مجلة الرسالة/العدد 779/من مغموري العلماء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 779/من مغموري العلماء

مجلة الرسالة - العدد 779
من مغموري العلماء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1948


للأستاذ محمد كرد علي بك

ابن حيان - (بقية ما نشر في العدد 777)

من الحكايات التي ساقها ابن حيان قوله: سمعت إسحق بن أحمد القطان البغدادي بتستر يقول: كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء، كان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم. فقال لي دخلت يوماً على أحمد بن حنبل؛ فإذا هو مغموم مكروب. فقلت. مالك يا أبا عبد الله؟ قال: خير. قلت: ومع الخير؟ قال: امتحنت بتلك المحنة (القول بخلق القرآن) حتى ضُربتُ ثم عالجوني وبرأت، إلا أنه بقى في صلبي موضع يوجعني هو أشد عليَّ من ذلك الضرب. قال: قلت اكشف لي عن صلبك، قال: فكشف لي فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقط؛ فقلت: ليس لي به معرفة، ولكن سأستخبر عن هذا. قال: فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس، وكان بيني وبينه فضل معرفة. فقلت له: أدخل الحبس في حاجة؟ قال: ادخل. فدخلت وجمعت فتيانهم، وكان معي دريهمات فرقتها عليهم، وجعلت أحدثهم حتى أنسو بي؛ ثم قلت: من منكم ضُرب أكثر؟ قال: فأخذوا يتفاخرون حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضرباً، وأشدهم صبراً. قال: فقلت له أسألك عن شيء؟ قال: هات. فقلت: شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم، ضرب على الجوع للقتل سياطاً يسيرة؛ إلا انه لم يمت وعالجوه وبرأ؛ إلا أن موضعاً في صلبه يوجعه وجعاً ليس له عليه صبر. قال: فضحك. فقلت: مالك؟ قال: الذي عالجه كان حائكا. قلت: فما الحيلة؟ قال: يُبطُّ صلبه، وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته. قال: فخرجت من الحبس؛ فدخلت على أحمد ابن حنبل، فوجدته على حالته؛ فقصصت عليه القصة. قال: ومن يبطه؟ قلت: أنا. قال: أوَ نفعل؟ قلت: نعم. قال: فقام فدخل ثم خرج وبيده مخدتان، وعلى كتفه فوطة؛ فوضع إحداهما لي والأخرى له؛ ثم قعد عليها، وقال: استخر الله. فكشفت عن صلبه وقلت: أرني موضع الوجع. قال: ضع إصبعك عليه؛ فإني أخبرك به. فوضعت إصبعي وقلت: هاهنا موضع الوجع قال: ههنا أحمد الله على العافيه. فقلت: ههنا؟ قال: هاهنا أحمد الله على العافية. فقلت: هاهنا؟ قال: هاهنا أسأل الله العافية. قال: فعلمت أنه موضع الوجع. قال: فوضعت المبضع عليه فلما أحس بحرارة المبضع وضع يده على رأسه وجعل يقول: اللهم اغفر للمعتصم حتى بططته. فأخذت القطعة الميتة ورميت بها، وشددت العصابة عليه، وهو لا يزيد على قوله: اللهم اغفر للمعتصم. قال: ثم هدأ وسكن؛ ثم قال: كأني كنت معلقاً فأحدرت. قلت: يا أبا عبد الله إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم. قال: إني فكرت فيما تقول، وهو ابن عم رسول الله (ﷺ) فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة. هو مني في حلّ.

ومن حكاياته أيضاً: أنبأنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة، حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: لما حدث شريك بحديث الأعمش عن سالم عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا خالفوكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم؛ فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء. فسعى به إلى المهدي فبعث إلى شريك فأتاه فقال: حدثت بها؟ قال: نعم. قال: عمن رويتها؟ قلت: عن الأعمش. قال: وبلى عليه! لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار. قلت: إن كان لمأموناً على ما روى. قال: يا زنديق لأقتلنك. قلت: الزنديق من يشرب الخمر ويسفك الدم قال: والله لأقتلنك. قلت: والله لأقتلنك. قلت: أو يكفي الله. قال: فخرجنا من عند فاستقبلني الفضل بن الربيع فقال: ليس لك موضع تهرب إليه. قلت: بلى. قال: فانه أمر بقتلك. قال: فخرجت إلى جبل، فخرجت يوماً أتجسس الخبر فأقبل ملاح من بغداد، فاستقبله ملاح آخر من البصرة؛ فسأله: ما الخبر؟ قال: مات أمير المؤمنين. قلت يا ملاح قرب فقرب.

الماوردي سنة 450

إمام في الفقه والأصول والتفسير، بصير بالعربية، كاتب من الطراز الاول؛ نشأ في البصرة، وتولى القضاء في بلدان كثيرة، وكان شافعي المذهب، وقيل إن فيه عبقة من الاعتزال. صنف كتباً لم ينشر بالطبع منها غير (الأحكام السلطانية) و (أدب الدنيا والدين) و (أعلام النبوة) و (قانون الوزارة)، ومن كتبه الضائعة (الحاوي) في الفقه، قيل لم يصنف مثله. وله تفسير القرآن الكريم، والنكت والعيون، والإقناع في المذهب، وغير ذلك، وعمَّر ستاً وثمانين سنة وسكن بغداد بأخرة.

هذا موجز ما ترجم له المترجمون، وما أثر من كتبه غاية الإبداع في تصنيفه، تظهر فيها شخصيته، وتتجلى تجاربه ومعرفته بأمور الدول، وتاريخ الحركات الفكرية والسياسية في الإسلام. تتمثل الماوردي وأنت تقرأ الأحكام السلطانية عالماً عصرياً قتل الحياة تجربة، وما دَوَّن للناس إلا ما ينفعهم بإيجاز لا خلل فيه، وهو من الكتب التي إذا قرأتها مرة ساقتك بدون نقصد منك إلى معاودة قراءتها؛ بل لو قرأتها مرات شاقتك فتتصفحها مرة ومرة. وحقاً إن هذا السفر الممتع هو مرجع فريد في فنه: كتاب في جرم صغير ونفع غزير. ولو لم يكن غيره من المصنفات لكفي أن يعدّ صاحبه من أعظم المؤلفين المجودين وأنت إذا حدقت النظر في هذا الإبداع تراءى لك أن الماوردي لم يتقن من فنون العلم غير هذا العلم، وإنه شغل بوضعه زمناً طويلاً في حياته، فقد جمع هذا العظيم إلى معرفته الكاملة بشرع الإسلام معرفة توازيها في سياسة الناس، وحسن القضاء بينهم، وقيام الدول ونُظمها. ولقد أفاض في الأحكام السلطانية في الخلافة، وتقليدها، والوزارات وأنواعها، والإمارات والولايات، والقضاء وضروبه، والمظالم والنقابات والجبايات من خراج وجزية وصدقات وحمى وأرفاق وإقطاعات، وكلام على أنواع الدواوين، وأحكام الجرائم والحسبة والمنكرات والمعروفات، وغير ذلك مما له مساس بأحوال المجتمع، وفيه مقنع لمن ادعوا أن المسلمين أيام عزهم كانوا يسيرون على غير قوانين مدونة. وما أشبه كتاب الأحكام السلطانية بالشريعة الإسلامية يصلح لكل جيل وكل قرن، لا يعروه عتق ولا وهن. وأنت كلما أمعنت النظر في صفحاته زدت حرمة لصاحبه، وإعجاباً بما خطته أنامله على القرطاس، ولا نعدو الحق إذا قررنا أن كتاب (أدب الدنيا والدين) هو أيضاً من أمتع ما كتب علماء الأخلاق والتربية، مصادره الكتاب الكريم، والسنة الصحيحة، وأقوال الحكماء والبلغاء، وفيه طائفة من الشعر البديع والنثر المنسجم؛ لو درسه الطالب أجزأه عن المطولات، وكان له مادة يستشهد بها مدى حياته.

وبعد فان الماوردي لا يعدُّ من المكثرين جداً من التأليف، ولكنه يحشر في المجودين جداً فيه؛ فهو نابغة عصره في تطبيق مفاصل الشريعة، واستبطان أسرارها، أتى بجديد ما كان يعرفه الناس، ولا اهتدت إليه القرائح قبله، وأخذ من القديم كل ما ينفع ويرفع، وكان له من توليه القضاء درس حال البيئات الكثيرة ومن طول عمره معوان على تفهم ما قرأ وثقف ودرّس، وتمثل ما روى وروى. وبتفرغ قلبه من هموم الحياة فرغ وقته لنشر أنوار علمه؛ فأخذ بمجامع القلوب في حياته ومماته، وكان اعتداله وإخلاصه ما كف الألسن عنه حياً، وخالف عرف أبناء جيله في مسائل اجتهد فيها فتحملوه وما تبرموا به، واكتفى من دنياه بما أعطته فكان خير معلم ومرشد.

ولقد روى في أدب الدنيا والدين شيئاً دل على بعد غوره وفرط دهائه قال: وربما صنع ذا السفاهة من طلب العلم أن يصور في نفسه حرفة اهله وتضايق الأمور مع الاشتغال به حتى يسمهم بالأدباء، ويتوسمهم بالحرمان؛ فإن رأى متحلياً بالعلم هرب منه، كأنه لم ير عالماً مقبلاً وجاهلاً مدبراً. ولقد رأيت من هذه الطبقة جماعة ذوي منازل وأصول، كنت أخفي عنهم ما يصحبني من محبرة وكتاب لئلا أكون عندهم مستثقلا وإن كان البعد عنهم مؤنساً ومصلحاً، والقرب منهم موحشاً مفسداً

وهاك مثالاً واحداً من إخلاصه في قضائه وتحريه للحق: أما أمر الخليفة أن يزداد في ألقاب جلال الدولة ابن بويه لقب (ملك الملوك) لم يُفتِ مع من أفتى بجواز ذلك؛ مع أنه كان من خواص جلال الدولة، فلما أفتى بالمنع انقطع عنه. فطلبه جلال الدولة، فمضى إليه، على وجل شديد؛ فلما دخل قال له: أنا أتحقق أنك لو حابيت أحداً لحابيتني لما بيني وبينك، وما حملك إلا الدين؛ فزاد بذلك محلك عندي.

وقال عن نفسه في كتاب أدب الدنيا والدين: ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتاباً جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا بعلمه؛ حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جواباً، فأطرقت مفكراً، وبحالي وحالهما معتبراً؛ فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب. . . أنت زعيم هذه الجماعة؛ فقلت: لا. فقالا: واهاً لك، وانصرفا ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي؛ فسألاه فأجابهما مسرعاً بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه حامدين لعلمه. فبقيت مرتبكا، وبحالتهما وحالي معتبراً؛ وإني لعلي ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي. فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بها قياد النفس، وانخفض لها جناح العبج؛ توفيقاً منحته ورشداً أوتيته. وحق عليّ من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن، فقد نهى الناس عنهما واستعاذوا بالله منهما.

محمد كرد علي