مجلة الرسالة/العدد 788/تعليق على مقال في الرسالة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 788/تعليق على مقال في الرسالة

مجلة الرسالة - العدد 788
تعليق على مقال في الرسالة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 08 - 1948


جهود العرب المنسية في الفلك والهيئة

(كتاب عربي في الهيئة يذكر قبل مئات السنين ما اكتشفه

العرب حديثا)

للأستاذ ضياء الدخيلي

قرأت في العدد (782) من مجلة الرسالة الغراء مقالا للدكتور فضل أبو بكر، جاء فيه إغفال لجهود علماء المسلمين والعرب في علوم الطبيعية والفلك. فوجب على أن أعرفه بالحقيقة.

قال الدكتور:

(كان الإنسان لعهد ليس بالبعيد يعتقد في سطحية الأرض ويظنها بساطا ممتدا إلى ما لا نهاية له، بساطاً لا حراك فيه، وكان جهله بالسماء، وكواكبها أشد من جهله بالأرض التي يعيش فوق أديمها، وذلك إلى أوائل القرن السابع عشر حتى جاء (جاليلي) و (نيوتن) و (لابلاس) فيما بين منتصف القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر، فأثبتوا كروية الأرض ودورانها حول الشمس وقانون الجاذبية ونهضوا بعلم الفلك ووضعوا له أسسا وقواعد علمية متينة).

ولا أريد أن أطيل محاسبة الكاتب المحترم فحسبي أن اقتطف له فقرات من كتاب الملخص في علم الهيئة، تأليف محمود بن محمد الجغميني ولم تحضرني ترجمته، ولكن من الأكيد أنه كان قبل جاليلي ونيوتن بزمن طويل، وقد شرح رسالته المختصرة شارح (لم يذكر اسمه في المطبوع في إيران). وأهدى الشرح إلى السلطان بن السلطان ألغ بيك بن شاهرخ بن أمير تيمور كور كان خلد الله شموس سلطنته.

وقد طبعت هذه الرسالة في إيران وكنا نتدارسها في مدارس النجف الأشرف ككتاب مدرسي في علم الهيئة، قال: (المقالة الثانية في بيان الأرض وما يتعلق بها، وهي ثلاثة أبواب الأول في المعمور من الأرض وعرضه وقسمته إلى الإقليم السبعة: الأرض كرية الشكل كما سلف في المقدمة، ويبتني عليها مسألة غريبة وهي أنه لو جميع الأرض وتفرق ثلاثة أشخاص من موضع معين بأن سار أحدهم نحو المغرب والآخر نحو المشرق وأقام الثالث حتى عاد إليه السائر إلى المغرب من المشرق والسائر إلى المشرق من المغرب في وقت واحد لكان الأيام التي عدها الغربي في مدة الدورة أنقص من أيام المقيم بواحد، وأيام الشرقي أزيد منها بذلك؛ ويتفرع عليها مسائل غريبة يسأل عنها، كما يقال: هل يجوز أن يكون يوم بعينه جمعة عند شخص، وخميسا عن آخر، وسبتا عند ثالث، وغير ذلك مما هو من هذا القبيل، فيجاب بالجواز ويستغرب هذا ((أقول إن نقصان الأيام وزيادتها هنا مبنى على ما تسببه معاكسة دوران الأرض أو مسيراتها) ثم إن المؤلفين يقسمان الأرض إلى المناطق المتعارفة في كتب الجغرافيا اليوم فيقولان (ونفرض على الأرض ثلاث دوائر إحداها في سطح معدل النهار وهي خط الاستواء كما عرفت، والثانية في سطح أفق الاستواء، والثالثة في سطح دائرة نصف النهار، وكلتاهما في منتصف المعمورة بخط الاستواء، فالأولى تقطع الأرض بنصفين جنوبي وشمالي، والثانية تنصف كلا من نصفيها المذكورين فيصير الأرض بهما أرباعاً، ربعان جنوبيان، وربعان شماليان، والمعمورة منها أحد الربعين الشماليين، وهو أربع المشهور بالربع المسكون على ما يرى فيه من الجبال والصحارى والمروج والبحار ونحوها كالآجام ونحوها من المواضع الخربة. قال الشارح يعني أن المعمور منها هو هذا الربع مع أن أكثرها خراب في زماننا هذا وسائر الأرباع خراب ظاهراً، وإلا لوصل خبرهم إلينا غالبا ويحتمل أن يكون بيننا وبينهم بحار مغرقة، وجبال شاهقة وبراري بعيدة تمنع وصول الخبر إلينا. غير أن أحد الربعين الجنوبيين قد حكى أن فيه قليلا من العمارة كما يجئ. وأما ما يحكى من قصة وقعت في نوبة ذي القرنين فالظاهر أنها موضوعة لا أصل لها، والله أعلم بما في ملكه.

والدائرة الثالثة من تلك الدوائر الثلاث تقطع المعمور بنصفين غربي وشرفي، ونقطة التقاطع بين الدائرة الأولى والثالثة تسمى قبة الأرض، وابتداء المعمور من خط الاستواء على ما ذكره بطليموس في المجسطي، إلا أن بطليموس بعد ما صنف المجسطي زعم في كتابه المسمى بجغرافيا أي صورة الإقليم أنه وجد وراء خط الاستواء في أطراف الزنج والحبشة عمارة الخ. . . فها أنت ترى أن ما أدرجاه قريب جداً مما يدرسه طلاب الجغرافيا والفلك اليوم. وإليك ما قاله المؤلفان عن اختلاف الليل والنهار: (الشمس إذا وقع ضوئها على الأرض استضاء وجهها المواجه للشمس لكونها كثيفة ووقع ظلها لكثافتها المانعة من نفوذ الضوء في مقابلة جهة الشمس، إذ من شأن الظل أن يكون كذلك؛ فإذا كانت الشمس فوق الأرض فهو النهار، وإذا كانت تحت الأرض وقع الليل، ووقوع ظلها يكون على شكل مخروط مستدير، إذ الشمس أعظم جرما من الأرض بكثير.

وقال المؤلفان عن الخسوف والكسوف: (إن جرم القمر في نفسه مظلم، وإنما بضياء الشمس فيكون النصف المواجه للشمس فيكون النصف المواجه للشمس أبدا مستضيئا لو لم يمنع مانع كحيلولة الأرض بينهما، والنصف الآخر مظلما؛ وهذا الحكم تقربي لما بين في موضعه من أن الكرة إذا استاءت من كرة أكبر منها كان المستضيئأكثر من نصفها، فعند الاجتماع يكون القمر بيننا وبين الشمس فيكون نصفه المظلم مواجها لنا فلا نرى شيئا من ضوئه، وذلك هو المحاق؛ وإذا بعد عن الشمس مال نصفه المضيء إلينا فنرى طرفا منه وهو الهلال؛ ثم كلما ازداد بعده عن الشمس ازداد ميل النصف المضيء إلينا فازداد ضياؤه أي نور القمر بالنسبة إلينا وهو الزيادة حتى إذا قابلهاانحرف عن المقابلة مال إلينا شئ من نصفه المظلم ثم كلما يزداد ذلك الميل يأخذ الظلام بالزيادة حتى يمحق القمر وإذا حال القمر بين الشمس وبيننا فيستر ضوءها عنا كلا أو بعضا وهو كسوف الشمس، وإذا حالت الأرض بينهما ووقع ظلها على وجه القمر المواجه للشمس كله أو بعضه فلم يصل إليه ضوء الشمس أصلا أو بقدر ما وقع عليه الظل فيبقى ما لم يصل إليهالضوء على ظلامه الأصلي وهو خسوف القمر. ولنجتزئ بما تقدم عرضه من كلام هؤلاء الذين عاشوا قبل (جالليو) بمئات السنين ولتغفروا لنا طول ما اقتبسناه من مؤلف الجغميني (الملخص في الهيئة) ومن شرحه وقد طبعا في إيران عام 1286هـ والعادة في النجف الأشرف أن يدرسا في رمضان عندما تتعطل باقي الدروس الأصلية.

لقد تبين مما تقدم أن علماء الفلك المسلمين لم يكونوا يعتقدون في سطحية الأرض ولم يكونوا بظنونها بساطا ممتدا إلى ما لا نهاية له الخ، كما ظن الدكتور فضل.

بقى لنا أن ندرس فكرة حركة الأرض فهل هي حديثة الميلاد كما تفضل فضل الحق أنها ليست كذلك. وحرصا على الوقت نورد مقتطفات من آثار أناس يوثق بشهاداتهم، قد عرفوا بالخبرة في الموضوع. هذا هبة الدين الشهر ستاني يقول في كتابه (الهيئة والإسلام) - (إن أول من كشف السر عن دوران الأرض هو (فيثاغورس) النابغ قبل الميلاد بقررون خمسة، وتبعه (فلوطرخوس) و (ارخميدس) ثم قوى رأيه (ارسترخوس) الساموسي بعده بقرنين، وعلم دوران الأرض السنوي حول الشمس فشكي وكفر، ثم نبغ بعده بنصف قرن (كليانثوس) من أسوس واختار الحركتين للأرض فشكي واتهم بالكفر أمام الحكام؛ ثم ظهر (بطليموس) بعيده بقليل فأوضح سكون الأرض الذي كان الناس يزعمونه فطريا ويحسبونه بديهيا ورتب الأجرام السماوية والحركات الفلكية على ما فصله في (المجسطي) فنال نظامه الصوت والصيت في العالم المتمدن (حينذاك) حتى أصبح المتفلسفون من المسلمين وغيرهم ينقحون هيئته ويدافعون عنها. وكان في مهرة فلاسفة المسلمين من يدفع الموانع عن تحرك الأرض أيضا كالعلامة نصير الدين الطوسي والفاضل بهاء الدينالعاملي وكان الأفرنج يومئذ غارقتين في الضلالة، وكن استبداد البابوات قد منع الأفوه والإفهام عن التحرك في سبيل العلوم العقلية وإظهار ما لا تقبله الكنيسة، وقد أحرقت ألوفا من المستنيرين بعلوم الإسلام وفلسفة ابن رشد القرطبي. وحسبك أن الحكيم (برونو) نطق بسير الأرض قبل الألف الهجري، فهجروه وأبعدوه عن أوطانه ثم سجنوه ست سنين ثم أحرقوه وأحرقوا كتبه. واجترأ (بعد الألف الهجري، فأثبت الحركتين للأرض فأهانوه واضطهدوه حتى قارب الهلكة ثم سجن طويلا. وأول من نطق بتحرك الأرض من الأفرنج هو (الكردينال دى كورا) ثم (الكردينال إلينا كوس) ثم (جون مولار) لكنهم لم يتجاهروا بالقول ولا أتوا بأدلة مقنعة حتى قام (كوبرنيك) في حدود الألف الهجري وأقام أدلة قوية وكتب الرسائل والكتب في هذه المسألة، فصار بذلك محييها ومؤسسا للهيئة العصرية وسلك الحكماء مسلكه، فأصبح اليوم هذا النظام هو الشائع).

ويؤيد كلام الشهر ستاني ما قرأت في كتاب (مبادئ علم الهيئة) تأليف اليز أفرت، إذ جاء فيه (أنه نحو نصف القرن السادس عشر، بينما كان تعليم بطليموس هو المشهور في كل مدارس أوربا قام (كوبرنيكوس) من بروسيا، وأحيا تعاليم فيثاغورس التي هي التعاليم الحقيقية المعول عليها في هذه الأيام، وهي أن الشمس مركز، والأرض وبقية السيارات تدور حولها، وأن لكل منها دورة ثانوية تدور على محورها) وفيه (أن فيثاغورس قبل المسيح بخمسمائة سنة، أسس المدرسة الثانية المشهورة الفلكية وهي في يكروتونا من أعمال إيطاليا، وهو أول من اكتشف ناموس حركات الأجرام السماوية، ولكن آراءه رفضت عند علماء هذا الفن بسبب التعصب والعجب.

وقال كرنيليوس فانديك في (أصول علم الهيئة):

كان فيثاغوس اليوناني معلم هذا الفن في مدرسة كروتونا في إيطاليا قبل الميلاد بخمسمائة سنة، ولم تعتبر تعاليمه مدة ألقى سنة إلى أن أحياها غاليلو من إيطاليا وكوبرنيكوس من بروسيا في القرن الخامس عشر والسادس عشر.

أما فكرة الجاذبية فهي أن أيضا قديمة قال في كتابه (بسائط علم الفلك) (وهذا التفاعل بين الأجرام السماوية التي يطلق عليه اسم الجاذبية العمومية انتبه له بعض العلماء من قديم الزمان فأشار إليه بطليموس صاحب كتاب (المجسطي) حاسبا أنه هو الذي يجعل الأجسام تقع على الأرض متجهة نحو مركزها وهو الذي يربط كواكب السماء بعضها ببعض. ويقال إن موسى بن شاكر المهندس الذي نشأ في أوائل القرن الثالث الهجري انتبه له أيضا وقال به قال ابن الفقطي أ، موسى بن شاكر كان مهندسا مشهورا من منجمي المأمون) أقول ولوح ابن سينا في إشاراته ونصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي في شرحيهما لها. وكان هؤلاء يعبرون عن الجاذبية بين الكواكب بالشوق.

قال الإمام فخر الدين الرازي في شرحه:

وأما الشيخ (ابن سينا) فقد جزم ها هنا (في الإشارات) بأنه لا بد وأن يكون لكل واحد منها (أي للكرات في الأفلاك) محرك خاص، لأن المتحرك بالاستدارة إذا ثبت أن حركته ليست إلا شوقية تشبهية، وجب أن يكون الحال في كل الكرات كذلك. وأما قوله وتعلم أنه ليس يجوز أن يقال السافل منها لا يجوز أن يكون معشوق الكرة السافلة في حركتها الكرة العالية الخ. . .

ضياء الدخيلي