مجلة الرسالة/العدد 788/في الطائرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 788/في الطائرة

مجلة الرسالة - العدد 788
في الطائرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 08 - 1948


للأستاذ نجاتي صدقي

كان المسافر من فلسطين إلى سوريا في الزمن الغابر يشعر بأنه مقدم على رحلة محفوفة بالمغامرات والمخاطر، فيقطع المسافة الطويلة إلى عكاء بالدلجانس، ثم يستقل حمارا ويجتاز به معبر الناقورة. . . ثم يتابع السفر بدلجانس آخر.

وكان معبر الناقورة هذا طريقا جبليا ضيقا، يقوم على أحد جانبيه جبل شاهق، وتترامى على الجانب الآخر هوة سحيقة تنتهي إلى صخور مسننة يداعبها البحر الأزرق العميق مداعبة هادئة، فإذا ما نظر إليها المسافر الراكب شاعت في نفسه موجة من الهلع، وفضل اجتياز المعبر سيرا على قدميه. . أو زحفا على أربعته.

ثم يصل المسافر المدينة التي يقصدها، ويقص على أهله وذويه ما لاقاه من أهوال أثناءرحلته الشاقة. . . ولا يغرب باله طبعا عن أن يروى لهم وقائعه مع قطاع الطرق، وفتكه ليلا بالضباع التي ينبعث الشر من أعينها، وبطشه نهارا بالذئاب الجائعة ذات الأنياب الحادة والمخالب الجارحة.

هكذا كانت مشاق الأسفار في الأيام الغابرة، أما مشاقها في أيامنا هذه فأليك ما حدث في الطائرة:

كنت مرة مسافراً في الطائرة من اللد إلى حلب، وكان الفصل شتاء، وكانت الطائرة تقل شخصين فقط هما أنا وتاجر أغنام يدعى أبا محمود، وهو رجل في حدود الخمسين، طيب القلب، يلبس القمباز، ولا ينفك عن مداعبة حبات سبحته القيقية. وبعد أن قطعنا مسافة في الطائرة حدث ما أثار دهشتي. . . رأيت تاجر الأغنام وقد انكمش على نفسه، ممتقع اللون، زائغ البصر، فاغر الفم، مشنج اليدين. . فدنوت منه وسألته: ما بالك يا رفيق الطريق؟. . .

فأجابني بصوت بكاء: أريد النزول!. .

قالت هذه طائرة وليست سيارة، ولن تتمكن من النزول

إلا في مطار حلب. . . الأول تصعد في الجو؟.

قال: نعم. . . لأول مرة يا لشقائي.

قلت: لا تخف، فبعد ساعتين سنصل إلى حلب. . . أنظر إلى أسفل، ها نحن نجتاز رأس الناقورة. . . فتطلع تاجر الأعنام من النافذة. . . وحدث في هذه البرهة أن هبطت الطائرة في فجوة هوائية، فانتفض رفيقي، واسترخى على مقعده، وراح يؤنب نفسه قائلاً: (أجننت يا أبا محمود. . . ما لك وركوب الطائرة. . . سافر في السيارة. . . أو في الدلجانس. . . الله يرحم أيام الدلجنس. . . أو على حمار. . أو مشيا على قدميك. . . ولكنك تريد السرعة، والآن ستكلفك هذه السرعة حياتك. . . يا لك من شقي جاهل يا أبا محمود). . . (وأخذ يبكي).

ولما دخلت طائرتنا وسط غيوم كثيفة رفع تاجر الأغنام ناظريه إلى وقال: أين نحن الآن؟.

قلت: وسط الغيوم.

قال: في السماء؟.

قلت: نعم.

قال: في أي سماء؟!

قلت: اجتزنا السادسة وعلى وشك الدخول في السابعة! فصرخ بأعلى سوته: الله أكبر. . . الله أكبر. . الله أكبر!. .

ثم ارتجت الطائرة فجأة ومالت إلى اليمين، ثم انحرفت إلى اليسار. . . ثم هوت في فجوة هوائية بعنف. . . فشددت الحزام على وسطي. . . أما تاجر الأغنام فكان يتمتم قائلاً: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ولا تجازينا إن أسأنا أو أخطأنا، اللهم أدخلنا في زمرة عبادك الصالحين، آمين يا أرحم الراحمين.

ثم ألتفت إلي وقال: أبنائي أمانة في عنقك!

قلت: وماذا تعني بذلك؟. .

قال: أبنائي ليس لهم من معيل غيري. . أستحلفك الله أن تتردد عليهم دائما، وأن تمد لهم يد المعونة إذا ما احتاجوا لها لا سمح الله. . . دعهم يبيعون الأغنام أو يقتسمونها فيما بينهم. . . وقل لأم محمود بأن تكرس حياتها في تربية أولادها. . . آه إني أشعر بدنو الأجل!. .

قلت: ولكن إذا أصيبت الطائرة بكارثة فسيقضى علينا معاً! وارتجت الطائرة ارتجاجا عنيفاً، ثم هبت علينا عاصفة مصحوبة بالرعد، والبرق، والأمطار فحلقت بنا الطائرة عالياً، وكانت أثناء تحليقها هذا تهوى بين حين وآخر في فجوات جوية. وفي هذه اللحظة أطل علينا عامل الراديو من كونه وناولني ورقة فلم أطلع على مضمونها لاعتقادي أنها تحدثنا عما قطعناه من مسافة وما تبقى منها لنصل إلى حلب. . . أما رفيقي تاجر الأغنام فكان مستلقيا على مقعده مغمض العينين، متهدل الشاربين، مرتخي اليدين.

وهبطت بنا الطائرة في مطار حلب، وأبو محمود لا يزال يعتبر نفسه في عداد الهالكين. . . فهززته قائلاً: أنهض أيها الرجل لقد وصلنا!.

ففتح عينيه الذاهلتين وقال: أين نحن الآن. قلت في حلب.

فنزلنا من الطائرة، وسمعت تاجر الأغنام يقول: هذه هي السفرة الأولى والأخيرة بالطائرة. . لقد نجانا الله!.

فضحكت منه، وربت على كتفه، وافترقنا.

ولما بلغت النزول حلب، أخذت أفحص ما في جيبي من أوراق، فعثرت على ورقة عامل راديو الطائرة التي ناولني إياها ونحن نجتاز الزوبعة. . وقرأت فيها:

(نطير الآن على ارتفاع أربعة عشر ألف قدم. . لقد تعطل أحد محركي الطائرة! نجتاز زوبعة عنيفة شد الحزام على وسطك إذ ربما نضطر إلى الهبوط في أي مكان!.)

والحق يقال إنني ما كدت أنتهي من قراءة هذه الورقة حتى أحسست بقشعريرة تنتابني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي. ومرت بي فترة من الزمن تعرضت فيها إلى ذات الرعب الذي تعرض له تاجر الأغنام وهو في الطائرة. . . ثم رحت أسائل نفسي: هل تنبأ عقل تاجر الأغنام الباطن بما لم يتنبأ به عقلي؟. وهل كان لرعبه علاقة بشعورة مقدما بكارثة كادت تقع؟!.

نجاتي صدقي