مجلة الرسالة/العدد 8/الشعر والحياة الحديثة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 8/الشعر والحياة الحديثة

مجلة الرسالة - العدد 8
الشعر والحياة الحديثة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 05 - 1933


لشاعر الهند رابندرانات تاغور

يعيش العالم الآن في عصر ثورة. فاعتقاده القديم وميله حتى نفوره في تغير وتبدل. ولم يشهد التاريخ تطوراً أصابه من التقلبات السريعة المفاجئة ما أصاب هذا التطور البادي في عقلية الجماعة والفرد. فالأخلاق تختلف، والآراء تتغاير، والاعتقادات تتباين. والجيل الجديد قد دفعته الرغبة الملحة إلى تجربة كل شيء في الحياة حتى نسي فن الحياة، فلا يملك الوقت للتفكير والتأمل، ولا يجد الفراغ للسرور الهادئ الذي يمتع به نفسه، ولا فرصة للقراءة يغذي بها روحه، وشدة الزمان وعنف الجهاد لا يسمحان لامرئ أن يفاكه شيئا لا رادة فيه ولا ثمرة، لذلك كان فن الشعرأبعد ما يكون عن الازدهار والانتشار. فالشعراء قليلون. وروائع الشعر نادرة، لأن طبيعة العصر تقتضي ذلك.

أنا لا أزعم إني أفهم ميول العصر، ولكني أسجل ما عليه الشعر العصري من حاضر سيئ وحال أليمة. ليكن السبب في ذلك متصلا بأي صورة من الصور بالحرب وأثرها في نفوس الشعوب التي صليت بنارها (وذلك ما لا أجرؤ على تأييده) فإن الأمر الواقع أن ازدهار الشعر في هذه الساعة من أصعب الأمور.

ومما لاشك فيه أن الناس لا يجدون لثقافة الشعر فراغا تركه السينما الناطق وموسيقى الجاز وذلك الحرص على أن يزدردوا في أربع وعشرين ساعة مقدارا من التجارب والاختراعات والاحساسات كان يغذي آباءنا الأولين شهوراً عدة.

على أن هذا الحال من الظواهر الطارئة التي لا تلبث أن تزول، فأن في الإنسان جزءاً جوهريا يقتضي الشعر ويتطلبه. أما وقت زوالها فذلك ما أجهله، ولكنه على أي حال لا يكون اليوم، لأن الناس أصبحوا غير أهل لتقدير العمل الفني، وإذا استطاع المسافر في قطار سريع أن يحسن التقدير لمنظر من المناظر، استطاع الرجل الذي يحيا هذه الحياة المحمومة أن يزن الحكم على قصيدة من القصائد. أن للحياة نسقا موزونا إذا أعجلته في حركته عرض الوجود كله للخطر. وقد نسى رجال اليوم ذلك فأصبحوا يركمون الإحساس فوق الإحساس دون استمتاع ولا تذوق، كالأكول الشره يبتلع اللقمة دون استمراء ولا مضغ ففاتهم بذلك خير ما في الحياة! تلك هي الحال الغالبة على كل شيء.

ويريبني الشك في أن مثل هذه الحال توفى بالإنسانية إلى السعادة حتى ولو حققت لها النجاح المادي، لأن هذا النجاح لا يعدو أن يصبح كل إنسان قادرا على اكتساب ثروة تضمن له ترف العيش، وتنوع له صور الحياة، ولكن الواقع أن عبادة السرعة التي احتلت المشاعر وغلبت على الأذهان تستفرغ جهد المرء في تبريزه على جاره وأخذه المهلة على منافسه، والسرعة وإن بلغت بالناس بعض النجاح لا تستطيع على ما أظن أن تجدي عليهم جمال الحياة ورخاء الصدر. فالجيل الناشئ قد جنى معرفة واسعة بالأشياء وخبرة عظيمة بالأمور، ولكنه على وشك أن يفقد حساسيته، ويوشك هذا الميل إلى الإفراط أن يطغي على العالم بأسره، لأن انتقال الأفكار من قطر إلى قطر لم يكن في زمن من الأزمان أسرع منه الآن، وقد راعني سريان هذا الداء إلى شرق الهند بسرعة غريبة. فمنذ قليل كان في البنغال جمهور عظيم قد سلم شعوره من شر الأخلاق، فكان عباد الجمال من شعراء الشياب موضع إجلالهم وتقديرهم، ودواوين شعرهم مصدرا لغبطتهم وسرورهم، ولكن الهنود اليوم قد أخذوا بأسباب الحياة الحديثة وهي كما قلت شر عل الشعر وحائل دون ازدهاره.

يزعم فريق من الناس أن تأخر الشعر نتيجة لتقدم العلوم في الثلاثين أو أربعين سنة الأخيرة وزعمهم هذا باطل، فإن نفاق العلم لا يستلزم حتماً كساد الشعر.

وإنما الخطر الحقيقي الوحيد هو أن الناس في هذه الرجات الاجتماعية الحديثة يصبحون عاجزين عن ترجمة الخواطر بالشعر، قاصرين عن إدراك الجمال في القصيد، وذلك لا ريب عرض من أعراض الهرم. ومثل هذا العرض لا يظهر في الشعوب الشابة لأن حاسة الشعر خصيصة من خصائص الشباب. على أن هذه الحاسة يفقدها المرء بسهولة إذا لم يساعدها بالثقافة والمران، ومتى فقدها فقد معها نضرة العيش وجمال الحياة.