مجلة الرسالة/العدد 779/كم بيننا من الكتاب؟

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 779/كم بيننا من الكتاب؟

مجلة الرسالة - العدد 779
كم بيننا من الكتاب؟
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1948


للأستاذ عبد المنعم الصاوي

من الكاتب؟. . .

إذا كان كل من يحمل قلماً يستطيع أن يخط به كلاما يمكن أن يقرأ، ويؤدي إلى معنى من المعاني، أيا كان هذا المعنى.

إذا كان هذا يسمى كاتباً، إذن لجاز لنا أن نسمى أطفال المدارس الابتدائية كتاباً!!

وإذا كان الكاتب هو ذلك الذي يستطيع أن يملأ عدة أعمدة من صحيفة أو مجلة أو كتاب، في أي وقت يشاء، أو في أي وقت يطلب إليه أن يكتب. . .

إذا كان هذا هو الكاتب، إذن لأخرجنا الكتابة عن نطاقها الفني، وحدودها المتسامية، وجعلناها أقرب إلى الصناعة منها إلى الفن الجميل المتسامي!!

فمن إذن الكاتب؟. . . من هو؟

هو الذي يحمل قلماً، وفكرة، وأمانة. . فأما القلم فوسيلة، وأما الفكرة فنهج، وأما الأمانة فهي الهدف.

وليس القلم هو ذلك الشيء الصغير المتواضع الذي يستطيع أي إنسان أن يملكه، مادام يستطيع أن يدفع ثمنه الزهيد الصغير. . . وإنما القلم معنى من المعاني الكامنة في النفس، قبل أن تكون كامنة في الجيب، أو في مجال بيع الأقلام بمختلف أنواعها. .

هذا المعنى الكامن في النفس، يستمد عناصره، ووجوده، وكيانه كله. . . من الدم، والألم، والقلب معاً.

وليست فكرة، هي أن تدرس كتاباً، أو عدة كتب. . . أو أن تنتهي من دراسة، ولو كانت جامعية.

لا، ليست هذه هي الفكرة، وإنما هي قبل كل شيء فلسفة تتخذها بعد أن تكون قراءات الزمن في الكتب وفي الحياة، وتجارب السنوات وشدائد الأيام، واستقصاء المعارف والحقائق الكونية الراسخة في طبيعة البشر. . . بعد أن تكون كل هذه العناصر قد تفاعلت في نفس إنسانية ذواقة، متفتحة، مشرقة، لماعة، بارعة، فاستقرت أخيراً فيها حقيقة واحدة، تكون منهجاً واحداً، يتخذه الكاتب فلسفة في الحياة.

وليست الأمانة هي أن تحمل رسالة معينة وتسعى إلى تحقيقها بمختلف الوسائل. . ليست هذه هي الأمانة. . . وإنما هي أسمى من هذا بكثير.

هي أمانة الكاتب لقلمه المستمد من دمه وعرقه وآلامه وقلبه. . . أمانته تجاه هذا القلم، فإذا هذا القلم أقدس ما يملك، لا يستبيح لنفسه أن يتجنى عليه باستعماله استعمالا غير مشروع، أو استعمالا يجاوز الحق، ولو في واحد من مائة، فان مجاوزة الحق تتساوى: واحداً في المائة، ومائة في المائة.

وهي أمانة الكاتب تجاه منهجه الذي كونته الدراسات والقراءات والتجارب والدموع. . . لا يتصرف في هذه الفكرة إلا في حدود تتسق معها ولا تنبو عنها. . ولا تتنافر أو تتناحر مع فلسفة الكاتب في حياته.

وهي أمانة الكاتب تجاه مجتمعه الذي يعيش فيه. . . أمانته تجاه العقول والأفكار التي تتناول إنتاجه وتتأثر به، وتحذو حذوه. . .

وهي أمانة الكاتب تجاه التاريخ الذي يتناوله، ويسجل عليه، ما أفاد، وما أضر، ويضعه في القائمة البيضاء، أو ينخفض به إلى مستوى الذين لا يرتفعون عن القائمة السوداء.

إذا توفرت هذه العناصر كلها في شخص فهو الكاتب، وإلا لم يكن كاتباً، وأصبح من الجناية على المجتمع وعلى الأفكار وعلى الأخلاق، وعلى مستقبل الجيل أن بعد هذا الشخص كاتباً. . . بل أصبح من الجناية فعلا، أن تفتح لأمثال هذا الإنسان المتجني صفحات الصحف، وأنهار المجلات، وأبواب دور النشر.

والسؤال الآن هو: كم كاتباً في مصر؟

في مصر سبع صحف يومية تصدر كل صباح، وثلاث تصدر كل مساء، عدا المجلات الأسبوعية التي لا يدركها الحصر، غير المجلات الشهرية، والنشرات الكثيرة العديدة.

وفي كل صحيفة من هذه الصحف، مقال واحد على الأقل، أما في المجلات فكل منها تحوي عدة مقالات.

ولو أننا استعرنا الطريقة الأمريكية في الأحصاء، لأمكننا أن نقول إن القراء المصريين يواجهون كل يوم بحوالي عشر مقالات وقصص لعشرة كتاب. . .

ومعنى هذا أن هناك سبعين قلماً تسود هذه الصفحات البيض، وتطلع بها على القراء!! كم مقالة من هذه المقالات، وكم قلماً من هذه الأقلام، يستحق أن يعني به عقل واحد، أو تفكير واحد، أو قارئ واحد؟. .

وكم من هؤلاء الكتاب، لهم أقلام، وأفكار، وأمانات؟

هل هم هؤلاء الحزبيون الذين لا يمسكون أقلامهم إلا ليصفوا وجه كبير بأنه أقرب إلى وجوه الملائكة طهراً. . . ويصفوا ذاك الكبير بأنه مقلوب السحنة يحاكي الشياطين!!

أم هم أولئك الذين يتعرضون لخفايا السياسة، دون أي علم بعلم السياسة أو فن السياسة أو خفايا السياسة. . . ويتبجحون فإذا هم يوجهون، ويرسمون الخطوط وينقدون، بل ويكيلون اتهامات لا حصر لها، زاعمين أن لهم مكان القيادة بين الساسة والزعماء!!

أم هم هؤلاء الذين يتناولون حقائق الفن بأقلام هزلت وضعفت حتى لا تكاد ترى ولا تبصر، فإذا الكلام عن الفنون كله وصف لعيون هذه الممثلة أو تلك، أو صيحات هذا الممثل أو ذاك، أو هزات بطن هذه الراقصة أو تلك!!

أم هم أولئك الذين ينتجون ألوان الأدب من شعر وقصة ومسرحية، دون دراية بفن ولا علم. . . ودون أن تتكون لديهم ملكة الخلق والانتاج، فإذا إنتاجهم كله وصف سخيف، وحوار ممل، وحوادث تهدف إلى استغلال أرخص العواطف وأحط النزعات!!

أين هم إذن. . . على صفحات الصحف والمجلات؟.

لو استطعنا أن نجد واحداً أو اثنين أو ثلاثة. . . فمن يكون بقية السبعين؟

هل هم كتاب؟

لست أجيب، وإنما أترك الإجابة لقراء هؤلاء المساكين. . .

بقيت الكتب. . . ودور النشر التي أصبحت مفتوحة الأبواب لكل طارق.

كم من هذه الكتب يمكن أن يكون ذا فائدة أو أثر للقراء. . .؟

وكم من كتابها يصح أن يعدوا بين الكتاب؟

إننا لحسن الحظ نجد أن عدد قراء الكتب، المنكوبين بما فيها قليل، ولهذا يهون الشر.

ما سبب هذا الوضع الغريب المخجل الشاذ؟

وماذا يكون علاج هذه الحالة العجيبة؟

وكيف يمكن أن تتعدل هذه الأوضاع الغريبة؟ نترك هذا الآن. . . إلى عودة.

عبد المنعم الصاوي

الأستاذ بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة