مجلة الرسالة/العدد 779/نهاية شاعر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 779/نهاية شاعر

مجلة الرسالة - العدد 779
نهاية شاعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1948


للأستاذ علي العماري

كانت ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة في السنة الثالثة والعشرين بعد الهجرة ليلة فاصلة بين عهدين من عهود الإسلام: عهد الأمن والسلامة والهدوء، وعهد الغدر والعدوان والفتنة؛ فقد تنفس صبحها عن حادث جليل، وجناية مروعة اهتزت لها أركان الدولة العربية، وأحدثت في الإسلام الحدث، وأي نازلة أروع من قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟!

في هذه الليلة ولد لرجل من رجالات قريش طفل أسماه (عمر) وكناه (أبا الخطاب) ذاك أمير العدل والحزم والحكمة، وهذا أمير اللهو والغزل والشعر، لذلك كأن أهل التوقي إذا تذاكروا - فيما بعد - شئون هذه الليلة جرت على ألسنتهم هذه الكلمة (أي حق رفع، وأي باطل وضع)

نشأ (أبو الخطاب) كما ينشأ لذاته من فتيان قريش المترفين يسحب ذيول الصبا، ويجري ملء عنانه في مراتع الهوى والجمال. غنى واسع، وجاه عريض، وعز باذخ، وقد أعانه على ذلك وسامة تحب، وظرف يعشق، ولسان ساحر، وقلب شاعر، وإنما تركه سراة قريش، وأغضى عنه شيوخها، يمتع في مجالي شبابه، ويفتن في ذكر فنونه وفتونه، ويتبع فتياتها، ويشبب بهن (رعاية لأسرته، وفخراً بشاعريته، وترقباً لتوبته)

وربما كانوا يرجعون أن يرفع في الشعر قدرهم، ويعلي فيه سناهم، ولقد نالوا من ذلك ما أرادوا، فإن العرب كانت تقر لقريش بالفضل في كل شيء إلا الشعر، حتى نبغ ابن أبي ربيعة فأقرت لها بالشعر أيضاً.

وكأنما أغرته كل هذه الأسباب مجتمعة، فاندفع لا يلوي على شيء، وسدر في غوايته لا يبالي أحداً، وكان عبثه لا يكاد يتعدى النساء، فهو يواعدهن ويتحدث إليهن ويخدعهن، ثم يودع ذلك كله في شعر قصصي رقيق، وأسلوب لين عذب (وإن له لموقعاً في القلوب، ومدخلا لطيفاً، لو كان شعر يسحر لكان هو). (فلشعر ابن أبي ربيعة لوطة بالقلب، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة، وما عصى الله بشعر قط اكثر مما عصى بشعر ابن أبي ربيعة). وقد جمح به الصبا والغزل، فاتخذ أيام الحج مواسم لصبواته، ومشاعر البيت الحرام مراب لهواه:

ليت ذا الدهر كان حتما علينا ... كل يومين حجة واعتمارا

وهكذا كان ينظر هو وأترابه لأيام الحج:

تلبث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج

في الحج إن حجت وماذا مني ... وأهله إن هي لم تحجج

ما منىً وما أهله إن لم يلق صاحبته؟

ولم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذاهوى

وكم مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

نعم كان شعره السحر، يستميل به القلوب، ويستنزل به المتأبى، ويتأنس الشارد، وينزل الأعصم من فنده، وكأنما انفجر له - وحده - ينبوع الشعر الغزِل، فورد منه المنهل الصافي النمير. وليس هناك شك في أن سؤوات الناس، بل وعامتهم أحسوا بالشر يتمثل في شعره، ورأوا رءوس الشياطين تطل من قوافيه، فخافوا على فتياتهم أن يتصباهن هذا العبث، ومنعوا أن تدخل دفاتره البيوت، أو يسمر به مع ربات الخدور، وقالوا: (ما دخل على العواتق في خدورهن شيء أضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة). وقال هشام بن عروة: (لا ترووا فتياتكم شعر عمر لا يتورطن في الزنا تورطاً).

غير أن هذا الشاعر يتنصل من كل ما ينسبه إلى نفسه، ويزعم أنه يقول وقلبه مطمئن بالإيمان، ويذيع في الناس.

إني امرؤ مولع الحسن أتبعه ... لا خطر لي منه إلا لذة النظر

وما نلت منها محرماً غير أننا ... كلانا من الثوب المورد لابس

نجيين نقضي اللهو في غير مأتم ... وإن رغمت مِ الكاشحين المعاطس

ويساير بعض فتيان قريش، وقد تقدمت به السن فيقول له: يا ابن أخي قد سمعتني أقول في شعري: قلت لها وقالت لي، وكل مملوك لي حر إن كنت كشفت عن فرج حرام قط، فيقول الفتى: قمت وأنا متشكك في يمينه فسألت عن رقيقه فقيل لي: أما في الحوك فله سبعون سوى غيرهم.

ويمرض فيجزع أخوه الحارث جزعاً شديداً، فيقول له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله ما أعلم أني ركبت فاحشة قط

وهكذا يحاول أن يدفع عن نفسه ما وقر في أذهان الناس مما أخذوه من شعره، فيصدقه قوم، ويؤكدون عفته وطهارته، فيذكر بعض الرواة أن عمر عاش ثمانين سنة فتك منها أربعين سنة، ونسك أربعين سنة. ويروي صاحب الأغاني عن الزبير بن بكار قال: (لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر كان عفيفاً، يصف ويقف، ويحوم ولا يرد). ويكذبه آخرون، ويجابهونه بهذا التكذيب، ويعتمدون فيما يعتمدون على اعترافه على نفسه في بعض الأحايين، وتشك طائفة ثالثة في مبلغ قوله من الصدق حتى معاصروه أنفسهم لا يطمئنون إِلى شيء من هذا.

ولاشك أنه بذلت محاولات كثيرة لرده عن غوايته، وصرفه عن حياة اللهو والعبث. ويبدو أن شيئاً منها لم يفلح، وأن الأمر كان كما يقول عبد الملك بن مروان: (أما أن قريشاً تعلم أنك أطولها صبوة، وإبطاؤها توبة).

وفي بعض الروايات أنه تاب على حدود الأربعين، ونذر لئن قال بيتاً ليعتقن به رقبة، ثم انصرف إلى بيته مهموماً مكتئباً، وربما مكث على هذه التوبة أياماً، لكن الحنين عاوده، والشوق إلى الشعر استبد به، فأطرق وفكر، فأدركت جارية ما بنفسه من أسف على توبته فقالت له إن لك لأمراً، فاندفع يقول شعراً، فكان تسعة أبيات، فأعتق تسعة من عبيده، وفي هذا الشعر يقول:

تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا

أراك اليوم قد أحدثت شوقاً ... وهاج لك الهوى داء دفينا

وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا

فقلت شكا إلى أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا

وذو القلب المصاب وإن تعزى ... مشوق حين يلقي العاشقينا

ولعل أخاه الحارث - وكان ديناً عفيفاً لم تلد أمة خيراً منه كما يقول عبد الملك - كان أكثر الناس وعظاً له، وربما حاول غير مرة أن يكبح جماحة، ويصرفه عن صويحباته، وربما بذل في ذلك غاية وسعه، وأفرغ له كل جهده، ولكنه لم يفلح أيضاً؛ وعاد يقول: (ما أرى عمر ينتفع بوعظنا) أغراه بالمال، وبعث به إلى اليمن حيث أخواله، رجاه أن يثوب إلى رشده، ويقلع عن أباطيله إذا فارق هذه البسمات الوضاء، وترك تلك الوجوه الصِّباح التي ألفها وألفته، ولكن الحنين يراجعه، والشوق يعاوده، إلى صاحبته الثريا فيقول:

هيهات من أمة الوهاب منزلنا=إذا حللنا بسِيف البحر من عدن

لا داركم دارنا يا وهب أن نزحت ... نواك عنا ولا أوطانكم وطني

فلست أملك إلا أن أقول إذا ... ذكرت لا يبعدنْكِ الله يا سكني

بل ما نسيت ببطن الخيف موقفها ... وموقفي وكلان ثم ذو شحن

وقولها للثريا يوم ذي خشب ... والدمع منها على الخدين ذو سنن

بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في يمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن

وهكذا يعتذر بغير العذر، ويتكئ على غير عصاه، وإلا فما لهذا الفاتك والحج يتعلل به، ويتباكى على فوته؟!!

ومهما يكن من أمره فإن طول نظري قيما أحاط بأخريات حياته يقضي على أنه نسك، ولكنه لم ينسك استجابة لوعظ واعظ، ولا خضوعاً لإرادة مريد، وإنما رأى الستين نقلت على كاهله، والسن تخونته، وغزلان الحجاز تنفر منه، بعد أن انطفأت جمرة شبابه، وخمد مشبوب عاطفته، فماذا يصنع؟ هربت منه اللذات، وتنكرت له الصبابات، فليمل إلى جنب الله، وليستجب لداعي التوبة، وهو يرى الموت على حبل ذراعه، وينظر قبره قد حفر، وإنها لفرصة قد انتهزها، لما تولى عمر ابن عبد العزيز الخلافة بعث إليه فلما جاءه قال له: هيه:

(فلم أر كالتجمير منظر ناظر) وذكر له البيتين اللذين ذكرناهما آنفاً، ثم قال: فإذا لم يفت الناس منك في هذه الأيام، فمتى يفتلون؟ أما والله لو اهتممت بأمر حجك لم تنظر إلى شيء غيرك؛ ثم أمر بنفيه، فقال: يا أمير المؤمنين أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو الله ألا أعود إلى مثل هذا الشعر، وأجدد توبة على يديك. قال: أو تفعل؟ قال: نعم. فعاهد الله على التوبة

والذين يؤكدون أن عمر تاب رهبة من خليفة المسلمين يجهلون كل الجهل طبائع النفوس إذا عمرت، فإن الرجل مهما أسرف على نفسه، فسيجد من تقدم سنه ما يوحي إليه بالإنانة إلى الله، ولاسيما إذا كان ما تصبو إليه نفسه غير ممكن، ويجهلون كذلك مكانة ابن أبي ربيعة في قريش، وأنه أرفع - لو أراد - من أن يخضع لتهديد خليفة. وكيف هو الذي شبب ببنات الخلفاء وأخواتهم؟

ورواية أخرى تحدثنا أنه مد خطوه إلى أبعد من ذلك، فإنه عرض على الخليفة يغزو في البحر، وكأن الله أراد به الخير، فمات شهيدا. قال عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (فاز ابن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة؛ غزا في البحر فأحرقوا سفينته فاحترق)

علي العماري

مبعوث الأزهر إلى المعهد العلمي بأم درمان