مجلة الرسالة/العدد 779/بين بدر وأحد:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 779/بين بدر وأحد:

مجلة الرسالة - العدد 779
بين بدر وأحد:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1948


الفدائي الأول

للأستاذ عمر الخطيب

مد الليل جناحه وشمل الكون ظلام دامس. . . وتحرك الجيش الصغير في هدأة الليل وغمرة الظلام من المدينة يتقدمه القائد الأعظم (رسول الله) ومن ورائه أصحابه كالكواكب المتلالئة حول البدر المنير. . . ساروا وقد سبقهم الخيال إلى ماء (بدر) حيث يعسكر المشركون الذين تجمعوا ليحبطوا دين الله ويقتلوا رسول الله ويؤدبوا أصحابه (الصابئين). . . فاستحث القوم جيادهم وأسلسوا لها القياد، وقلوبهم تخفق شوقاً للجهاد، ونفوسهم ترقص طرباً بلقاء أعداء الله الذين آذوهم وأخرجوهم من ديارهم. . . ولم يكن أحب للمسلم إذ ذاك من خوض ساحات الشرف حيث يصول ويجول ويجندل الأقران ويصدع الشجعان، وقد آلى على نفسه أن يستشهد في سبيل العقيدة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي ملك عليه لبه. . .

ولما كانوا (بعرق الظبية) استشار الرسول أصحابه، فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما، وقام المقداد بن عمرو فقال: (يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أن وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون)!

وسكت الناس بعد أن استمعوا لمقالة المقداد، فقال رسول الله: أشيروا عليّ أيها الناس، وكان يريد بكلمته الأنصار الذين أعطوه موثقاً أن يؤازروه وينصروه ويمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. . .

فقام صاحب رايتهم (سعد بن معاذ) وقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل؛ فقال سعد: (لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهدنا ومواثيقنا. . . على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك. . . فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد. فتهلل وجه الرسول واطمأنت نفسه، ووثق من إخلاص الجند لقائدهم واستبسالهم في سبيل دينهم

جاء (أنس بن النضر)، وقد كان غائباً عن المدينة، فغدا إلى المسجد ليؤدي الفريضة خلف رسول الله ويستمع إلى حديثه العذب الجميل ويجتمع مع إخوانه الصادقين ليتدارسوا القرآن، ويتعاونوا على الخير، ويفكروا فيما يرفع شأن دينهم ويحقق لهم أمانيهم. . . وما إن دخل المسجد حتى ألفى نفسه وحيداً بين شيوخ كبار، وصبية صغار، يركعون ويسجدون، ويضرعون ويبتهلون، فراعه أن يجد المسجد على غير ما ألفه، واستوضح من القوم الخبر فأنبؤوه بأن الرسول في غزوة يقاتل المشركين. . . فأفلت من يده ودمعت عينه ندماً على ما فاته من الجهاد مع رسول الله، ورجع خائباً إلى بيته وفي قلبه أسى وفي صدره غصة وفي نفسه حسرة!

ورجع المسلمون من (بدر)، وقد نصر الله حزبه وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وقتلوا من قريش مقتلة عظيمة، ونالوا منها مغانم كثيرة، ومكن الله للمسلمين من أعدائهم حتى صرعوا رؤوس الجاهلية وأقطاب الشرك. . . عادوا وأكاليل النصر فوق هاماتهم يتقدمهم الرسول الكريم، فاستقبلتهم المدينة جذلة فرحة، وزغرد النساء، وأنشد الصبيان، والقلوب مفعمة بالعزة والفرح. . . وجاء (كعب بن مالك) شاعر الرسول ينشد:

عجيب لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشراً ... بغوا وسبيل البغي بالناس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر

وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر

فلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر

شهدنا بأن الله لا رب غيرُه ... وأن رسول الله بالحق ظاهر

وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر

بهن أبدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقي الحين من هو فاجر

فكب أو جهل صريعاً لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عاثر

لأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمَّه الله زاجر

وما إن استقر بالرسول المقام ووزع الغنائم على الجنود وأعطى كل ذي حق حقه حتى جاءه (أنس بن النضر) والدموع تذرف من عينيه والأسى يعقد لسانه والحسرة تلوح من أسارير جبينه. . . جلس أمام الرسول ﷺ ليعتذر عما صنع ويعطيه عهداً وموثقاً على أن يكون الجندي الأمين و (الفدائي) الصادق إذا ما حارب الرسول المشركين مرة أخرى. . .

قال: (يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين. لئن الله أشهدني قتال المشركين. . . ليرين الله ما أصنع. . .

رجعت قريش إلى مكة تبكي قتلاها وناح النساء عليهم شهراً كاملاً بعد أن جززن رؤوسهن. . . رجعوا وقد تركت (بدر) في نفوسهم أثراً عميقاً حز في قلوبهم وحفزهم إلى العمل على الأخذ بالثأر ولم الشعث وجمع الشتات والاستعداد لمعركة أخرى ينتقمون فيها لما أصاب ساداتهم يوم بدر ويمحون عار الهزيمة الذي لحقهم وكاد يودي بمكانتهم بين العرب وقد أدركوا أنهم إن لم يأخذوا على يد هؤلاء المسلمين ويفصموا عروتهم ويضعفوا قوتهم فسيقضي على قريش بالذلة والضعة بعد العزة والمنعة.

وعزموا على القتال وحشدوا الجموع وجهزوا الجيش والتقوا مع المسلمين جانب (أحد) وكان المسلمون إذ ذاك قلة وقد باغتهم العدو وأصبح قريباً من ديارهم. . وكان اليوم جمعة، فصلى الرسول بالناس وأخبرهم بأن النصر لهم ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم؛ ولبس لأمة الحرب وتقلد السيف وتقدم بالمسلمين نحو (أحد) وأمر بعضاً من أصحابه أن يرابطوا في أعلى الجبل وأن يرشقوا المشركين بالسهام، وأوصاهم بأن لا يتركوا مكانهم حتى ولو ظهر المسلمون على أعدائهم. . . ودقت الساعة وابتدأت المعركة فكان النصر فيها باديء ذي بدء حليف المسلمين إذ حملوا على أعدائهم حملات صادقة زعزعتهم وقذفت في قلوبهم الرعب وأدركوا أنهم إزاء قوم ذوي بأس شديد يكرهون الحياة ويطلبون الموت نصرة للعقيدة ودفاعاً عن المبدأ. . فتراجعوا وفروا منهزمين. . ولما رأى (النابلة) أن العدو قد انهزم وترك وراءه الأموال والمتاع والسلاح نسوا أمر رسول الله فتركوا أماكنهم وأسرعوا لينالوا ما بقى من الغنائم. . وهنا اغتنم الأعداء الفرصة فكروا عليهم من خلفهم وأخذوا مواقعهم وأشروا عليهم وشرعوا يرمونهم بالنبال، وجعل الفرسان يحملون عليهم بالسيوف حتى رجحت كفة الأعداء وكاد يقضي على المسلمين. . .

رأى (أنس بن النضر) ما أصاب المسلمين وكيف أن الله قد أخدهم ببعض ما كسبوا، وذكر العهد الذي قطعه لرسول الله على نفسه، وثارت في نفسه عزة الإسلام وطفرت الدمعة من عينيه حزناً على ما أصاب المسلمين فرفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين)) ثم امتطى صهوة جواده واستل سيفه وشرع رمحه وتقدم نحو صفوف الكفار فاستقبله (سعد بن معاذ) فقال له أنس (يا سعد بن معاذ!. . . واهاً لريح الجنة! إني لأجد ريحها ورب النضر عند هذا الجبل) وألفى أبا بكر وعمر وقد انتحيا جانب الجبل وألقيا بأيديهما فقال: ما يجلسكم!. . . قالوا: قتل رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه) ثم ألقى بنفسه في أنون المعركة واستقبل الموت استقبالا رهيباً لا عهد للناس بمثله وقد وهب روحه (فداء) للإسلام الذي آمن به والرسول الذي اتبعه.

انجلى غبار المعركة وهدا صليل السيوف ورجعت الجيوش أدراجها وبقى من المسلمين من يلم القتلى ويحمل الجرحى. . . وافتقد المسلمون (أنس بن النضر) فلم يجدوه بين الجرحى أو القتلى فاشتد حزنهم عليه وعظم مصابهم به وأيقنوا بأنه قد أصبح أسيراً في يد المشركين يسمونه سوء العذاب وينتقمون منه شر انتقام؛ وبعد قليل جاءت أخته (الربيع) لترى أخاها فألفت المسلمين حيارى لا يعرفون من أمره شيئاً، وأخبروها بأنهم لم يجدوه بين القتلى أو الجرحى، فأنعمت النظر في وجوههم التي مثل بها المشركون فلم تجد بين هذه الوجوه التي شوهها الأعداء ما يدل على أن أخاها منهم، وكادت تقطع بما قطع به القوم لولا أن وقع بصرها عقواً على (بنانه) وكان جميل البنان فعرفته بها وأيقنت أنه (أنس) فأكتب عليه وهي تبكي ووقف المسلمون إزاءه يترحمون عليه ويسألون الله له الجنة.

يقول أنس بن مالك (فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون).

ويقول (كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا).

(المعادي)

عمر الخطيب

(فتى الفيحاء)