مجلة الرسالة/العدد 810/الشهيد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 810/الشهيد

مجلة الرسالة - العدد 810
الشهيد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 01 - 1949


للأستاذ محمود الخفيف

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

محدي الردى لم يدَع موضعا ... إذا الروعُ جدَّ مضى أروعا

تدور إليه قلوبُ الرجال ... إذا قضت الحرْبُ أن تفزعا

وما أوهن الدَّأبُ إصراره ... ولا كدَّه الهولُ أو ضعضعا

وجاهد في الله مستيقنا ... وبشر أصحابهُ مؤمنا

وذكرهم جنة الصابرين ... وكيف أعدت لهم مسكنا

وكيف يخوض اللظي باسما ... ويستقبل الموتَ من آمنا

وما يذكرُ اليوم إلا الجهادْ ... وإن طال عمن أحبَّ البِعادْ

فلا شيء إلا خيالٌ يُلمُّ ... تضيء الوهادُ به والنِّجاد

وينساه حين يضيء الصباحُ ... ويمحو الضحى ما احتواه الرقاد

وينسى الربيعَ ووشى الزَّهَرْ ... وصفو الضحى وسكونَ النهَرْ

وينسى من الصيف آصاله ... وسحر العشايا به والبُكَر

فما غيرُ نارٍ أحاطت به ... وما غير رملٍ يرى أو صخر

ضحوكٌ ووجه الضحي عابِس ... وللموت في نفسه هاجِسُ

توحشت الأرض من حولِه ... وما ضلَّ قلبٌ له آنس

يزيد هدىً عنده الموقنونَ ... ويبرأ من يأسه اليائس

وأحدق يوماً به فيْلقُ ... فرحب بالموت إذ أطبقوا

وقاتل حتى استحال القتالُ ... وحتى هوى البطلُ المرهقُ

فلله جسمٌ له نازفٌ ... ولله روحٌ لهُ تزهقُ!

تبسم إذ يردُ الموردا ... وحين تربد وجْهُ الرَّدى

فتى همه كان خوض الحتوف ... وكم بات يرتقبُ الموعدا

وما زال يركبُ أهوالها ... إلى أن قضى الله فاستُشهدا

على الأرض سالت دماء الشهيد ... فلله موتُ الكمىِّ النجيدْ لئن فاته النصر فليهنه ... بلاءٌ له، ما له من مزيد

هنيئاً له أقربُ الحُسنيين ... إلى قلبه، وعُلى لن تبيد

تندت جفوني لهذا الدم ... يسيل من البطن المرتمى

سقى تربَةً بالنجيع الصبيب ... غريبٌ إلى أهلها ينتمى!

حبست دموعي وكفكفتها ... وغنيت بالأرْوعِ المعْلِم

كمىُّ الوغى جسدٌ هامِدُ ... ألا كم بكى عزمه قائدُ

صريعُ عُلى وأخو عمره ... صريعُ هوى واجدٌ ساهِدُ

وما خرَّ إلا إلى سجدة ... ولا كلَّ يوما له ساعدُ

غدا ينبِتُ العزَّ هذا الدَّمُ ... وقد بلِيتْ تِلْكُم الأعظمُ

إذا الدم جاد الشباب به ... فما يهنُ المجدُ أو يهرم

وقد جاد بالنفس جود السما ... ح حين قضى نحبه يبسم

طواه الردى في ربيع الحياه ... ولم يطْو نوراً له إذ طواه

سينسى اسمه الناس فيما نسوا ... ويمضي وما جفَّ دمعُ النعاه

ولكنما شهداء العلى ... على الدهر فينا النجوم الهداه

غدا فكْرةً في ضمير الزَّمن ... تضوِّيُّ في ظلمات المِحنْ

يسير على ومضها المدلجون ... وينشط من عزمهم ما وهن

ففيها الفداء وفيها العزاءُ ... وفيها لكلِّ فؤادٍ سكن

محمود الخفيف