغائن بين الطبقات. . . فإذا كان (شو) قد جهر بتلك الكلمة المأثورة، وهي ألا نخلط بين بغضنا لغنى الجار وبين بغضنا للفاقة، فهو خضوع لمنطق نزعته الاشتراكية وخضوع في نفس الوقت لمنطق جمعيته الفابية، تلك التي انضم إليها عن عقيدة وإيمان!

لقد كانت الحركة العمالية البريطانية في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، تلجأ في تحقيق مطالبها إلى كل وسيلة من وسائل العدوان، نعني أنها كانت حركة ثورية تبعد فيها الثورة عن أن تكون (مهذبة). وحين ظهرت الجمعية الفابية في أواخر النصف الثاني من ذلك القرن، كان لها أكبر الأثر في تهذيب تلك الحركة الثورية وطبعها بطابع التعقل والرصانة وتقدير الأمور. . ولسنا مغالين إذا قلنا عن تلك الجهود التي بذلتها الجمعية الفابية في ذلك المضمار، إنها قد انتقلت بالحركة العمالية من مرحلة القوى المبعثرة بفعل القلق والاضطراب، إلى مرحلة أخرى من الاتحاد والهدوء والاستقرار، نهض على دعائمها القوية حزب العمال وحكومة العمال. نقول هذا مختلفين مع الأستاذ العقاد حين يقول في كتابه الصغير القيم عن أثر الجمعية الفابية: (. فالواقع أن المجال كله مجال (نظريات وآمال) فيما تناولته الجماعة الفابية من المساعي والجهود، فإن آثارها في مجال العمل السياسي جد قليلة، ومعظم آثارها إنما كان تعليماً مقبولاً بين الناشئين والمثقفين ممن لا يملكون في مساعيهم وجهودهم قوة فعالة أكبر من قوة الإقناع في هذا المجال المحدود)!

وليس من شك في أن (شو) كان يحب جمع المال ويسعى إلى اقتنائه، حتى مات وهو صاحب أكبر دخل بين الكتاب في القرن العشرين. . وقد يعجب القراء حين يعلمون أن هذا الكاتب الإنساني صاحب تلك النزعة الاشتراكية، لم يعرف عنه أنه جاد بماله يوماً على فقير أو محتاج أو جمعية من الجمعيات الخيرية! لقد كان (شو) هو هذا الرجل الذي صورناه، ولكن العجب يزول ويجب أن يزول، حين نقول إن (شو) كان يؤمن وله كل الحق في هذا الإيمان، بأن مشكلة الفقر لا يمكن أن تحل عن طريق التبرع أو عن طريق الإحسان. . ولهذا أمسك يده إلا عن الجمعية الفابية! بعض الحقائق عن الفضيحة العلمية:

كان للمقال الذي كتبناه في العدد الماضي من الرسالة، حول الفضيحة العلمية التي ارتكبها الدكتور عبد الرحمن بدوي بتحقيقه، معذرة أقصد بتشويهه لكتاب (الإشارات الإلهية) كان لذلك المقال أثره البعيد ودويه العميق في مختلف الأوساط الأدبية والجامعية. ولكن هذه الأوساط قد لجأت إلينا متسائلة ومستفسرة، عن السر الخفي الذي حال بين المقال الثاني من نقد الأستاذ صقر في مجلة (الثقافة) وبين الظهور، في الوقت الذي دعونا القراء إلى انتظاره في يوم معلوم. ونرى لزاماً علينا أن نرفع الغطاء قليلاً عن السر الخفي فنقول: لقد حدث أن عجز فيلسوف مصر الأول عن أن يدفع عن (علمه) طعنات السهام، فتوسل إلى المشرف على تحرير (الثقافة) بحق ما بينهما من روابط الصداقة وأواصر الوفاء، أن يحبس المقال الثاني إنقاذاً لسمعته!!

وتحت جنح الظلام تمت المؤامرة ونجح التوسل وأفلح الرجاء، ولكن إلى حين. . فقد علم المفكر الحر الأستاذ أحمد أمين بك بهذا الذي دبر في الخفاء فوقف إلى جانب حرية الرأي يناصرها بغضبة العالم ويؤازرها بيقظة الضمير، وأصدر أمره إلى المشرف على تحرير (الثقافة) بأن يفسح لحرية الرأي مكانها الموقر في قرار النفوس! إننا حين ندعو القراء مرة أخرى إلى متابعة الأستاذ صقر في دفاعه عن كرامة التحقيق العلمي في مصر، فإنما ندعوهم في نفس الوقت إلى أن يذكروا للأستاذ أحمد أمين بك هذا الموقف المشرف الذي لا يمكن أن ينساه المفكرون الأحرار!!

أنور المعداوي