مجلة الرسالة/العدد 8/روح الإسلام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 8/روح الإسلام

مجلة الرسالة - العدد 8
روح الإسلام
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 05 - 1933


للدكتور محمد عوض محمد

منذ سنوات كنت اطلب العلم في جامعة لفربول. . . . . .

وفي ذلك الزمن كنت قد عاهدت نفسي وعصبة من الرفقاء، منذ نزلنا بلاد الإنكليز على ألا نألوا جهدا في إفهام القوم أمر بلادنا، واطلاعهم على مالنا من تاريخ مجيد وثقافة جليلة. فكنا نرحب بكل من جاء يستطلع منا خبرا، أو يستفتينا في أمر يمت إلى الشرق بسبب.

وفي يوم من أيام الشتاء، بعد انصرافي من إحدى المحاضرات، ابتدرتني طالبة من الطالبات بالسؤال الآتي: هل تستطيع أن تخبرني في كلمة واحدة أو في كلمات قلائل ما روح الإسلام؟ أدهشني السؤاللأول وهلة، ونظرت إلى السائلة نظرة الحائر المستفسر. فأدركت أن في السؤال شيئا من الغموض. فقالت: (اننا، مثلاً، نرى أن روح المسيحية يتمثل في لفظ واحد وهو الحب. فهذا هو لب لباب ديننا، والأساس الذي شيدت عليه صروح المسيحية كلها. فما من عقيدة ولا شعائر ولا تعاليم إلا والحب محورها الذي تدور حوله. ولا تكترث لما قد تراه مخالفا لذلك فما هو من المسيحية في شيء.) فقلت: (إنك إذن تريدين مني كلمة واحدة أو كلمات قلائل، تكون من الإسلام بمثابة كلمة الحب من المسيحية؟.) فقالت: (أجل فقد يكون روح الإسلام مثلا العدل أو القوة. .)

فأطرقت قليلا، وأنا أمعن في التفكير، لعلي أهتدي إلى جواب ترضاه وأرضاه. وخطر لي أن أشرح لها أن للإسلام أركانا خمسة. . لكني ذكرت إن في المسيحية أيضا صلاة وصياما. وخشيت أن تقول لي إن هذا من الدين بمثابة الجسم وإنها تبحث عن الروح.

قلت لها في صراحة: (إنني ما خطر لي يوما أن أبحث عن كلمة واحدة تؤدي كل ذلك المعنى الجليل الخطير. . وأنتم معشر الإنكليز قوم تحبون تبسيط كل مسألة. . ومع هذا أمهليني أتدبر الأمر، أو أسأل أهل الذكر. فلا خير في جواب عاجل لا ينطوي على الصواب.)

في مساء ذلك اليوم جلست في حجرتي مطرقا، مسندا رأسي على يدي، محدقا في مصطلى تشتعل فيه النار. كأنما كنت ألتمس الإلهام من لهيبها المندلع وقبسها المضطرم. وأطفأت المصابيح كي لا يلهيني عن التفكير ما بالحجرة من أثاث أو صور. . . . . .

لم أكن (علم الله) من الملمين بعلم الدين. وكنت أحس من نفسي عجزا وقصورا، عن معالجة تلك المسألة، ولكني رغم هذا رأيت أن أحاول معالجتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. . وجعلت أجهد فكري أيما إجهاد. وخيل لي أني أرى أمامي سبلا كثيرة فجعلت أسلك كلا منها، ولا أزال أتبعه إلى نهايته، ثم أعود فأسلك طريقا آخر فأجتازه إلى غايته: وكانت كل خطوة تدفعني إلى خطوة أخرى حتى أبلغ نهاية المرحلة. . .

وهكذا سلكت في تفكيري وبحثي طرقا شتى. وعجبت إذ ألفيتني أصل في كل مرة إلى غاية واحدة، ويسلمني البحث إلى شيء واحد. . فقد كان ينتهي بي التفكير دائما إلى التوحيد. . . . . .

لعل روح الإسلام إذن هو التوحيد. . وهل أراني بلغت الغاية حين رست بي سفينة الفكر على ذلك الساحل الأمين؟ أليس التوحيد أن يقصد الناس بجسدهم وبروحهم وجه الإله، ولا ينصرفوا عنه إلى سواه؟ وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؟. . وأن نرتفع بأنفسنا عن عبادة المال والتكالب على جمعه. . وعبادة الشهوات التي تسترقنا وتذلنا. . أليس التوحيد إذن هو الذي يعلو بأنفسنا عن كل دنيء مهين، ويرقى بنا إلى سماء كلها طهر وصفاء؟

فيم التردد إذن؟ إن روح الإسلام هو التوحيد.

جالت بنفسي هذه الخواطر، وجعلت أرددها في صدري مرارا فلا تزداد إلا ثباتا ورسوخا. وخيل إلي إني اهتديت إلى إجابة صريحة (لا لبس فيها ولا إبهام) على السؤال الذي سألته صباح ذلك اليوم.

وكنت أخشى ألا ألتقي بصاحبة السؤال إلا بعد أيام، فأردت أن أرسل إليها الجواب في طي كتاب فتناولت قلما وورقا، وأوقدت المصابيح، وجعلت أسطر ما جال بخاطري في شيء من الإسهاب والتفصيل، كي لا يبقى في صدر القارئة ذرة من الشك في صحة ما استقر عليه رأيي.

وأعدت تلاوة الكتاب مرارا، واطمأننت إلى إنه يؤدي كل ما جال بنفسي أحسن الأداء. وكنت بهذا فرحا طروبا. ثم طويت الكتاب، ونهضت لأحمله إلى دار البريد.

في تلك الساعة كان المطر ينهمر مدرارا. فجلست إلى جانب النافذةانتظر عله يكف أو يسكن قليلا. . وجعلتانظر إلى خارج الدار. أتأمل الغيث إذ يتساقط على أحجار الشارع الملساء، والضباب الخفيف وقد انتشر في سائر الأرجاء. والمصابيح وهي تبدو ضئيلة فاترةخلال الضباب والغيث. وكأنها أشباح اليقين وسط دياجير الشك.

لم يطل تأملي لذلك المنظر حتى عاد بي الخاطر إلى موضوع الكتاب الذي بيدي. . وانتقل بي التفكير من الإسلام إلى البلاد التي تدين بالإسلام. وجعلت أنظر بعين الوهم إلى تلك الأفكار، التي يفصل بيني وبينهاآلاف الأميال. وأخذت ترتسم أمامي صورتها شيئا فشيئا. .

ليت شعري ماذا في بلاد الإسلام من روح الإسلام؟ وماذا في بلاد التوحيد من التوحيد؟

غشيني شيء من الذهول. ورسم الوهم أمامعيني صورة مروعة مفظعة هائلة، لتلك الأقطار القاصية. .

رأيت البلاد. قد حلق فوقها عقاب البغي، باسطا عليها جناحيه، ومنشبا فيها أظفاره، وقد خضعت لسلطانه الرقاب، وعنت لخشيته الوجوه! وهلعت الأفئدة. وذلت الأعناق، ورغمت الأنوف! وانطلقت الأفواه تسبح بحمده، وتمجده، وهو لا يزداد إلا بغياً وعتواً، والأعناق لا تزداد إلا خشوعا وذلا.

وتبدلت الرؤيا بعد ذلك. . فأبصرت هيكلا عظيم البناء، لا يبلغ الطرف مداه. ورأيت الناس منطلقين إلى أبوابه الكبيرة، ليقيموا الشعائر. . زمر تسعى إثر زمر. . جموع تتجاذب وتتدافع، ويموج بعضها في بعض. . ولا تكاد الأبواب تحتويهم على سعتها. . . . . .

ثم انكشف الغطاء وأبصرت ما بداخل الهيكل. . فإذا أوثان هائلة، قد نصبت في أرجاء الهيكل. ومن دون كل صنم مذبح عظيم تقدم إليه القرابين، ويحرق عنده البخور. والناس من حولها بين قائم وقاعد وركع وساجد. .

نظرت ذات اليمين فإذا صنم جبار أصفر اللون، براق لامع، ما شككت في إنه (مامون) إله النضار. إن لم تنم عنه صورته فقد نم عنه رواده وقصاده. جنود مجندة وكتائب محتشدة. قد أقبلت على عبادته بأيد ممدودة، ووجوه تفيض شرهاً وجشعا.

وقد حمل كل عابد قربانه: هذا يقرب الشرف، وذاك يذبح الدين، والآخر يقدم الوفاء والميثاق، وذلك يقرب وطنه الذي نماه وغذاه، وصاحبه يقدم الأهل الذين أنجبوه. . . . . .

وها هنا شخص يحرق ضميره ومبدأه بخورا.،. وهناك آخر يضحي بما لديه من عفاف وكبرياء. . . . . .

وكأن ليس في العالم شيء أعز وأكبر من أن يكون قربانا لذلك الصنم الهائل الدميم. الذي كان يقبل القربان حيناً، ويزور عن عباده أحيانا. فلا يزيدهم نفوره وازوراره إلا تهالكا عليه، وغلواً في عبادته، وإكثاراً من الضحايا والقرابين. . . ثم نظرت إلى أطراف الهيكل، فأبصرت جموعاً أخرى عاكفة على أوثان أخر: ها هنا إله الشهوات وقد احتشدت عبيده من حوله. وهنالك وثن المناصب والجاه والناس من حوله ركع سجود. . . وفي هذه الناحية وتلك شكول وضروب من أصنام يكاد يخطئها العد، ويعجز عنها الوصف.

وألفيت نفسي بعد قليل أتنفس الصعداء، وقد إنجابت عن عيني تلك الرؤيا، ولم يبق أمام ناظري سوى الغيث المنهمر، والضباب المنتشر، وضوء المصابيح الضئيلة.

ولبثت برهة واجماً ساكنا: وقد امتلأت نفسي خزنا وغما. . . . . .

ثم نهضت ببطء شديد، وأغلقت النافذة وأسدلت الستر. وعدت إلى مجلسي بجانب الموقد. . . . . .

وأمسكت بيد مرتجفة ذلك الكتاب الذي تعبت في تسطيره وتحبيره. . . . . .

وبيد مرتجفة ألقيت به في النار. . . وجعلت أحدق فيه إذ يحور لهيبا ودخانا. . .

وأحسست بقطرات تنحدر على خدي. . فتناولت منديلي ومسحتها. . . . . . ولعلها من قطرات ذلك الغيث أصابت وجهي وأنا جالس لدى النافذة!

ألفيت الفتاة بعد أيام فأعادت السؤال فقلت لها إن كان روح النصرانية الحب، فأن روح الإسلام التوحيد.